السلطة الكنسية
الاسقف، رعاية بأبوّة ومحبة
الله هو الخادم الاعظملقد اختار الله ومنذ الازل ان يكون في وجوده من أجل الآخر. أنه إرادة وحركة حبّ عميقة غايتها أن يكون الآخر بشكل مستقل، وما تجسد ابن الله الحي إلا تحقيقاً لرغبة الله العميقة هذه: أن يكون مع ومن أجل الانسان، وقد كشف عن هذا بفعل تخلي وتجرد عميقين: "أخلى ذاته أخذاً صورة العبد وصائراً في شبه انسان، لكي يفتدي كل أنسان" (فيليبي 2/ 6-7). يتخلى الله عن سلطانه من أجل الانسان ويعطيه مثالاً عن الحبّ والبذل والعطاء: "ابن الانسان لم يأتي ليُخدم بل أن يخدم ويبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مرقس 10/ 45). الحياة الحقيقية هي بذل وعطاء، ومن هنا فأن السلطة في جوهرها خدمة للانسان، لا تسلطاً واستبداداً. وفي نظام الجماعة المسيحية التي أسسها يسوع، الكبير هو ذاك الذي يخدم وليس الذي يتسلط: "رؤساء الأمم يسودونها وعظماءها يستلطون عليها، أما أنتم فلا يكن هكذا بينكم. فمن أراد أن يكون فيكم كبيراً فليكن لكم خادما، ومن أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم عبداً" (متى 20/ 24-27). فالسلطة في المسيحية هي في خدمة الآخرين وخاصة الصغار والضعفاء منهم. الخدمة بذل وعطاء مستمر من أجل ان يكون الآخر ويحيا حياته بفرح ومحبة.
انتقد يسوع موقف الفريسيين الديني بموجة من الانتقادات التي عند قرأتها تعيدنا الى ذاتنا وتحثنا على الانتباه الى طريقة حياتنا التي قد تكون مضطهدة وضاغطة لحياة الآخرين! فقد يكون تطبيق القانون مهم بحد ذاته ولكنه، يمكن أن يكون مجحفاً ولا إنسانياً وأنانياً ولا غاية أخرى له إلا مجد الانسان الباطل (متى 23). لقد علّم المسيح تلاميذه درساً بقى خالداً في ذهنهم وايمانهم عندما قام في ليلة العشاء الأخير ليغسل أرجلهم وبهذا أعطاهم مثالاً حيّاً في الخدمة والتواضع وتصغير الذات: "إذا كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم، فكم بالأحرى أن تغسلوا أرجل بعضكم بعضاً" (يوحنا 13/ 13-15). فكلمات يسوع هذه ليست مجرد كلمات فارغة بل تجسيد حيّ لجوهر رسالته الخلاصية: الخلاص في الموت على الصليب، ومنه يمكن التلميذ أن يستمد كلّ قوته وحيوية رسالته. لسنا فوق الناس، أننا بكليتنا من أجلهم؛ ولسنا من أجل أن نتسلط عليهم بل أن نخدمهم بمحبة لا متناهية وعطف وحنان. لقد غيّرنا يسوع الناس بمثال انسانيته، مثال البذل والعطاء والخدمة.
أبوّة السلطة ليس المفهوم الابوي للسلطة والرئاسة في الكنيسة جديدا أو غريباً، بل يرتبط بالتكوين الاجتماعي عينه، ومعطياته الكتابية والكنسية عبر الاجيال بادية بوضوح، وننبه منذ البداية ان المقصود هنا غير النزعة القبلية العشائرية ولا الابوية المتطرفة (Paternalism). انما ما يرد في الكتاب المقدس، سواء عن أبوّة الله، كما عن أبوّة الاباء (البطاركة...)، وكذلك عن الابوة والامومة في العائلة (رسالة الوالدين) (أنظر آباء وأب، معجم اللاهوت الكتابي، دار المشرق، بيروت 1986، ص 19-24).
