معاناة المسيحيين والاقليات الاخرى غير المسلمة كانت كبيرة وهائلة جدا بسبب انعدام الامن والنظام والقانون وسيطرة الميليشيات الاسلامية على زمام الامور في العراق بعد اسقاط النظام السابق عام 2003، حيث بدأ مسلسل الاختطاف والقتل والتدمير ضد المسيحيين بصورة علنية وبشكل مخيف مما ادى الى هجرة الاغلبية المسيحية الى خارج العراق او الى مناطق اخرى داخله اكثر امانا يسيطر عليها الكورد حيث فرص الحياة فيها افضل والامان اوفر، لكن الهجرة الداخلية كانت دائما محطة استراحة وليس مكان دائم للاقامة، للكثير من الذين تركوا بيوتهم وذكريات عمرهم في اماكن ولدوا وترعرعوا فيها، لتأتي بعدها مرحلة اخرى اكثر ايلاما واشد خطورة على المسيحيين ومستقبلهم في بلدهم الاصلي وهي ترك البلد الى الابد للاستقرار في بلدان توفر لهم الامن والاطمئنان وتضمن مستقبل اولادهم.
مذابح المسيحيين والتفنن في تعذيبهم ليس بشيء جديد عليهم في الشرق المتزمت وخصوصا في العراق، لكن هناك فترات هدوء نسبي او بعكسها فترات هياج وثوران ضد كل ما هو مسيحي او يمس المسيحية بصلة وذلك يعتمد على نوعية الحكم والمنهج الذي يعتمده الحاكم في ادارة الدولة، وبعد انهيار الدولة العراقية عام 2003 وما رافق ذلك من فقدان للامن والنظام والقانون اصبح المسيحيين لقمة سائغة تثير لعاب العصابات المسلحة المجرمة وغيرهم من المتشددين الاسلامين على حد سواء، فاصبحت حيواتهم واملاكهم وحتى اعراضهم محللة شرعا وقانونا!، لذلك اضطر هؤلاء المسلوبين للقوة والارادة الى ترك البلد امام ما يتعرضون له من ابادة علنية، وبحسب كافة الاحصائيات والتقارير الرسمية وغير الرسمية فان اكثر من نصف المسيحيين قد غادر العراق بعد 2003، حيث كان يقدر عددهم قبل هذه الاحداث بمليون واكثر اما المتبقين فان عددهم لم يكن ليتجاوز 400 الف نسمة حتى حزيران 2014، وبالرغم من كل ما حدث وظل يحدث معهم من جرائم ومذابح وقتل وتدمير لاماكن عبادتهم، ظل الكثير منهم متمسكين بارضهم ورفضوا الانصياع للواقع المر الذي فرض عليهم من قبل اولاد الجهل والظلام اعداء التمدن والانسانية فبقوا في البلد رغم كل الصعوبات والمعوقات املا في تحسن الوضع يوما ما لقضاء ما بقى من العمر في وطن يجري حبه في عروقهم. لكن بعد سقوط مدينة الموصل بيد داعش وتهجير المسيحيين المتبقين فيها عنوة امام انظار العالم اجمع اضافة الى تجرديهم من كل ممتلكاتهم ( حتى خواتم زفافهم لم تسلم ! ) ومستمسكاتهم الشخصية الثبوتية، وبعد ذلك احتلال بلدات سهل نينوى التي تقطنها الاغلبية المسيحية، وما رافق ذلك من تشرد الالاف العوائل في اقليم كوردستان والسكن في الحدائق والخيم وغيرها من الاماكن التي لا تصلح للسكن الحيواني وليس البشري، اشتدت وتيرة هجرة/تهجير المسيحيين بشكل مخيف، حيث اصبح التشاؤم سيد الموقف وشملت الهجرة هذه المرة حتى المسيحيين الساكنين في اقليم كوردستان ايضا، وهكذا فان المسيحيين في هذه المرة ليسوا مهددين بالانقراض من العراق فقط بل اصبح انقراضهم امرا مؤكدا.
