العراق الثقافي عام 2014 كما لو أن خياله يسبقه فتدركه المتاهة

المحرر موضوع: العراق الثقافي عام 2014 كما لو أن خياله يسبقه فتدركه المتاهة  (زيارة 1416 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل janan kawaja

  • اداري
  • عضو مميز متقدم
  • ***
  • مشاركة: 15875
    • مشاهدة الملف الشخصي
العراق الثقافي عام 2014 كما لو أن خياله يسبقه فتدركه المتاهة   
وزارة الثقافة لا تزال واحدة من المؤسسات المنسية في كيان الدولة العراقية الناشئة ودار الشؤون الثقافية تصبح فريسة لنظام المحاصصة الطائفية.
العرب فاروق يوسف [نُشر في 22/12/2014،

الديني يستحوذ على الثقافي في عراق اليوم
كان فوز أحمد سعداوي وهو روائي عراقي شاب بجائزة بوكر للرواية العربية من خلال روايته “فرانكشتاين في بغداد” هو العنوان الأهم بالنسبة إلى الثقافة العراقية عام 2014. وكان وصول عراقيين هما السعداوي وإنعام كجه جي بروايتها “طشاري” إلى اللائحة القصيرة لتلك الجائزة حدثا استثنائيا بالنسبة إلى بلد لم يعرّف بروائييه إلا بحذر، حيث كان الشعر دائما الهدف الذي يمتحن من خلاله المزاج العراقي موقفه من العالم. كانت كجه جي قد وصلت من قبل إلى اللائحة القصيرة من خلال روايتها “الحفيدة الأميركية”.
“فرانكشتاين” السعداوي أسر الكثير من القراء، لا بسبب لغته التي لم يستسغها البعض ولا بأسلوبه الذي لم يكن متماسكا بل لأنه كان حريصا على أن يقدم صورة مما عاشه العراقيون في حرب أهلية فرضت عليهم وكانوا حطبها. كان السعداوي من خلال حصوله على الجائزة بطلا بالنسبة إلى العراقيين في زمنهم الضيق والعسير.

ستكون “فرانكشتاين في بغداد” الرواية التي يحلم في كتابتها كل عراقي، بالرغم من أنها كانت تجسيدا لجزء من الكابوس الذي عاشه العراقيون إبان الحرب الأهلية التي التهمت مئات الألوف من شبابهم. وهو ما لا يجيده العراقيون حين ينظرون إلى موتاهم بخفة مَن اعتاد على مشاهد الموت الاستثنائي.

وإلا ما معنى أن يُقام مهرجان شعري بائس، مظلته المربد وشعاره السياب العظيم في الوقت الذي يقيم أكثر من مليوني عراقي في العراء مشردين؟ لقد استأنف هذا المهرجان الشعري العريق حياته الثانية بعد الغزو الأميركي من لحظة قطيعة مع تاريخه.
فكان في كل دورة من دوراته مرآة لما انتهت إليه الثقافة في العراق من فوضى في المعايير في ظل غياب تام لأي حساسية نقدية يكون من شأنها أن تمنع استمرار المهرجان في التعثر بحجري السياسة والدين.

شرر تحت الرماد

ما يعرفه الجميع وما ينكره العراقيون أن البصرة هي مدينة تسيطر عليها الميليشيات الظلامية، بطريقة يندر وجودها في المدن العراقية الأخرى. صحيح أن تمثال ابنها الشاعر بدر شاكر السياب لا يزال قائما، غير أن وجود ذلك التمثال لم ينقذ شاعرا بحجم حسين عبداللطيف من الموت نتيجة للإهمال الذي كان جزء من الأموال التي أنفقت من أجل إقامة المربد يكفي لعلاجه.


أحمد سعداوي روائي عراقي يفوز بجائزة بوكر للرواية العربية
لم يكن عبداللطيف الذي مات عن 69 سنة شاعرا مربديا في أيّ مرحلة من مراحل حياته. كان نموذجا للشاعر الحر المتمرد.

لذلك لم يحتف به السيابيون من رواد المربد بنسخته الجديدة. كان قريبا منهم وهو يموت غير أنهم كانوا متحمسين للسياب الذي لن يسألهم أحد عن إهماله يوم كان يموت في أحد مستشفيات الكويت قبل أكثر من نصف قرن. مفارقة من هذا النوع في إمكانها أن تكون مصدر إرباك لكل نشاط ثقافي عراقي يغلب عليه طابع الدعاية السياسية.

غير أن العراقيين في ظل الفوضى التي صارت توزع حماساتهم بين رؤى وطنية شبحية، صارت نوعا من المزايدة لن يجدوا نقصا في أن يكونوا مربديين من غير شعراء حقيقيين، حتى أنهم احتفوا بأحد شعرائهم لأنه دعا الله أن يمحو دولة قطر. في الوقت نفسه أصم الكثيرون آذانهم عن النداء الذي وجّهه أحد شعراء الطوائف من أجل حرق كتب سعدي يوسف بسبب مناهضته للطائفية.

ولكن لا التحريض على حرق الكتب ولا موت الشعراء والفنانين الكبار وسط إهمال رسمي وشعبي يمكنهما أن يسدلا الستار على حياة ثقافية كانت إلى ما قبل عقدين من الزمن تتصدر المشهد الثقافي العربي. هناك جمر يتخلل شرره رماد الكارثة العراقية. وقد يكون مفاجئا بل وصادما أن يصدر ذلك الشرر من السينما.

