تطوّر الحياة في بغديدا
كريم إينا
لو ألقينا نظرة سريعة حول كيفية تطوّر شعوب العالم لصعقتنا صدمة علمية تبعد آلاف السنين عنّا. وسأضربُ مثالاً بسيطاً على الولايات المتحدّة الأمريكية بإعتبارها من الدول المتقدّمة ولا يخفي تطوّرها في ركب الأمم من النواحي السياسية- العلمية- الدينية والإدارية. تكوّنت أميركا من خليط غير متجانس لأجناس متنوّعة نزحت من دول آسيوية وأوربية....إلخ. وعن طريق البحث والتقصّي والإستكشاف سيطرت هذه الشعوب الدخيلة (الجنس الأبيض) على الشعوب الأصلية (الهنود الحمر) وعن طريق نقل المعرفة من منطقة إلى أخرى ودعماً للإرث الحضاري والعزم للحصول على حضارة مجهولة تحظى بها عند حضارات العالم سواء كانت من بلاد ما بين النهرين أو من بلاد وادي النيل أو الصين والهند أو اليمن....إلخ. بدأت قاعدتها تستند على الركيزة الأساسية المسمّاة بـ (الإرث الحضاري) بدأت تتطوّر بمرور الزمن خاصة من الناحيتين الإقتصادية والإجتماعية اللتين هما صنوان في تقدّم البشرية. بدأت هذه الدول تفقدُ إنسانيتها بعد أن أصبحت قوية (مستمكنة) على الدول الصغيرة (النامية) أو بلدان العالم الثالث (الضعيفة). ومتى ما شاءت فإنّها ستتحكّم بموارد هذه الدول أو تجعلها كمنزل الأقنان أو ثمّة قاعدة عسكرية لها عندما تقتضي الحاجة لذلك أو بمثابة الضرورة القصوى لها. ومن خلال ما تقدّم أودّ أن أذكرُ شيئاً واحداً وأركّز عليه ألا وهو كيفية تطوّر بغديدا وهل هي حالياً متطوّرة؟. أنا برأيي لحدّ الآن هي ما زالت تُراوحُ في مكانها وبمعنىً آخر ما زالت في سلّم التطوّر حيث لم تصل إلى تلك المرحلة التي تستند إلى عمود التقدّم رُغم توفّر الثقافة الإبداعية فيها والسبب يرجعُ إلى العامل الإجتماعي. حيث العلاقات الإجتماعية لا زالت بدائية متخلّفة لا تحترم رأي الآخر ولا تتفاعل مع الإنسانية. وحتى كيفية ممارسة حرّية الرأي وضمان الحقوق. وثمّة سبب آخر هو طغيان المال في مفهوم الحياة حيثُ أصبحَ الكل يتراكضُ وراءَ لقمة العيش.فمتى ما نُثرت الدراهم يكونُ هُناكَ الرقص على إيقاع صوتُ الطبول والدفوف ويتخلّلها هلهلة النساء المستمرّة لتأكيد تلك الظاهرة. ورُغمَ وجود أيد ٍ عاملة كبيرة في المنطقة تظهرُ هناكَ بطالة مقنّعة واسعة. والسبب يرجع إلى عدم وجود مشاريع صناعية كي يتسنّى لهؤلاء ممارسة مهنهم من أجل التطوّر. ورُغم هذا وذاك فقد حلّ في خلدهم العيش في ظل ضبابية الغربة والإعتماد على (الخارج) بالعكف على إرسال أبنائهم للعمل هناك وكأنّها سماء مفتوحة تنهالُ منها الدولارات على الجميع. والخلل يكمنُ هنا في عدم توفّر الإكتفاء الذاتي علماً بأنّ في السابق كانت الحياة أحسن رغم بساطتها وقلّة تعقيدها. الناس إعتمدوا على الزراعة والرعي والتجارة ولكن في الوقت الحاضر كثُرَ الموظّفونَ والعاملون في المؤسسات الحكومية أكثر ممّا كان في السابق. وأبان العهد البائد كان النظام الحاكم يوزّع سيارات على الفلاحين ممّا أدّى إلى جعل الفلاح سائق سيارة وليسَ سائقاً لأرضه حسبَ المعنى المهني أو أنّ السيارة قد أنست الفلاح كيفية كرب أرضه أو (فلاحتها). وعند ذاك تم قتل إستقلالية الفلاح وضمور مهنته وبالتالي إنعكاسها على الجميع وخاصة مصدر رزق الفلاّح من الأرض (الطعام والشراب). هذا بالإضافة إلى زرع بذور التفرقة بين صفوف أبناء شعبنا وحال الموظّف هو نفس حال الفلاح بدليل إذا كان موظّفاً يشغلُ موقعاً في الدولة فتراهُ يكونُ كعامل ما لا إستقلالية لديه. وإذا ما تطرّقنا إلى مسألة الأحزاب نرى بأنّها كانت موجودة في السابق في المنطقة مثل:( الحزب الشيوعي- وحزب البعث) والمسألة لم تكن جديدة علينا حيث كان هناكَ حزب واحد هو المسيطر والمنفّذ في إصدار القرارات لحياتنا اليومية. أمّا الآن فنرى تعدديّة الأحزاب ممّا عملت على خلق إنفتاح كبير لدخول أفكار وقيم وممارسات تعمل على توازن الوضع في المنطقة. وديدنها الوحيد هو عدم السماح بوجود فكر واحد يسيطرُ على عقلية الناس. وإنّما تعدّدَ الأحزاب تلكَ حالة صحيّة وصحيحة لخدمة المنطقة. ومثال على ذلك: مثلما هو موجود في الأسر سواء كانت الأسرة كبيرة أو صغيرة. أي في الأسرة يوجدُ الأب والأم والأولاد (الولد- والبنت). ولكلّ واحد ٍ منهم فكرٌ معيّن يختلفُ عن الآخر ورغم ذلك نراهم يجتمعونَ تحتَ لواء أو سقف واحد هو خيمة الأسرة. وعندما تحدثُ إستقلالية في حياتهم يكونونَ موحّدين. ونتيجة وحدتهم ستجعلهم مؤهّلينَ لصنع قرار أو خطاب سياسي واحد. وإذا ثبُتَ العكس أي لم يكونوا مستقلّين فسوف يكونون تابعينَ لحزب ما وبالتالي ستكون الطامة الكبرى لتجزئة شعبنا الكلداني السرياني الآشوري وتفريقه ِ ومن ثمّ السيطرة عليه وإبعادهُ عن مهامه ِ القومية والدينية والإجتماعية. فسيصبحُ حينَ ذاك متخلّفاً. أمّا الجهة التي تكونُ مسيطرة عليه ستتطوّر ويقوى ساعدها على حساب شعبنا في المنطقة وهذا ما لا تُحمدُ عقباهُ.