ديناميكية حق تقرير المصير
في ظل المتغيرات الدولية
إربيل/خاصكان هذا عنوان محاضرة الكاتب والأكاديمي د. عبد الحسين شعبان في إربيل (المركز الثقافي) بدعوة من معهد الدراسات الوطنية. وقد قام بتقديمه الاستاذ الدكتور شيرزاد النجار، مشيداً بمواقفه المناصرة للشعب الكردي وبنضاله الوطني وفي صفوف البيشمركة وبمساهماته الفكرية والبحثية ومؤلفاته التي زادت على 50 كتاباً.
وقد تناول د. شعبان مفهوم تقرير المصير في الأدب السياسي الاشتراكي والليبرالي، وكيف ارتفع رصيده بعد ثورة اكتوبر وبعد إعلان مبادئ الرئيس ويلسون وصولاً إلى الأمم المتحدة التي نصّ عليه ميثاقها في المادة الثانية والمادة الخامسة والخمسين. وتحدث عن تجليات حق تقرير المصير بعد انهيار الكتلة الاشتراكية وانبعاث الهوّيات، وليس في العالم الثالث فحسب، بل في أوروبا ومطالبات قوميات وأمم وشعوب بكيانات مستقلة (يوغسلافيا انقسمت إلى 6 أقسام) والاتحاد السوفييتي (انقسم إلى 15 دولة) وانفصلت تشيكوسلوفاكيا مخملياً إلى جمهوريتين (التشيك والسلوفاك).
وتناول بعض التجارب على هذا الصعيد: استقلال تيمور الشرقية (وذلك بعد صدور قرار من مجلس الأمن) واستقلال كوسوفو من طرف واحد واعتراف أكثر من 100 دولة بها رغم معار ضة روسيا وصربيا (وكان ذلك بـ: فتوى استشارية من محكمة العدل الدولية) وانفصال جنوب السودان (الذي تم بـ استفتاء شعبي) وقبولها عضواً في الأمم المتحدة، واليوم تترشح بلجيكا للانقسام بين الوالنين والفلامانيين، فقد انتقلت الدولة من المركزية إلى الفيدرالية وهذه الصيغة هي الأخرى لم تلبِ مطامح كلا الطرفين وانبعاث موضوع الهوّيات في كندا (إقليم الكيبك) وإسبانيا (كاتلونيا) واسكتلندا (بريطانيا) على الرغم من ان الاستفتاء في اسكتلندا كان لصالح الوحدة، كما أن المحكمة الدستورية الإسبانية أعربت عن رفضها إجراء استفتاء في كاتولونيا بشأن انفصالها الذي يتعارض ذلك مع الدستور، والمسألة لا تتعلق بتأمين المواطنة والمساواة فحسب، بل لها علاقة بالهوّية والمصالح الاقتصادية، حيث تبرز هذه المسألة في نحو 20 بلدٍ تطالب فيها هوّيات فرعية لقيام كيانية خاصة بها.
وبخصوص الشعب الكردي فأشار إلى ضرورة تأكيد حق تقرير المصير وهذا يتضمن اتحاداً اختيارياً أو استقلالاً بمعنى تكوين كيان خاص (دولة). والاتحاد يبدأ من اللامركزية وقد يصل إلى الكونفدرالية مروراً بالحكم الذاتي والفيدرالية .
أما حق الاستقلال وتكوين دولة فهو مثل "حق الطلاق"، فليس مجرد النص عليه يصبح قابلاً للتطبيق، إلاّ إذا أصبح العيش المشترك مستحيلاً، عند ذاك لا بدّ من التفكير في قيام كيانية جديدة، مع مراعاة مصالح الأطراف جميعها، والأمل يبقى منعقداً على علاقات سليمة وودية، لما هنالك من مشتركات إنسانية، دينية واجتماعية واقتصادية وثقافية، ناهيكم عن علاقات تاريخية مديدة.
وتناول شعبان ما تعرض له الشعب الكردي في تاريخه من اضطهاد على يد الحكومات المختلفة والمحاولات الشوفينية التي حاولت التنكر لحقوقه العادلة والمشروعة وفي مقدمتها حق تقرير المصير، على الرغم من بعض نصوص دستورية سجّلت لصالحه مثل نص الدستور العراقي الصادر في 27 تموز (يوليو) 1958 الذي أكد على شراكة العرب والأكراد وبيان 11 آذار (مارس) لعام 1970 الذي أقرّ بحقوقه بما فيها الحكم الذاتي وتم إقرار ذلك في الدستور الصادر في 16 تموز (يوليو) 1970 الذي أكّد على ان العراق يتألف من قوميتين هما العربية والكردية، كما ان صدور قانون الحكم الذاتي العام 1974 على الرغم من نواقصه وعيوبه وثغراته الاّ إنه يعتبر خطوة مهمة على صعيد الأطر القانونية لحقوق الشعب الكردي، ومع ذلك ذاق الشعب الكردي الأمرين من قمع وإجلاء لاسيّما في حملة الأنفال السيئة الصيت وعند قصف حلبجة بالسلاح الكيماوي.