اسباب الهجرة/ التهجير:-
تمتد جذور هجرة/ تهجير المسيحيين من العراق الى بداية القرن العشرين بسبب مذبحة سميل وما سبقها من مذابح ومجازر ضد ابناء هذه الطائفة بسبب انتمائهم الديني، واستمرت هذه الهجرة بصورة مستمرة حتى يومنا هذا بصورة بطئية او بسرعة خيالية كما يحدث في يومنا هذا، والاسباب التي يتفق الجميع على كونها رئيسية في هجرة/تهجير المسيحيين من الشرق عموما والعراق خصوصا هي:-
1- الدافع الديني للمتطرفين الذين يريدون اخلاء العراق من مسيحييه.
2- المذابح والمجازر وغيرها من الضغوطات التي تمارس ضد المسيحيين بشكل علني دون محاسبة، مثل الاختطاف وطلب الفديات الخيالية للافراج عنهم، تدمير كنائسهم، واباحة حيواتهم واملاكهم شرعا وقانونا.
3- عدم امتلاكهم لميليشيا مسلحة تحميهم وتدافع عنهم في اوقات الضرورة، في بلد مثل العراق يحكمه قانون الغاب.
ربما تكون هذه الاسباب الرئيسية التي ادت وتؤدي الى تهجير/هجرة المسيحيين بهذه الكثافة، لكن هناك اسباب اخرى لا تقل اهميتها عن الاسباب التي تم ذكرها سلفا لكن يتغاضى عنها مسؤولينا الكرام وقادة احزابنا القومية! ورجال ديننا المحترمين، وذلك خوفا على مصالحهم الشخصية ومستقبلهم السياسي المتعفن اصلا، فالانانية في التعامل مع قضايانا المصيرية وتغليب المصلحة الشخصية على المصلحة العامة ومعاداة الاخر ( الذي هو اخ في الدين والقومية ) بكافة الطرق اللاشريفة واللاشرعية، ومبدأ الـ ( الانا ) الذي طغى على كل الافكار والغى كافة الاحتمالات لتوحيد الكلمة والجهود، كانت اسباب اضافية مهمة جعلتنا نراوح اماكننا دائما ونبقى تحت الاقدام ابدا وابدا.
احزابنا القومية والمصالح الشخصية:
لا احب ان ادخل في جدال عقيم مع المتعصبين القوميين والحزبيين والعائشين على فتات الاسياد وغيرهم من الذيول مهما كان نوعهم وانتمائهم وطريقة اقتناصهم للفرص للاستحواذ على المزيد من السحت الحرام، لاننا لن نتفق ابدا، لكن الواقع المزري الذي يعيشه شعبنا يؤكد ويثبت لنا باننا شعب بلا احزاب قومية وبلا شخصيات سياسية ( احترامي الكبير للمخلصين الذين اعتزلوا العمل القومي والسياسي لاسباب معلومة، وهم قلة نادرة طبعا ) وبلا مخلصين وبلا قوميين وبلا قادة وبلا.......، لان اغلب الحزبيين والقوميين والدينيين والمخلصين ليسوا سوى تجار يتسلقون المناصب باسمنا ويملؤن جيوبهم من معاناتنا.
منظماتنا ومؤسساتنا القومية:
شعبنا يمتلك الكثير من المؤسسات والمنظمات المنتشرة في ربوع الوطن وكذلك خارجه، والكل يعرف ان هذه المؤسسات بحاجة الى التمويل المادي للديمومة والاستمرار في العمل، سواء كان التمويل من الحكومة او من الاحزاب التي تتبعها هذه الهيئات او كان التمويل من الاغنياء الذين يتبرعون للاعمال الخيرية، لكن المحير في الامر والمشكوك فيه والمؤسف عليه ان اغلب هذه المؤسسات والمنظمات هي الاخرى ليست سوى مكاتب تجارية ينتفع منها بضعة اشخاص فقط!!!، فلا اثر لعملها ونشاطاتها الخيرية والانسانية والحقوقية والمدنية سوى اليافطة المعلقة على بيت مؤسسها ( هذا اذا كان هناك يافطة طبعا!! )، وما يأتي من موارد يصبح من الارث الابوي للقائد المؤسس او من المدخول الشخصي يتصرف به على اهوائه دون محاسبة او ضمير او وازع اخلاقي وليذهب شعبنا بفقرائه ومعدوميه وايتامه ومشرديه الى الف جحيم.
