هل تفلح حركة أشور الوطنية في ملآ الفراغ القومي داخل الوطن؟
أوشــــانا نيســـانOshananissan2013@gmail.com" الفشل في التخطيط يقود الى التخطيط للفشل"، بهذه الكلمات السبعة يمكن ايجاز أستراتيجية العمل القومي والسياسي ضمن منهاج معظم احزابنا وتنظيماتنا السياسية ومنظمات المجتمع المدني الى جانب طروحات العديد من المثقفين، من حيث الاولوية والاهداف ومنهجية العمل القومي أو السياسي داخل الوطن وخارجه. بحيث أصبح من السهل على القارئ الكريم أن يلاحظ بوضوح، التأثيرات السلبية للهجرة المزمنة على آليات العمل القومي أو مشروع النضال الوطني المطلوب لكل حزب أو شخص حاول أو يحاول تدبيرالاختلاف الفكري أو الايديولوجي المهيمن بين جميع الفرقاء بالشكل الذي يؤمن حقوق شعبنا الابي.
" قرارنا هو العمل مع القوى العالمية الكبرى وتحديدا روسيا من خلال مجلس الامن الدولي بهدف تحقيق الحماية الدولية لآبناء شعبنا الاشوري على أرض أباءه وأجداده. وأن حركتنا "حركة أشور الوطنية" لا تؤمن بالعمل مع السياسيين العراقيين الجدد ولابنهج أحزابنا في الاكتفاء بسياسة أصدارالبيانات بعد مقتل كل مواطن أو أختطاف أحد أبناء شعبنا، لينتهي كل شئ بعد 24 ساعة". هذه جملة من العبارات التي رددها السيد أشور كيوركيس رئيس "حركة أشور الوطنية" ضمن مقابلة أجرتها معه قناة "أشور اليوم" بتاريخ 19 تشرين الثاني 2014.
أّذ في الواقع يجب على كل انسان عاقل وذي بصيرة أن يعترف، أن ظاهرة الاحباط والياس والهجرة وحتى الخوف من المستقبل المجهول داخل الوطن، مردها جملة من العوامل وفي طليعتها، فقدان ثقة المواطن بالعمل الحزبي واجندة معظم قياداتنا السياسية المتنفذة. هذه هي الحقيقة التي قد تتفق بشكل أو باخر مع "الفراغ القومي ولا الفراغ السياسي" كما يؤكد السيد اشور كيوركيس خلال مقابلته المذكورة. ولكن الخلل الاكبر باعتقادي يقع في الية الحلول التي أختارها وأصرار الاغلبية من المغتربين على رفض العمل الوطني داخل الوطن والمراهنة من جديد على الاغراءات أوالفضاءات الضيقة التي توفرها خارطة مصالح الدول الكبرى في الشرق الاوسط.
صحيح ان 82 عاما من عمر النظام المركزي الدكتاتوري في بغداد "العروبة" أثبتت، انه من الصعب أن يبنى للعراق الجديد مستقبل ديمقراطي وفيدرالي مقبول في زمن العولمة، من دون أشراك جميع المكونات العرقية والاثنية العراقية الاصيلة بغض النظر عن انتماءها المذهبي والسياسي وفي مقدمتها شعبنا الاشوري ضمن بنيّة النظام الفيدرالي الجديد. هذه هي الحقيقة التي شرعتها بنود وفقرات دستورعراق ما بعد الطاغية صدام حسين، ولا يمكن لاي كائن من كان أن يحجب هذه الحقيقة بغربال العنصرية أوحتى الادعاءات الباطلة، لآن شعب مكة أدرى بشعابها، كما جاء في القول العربي المأثور.
حيث لو رجعنا قليلا الى البدايات الاولى للحكومة العراقية التي شكلها الاستعمار البريطاني عام 1921، وبدأنا في فتح ملف مجلس الامة العراقي الاول زمن الملكية ومرورا بملف المجلس الوطني العراقي عهد الجمهورية بعد ثورة 14 تموز عام 1958وأنتهاء بسقوط الصنم عام 2003، لتعذرعلينا ايجاد فقرة واحدة تشرع وجودنا التاريخي الاصيل في العراق ولا حتى مادة واحدة تقّر علنا بحقوق وهوية شعبنا الاشوري الاصيل رغم أعتباره أول مكون عرقي عراقي سكن وادي الرافدين قبل أكثر من سبعة ألاف سنة. في وقت يمكن للسيد اشور وغيره من المتشككين بالنظام الفيدرالي العراقي، أن يزورا البرلمان العراقي الجديد في بغداد والبرلمان الكوردستاني في أربيل ويلتقيا مندوبي أبناء شعبنا تحت قبة البرلمانين ويناقشا مع نوابنا في البرلمان الكوردستاني أسباب مقاطعتهم لجلسات البرلمان بسبب "التغيب المتعمد" لمن يمثلهم ضمن أعضاء مفوضية الانتخابات الجديدة في كوردستان. هذا الاعتراض الذي دافع عنه بدوره السيد مسعود البارزاني رئيس الاقليم بشدة خلال اجتماعه وممثلي أبناء شعبنا بتاريخ 11 كانون الاول 2014 ووعدهم بعدم التوقيع عليه بصيغته الحالية. صحيح أن الوضع السياسي داخل العراق ليس سمنا على عسل وتحديدا بعد دخول "داعش" على خط الصراع المذهبي الشيعي والسني، ولكن العراق الفيدرالي الجديد سيقف على قدميه لا محالة.
