سناطي والليل الداجي

المحرر موضوع: سناطي والليل الداجي  (زيارة 305 مرات)

0 الأعضاء و 2 ضيوف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سمير القس يونان

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 121
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
سناطي والليل الداجي
« في: 09:59 18/12/2014 »
سناطي والليل الداجي
     بقلم سمير القس يونان

القوش  في  18  ك1
لقد وصل غي الإنسان وغدره لهذه الطبيعة بان نبش دفائنها وسلب خلوتها وكنوزها وتغلغل بين الآكام والآثار ليسرق منحوتاتها ومسلاتها وموميائاتها,احرق الشجر والبشر لتتحول تلك المعمورة إلى نفائس وأحجار تعانق هالة القمر, وموضع الجوزاء تحكي كل يوم لمن يرنو بقربها ويتألم لألمها إن الحياة أضحت ناعورا انتزعت جيوبه فلم يعد (يترس ويبدي)كما يقول الشاعر.أخذنا الطريق الميسمى إلى الأسفل انحدارا نحو رموز بلدة سناط المهجورة وشخوصها ولاحظنا فيه روث وسرجيل البغال والحمير مشيرا إلى أن الطريق سالك وهناك غيرنا قد مر من هنا, إلى الأسفل رويدا رويدا دون أن اصدق ما تراه عيني حيث قادتنا أرجلنا إلى باحة فسيحة يطل عليها كهف كبير وجاء الإيعاز بان تكون استراحتنا هنا خلال هذا النهار,بعد استراحة قصيرة دخلنا الكهف وكان واسعا من الداخل ينبعث منه عبقا يزكم الأنوف ويدميها يشبه ذلك النسيم الذي لاحظته عند أضرحة النساك والطوباويين في الأديرة المنتشرة في شمال العراق.ويا لعجبي لما اسمعه من رنين وصدى يأتيني من داخله وكأن حضارة أخرى منعزلة أقيمت هناك في الداخل أو أن مجموعة بشرية هربت من بطش المعتدين وتاهت في دهاليزه وأخاديده وأبت الخروج واعتادت على حياة الظلام متخذة من الوطواط صديق لها,وبينما نبحث في زوايا ومنعطفات الكهف المضيئة القريبة عثرنا على البعض من البرغل ومستلزمات الشاي, وصدرت صيحات وأصوات  من داخل الكهف منبئة العثور على شيء مهم, ثم شاع الخبر وكانت فرحة لا توصف عندما أُخرِجَتْ تلك المئون وفي الحال اعد الشاي وأخرجنا من حقائبنا الظهرية ما ألذ وطاب من نستله ماكنتوش إلى همبركر ماكدونالد ثم اللوف الفرنسي,وبعد فطور رائع أسديت بعض النصائح للأنصار بعدم الابتعاد في الداخل والذهاب إلى المدينة المهجورة لأسباب عديدة,أولا خوفا من الألغام وثانيا لكي يبقى وجودنا لهذا النهار سر ويجب إن تنحصر حركتنا في المناطق القريبة من الكهف وبساتين تقع عند مرمى العين فقط,حددت قمتين قريبتين لتكونا نقطة مراقبة من قبل نصير لكل نقطة. خرجت في نزهة بمعية النصيرين كوفان وعبد المسيح اللذين ينتميان لهذه البقعة يصاحبنا النصيرين صباح ووديع وتوغلنا في تلك البيادر والحقول التي كانت تزرع بالرز, وقادانا إلى صخرة منحوتة لتصبح على شكل مصطبة أو أريكة جميلة تطل على حقل فسيح وأردف كوفان قائلا::أترى تلك الأريكة؟هناك كان يجلس الراعي بعد جولة متعبة في تلك السفوح والآكام ليعزف ببزقه ونايه لغنمه لترعى بسلام...ما هذه اللوحة الجميلة وأين الراعي وأين الغنم وأين الناي وأين البزق لقد أُزيلتْ جميعها من تلك اللوحة,لقد أضحت رموزا وطلاسم خطها طفل عابث بفرشاة أبيه وتداخلت الألوان والخطوط والبقع يتلاءم وما تراه عيني من عبث وتدمير وزوال وانتهاك للطبيعة وصديقها الإنسان, ولكن مهما كان القيظ والزلزال قويا ومدمرا لا بد له أن ينسى ويترك شاهدا أو إطارا لتلك اللوحة حيث لا زالت الأريكة منتصبة تنوح وتتأوه وتصم آذان الجلاوزة والمعتدين وحينما يزورها من يعم السلام قلبه تناديه ليجلس عليها لتحس بالأمان الذي فقدته.