مثقفي شعبنا وكتابه والتناحر الابدي:
في بلد مثل العراق حتى يصبح المثقف او الكاتب مشهورا او مقدرا فيجب ان يكون منتميا، والا سيكون التهميش من نصيبه لانه لا وجود لمؤسسة اعلامية حرة بنسبة مطلقة حتى يعبر عن ارائه وافكاره بالحرية التي يريدها، وبذلك لن يكون امام المثقف او الكاتب من خيار الا الانتماء، وهذا حق طبيعي لكل فرد لينتمي الى الجهة التي تتبنى افكار يعتقد بانها مقاربة لافكاره، وكشعب نعيش في العراق فمن المؤكد باننا سنتأثر باجوائه الثقافية والسياسية والاجتماعية، ولما كانت التربية السياسية والاخلاقية والوطنية في العراق تضع الـ ( الانا ) في قمة الاولويات فان المثقف التابع سيصبح دون ارادة منه بوقا لسيده الذي سيدفع له ويعطيه المكانة التي يحلم بها ليحقق اهدافا شخصية بعيدة كل البعد عن الافكار والمبادىء التي يؤمن بها ويروج لها، حيث يراوغ بالكلمات والمباديء ويضحك بها على ذقون البسطاء والسذج في سبيل حفنة من المال او المنصب الزائل او ارضاءا للقائد الاوحد الذي هو مثاله الاعلى!، وهذا ديدن الاغلبية من كتابنا المحترمين مع الاسف، وبهذا تموت الثقافة ويصبح التناحر بين المختلفين سياسيا وفكريا هدف كل كاتب منتمي لارضاء اسياد نعمه، هكذا ماتت الثقافة عندنا كشعب واصبح اغلبية المثقفين تابعين لهذا او ذاك يتلونون حسب المواسم والاعياد لكسب المزيد ولبس القاط والرباط!!، لذلك اصبحت مأساة شعبنا ومعاناته وقضيته امرا منسيا لا يكترث لها احد، فبدلا من الكتابة عن مآسي شعبنا كنا ولا زلنا مشغولين بتخوين بعضنا لبعض وتحقير المقابل وعدم التعاون معه حتى لو كان هو الصائب، اضافة الى تمجيد حماقات الاسياد وتجميل قباحاتهم والدفاع المميت عن اخطائهم، فالف مبروك على شعبنا كتابه ومثقفيه ومؤسساته الاعلامية التي اصبحت عبئا اضافيا على شعبنا يحني ظهره اكثر ويعظم اذلاله اكثر واكثر.
نوابنا المحترمين ومزايداتهم البهلوانية:
تعودنا كشعب ( مسيحيين ) ان نسمع من نوابنا وبعض مسؤولينا الكرام بين فترة واخرى تصريحات نارية او خطب رنانة او مواقف، اقل ما يقال عنها، احتيالية يكون الهدف منها تعظيم الذات وكسب ود الشعب واحترامه، لان كل ما قام به سواء نوابنا او قادة احزابنا او مسؤولينا او وجهائنا او..... لم يكن سوى تجارة غير مشروعة باسمنا ومعاناتنا وقضيتنا ومستقبلنا في سبيل تحقيق اهداف شخصية، فالتصريحات النارية والتكلم عن شعب لم يبقى منه سوى الاسم لم تعد تنفع!!، والخطب الرنانة التي تطرب الاذان لم تعد تنفع لان البطون خاوية والناس مشردة وتتوسد الارصفة والمزابل، والحديث عن الدعم المادي لبناء البيوت للنازحين فكرة خيالية في بلد مثل العراق والنواب ادرى منا بذلك!!، فهذه الوسائل اصبحت قديمة يا استاذة الخداع، فلو كنتم تمثلون شعبنا وتهمكم مصلحته حقيقة كان بوسعكم فعل الكثير بافعالكم دون ان تطيروا بالونات مملئوة بالريح الفاسدة، فبدلا من كل هذه المزايدات كان يمكن لنوابنا ومسؤولينا وقادة احزابنا المحترمين ان يزوروا المخيمات والحدائق والصحارى وغيرها من الاماكن التي تشرد فيها شعبنا لمعاينة ظروفهم المعيشية ومواساتهم قليلا لبعث الامل في نفوسهم المنهارة، كان يمكن لهم ان يتبرعوا بجزء يسير من رواتبهم وامتيازاتهم ومخصصاتهم الخيالية لشراء بعض الجوارب والالبسة الشتوية ( مطاليب بسيطة لكن !! ) للاطفال الحفاة والعجائز الذي يفترشون العراء، وبذلك كانوا سيؤكدون لنفسهم ولشعبهم بانهم اهل للثقة التي اعطيت لهم وانهم يستحقون بالفعل المنصب الذي انيط بهم، لكن ان تتاجروا بالكلمات والمواقف فهو العار بعينه يا اولاد ......
