أزياؤنا هويتنا البصرية المنتمية (*)
إدمون لاسو يتضمن هذا الكتاب ليس المقالات التي تتناول الوصف الخارجي للملابس الاشورية القديمة، وامتداداتها السورثية المعاصرة فحسب، وانما الكتابات التي تتناول خاصة فلسفة تلك الازياء، وتجلياتها الفكرية والجمالية ((aesthetic.
فهذا الكتاب على صغره له قيمته الفكرية الكبيرة، فهو كتلك العدسة المحدبة التي تجمع شتات الاشعة المبعثرة في بؤرتها المركزية اللاّمة.
والازياء كما هم معروف من العلامات البصرية الفارقة لدى الشعوب، الى جانب اللغة كعلامة ذهنية ونطقية متميزة ، والميراث الثقافي كعلامة ثقافية مخزونة ومتوارثة .
والملاحظ في ازياء نسائنا (السورثيات) محافظتها على اصالتها التاريخية، بحكم وضع المرأة الاجتماعي والوظيفي، وانزوائها البيتي، بعكس ازياء رجالنا (السوارثة) المتأثرة بمحيطها، بحكم خروج الرجل واشتغاله، واحتكاكه بوسطه الخارجي المنافس له، والطارد لوجوده القومي الاصيل في مختلف مراحله التاريخية المتعاقبة، باستثناء ازيائنا الاثورية، اذ حافظت على اصالتها بين النساء والرجال على حد سواء بحكم انزوائهم في الجبال ومحافطتهم على تقاليدهم العريقة على مر القرون وخاصة ملابسهم الاحتفالية الزاهية المعروفة بأسم ( خومالا ).
وحول الارتباط بين ازيائنا القديمة والحديثة يقول الجادر والعزاوي في كتابهما
الملابس والحلي عند الاشوريين )) : ان ميل الاشوريين الى الالوان القوية والعميقة، والى استخدام عدة الوان مما لم يفقد منحوتاتهم الانسجام المطلوب تحقيقه مع قوة خطوط الجسم وتقاطيع وجوه ملوكهم، المتميزه بصرامتها وقوتها.... ونجد عناصر هذا الميل بارزة حتى اليوم. فما نجده اليوم مثلا عند سكان مناطق شمال العراق من ميل خاص للملابس المزركشة والملونة بالالوان البراقة العميقة ليس الا مثلا لذلك )) ص7 .
ويقول يوسف هرمز جمو في كتابه
اثار نينوى او تاريخ تلكيف )بغداد ، 1937 ): (( ان منشأ الشروال او ( البنطلون ) الاوربي هو الشروال الذي استعمله اهل تلكيف منذ آلاف السنين، ويستعمله كذلك اهل الجبل، الاكراد والاثوريون واهل القوش وغيرهم . فكانت ملابس الرجل عند اهل تلكيف عبارة عن ثياب داخلية تتألف من قميص يشبه كتونة الاثوريين القدماء، وشروال داخلي ، وهما من الكتان، ويلبس الرجل فوق هذه ( شالية ) وهي على هيئة القباء الروماني، وتكون من الصوف الابيض)). وما يخص الزي النسائي في تلكيف يضيف جمو قائلا : (( ان المرأة المتزوجة تمتاز عن العذراء بوضع (قبع) على رأسها من يوم الزواج ، وهذا القبع عبارة عن ( طاقية ) صُفت على حواشيها قطع ذهبية فوق الجبين من ذات الدينار او اكبر ، وتشد المرأة مقرمة، او مناديل حريرية فوق تلك الطاقية . واصل القبع تاج كانت ملكات اثور يلبسنه في القديم )) ص 34 و 36 .

وبسبب ذلك الارتباط بين قديمنا وحديثنا اخترت عنوان
( الاشورية السورثية ) لايماني العميق بتلك الحقيقة التاريخية التي اشرنا اليها والتي تقول ، باننا نحن السوارثة ( اصحاب السورث) بكل انتمائاتنا الكنسية والطائفية، وريثي تلك الحضارة الاشورية العريقة الزاهية التي رغم سقوط كيانها السياسي بشكل مهول عام ( 612 ق . م . ) الا انها استمرت في وهجها الحضاري وعطائها الانساني حتى يومنا هذا.
يقول المورخ الانكليزي هاري ساكز في كتابه
قوة اشور ترجمة د . عامر سليمان ( بغداد 1999 ): (( فتدمير الامبراطورية الاشورية لم يمحُ سكانها، فقد كانوا غالبا من صغار الفلاحين، وطالما ضمت بلاد اشور احسن الاراضي لزراعة الحنطة في الشرق الادنى، فان احفاد الفلاحين الاشوريين قد يبنون لهم قرى جديدة كلما سنحت الفرصة على مواقع المدن القديمة ويستمرون في اعمالهم الزراعية، ويتذكرون تقاليد المدن السابقة . وبعد سبعة او ثمانية قرون، حدثت تغييرات وتقلبات كثيرة وتنصر هؤلاء السكان. )) ص 409 .

ويعطي مواطنه المورخ العالمي المعروف (أرنولد توينبي) وصفا رومانسيا لحقول اشور فيقول في كتابه
من النيجر الى النيل : (( ترى اين رأيت حقول قمح اخضر داكن الى هذا القدر، كما اجد الان في نبط (اثيوبيا)، وحقولا متلاصقة مثل هذه الحقول ؟ آه ! نعم ! انه في حقول قمح (اشور) بعيدا فيما وراء دجلة )) .
جدير بالذكر ان هناك بعض المتاحف الي تحتضن نماذج متنوعة من ازيائنا الزاهية، منها متحف التراث في عنكاوا وغيره. كما ان هناك بعض الكتب المتخصصة بأزيائنا القديمة والحديثة منها،
الملابس والحلي عند الاشوريين المار ذكره للدكتور وليد الجادر وضياء العزاوي (بغداد،1970 )، والازياء الاشورية للدكتور طارق مظلوم وعلي محمد مهدي ( بغداد : مديرية الاثار العامة، 1971 )، ط 2 (لندن : دار الوراق، 2009 )، ضمن كتاب
الازياء العراقية القديمة، وازياؤنا التراثية لجاندارك هوزايـــا ( اربيل، 2004 )، ط 2 (شيكاغو، 2011 ).

كما تجدر الاشارة الى انني طعّمت الكتاب بصور عديدة مناسبة وضرورية ، بعضها مرتبطة مباشرة بمواضيع الكتاب، وبعضها متعالقة معها ، واخرى دالة عليها، بشكل او باخر.
فإلى تلك الاشعة الملونة والصور الزاهية ادعك تتعرض، عزيزي القارئ، لتدفئ روحك القومية، وتمتع باصرتك الجسدية، بما يعمق لديك الفخر والاعتزاز بتراثك الاصيل، ويدفعك للحفاظ على ما بقي منه حياً في واقعنا المعاش، وانعاش المخفي من تجلياته الفكرية في ذاكرتنا القومية الممزقة.
القوش 1/6/2014ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) المقدمة التي صدرت بها كتابي الصادر موخرا بعنوان ازياؤونا الاشورية السورثية (نينوى 2014 ) .