ثم توجهنا إلى الداخل نحو المروج والبساتين ورأيت جداول الماء تنساب بخفة ودعة بين الأشجار والأحراش انسياب الأفاعي الرقطاء قي الرمال البيضاء,وكان خرير الماء الصاخب يتداخل ويتلاطم عازفا سيمفونية (أين أحبائي)والى الأعلى وعند قمم العرموط والجوز تلمست أنامل النسيم تعبث بالأغصان وجميل الأوراق لتصدر وحيفا ينفذ إلى أعماقي يجعلني محلقا في الأعالي ساكن الأطباق.كانت مجاميع الأنصار تتجول بين الجنائن والأشجار المهملة وقد لف العوسج والشوك المزعج كل الأشجار كأن الحرية كبلت والإطراف شلت والدماء أريقت والظهور قصمت, ورغم هذا لا زالت هذه الكائنات تهمس بأذن الطبيعة قائلة إنهم ينتظرون شمس الحرية ولا بد لها أن تبزغ فمن عاش محروما منها عاش في ظلمة يتصل أولها بظلمة الرحم وآخرها بظلمة القبر.خرجنا من التداخل النباتي العشوائي وإذا بالنصير عبد المسيح يناديني صائحا موجها ساعده إلى بقعة بعيدة وقال انظر إلى تلك الأشجار وانظر إلى أسفلها هل ترى شيئا غريبا؟ فأمعنت النظر ورأيت أن الأرض تحت تلك الأشجار صفراء تماما فقلت له ما ذلك اللون الأصفر وكأنه كبريت؟ فقال لنمضي إلى هناك وسنحل اللغز,دفعني الفضول للمضي مسرعا لمعرفة ما سر ذلك الكساء الأصفر تتملكني الحيرة والريبة,بعد دقائق أشرفنا على تلك البقعة وتعجبت لما رايته انه العرموط الجبلي وقد سقط من الشجر, والانكى من شكله ولونه الأخاذ تلك النكهة الفواحة التي اكتسحت تلك الثنايا وان العرموط الجبلي معروف بنكهته وطعمه.وكما أسلفنا كان الطعام مشكلتنا المستمرة نتيجة لوضعنا السري أولا ولقلة الوجود السكاني حيث معظم القرى مدمرة ولم يبقى منها إلا أطلالا وأنصاف جدران.لم اصدق ما رأته عيني فانحنيت وتناولت واحدة وبعد مسح بسيط التهمتها فكانت كالعسل في حلاوتها والتمر في طراوتها والياسمين في عبقها ونكهتها والكركم في صفرتها, وما كان منا إلا دعوة بقية الأنصار لهذه الوليمة التي قلما تتوفر في أرقى البيوت,أكلنا الكثير وجمعنا الأكثر وجلبناه إلى باحتنا العظيمة قرب الكهف وبها سعد الجميع واعترتهم غبطة وسرور,وكانت أحاديث وجدالات كثيرة قد أثيرت حول هذه القصبة الرائعة وانبرى النصير كوفان يشرح مسهبا عن سكانها وعدد بيوتها وكنائسها وأزقتها ومآثرها وصمودها لمئات السنين.
