2014 / 12 / 12
وصف تيم سباستيان، كبير مراسلي الإذاعة البريطانية (بي بي سي) سابقا، حرية الصحافة في المنطقة العربية بالجثة التي تحتضر، داعيا الصحافيين الى اتخاذ قرارهم: هل هم مستعدون للتنازل عن الحقيقة من اجل ضمان رواتبهم نهاية كل شهر، منبها الى ان الصحافة وصلت إلى نقطة حرجة "إذا تراجعت شعلة التعبير الحر اكثر فستمر أجيال عديدة قبل أن تسمع الأصوات المستقلة مجددا وقبل أن تحاسب الحكومات على سياساتها".
وقال سباستيان فى كلمته أمام المؤتمر الاستقصاء العربي، ان الأولوية الوحيدة والمهمة التى يشترك بها الطغاة والديكتاتوريون في أي جزء من العالم وفي أي حقبة هي إسكات صوت الحرية والأصوات المستقلة لجميع الناس؛ لأن هذا الصوت هو ما يهددهم فى المقام الأول، ولأنه السلاح الأقوى الذى يمتلكه الشعب.
واضاف بأن الصحفيين يكونون مجرمين بالنسبة للسلطة، بسبب كتابتهم مقالات وتقارير لا تلائم السلطة أو من يجلس على كراسي الحكم.
وضرب تيم نماذج للتضييق على الصحفيين فى الدول العربية، قائلا: في العام الماضي اتهمت النيابة العامة فى المغرب رئيس تحرير صحيفة بتهمة التشهير بموظف حكومي لأنه نشر خبرا عن شربه "شامبانيا" على حساب دافعي الضرائب، مع أن لدى الصحفي فاتورة تثبت صحة كلامه.
وفي تونس، واجه أستاذ جامعي، ومدون، الاتهام نفسه لانتقاده مصاريف وزراء سابقين.
وفي الأردن اتهم ناشر ورئيس تحرير موقع جفرا الإخباري بالتهمة نفسها وأُوقفا 100 يوم بقرار من محكمة أمن الدولة قبل أن يطلق سراحهما، واليوم ينتظران المحاكمة أمام محاكم مدنية، حسب قانون المطبوعات والنشر. تم ذلك رغم وعد قطعه الملك شخصيا قبل نحو ست سنوات، تحديدا فى نوفمبر 2008، بأنه لن يتم حبس أي صحفي فى الأردن، وقال آنذاك: "احتجاز الصحفيين محظور، لا أرى سببا لاحتجاز صحفيين لأنهم كتبوا شيئا أو عبروا عن وجهة نظر".
وأوضح سباستيان: إذن يبدو أن الحقيقة فى هذه المنطقة لا تجعلكم أحرارا. وتابع بأن السؤال الأكثر شيوعا الآن في الشرق الأوسط هو: كيف يستطيع الصحفي القيام بعمل مهني ومحترف عندما يكون هناك رقابة صارمة فى الدولة؟ وبكلمات أخرى: كيف يمكن أن يقول الصحفي الحقيقة ويبقى بعيدا عن السجن؟
ويحذر سباستيان من مستقبل مظلم للصحافة في المنطقة "وصلت الصحافة هنا إلى نقطة حرجة، وإذا استمرت شعلة التعبير الحر في التناقص في هذه المنطقة، فستمر أجيال عديدة قبل أن يروا هذه الشعلة مرة أخرى.. وقبل أن تسمع الأصوات المستقلة مجددا في وسائل الإعلام العربية، وقبل أن تحاسب الحكومات على سياساتها".
ويتابع تيم: أتذكر دوما محادثة جرت مع صحفية تونسية بعد أن أجبر بن علي على التنحي والخروج من البلاد مطلع 2011، قالت لي بحزن: "جميعنا تكيفنا مع النظام السابق، جميعنا أراد الحصول على المال كل شهر، لنرسل أطفالنا إلى مدارس أفضل، ونحتفظ بوظائفنا"، ثم نظرت مباشرة إلى عيني وهمست: "بالتالي ليس لأحدنا أي شيء ليفخر به".
