خيبة وخذلان في حضرة بابا الفاتيكان
لويس إقليمسبدءًا، أعترف أنّي اضطررتُ لإجراء تعديلاتٍ على المقال الأصليّ، للتخفيف من حدّة ردّة الفعل التي انعكست على المقابلة التاريخية الميمونة لآباء سينودس الكنسية السريانية الأنطاكية الكاثوليكية لبابا الفاتيكان بصحبة مؤمنين علمانيّين،والتي جرت في الساعة الثانية عشرة من ظهر يوم الجمعة المصادف 12 كانون أول الجاري 2014، ضمن تقليد درجت عليه هذه الكنيسة كلّ خمس سنوات.
ولتبيان جزءٍ يسيرٍ من ردّة الفعل تلك، فقد بدا على الجمع المؤمن المشارك في تلك المقابلة، انقلابُ لهفتِه وشوقِه للتبرّك بمصافحة يدقداسة بابا الفاتيكان،إلى رسالة تساؤل وعتب واحتجاج مبطن، بسبب الخيبة والخذلان من عدم إتاحة تلك الفرصةلزوّارِه القادمين من مختلف بلدان العالم حيث يتواجد أتباع الكنيسة السريانية الأنطاكية الكاثوليكية. حصل ذلك في غفلة من الحضور ووسط حيرة الجميع من الذين كانوا ينتظرون تلك اللحظات الفريدة والسعيدة، والتي من أجلِها تجشموا عناء السفر وتحمّلوا نفقات الإقامة وما رافق ذلك من صعويات ومعوّقات
. وكان لمجموعة صغيرة متلهفة قادمة منالعراق،ومن إبرشية بغداد بالذات، حظٌ بائسٌ من هذا الخذلان غير المقبول وغير المبرَّر، لسبب وجيهٍ، وهو قدومُها للتعبير عن الشجاعة التي كان قداستُه قد وصف بها المسيحيين العراقيين في وقت سابق. كنّا على عدد أصابع اليد ومعنا هدايانا التي تمثل حضارة العراق، التي تؤكّدُ تشبّث المسيحيين بأرض الآباء والأجداد وبتراب الوطن وتراثِه وأهلِه وكنيستِه، بالرغم من تراكم المصائب والصعوبات عليهم من كلّ الجهات. لن أدخل في تفاصيل التبريرات المقدّمة من جهاتٍ عديدة. بل كلّ ما أنوي توضيحَه أن المقابلة لم تكنْ على قدر أهمية الحضور ورمزية الهدفالذي توسّم المشاركون فيها نيلَ شرفِ المصافحة.
تعالت الهلاهل والزغاريد، وأغلبُها صدحتْ بها حناجرُ سيدات عراقيات قادمات برفقة عوائلِهنَّ أو أزواجِهنَّ من العراق ودول الشتات لتترافق مع دويّ التصفيق الحارّ، لحظة إشراقة قداستِه بابتسامتِه العريضةفي إحدى قاعات حاضرة الفاتيكان الفارهة المزركشة بصور وتحف ولوحات نادرة
. وبعد تبادل الخطابات الرسمية بين البطريك يوسف يونان وقداسة البابا باللغة الإيطالية، من دون ترجمة المضمون طبعًا للشعب المستمع الحائر، بدأ فصلٌ آخر من حديث الطرشان باقتصار مصافحة قداستِه من قبل أعضاء السينودس السرياني من رؤساء الأساقفة والأساقفة والخوارنة، ثمّ الكهنة المرافقين لوفود بلدانهم وعدد من الأطفال حصرًا. فيما تمّ إغفال لهفة وأمنية بقية الحضور الذين تجاوز عددُهم المائتين. وقد ذُهلَ المشاركونممّا حصل من فوضى داخل القاعة بسبب سوء التنظيم. ولعلَّ ذلك حصلبسبب عدم تنبيه الجهات المنظمِة لطريقة سير أصول المقابلة، في سهرة الليلة السابقة التي جرى فيها الاجتماع في كنيسة الوكالة السريانية للمشاركة في قدّاس أقيم لمناسبة انعقاد سينودس الكنيسة السريانية الأنطاكية الكاثوليكية.
واستشعارًا لأيّ طارئٍ محتمَل، فقد أُحيط غبطة البطريرك وأساقفة العراق والكاهن المنسق مع الفاتيكان علمًاأثاء حفل الكوكتيل المقام في تلك السهرة، بحرصِ المجموعة العراقية على تقديم هدايا تذكارية بهذه المناسبة الميمونة، إثباتًا للشجاعة التي يتحلّى بها مسيحيّو العراق، تمامًا كما وصفهم قداسةُ البابا. تلكم كانت رغبتُنا، وذلكم كان هدفُنا من المقابلة، وكذا كان هدف سائرِ الحضور وأمنيتُهم التي أتوا لأجلِها، ولم يتحقّق أيٌّ منها! كما لمْ يحصلْ أيٌّمن الجمع الحاضر من الذين لم يتسنى لهم مصافحة قداستِه، حتى على تذكارٍ من دوائر حاضرة الفاتيكان. وإنّي لأعجبُ من سير تلك الزيارة وذلك اللقاء بهذه الطريقة السريعةوالغريبة. ومن حقنا أن نتساءل، كيف تسنّى لمنظّمي المقابلة إهمالُ هيجانِ الجمع المتلهّف ومغادرة قداستِه للقاعة بتلك السرعة غير المتوقعة!؟!