بعد استراحة بسيطة واحتساء الشاي على شكل رشفات من علبة حليب النيدو مناولين العلبة واحدا للآخر ذهبنا ثانية إلى بساتين وأشجار ازنخ ونصحنا عبد المسيح بالذهاب إلى جدول له وقع في نفوسهم ولا اذكر بماذا اسماه حيث يكثر الجوز على جانبيه,حقيقة نحن في منخفض لا مثيل له فيه من الحقول والبيادر والبساتين والجداول والأشجار الكثير فكيف لو استغل بطرق علمية ولدينا من الطاقات البشرية شيء لا يصدق,توغلنا إلى داخل الحقول دون ان يخيفنا شيء رغم أن كل شيء متوقع من الألغام والكمائن والحيوانات المفترسة وفي طريقنا إلى الجوز عثرنا على الرمان واللوز والسفرجل ووقعنا في حيرة الاختيار فأي الفواكه نجمع ونأكل وأيتها نترك وكان كوفان يعرف أصحاب هذه الجنينات,وبعد نصف ساعة من التوغل كنا بمواجهة أشجار باسقة كبيرة وضخمة عارية تبكي لردائها الذي سلبته الطبيعة وقوانين الحياة منها كانت أشجار الجوز هذه قد فقدت حلتها بسبب الخريف الذي نحن فيه.قلت لكوفان وأين الجوز أيها النصير وفي الحال ركل الأرض بقدمه وأزال الأوراق اليابسة وظهر لنا الجوز السليم وقال هذا الجوز من أجود الأنواع ويسمى(أبو الندبة),حيث يوجد نتوء منحرف عند إحدى النهايتين وهو سهل الكسر وقليل الطيات والزوايا في داخله وبذلك يكون إخراج الثمر سهلا جدا,في الحال خطر على بالي القيمة الغذائية والسعرات الحرارية التي يمنحها الجوز للجسم, قدمت مقترح بان نجمع الجوز قدر المستطاع ونخرج لبه طالما سهل ونتسلح به جميعا لمقاومة البرد والجوع الذين سنواجههما في قادم الأيام,في حينها لا يمتلك أحدا أي جهاز اتصال لنبعث برسالة للأنصار بان يأتوا ويلموا هذا الجوز الوفير ولذلك وجب علينا العودة وإبلاغهم بالقصة والرجوع ثانية إلى حيث ثمار الجوز أو إرسال احد بطلبهم.كانت الساعة الحادي عشرة عندما ذهب اثنان منا مسرعين إلى حيث الكهف ليأتوا ببقية الأنصار,أما نحن الباقين فشرعنا بجمع الجوز العجيب وكان وفيرا للغاية ولا تتطلب العملية أي جهد حيث بإزالة الورق اليابس المتساقط تظهر أكداس الجوز العجيب,جاء اغلب الأنصار بسرعة البرق وتم جمع كمية لا يستهان بها وملانا الجيوب الكبيرة ونزعنا البشتين(الحزام الطويل المصنوع من القماش والمجوف من الداخل)ووضعنا فيه أيضا ثم رجعنا لان موعد الوليمة قد دنا...