سأضيف فقط إلى ما قالته تلك الصحفية: "القرارات التي تأخذها، حول طبيعة ونوعية الصحفي الذي تريد أن تصبح عليه، ونوعية الصحافة التي تريدها أن تنتشر ستكون القرارات التي سيتعايش معها أطفالك وأحفادك وأحفاد أطفالك من بعدك، لذلك أحث الجميع على التفكير بحرص شديد في الكيفية التي تنوون بها القيام بهذه المهمة الحيوية، ما هي الأمور التي تقبل أن تفعلها وما لا تقبل؟".
وانتقد سباستيان الحريات الصحفية في مصر وما آلت اليه الثورة هناك: "منذ وقت ليس ببعيد نقل أحد زملائي عن صحفي مصري بارز قوله: "لن أقوم بزعزعة القارب من خلال انتقادي للرئيس السيسي، إنه القارب الوحيد الذي نملكه، لن أكتب عن الأخطاء أو المشاكل، السيسي يحتاج إلى دعمنا بالكامل".
وأضاف: "أستطيع أن أفهم وجهة النظر تلك، ولكن إذا كان هذا حقا ما تؤمن به، سأوصيك أن تنضم إلى الحكومة، وأن تكتب لهم بياناتهم الصحفية، وبذلك تزيل كل الشكوك حيال الجهة التي تعمل عندها".
وتابع "لأكون واضحا أكثر ليس هناك أى خطأ في القيام بتلك الخطوة، فالحكومات تضم العديد من الأشخاص الموهوبين ممن يعملون لديها بتفانٍ لخدمة ما يعتقدون أنه المصلحة العامة، هؤلاء يريدون إبقاء الأمور هادئة ومستقرة، دون إغضاب العامة، بالنسبة لي، وببساطة من لا يقوم بهز المركب فهو لا يقوم بمهمته، إنه مثل الجراح الذى يرفض إجراء عملية".
وزاد "في هذه الحالة لديك الأسم الوظيفي، ولكنك لن تقوم بالعمل، وبناء على ذلك اسأل ما هي فائدتك لمجتمعك ولمهنتك؟".
واشار سباستيان الى البيان الذي اصدره صحافيون مصريون، بمن فيهم رؤساء تحرير صحف حكومية، مثل الأهرام والمصري اليوم والشروق، دعما للحكومة في أكتوبر 2014 "قرر 17 رئيس تحرير العمل بالإنابة عن الحكومة؛ ما فعلوه في الواقع أنهم قدموا عرضا رسميا سخيا أو شيكا على بياض للحكومة، وبذلك حققوا المثل القائل: "لا أرى شرا، لا أسمع شرا، لا أتكلم شرا"، معلنين الثقة الكاملة بمؤسسات الدولة مع الدعم لأي تدابير تتخذها الحكومة في مواجهة الإرهاب، ويالها من هدية للحكومة، قالوا: "نؤكد التزامنا بحرية التعبير، ولكن نكرر رفضنا لمحاولات التشكيك في مؤسسات الدولة كافة، أو في التطاول على الجيش أو الشرطة او على القضاء، بما ينعكس سلبا على أداء هذه المؤسسات".
واستطرد "بعبارة أخرى قالوا للعامة: "لا تنتظروا منا أي انتقاد بناء لسياسة الدولة، أو تمحيص وتدقيق لأي من القرارات القضائية أو الحكومية، أو قرارات الشرطة، أو الأجهزة الأمنية، فجميعهم يعملون بكفاءة، ولن نقترب منهم".
"رأيي هنا لا يهم.. الأهم من ذلك ما يعتقده أكثر من 600 صحفي مصري تحرك بسرعة ليوقعوا على بيان أدانوا فيه خطوة رؤساء التحرير، بأشد العبارات المتاحة، واصفين تلك الخطوة بـ"انتكاسة لحرية الإعلام"، وقتل متعمد للمهنة، وإهدار لكرامة كل صحفي مصري. وأضافوا: "رؤساء التحرير تخلوا طوعا عن حرية الرأي والتعبير، وقدموها للسلطة التي مازالت تلحق الضرر بالحريات وتحاكم الصحفيين".
وخلص كبير المراسلين السابق في "بي. بي. سي" الى القول "ردة الفعل هذه من 600 صحفي مصري وقولهم للسلطات كفى، لا يعني أن المعركة بدأت الآن بشكل جدي، لكنها تعني أن العديد من الصحفيين لن يستسلموا بسرعة دون قتال حالهم حال السلطات".
المصدر : سامان نوح