وتزخر الاشارات الى الابوة في اصالة التقليد، فالاساقفة في كل الازمنة والامكنة هم آباء، والمشاركون في المجامع هم أساقفة بنوع متميز (لا سيما آباء مجمع نيقية) المنعقد عام 325، فهم الاباء الثلاثمئة والثمانية عشر. لماذا؟ ان الاسقف أب لجميع مؤمني أبرشيته. تختاره كنيسته، باكليروسها ومؤمنيها العلمانيين أيضا، ليكون أبا حقيقياً. كيف؟ لانه اختيار الهي بنعمة الله وفعل تدبيره، وبصفة روحية لفضل المشاركة في سرّ الكنيسة. ويأتي اختيار الاسقف بحرية وفعل ايمان، وعن محبة هدفها الخير العام (سر الخلاص)، فيكون الاسقف أبا، وراعيا، ومرشداً لرعيته، يعاونه كهنة وشمامسة (الاكليروس) ورسل غيارى.
الرسل القديسيون هم آباؤنا الحقيقيون. وبفضل التقليد الرسولي العريق، يغدو كل شيء في كنيسة المسيح منسجما مع حقيقة الايمان والواقع، لان الرسل جماعة. وهذا ما يجعل من الابوة، في كنيسة المسيح جماعية، لا فردية، والسبب؟ لان الاب الحق واحد، هو الله، والجميع ابناؤه.
نحو نموذج جديد من أهم وثائق المجمع الفاتيكاني الثاني الدستور العقائدي في الكنيسة نور الامم (Lumen Gentium). في هذه الوثيقة، لم يتردّد المجمع من استعادة مفهوم الكنيسة كسرّ. ليست الكنيسة مؤسسة ومنظمة، وليست ديانة شريعانية، أو قاعدة فرائض وصمام أخلاقي، بل أكثر من ذلك! الكنيسة كائن حيّ، تولد بالعماد، وتتغذى بالقربان، وتنمو وتتوحد بالحبّ. أنها شعب، رأسه المسيح، والمسيح قدوس، بينما في الكنيسة جماعة خطأة، وعليها ان تطهّرهم بالدم الزكي، فتبعث النقاء في الارض كلها، وتعمق الاخاء والتضامن، فهي رسالتها (رقم 13).
ومن هنا فأن الاسقف، كذلك الذي وكلت إليه مهمة رعاية القطيع، انما جاء ليَخدُم لا ليُخدَم (متى 20/28؛ مر 10/45)، ويبذل نفسه عن نعاجه (لا أن يهرب ويترك قطيعه). وعلى الاسقف، الذي أُخذ من بين الناس وهو متلبس بالضعف، أن يكون حليماً تُجاه أهل الجهل والضالين (عب 5/ 1-2) ولا يستنكفن من الاصغاء الى مرؤوسيه، محوطّاً إياهم كأبناء حقيقين، ومحرضّاً إياهم على العمل معه بابتهاج (رقم 27). ومن هنا فأن سلطته هي عناية وليست قوة، عليه أن يرعى ويُشرف ويعلم ويقدس بالصلاة والوعظ وباعمال المحبة، فهو المديون للجميع وليس العكس (روم 1/ 14-15).
الاسقف هو أب، وإذا فقد الرحمة والحب في تعاملاته، فأنه سوف يفقد جوهر دعوته ورسالته. السلطة لا تكون بالاستئثار، بل بالبحث عن خير النفوس. ليس الاسقف حارساً للقانون الكنسي. القانون ليس غاية بحدّ ذاته، بل أداة يستتب من خلالها الخير العام للنفوس في الكنيسة. ففي بعض الحالات يمكن للأسقف أن يعفي من القانون الكنسي العام، المؤمنين الذين تجري عليهم سلطته شرعاً، إذا كان يرى في ذلك خير النفوس وبنائها في المسيح (مهمة الاساقفة الراعوية في الكنيسة، رقم 8، ب).
لا مجال لأثبات الذات في الخدمة. فلنحب القطيع المعهودة خدمته لنا من قبل الكنيسة الأم ولنرعاه بأبوّة وحنو لا متناهي. أنها صفة الله الآب، ونحن أبناء الآب.