إنّ النصف ساعة اليتيمة التي أمضاها قداسة الحبر الأعظم وسط جمعٍ من أبناء هذه الطائفة المتهالكة، سواءً في لبنان أو سوريا أو العراق بخاصّة، لم تكن كافية لشفاء غليلِها وإشباعِ لهفتِها، نظرًاللمعاناةوالمشاكل والمآسي والهموم التي تعاني منها هذه البلدان الجريحة الثلاثة على السواء. أمّا نحن القادمين من العراق،فقد شعرنا حقًّا، أنّ في الأمر تجاوزًا على تمنياتِنا وحرصِنا واستحقاقِنا في تأكيد أصالة مسيحيتِنا أمام الحبر الأعظم، في هذه الفرصة النادرة السعيدة. كنّا ننوي تأكيد تلك الأصالة المسيحية المتجذّرة أمام قداستِه،
وهو خيرُ العارفين بجذورِها الأولى في أواسط القرن الأول الميلاديّ. تلك الأصالة التي نفخر بها ونجالدُ ونعاندُ بإبقاء جذوتِها في قلوبِنا وفي نفوسِنا وفي كتاباتِنا وردودِنا تجاهَ مَن يستغربُ إصرارَنا على البقاء في هذا الوطن الجريح بالرغم من تكالب الأعداء، داخليًا وخارجيًا، وحتى مِن ذواتٍ في الوسط الكنسيّ، من الذين تورَّطوا مع غيرِهم، من حيث يدرون أو لا يدرون، بحجم مشروع المخطَّط الذي نُسجت خيوطُهضدَّ أهلِهم وعلى بلداتِهم ببيعِ هوية مناطق سكناهم العراقية الأصيلة والتلاعب بمصيرِها بتسليمِهاب"ثلاثين من الفضة" وعلى طبقٍ من ذهب لدولة كردستان العتيدة. وقد باشرت ملامحُ هذا المخطَّط بالظهور هذه الأيام، بعد البدء بعمليات تحرير المناطق المتنازَع عليها،والتي جرى التخلّي عنهاوتسليمُها ل"داعش" قبل أشهر، ضمن صفقة سياسية بدأت إشاراتُها وصورُها هي الأخرى تتكشّف شيئًا فشيئًا، بعد تعرية رموزِها وقادتِها ومَن يقفُ وراءَهم. وها هي اليوم الفرصة قد سنحتْ، لتصريح البعضِ في الإقليم، بأحقية مَن يقومُ بالتحرير الحصولُ على هذه المناطق وضمِّها لكردستان، ضمن ذات المخطَّط الذي نسجتْهُ الاستخبارات الغربية وزعماؤُها وتؤيّدُه اليومَ دولُها ضمنَ إطار التحالف الدوليّ لمحاربة "داعش".
مهما كانَ من أمرٍ، فلنْ اقولَ أنّ في تلك المقابلة، شعورًا بالاستصغار تجاه الحاضرين. ولكنّي أودّ التوضيح أنّنا أيضًا، لسنا أبناء الأرملة، ولا أولادَ الأمة، كي نُحرَمَ من بركة أعظم رجالِ العالم وأكثرِهم تأثيرًا ووضوحًا، حين هزَّ صوتُه الهادر حكوماتٍ وعروشَ دولٍ بأسرِها حينما انبرى بمطالبتِها بإدانة صريحة للأعمال الإجرامية والّلاإنسانية التي قامت وماتزالُ تقومُ بها تنظيمات "داعش" الإرهابية وأمثالُها في كلّ بقاع العالم، أمام مرأى ومسمع الزعماء والقادة والرؤساء. ونحنُ مُسَلِّمون أنّهُ لولا قداستُه وتحرّكاتُه الكثيرة، لما شهدَ العالم هذه الحملة الدوليّة لتجريم هذه العصابات ومحاربتِها بكلّ الوسائل. وهو المصرِّح أيضًا، بجواز استخدام القوّة ضدّ كلّ التنظيمات التي تعتدي على البشر الآمنين وتغتصب وتسبي وتخرق وتستغلّ الإنسانَ الأعزَل من دون وجهِ حقّ. كما نؤكّد، أنّنا سنبقى نعاجًا وخرافًا شجاعة وحرّة لكنائسِنا المشرقية الأصيلة، في القولِ والفعلِ والأداء والنظرة إلى الحياة وتجاربِها، من دون الانزلاق أو فقدان الإرادة وحرّية التعبير وإبداء الرأي إزاءالخلَل أو الخطأ هنا أو هناك. فالشجاعة تقضي أحيانًا كثيرة، إجراءً وقائيًّا وتعبيرًا واضحًا وردّا صريحًا قد لا ينسجمُ مع المعروض القائم، ولكنّهُ مطلوبٌ في كلّ زمان ومكان!
بغداد، في 22 كانون أول 2014