كانت وجبة غدائنا برغل مسلوق بصفيحة الدهن التي عثرنا علينا مرمية في الأطراف, وكانت مشكلتنا أين نصب البرغل بعد طبخه وبماذا نأكله؟بعد وتفكير ونقاش مطول وبعد الاستنجاد بمطبخنا الايطالي توصلنا على ما يلي:يصب الطبيخ فوق ورق مقوى عثر عليه في الجوار وبدل الملاعق نستخدم أوراق الجوز العريضة بعد طيها من احد الجوانب, فتحنا المقوى وجعلناه مسطحا وصبينا القوزي المتبل فوقه وفاحت نكهته في الأرجاء وجعلت من لعاب الحيوانات في الجوار يسيل أما الملاعق فكانت عبارة عن أوراق لأشجار خضراء عريضة طويناها من إحدى الصفحتين وبهذا أسعِفَ الأمر برمته,بعد الغداء واحتساء الشاي بدأنا بعملية تنظيف الجوز وكانت سهلة جدا وكنت خائفا أن لا تكون كتلك التي كنا ننظفها عندما كنا صغارا لعمل الحلويات,استغرقت العملية ساعتين وجمعنا كمية كبيرة من لب الجوز وحصتي تجاوزت الكيلو غرام وكنت احتفظ بكمية من جوكليت التوفي كان احد الأنصار نصحني باقتنائها.كانت الساعة قد تجاوزت الثالثة عصرا حيث انتهينا من عملية تنظيف الجوز ,كانت جميع الأمور تسير بصورة طبيعية وجيدة ودعينا لاجتماع بسيط وكان جميعنا قريبا من الكهف قسم ممدد لأخذ قسط من الراحة والقسم الآخر جالس يرتب أموره وهندامه,تحدث أبو سعاد واحد الإدلاء قائلين::أولا جميعا بجمع كمية كبيرة من الحطب لنقاوم ليلا باردا زمهريرا وثانيا فجر غد وعند الرابعة يجب إن ننطلق متسلقين هذا الجبل العاتي,وبعده وبمسافة قليلة ستأتيننا الحدود التركية وعلينا اجتيازها قبل إن الضياء الأول.توضحت الصورة لدى الجميع وفي الحال انطلقنا نجمع الحطب المتوفر وخلال نصف ساعة كانت كمية كبيرة منه مكومة عند باب الكهف,تجاوزت الساعة الرابعة عصرا عندما بدأنا بإعداد ما لدينا من عشاء بسيط والشاي وعلينا إن نستعد لليلة قارصة لأننا في وادي تملاه البساتين والأشجار والسواقي حيث ستكون الرطوبة عالية.تناولنا ما لدينا من الخبز والمعلبات وقضينا عليها تماما وبدا الظلام يداهمنا قبل وقته لان موضعنا في وادي عميق,    وبدا البرد وصوت الحيوانات تصدح في تلك الوهدات والكليان والوديان وعند الآكام والركام وكم تمنينا أن تمضي الليلة بسرعة,أسلمنا أنفسنا إلى النوم شاعرين بأمان روحي حيث حددنا أربعة مواقع حراسة وكان الزمهرير قاتلا وكل ذلك الحطب والنار العرمرم لم يمنحنا إلا القليل من الدفء, ولكن دفء الوطن الخفي كان حاضرا وهو أتون وجذوة وشرارة .قضينا الليلة بالتقليب ظهرا وبطن محاولين الاستفادة من حرارة النيران الأزلية التي لم تنطفئ أبدا ولم تقل جذوتها الليل كله, ورغم ذلك تخشب جسدى وسارت قشعريرة البرد سريان النار في الهشيم وترقبت نداء الاستيقاظ من الحرس المكلف إيذانا بالحركة,,لا اعرف كما لا أتذكر إن كنت نائما أو غافيا أو مستيقظا عندما رن في أذني أيعاز يقول(نصير كوم ساعة أربعة),كانت لحظة سعيدة ورائعة لكي أتخلص من لسعات البرد وتلك الأحلام التي تتلاطم دائما عند عتبة مخيلتي تارة تقلني على بساط الريح إلى حيث السعادة والهوى وأخرى تقلني إلى حيث الجفا والكرى.كان القمر محاقا ونظرة بسيطة وسريعة إلى الجوار ترى أزواجا أزواجا من المصابيح تتلالا ولا أدرى إن كانت ذئاب أم ثعالب ضباع أم مثالب,لكنها لا تجرؤ الاقتراب لوجود النار أولا ولعددنا الكبير ثانيا وثالثا ربما وعت إلى وداعتنا وسلمنا ولا نحمل من البغضاء شيئا ضدها,كان منظرا مخيفا ومرعبا ونحن في هذا المنخفض السحيق أمام كهف ليس له نهاية ودهاليزه المرعبة!! بين حيوانات تنظر إلينا ككائنات دخيلة تحاول سرقة خلوتها ومملكتها وأمام جبل كافر لا نهاية له علينا تسلقه بسرعة ودون توقف لان النهار عدونا وسبب هلاكنا في هذا الصراع بينما اعتدنا سابقا أن يكون النهار والضوء مصدر إبداع وخلق.