فقدان الثقة بالمستقبل:
الاسباب الخارجية التي تفقد شعبنا لثقته بالحاضر والمستقبل كثيرة وهي معروفة وتطرقنا الى البعض منا في بداية مقالنا ولسنا بحاجة الى تكرارها، اما الاسباب الداخلية فهي ايضا كثيرة وهي الاهم، حسب اعتقادي الشخصي، والتي يمكن تلخيصها بالاتي:-
1- افتقاد شعبنا لخطاب سياسي موحد يقوي مركزنا تجاه حكومة المركز والاقليم لتلبية مطاليبنا القومية.
2- استشراء الفساد بين شعبنا بشكل عام دون استثناء، فاللجان والمنظمات والهيئات والمؤسسات والاحزاب..... اصبحت كلها مكاتب سمسرة يستفاد منها بضعة اشخاص على حساب العامة.
3- التناحر والتصارع على المناصب وامتيازاتها اصبحت في القمة، وهكذا ماتت القضية.
4- الاخلاص والوفاء لقضيتنا ومستقبلنا اصبح من النوادر، لان المصلحة الشخصية طغت على كل المصالح الاخرى.
5- تكريس قضية شعبنا لتحقيق مآرب ومصالح شخصية بعيدة عن الهم القومي، وهكذا اصبحت قضيتنا شخصية بدلا من ان تكون قضية قومية.
كيف نضمن مستقبلنا:-
اذا كانت الصورة قاتمة وغير مفهومة المعنى والقصد قبل سنوات قليلة سابقا فانها اليوم واضحة وضوح الشمس، فانقراض المسيحيين من العراق وفنائهم اصبح قاب قوسين او ادنى ( بالرغم من ان عملية تهجيرهم القسرية كانت قد بدأت فعليا قبل سنوات الا ان بعض نوابنا وسادتنا الكرام كانوا يسكتون ويتسترون عليها ارضاءا لاسياد نعمهم لتمشية امورهم الاقتصادية والتنعم بمنصبهم الكارتوني!! )، ولا اظن ومعي الكثيرين ان يكون هناك حل عادل وعاجل لقضية شعبنا لان حلها اصبح مستعصيا او بالاحرى مستحيلا، خصوصا في الوقت الراهن، لكن يمكن تخفيف المعاناة ومساعدة شعبنا على النهوض ثانية وذلك لا يكون بالتصريحات النارية ولا بالخطب الرنانة ولا بتخوين المقابل الذي يعتبر اخا في خندق المواجهة، ولا بمزيد من الاحزاب الكارتونية او الشخصيات الهزلية ولا باتحادات حزبية اعلامية موسمية فقاعية! ولا ...... الحل حسب رأيي واعتقادي الشخصي يكمن في القليل من الاخلاص والوفاء للقضية التي يدعي نوابنا وقادة احزابنا وسياسيينا انهم يتبنونها ويدافعون عنها، لان ذلك سيؤدي طبعا الى زرع الثقة في النفوس والتقين من ان هناك من يحمل قضيتنا صدقا ولا يعتبرها ماركة تجارية لكسب المزيد من السحت الحرام على حساب قوت الفقراء والمشردين والمظلومين من ابناء شعبنا.
كوهر يوحنان عوديش
gawher75@yahoo.com