وكانت القضية الكردية أن عادت إلى الواجهة بعد غزو القوات العراقية للكويت العام 1990 وخصوصاً بعد صدور القرار 688 من مجلس الأمن الدولي في 5 نيسان (ابريل) العام 1991، وكان ذلك عودة القضية الكردية إلى الاروقة الدولية، ومقدمة لإقرار حقوق الشعب الكردي في الدستور العراقي الدائم المستفتى عليه في 15 تشرين الأول (اكتوبر) 2005. وعلى الرغم من الألغام والاشكاليات التي احتواها الدستور، فإنه يعتبر متقدماً من باب الحقوق والحريات وفيما يتعلق بإقرار مبدأ الفيدرالية، وهو إقرار لواقع قائم حيث تشكّلت السلطة الكردية في العام 1991 وأعلنت الاتحاد الفيدرالي من طرف واحد في 4 تشرين الأول (اكتوبر) العام 1992 بعد أول انتخابات كردية لمجلس وطني.
إن ديناميكية حق تقرير المصير التي تناولها الدكتور شعبان تبقى مفتوحة قانونياً وسياسياً ولا بدّ من اختيار اللحظة المناسبة، لأن أي تسرّع فيها قد تؤدي إلى تفتيت وضياع النضال المرير الذي خاضه الشعب الكردي، كما إن أي تأخر، قد يؤدي إلى ضياع الفرصة التاريخية، والأمر يتعلق بالجيوبولتيك، لاسيّما وجود مشكلة كردية في كل من تركيا وإيران وسوريا، وإن هذه الدول الإقليمية لا ترغب بقيام أية كيانية مستقلة للشعب الكردي.ونوّه شعبان إلى أهمية إقرار اتفاقات نهائية بشأن مصير المادة 140، وقضايا صلاحيات سلطات الإقليم ومستقبل كركوك ومسألة النفط وتصديره وعقود استثماره وغير ذلك من القضايا التي تحتاج إلى حوارات هادئة ونقاشات مسؤولة، ولعلّ ذلك يتطلّب القضاء على الارهاب وتنظيم الدولية الإسلامية (داعش) والتوجه صوب التنمية الحقيقية الشاملة.
وقد ناقش الحضور النوعي د. شعبان على أطروحاته وتم استمزاج آراء ومقترحات عملية بخصوص بلورة حق تقرير المصير في الوضع الملموس، لاسيّما لاقتراح د.شعبان حول الحوار بين مثقفي الأمم الأربعة: العرب والترك والفرس والكرد.
ومن أهم الشخصيات التي حضرت: معالي الاستاذ محسن دزئي ومعالي القاضي آزاد ملا أفندي ومعالي الدكتور صاحب قهرمان ومعالي الاستاذ عبد الرحمن صدّيق ومعالي د. جنار سعد عبدالله ونقيب الصحفيين الحالي حاكم آزاد حمه أمين ونقيب الصحفيين السابق فرهاد عوني ومحي الدين حسن يوسف من قيادة الحزب الشيوعي الكردستاني ومسعود عبدالله من كتلة التغيير كوران وعثمان ويس مستشار في البرلمان الكردستاني وكاروان عقراوي مدير تلفزيون كردستان وسرو قادر مدير معهد أبحاث الديمقراطية والقيادي والمفكر الكردي السوري صلاح بدر الدين ولفيف من أساتذة الجامعة بينهم محمد شريف أحمد ونجدت عقراوي (مدير التعليم العالي) ود.هاموت عبدالله ود.عبد الحكيم خسرو ود. جوتيار عادل مدير معهد الدراسات السياسية والستراتيجية ود. لطيف واحد ود. طالب أحمد والقاضي عبد الباسط هادي والاعلامي محمد زنكنة من صحيفة خابات والحاكم رزكار أمين (عضو محكمة التمييز وهو أول قاضي تولى محاكمة الرئيس الأسبق صدام حسين) وعدد من الناشطات والنشطاء من المجتمع المدني.