من اجل انشاء مكتبة بتاريخ شعبنا ؟
اخيقر يوخنا تاريخ شعبنا طويل وزاخر بالاحداث المهمة في تاريخ الحضارة البشرية بصورة عامة حيث لا بد من قراءة حضارة الرافدين للتعرف على اللبنات الاولية والاساسية لتكوين حضارة البشر على الارض ابتداء من حضارة سومر وبابل واشور .
ومن خلال هذا الكم الهائل والموروث المكتشف منه وغير المكتشف منه حاليا او القسم الغائب في اعماق الارض فان شعبنا كوريث شرعي للنهر الحضاري الانساني والوطني والقومي هذا - يعاني من وجود نواقص او امور غير واضحة او مبهمة حول الكثير من مواده التراثية والتي ما زالت بحاجة ماسة الى المزيد من البحث والدراسة والتنقيب للكشف عن كل ما له صلة بتاريخنا . كما ان الكثير من المشاكل التسموية التي تسود جدالاتنا السياسية تعود اسبابها الى افتقارنا الى الحقائق التاريخية الخاصة بهويتنا القومية وانحدارنا الحضاري .
ولو القينا نظرة على ما كتبه المؤرخون عن تاريخنا لوجدنا ان معظم المؤرخين هم اجانب ولاسباب معروفة حيث كان شعبنا وما زال يكافح من اجل الستر والبقاء وعبر اجيال طويلة تمتد من يوم سقوط نينوى وبابل واغتصاب السلطة من ايدي ابناء شعبنا من قبل شعوب معروفه .
ومن اجل البدء في استحداث ملف خاص يحوى كل ما كتب عن تاريخ شعبنا يستلزم الامر ان لا نخجل من تاريخنا مهما كان وان نفخص كل ما اتى به الاخرون لفرز الاخبار الملفقة او الكاذبة وتفسيراتها الهادفة الى الطعن بتاريخنا . وان ندون كل ما هو مستند على اثباتات ومصادر تاريخية معترف بها من قبل ذوي التخصص من المورخين .ومن اجل انشاء مكتبة خاصة بتاريخ شعبنا لا بد من معرفة الاسس العلمية الواجب اتباعها لانجاح المشروع
وهنا نطرح امام القارئ الكريم بعض من اراء الفيلسوف هيجل حول التاريخ ليكون لنا سندا علميا نعتمد عليه لتدوين تاريخنا .
من كتاب هيجل العقل في التاريخ - ص 31 - طرق الكتابه التاريخية - يمكن ان ننظر الى فلسفة التاريخ بمنظورين اساسيين - المنظور الاول بجعلها دراسة لمناهج البحث اعنى للطرق التي يمكن ان يكتب بها التاريخ وكيفية التحقق من صحة الوقائع التاريخية والكشف عن مدى صدق الوقائع ومناقشة فكرة الموضوعية في التاريخ الخ اعني باختصار فحصا نقديا دقيقا لمنهج المؤرخ وهذا ما يسمى احيانا بالنشاط التحليلي للفلسفة ولكن هناك منظورا اخر لفلسفة التاريخ وهو النشاط التركيبي وفيه لا يدرس الفيلسوف مناهج البحث في التاريخ وانما يقدم وجهه نظر عن مسار التاريخ ككل .
وان المناهج المختلفة التي يمكن ان يكتب التاريخ بها يمكن فحصها وحصرها في ثلاثة مناهج وهي :
اولا : التاريخ الاصلي : المقصود بالتاريخ الاصلي هو ذلك التاريخ الذي يكتبه المؤرخ وهو يعيش اصل الاحداث ومنبعها فهو ينقل ما يراه امامه او ما سمعه من الاخرين كما هو وهو حين يقوم بنقل الاحداث فانه يحملها الى عالم التصور العقلي فتحول بذلك من اطارها الخاص الى اطار داخلي هو تصور عقلي تماما كما يستوحي الشاعر من الصور المادية التي ينفعل بها صورا ذهنية
ويمكن ان نوجز اهم خصائص هذا اللون من التاريخ على النحو التالي |:
1- المؤرخ يعيش الاحداث التي يرويها وبالتالي فان روح العصر التي شكلت الاحداث هي نفسها التي شكلت المؤرخ
2- تكون الفترة التي يكتبها المؤرخ عادة فترة قصيرة نسبيا
3- المؤرخ يهتم برواية اشكال فردية من الاحداث والاشخاص وامور غير ممحصة
4- الهدف من روايته احداث نفس الوضوح الذي كان لها عنده بفضل ملاحظاته الشحصية او الروايات الحيه التي سمعها
ثانيا - التاريخ النظري :
اللون الثاني من الكتابه التاريخية يسميه هيجل بالتاريخ النظري والسمة الاساسية التي تميزه هي ان المؤرخ لا يعيش الاحداث التي يرويها وانما هو يجاور العصر الذي يعيش فيه لكي يؤرخ لعصر اخر كما هي الحال مثلا حين يكتب مؤرخ معاصر في القرن العشرين تاريخ مصر الفرعونيه فهو يجاوز حدود عصره الى عصر اخر ويروي احداثا لم يشهدها ووقائع لم يعش اصلها كما كان يفعل المؤرخ السابق فالمؤرخ في هذا اللون ر يقف عند احداث عصره وما شاهده بنفسه وانما يعرض لتاريخ امه من الامم او عصر من العصور يجاور عصره فيقوم بجمع المادة التاريخية وتصنيفها وتبدو في هذا النوع من التاريخ طريقة المؤرخ واسلوبه في عرض الوقائع وتفسيره لبواعثها فلكل مؤرخ طابعه الخاص الذي يتميز به .