أما الخلل الاساسي في الخطاب السياسي ل " حركة أشور الوطنية" وطروحاتها، هو اصرار الاكثرية من أبناء شعبنا، في عدم الاستفادة من التجارب المرة التي مرّ ويمر بها شعبنا على الدوام، لربما بسبب عدم قراءة الواقع قراءة موضوعية وواقعية طبقا للمستجدات السياسية التي أفرزتها العولمة والتغيير. حيث المفروض بالسياسي أو المثقف، أن يتذكر جيدا أن البلشفية الروسية أو الشيوعية دشنت غزوها نحو بلدان الشرق الاوسط منذ البداية بنقضها لبنود العهد الذي قطعه القيصر الروسي عام 1917في دعم مطاليب الزعيم الديني والدنيوي للبطريرك الاشوري ماربنيامين في الحفاظ على حرية شعبنا الاشوري ومستقبلنا السياسي. هذه الحقيقة التاريخية التي بدأت تطل برأسها من جديد في موقف روسيا الحالي تجاه ثورة الشعوب والاقليات العرقية التي ثارت ضد دكتاتورية النظام البعثي في دمشق، رغم ما يقارب من مائة عام. في وقت يجب أن يقّرالمثقف العضوي قبل السياسي، أن القرارالذي اصدره أوباما من البيت الابيض وليس البيت الاسود كما يدعي السيد اشور كيوركيس في السابع من أغسطس الماضي في توجيه ضربات جوية مدمرة ضد مقاتلي الدولة الاسلامية في الشام والعراق "داعش"، كان سببا في وقف زحف "داعش" وهي على مشارف أربيل عاصمة الاقليم، بهدف القضاء نهائيا على النازحين من المسيحين والايزيدين الناجين من القرى والمدن التابعة لمدينة موصل. فلماذا يجب أن ننكر هذه الحقيقة وألالاف من أبناء جلدتنا يفرشون الحدائق، الابنية التي لم تكتمل وكنائسنا في مدينة أربيل حتى كتابة هذه الكلمات!!
وفي ظل هذه الأوضاع الماسوية يصبح التساؤل المطروح، لماذا يفترض بالقيادة الروسية في كرملن أن تغيير نهجها السياسي فجأة تجاه اشوريي العراق وتدافع عن حقوقهم المهضومة ووجودهم، أن لم يكن هذا التحرك مجرد مناورة سياسية أخرى أو رغبة في كسب بعض التعاطف والاحترام الذي فقدته بسبب اصرارها على دعم دكتاتورية الحزب الواحد في سوريا وصمتها عن الانتهاكات المتواصلة لحقوق المواطنين في كل من سوريا وأوكراينا؟
أما ذكرالسيد اشور كيوركيس ب"عدم ايمانه بالعمل مع النظام العراقي الجديد، لآنه نظام مشابه لنظام البعث والطاغية صدام حسين. وان كل من يعمل أو يتعاون مع ممثلي هذا النظام في الاغتراب، مثله مثل المتعاونين مع أجهزة نظام البعث السابق لانه ليس أفضل منه"، فأنه تجاوز لحدود الانصاف في دفاعه الحماسي عن مشروعه القومي وأهانته لكل العراقيين المؤمنين بالتغيير والتجديد وتحديدا أبناء شعبنا ضمن عراق فيدرالي وديمقراطي. لآن التهمة هذه تذكرنا وردّ الفعل العشائري الذي اتخذه المرحوم مالك ياقو بعد اعتبار العراق أول دول الانتداب انضماما الى عصبة الامم عام 1932، ورفضه لجميع المقترحات "الوطنية" الحكومية منها والبريطانية تلك التي خذلته حسب قوله بعد عدم أقرار الدولتين بزعامة مالك ياقو للامة الاشورية. هذا المزاج السياسي الذي سهل مهمة القوموين العراقيين في خلق الاجواء السياسية المناسبة لتمرير مذبحة سميل الدموية عام 1933.
ومن المنطلق هذا يجب الاتفاق ولو مرة على أجندة وطنية وقومية تتفق وجوهر المستجدات السياسية الحاصلة في العراق الجديد قبل فوات الاوان.
صحيح أن مسيرة أحزاب شعبنا للاسف الشديد، تخللها المزيد من الاخطاء والعثرات في وقت بدأ الشعب يعاني من جديد من تبلد مشاعر الساسة وصناع القرار وجرائم المنظمات الارهابية واخرها منظمة "داعش" الدموية تتفاقم، فأن المرحلة هذه تحث قياداتنا الحزبية ونخبة مثقفينا وجميع شرائح شعبنا من دون تمييز الى تحالف جدي وثيق يتطلب منا جميعا نبذ الخلافات الحزبية الضيقة وطي ملف المهاترات الجانبية في سبيل تأمين الحقوق القومية الوطنية داخل الوطن وتشكيل لوبي ضاغط على المجتمع الدولي بما فيها روسيا بهدف دعم قضيتنا القومية ضمن عراق ديمقراطي وفيدرالي عادل. فعجز أي سياسي أو حزبي أو حتى مثقف عن الاصلاح ليس عيبا ولكن العيب هو في الاصرار في السير في الطريق الخطأ رغم أنين هذا الشعب المثقل بجروح ذاتية وتراكمات سياسية أقليمية ودولية خطيرة وأخرها ظاهرة الهجرة التي باتت تنخر بشدة في جسد شعبنا.