للسينما في العراق تاريخ، غير أن إنجازات ذلك التاريخ لا يمكن مقارنتها بما أنجزه سينمائيو بلدان عربية أخرى، بدءا من مصر وانتهاء بالمغرب مرورا بسوريا وتونس ولبنان. دائما كانت هناك محاولات، غير أن واحدة من تلك المحاولات لم ترق إلى مستوى الصنيع السينمائي المدهش. في مهرجان أبو ظبي السينمائي 2014 شارك العراق بأكثر من عمل سينمائي، كان (صمت الراعي) لمخرجه وكاتب نصه رعد مشتت واحدا منها.

وإذا ما كان ذلك الفيلم هو المحاولة الأولى للمخرج في مجال الأفلام الروائية الطويلة فإن تجربة مشتت في مجال إخراج الأفلام الروائية القصيرة (له ثلاثة أفلام هي: شهرزاد، مشهد للحب وآخر للموت، تنويمة الجندي) إضافة إلى ما أنجزه في وقت سابق من أفلام وثائقية (خمسة وجوه، موت معلن، انتحار دولة الرئيس) قد أهّلته للقيام بمغامرته الجديدة التي خرج منها بنجاح باهر.

صحيح أن ذلك الفيلم لم ينج من لوثة محاكاة المأساة العراقية التي أصيب بها كل السينمائيين العراقيين كما لو أنهم يحاكون المقتل الحسيني، غير أن مشتت كان بارعا في تجسيد اللحظات الإنسانية المشحونة بأبعادها العاطفية، وهو ما جعله ينأى بفيلمه بعيدا عن الدعاية السياسية المباشرة. صمت الراعي كان إنجازا سينمائيا رائعا في بلد أغلقت فيه صالات العرض السينمائي. فهل سيفتح ذلك الإنجاز أبواب تلك القاعات أم أنه سيظل حبيس متاهته النخبوية؟


"فرانكشتاين" السعداوي أسر الكثير من القراء لأنه كان حريصا على أن يقدم صورة لما عاشه العراقيون في حرب أهلية
بعد عملية التفجير الإجرامي التي تعرض لها شارع المتنبي، وهو شارع الكتب في بغداد عام 2007 يوم كانت البلاد تعيش حربا أهلية ضروسا صار ذلك الشارع بالنسبة إلى المثقفين العراقيين رمزا للتحدي ولسان حالهم يقول “نحن باقون بالكتاب ومن خلاله ومن أجله” وهو ما يعني إعادة الصراع إلى جوهره المعرفي. غير أن المثقفين لم يجدوا في المؤسسة الرسمية ما يعينهم على تحد ضخم من ذلك النوع.

وزارة الثقافة كانت ولا تزال واحدة من المؤسسات المنسية في كيان الدولة العراقية الناشئة. تسلسل على إدارتها شيوعي عيّن أصحابه في وظائف وهمية ومن بعده جاء إرهابي هرب من وجه العدالة ومن بعدهما أوكلت إلى ضابط شرطة وأخيرا تقلد المنصب أديب كردي لم يكن معروفا في الوسط الثقافي. أما دار الشؤون الثقافية التي عرفت عربيا بما أنتجته من كتب قيمة يوم كان الدكتور محسن الموسوي يترأسها فإنها صارت فريسة نظام المحاصصة الطائفية الذي لم يتح لها المجال للتفريق بين الكتاب المدرسي والكتاب الإبداعي.

بالنسبة إلى المثقفين العراقيين فإن الكتاب هو الغائب الأكبر في حياتهم بالرغم من كل هذا الهرج الاستعراضي التي دأبت دار المدى، وهي التي استولت على جزء عظيم من المؤسسات الثقافية من غير حق، على القيام به. لقد صار المثقفون العراقيون أسرى ما تختار لهم دار المدى من كتب.

الراحلون خفية

عام 2014 شهد رحيل الكثير من المفكرين والأدباء والفنانين العراقيين من غير أن يكون وداعهم موضع حسرة. كان موت الرسام نوري الراوي نهاية لمرحلة الريادة الفنية.

أما موت القاص محسن الخفاجي فقد طوى معه آخر أوراق الشهادة عما كان يحدث في سجن بوكا الأميركي الذي كان أحد نزلائه. رحل حاتم حسين شيخ مصوري السينما العراقية عن (77) سنة والتحق به فؤاد شاكر (65 سنة) وهو واحد من أكثر الفوتوغرافيين رهافة. كان غياب الملحن محمد جواد أموري عن عمر (79 سنة) ضربة الطبل الأخيرة في حياة الأغنية العراقية الأصيلة وهي الضربة التي استجاب لها طارق الشبلي فقرر أن يختفي هو الآخر. في غربته مات شاكر السماوي آخر الشعراء الشعبيين العظام بعد مظفر النواب طبعا.

أما رسامة الكاريكاتير شيرين الرواي فقد ماتت في أستراليا بعيدا عن ضحكتها. لم يكتب أحد عن مكي البدري بعد رحيله وهو واحد من أكبر ممثلي المسرح والمسلسلات التلفزيونية في العراق. ولكن الرحيل الصامت لسعاد عبدالله عن (69 سنة) وهي المطربة الشعبية والممثلة الجريئة، صاحبة الإطلالة المرحة سيكون موقع إدانة للجميع فتلك الفنانة كانت تستحق وداعا جماهيريا. ولكن العراق الأعمى بأحزابه الدينية وداعش لن يكون في إمكانه التعرف على حقيقته الثقافية. كان خياله دائما أكبر منخيال المنتفعين منه.