وتتفرع هذة الطريقة الثانية في كتابه التاريخ الى اربعة انواع اساسية تتسم كلها بسمة واحدة هي تجاوز المؤرخ لحدود عصره بحيث يكتب عن عصر لم يعش احداثه ويمكن ان تتلخص الانواع الاربعة بايجاز على النحو التالي :
1- النوع الاول من التاريخ النظري يقترب كثيرا من التاريخ الاصلي اعني من الطريقة الاولى في الكتابه التاريخية خاصة اذا اقتصر غرض المؤرخ على سرد الاخبار التاريخية لبلد ما او لشعب من الشعوب اعني انه يصبح قريبا من التاريخ الاصلي حين يصبح عرضا لحوليات كاملة او رواية لاحداث خلت يحاول فيها المؤرخ ان يبرز الماضي في صورة واضحة كما لو انه عاش الاحداث التي يرويها بالفعل ولما كان من المستحيل على انسان ان يعيش الماضي - لان كلا منا ابن عصره وربيب زمانه - كما يقول هيجل في فلسفة الحق وفي نهاية فلسفة التاريخ فان المؤرخ النظري في هذة الحاله سوف يبدو وكانه يتعسف في ذكر الوقائع التاريخية لانه يسقط افكار عصره ومصطلحاته ولغته وثقافته - باختصار يسقط روح عصره هو على العصور الغابرة ولهذا يظهر بوضوح ان الروايات التي يرويها لا تمثل روح العصر الذي يؤرخ له فيبدو متاثرا بافكار عصره اكثر مما يبدو متاثرا بالحقيقة التاريخية .
2- والنوع التثاني من التاريخ النظري هو ما يسميه هيجل بالتاريخ العملي او البرجماتي الذي يهتم اساسا باستخلاص العبر والعظة والمبادئ والقيم والدورس الاخلاقية من احداث الماضي .
ويرى هيجل ان هذا اللون من الكتابة التاريخية لا يمكن ان يحقق هدفه اعنى ان الشعوب والدول لا يمكن ان تتعلم من التاريخ او ان تستفيد من دورس الماضي لان التاريخ لا يعيد نفسه وانما هناك جديد تحت الشمس باستمرار في ميدان التاريخ اذ ان كل عصر له ظروفه الخاصة وهذا يتالف من نسيج فريد في نوعه تماما ختى ان سلوك الامم وتصرفات الشعوب والساسة لا بد ان تجكمها اعتبارات مرتبطة بعصرها تماما وبالعصر وحده ومن هنا فان الدورس المستخلصة من احداث الماضي والمبادئ العامة التي يستحرجها المؤرخ لا تقدم اي عون للحاكم وسط ضغط الاحداث الكبرى ومن غير المجدي الارتداد الى ظروف مماثله في الماضي للحكم على الحاضر على ضؤ تلك الظروف لان مصائر الشعوب والدول ومصالحها وعلاقاتها ونسيج شؤونها المعقد في الحاضر تمثل امامنا ميدانا اخر يختلف عن المصالح والعلاقات ونسيج الشؤون الماضية
3- النوع الثالث من التاريح النظري هو التاريخ النقدي والذي لا يعرض وقائع التاريخ نفسه وانما يعرض الروايات التاريخية المختلفة لكي يقوم بفحصها ودراستها ونقدها وبيان مدى حقيقتها ومعقوليتها .
4- والنوع الرابع والاخير من التاريح النظري يحمل خاصيتين متعارضتين هما الجزئية والعمومية فهو جزئي لانه لا يتحدث عن تاريخ الانسان بما هو انسان وانما عن جزء من ها التاريخ
ثالثا - التاريخ الفلسفي
اي دراسة التاريح من خلال الفكر - لان الدراسة الفلسفية للتاريخ تعنى دراسة التاريخ من خلال الفكر لان التاريخ هو تاريخ الانسان والفكر جوهري بالنسبة اليه فهو الخاصية التي تميزه عن الحيوان .
حيث يقول هيجل ان العقل يسيطر على العالم وان تاريخ العالم يمثل امامنا بوصفه مسارا عقليا حيث هناك ثلاثة عناصر اساسية تفسر ما يعنية بقوله ان العقل يحكم التاريخ وهذة العناصر هي
1- ماهية العقل او ما المقصود بالعقل
2- الاساليب او الطرق التي يستحدمها العقل لكي يتحقق
3- الصورة التي يتحقق فيها في النهاية
وعن الاساس الجغرافي للتاريخ يشير هيجل الى اهمية الموقع الجغرافي للتاريخ والاثر الذي تتركه عوامل الطبيعة على انتاج روح شعب ما _ ويقسم هيجل المناطق الجغرافية الى ثلاثة اقسام هي - الارض المرتفعة ثم السهول الوديانية واخيرا المنطقة الساحلية ) انتهى الاقتباس من الكتاب
ولنا امل بان يبدا المهتمون بالشان التاريخي لشعبنا بالاعداد والتهيؤ لانشاء مكتبة تاريخية شاملة تحوي كل حقائق تاريخنا وباشراف وتدوين المختصين بتاريخ شعبنا - حالما يجتاز شعبنا المرحلة الحرجة التي يمر بها الان .