جري (( أفراس ألأعــــوام)) بين خنق الأحلام وثقافة النهب والانتقام


المحرر موضوع: جري (( أفراس ألأعــــوام)) بين خنق الأحلام وثقافة النهب والانتقام  (زيارة 1552 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل حميـد الحريزي

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 282
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
جري (( أفراس ألأعــــوام)) 
 بين
  خنق  الأحلام  وثقافة النهب والانتقام   
 


     


بقلم :-  حميد الحريزي

                   
 ((أفراس الأعوام)) أفراس عراقية عريقة  أتت  محملة بعقود من تاريخ الشعب العراقي وكفاح أحراره من اجل  الحرية والسلام والرفاهية ، هذا التاريخ المثقل بصور الألم والقهر ومشاهد خنق الأمل  ووأد الحلم  بوطن  حر وشعب موحد سعيد ،أحمال الأفراس لم تكن بضاعة تاجر فكر  جمعها من سوق هرج أو سوق سوداء من اجل  تحقيق ربح الشهرة  أو كسب منصب  لدى السلطان  أو ثروة من صاحب ثراء  أو مديح من مزيف تاريخ بل انه ((زيد الشهيد)) هذا الذي ركب المصاعب وخاض حرب الحق والعدل  بوجه الظلم  والقهر  رغم قلة الناصر  وفقر العدة ، هذا الذي صلب على جذع نخلة حتى عششت  في جمجمته الفاختة ........
الرواية  سجل ملاحم الشعوب ، الرواية التاريخية  اعاة كتابة التاريخ المار عبر مرشح الصدق والموضوعية والإنصاف بعيدا عن مؤرخي السلاطين بل بأقلام ، وأفعال المناضلين ، هذه الملحمة  هذا السجل  الأصدق والأنقى  لازال لم يفتح كما يجب  وبما يتناسب مع هول  وعمق وغنى تاريخ الشعب العراقي ، للأسف تاريخ العراق  لم يكتبه أبناءه  كما كتبه  من انتصر للعراقيين من كتاب ومؤرخين عرب وأجانب  ولنا في تاريخ العراق  ل((حنا بطاطو )) أوضح مثال  في مجال علم التاريخ .....أما في مجال الأدب  فليس هناك انصع  من  رواية ((ارض السواد)) للروائي العربي الكبير  ((عبد الرحمن منيف)) ....نرى إن هذا   لم يحدث بسبب  قصور  لا في المؤرخ  ولا في الأديب العراقي  ولكن الكاتب العراقي لم  تثن له الوسادة  ليتمكن  من  توثيق   تاريخه  وخصوصا في المجال الأدبي  وهو  المطارد ، السجين ، المشرد ، المقموع بسوط السلطة  وسوط المجتمع ، فهو المسيج والمكبل بالخطوط الحمراء في كل وقت ومكان ......
لذلك نرى في ((أفراس الأعوام )) للشهيد الحي  فتحا مرتجى  وأملا منتظر  ليسجل الأديب العراقي تاريخ  شعبه  بعين  العارف  القاريء  المتبصر  للحراك الاجتماعي العراقي عبر عقود  مضت  بعيدا عن  عين الرقيب  وارتهان العوز  والحرمان ، يكتب  وهو جالس  خلف منضدة ثابتة وتحت شمس  الحرية  والأمان  خصوصا حينما يكتب الأديب المبدع بنبض  ونقاء وصدق وعطاء ((الشهيد))......بقلم  ((زيد الشهيد))  الحي .



سنابك خيول البداوة تهد سياج(اتحاد الشعب)وتشوه معالم المدينة :-
((ها هو جعفر حسن درجال قد بلغ الستين ..... وما يحدث أمامه ضحى هذا اليوم الثامن من آب 1959 من هرج ومرج، وفوضى لا تطاق في محاولة الفوز بكرسي أو منضدة أو مزهرية  أو مروحة سقفية أو منضدية أو..أو... أو....تلك الأشياء التي أبيح نهبها من مقر (اتحاد الشعب) الواجهة الأمامية للحزب الشيوعي في مدينة السماوة )).ص11.
بهذا المشهد يفتتح الشهيد  وعندها يتوقف قلمه رغم إن الأفراس تظل تجري ، ولاشك إننا نأمل  إن الشهيد سيظل  ممتطيا  صهوتها  فالحكاية لم تنته  بعد  والأفراس لم تصل بعد إلى رياض الحرية ولم ترتوِ  بعد من  واحات السلام والرفاه والتقدم ....
رغم إن الحدث يشير إلى اعتداء همجي سافر ضد  مقر احد الأحزاب الوطنية العراقية  من قبل أعداءه  ومناوئيه ، ولكن  ما  خلف المشهد يمكننا أن نتجاوز وقت الحدث وتاريخه  فتنكشف لنا  هشاشة  لحمة ووحدة واتحاد الشعب العراقي ، اتحاد فقراءه عماله وفلاحيه ومثقفيه  ووطنييه  بعيدا عن هيمنة قوى التخلف والاستغلال والرأسمال  وأتباعه من الإقطاعيين وأدعياء الدين  من وعاظ السلاطين  وهذا هو  سبب عقود من القهر والمصائب  التي مر ولا زال يمر  بها العراق أرضا وشعبا ......
الروائي وعلى  امتداد  روايته بكافة فصولها يروي  قصة صراع البداوة مع المدنية ، هذا الصراع الذي   يتجسد في مختلف الممارسات الإنسانية والحياتية بما فيها السياسية والفكرية والفنية ، في الحب والحرب ، في العمل في الملبس والمأكل  ، في طريقة الحديث ...الخ . 
السؤال  لماذا هذه الهيمنة للبداوة  وثقافة السلب والنهب على أغلبية سكان العراق  ولعقود طويلة  في الوقت الذي غادرتها اغلب شعوب العالم وخصوصا  شعوب العالم الغربي  لماذا (( هم يخوضون في برية الجهل والعماء ))ص164.؟؟؟.
لو عدنا  للتاريخ لوجدنا إن ازدهار  الفكر وعقلية التسامح وإنتاج الثقافة  كان في عصر المأمون حيث بدايات ازدهار العمل المنتج في الزراعة والصناعة  والتجارة ، مما تطلب  فكرا منفتحا  يتناسب مع هذا العمل المنتج فلا إبداع ولا تجارة ولا أدب من دون حرية ، فكان عصرا ذهبيا للفكر ألمعتزلي  فكر العقل  والعقلانية  .... هذا الفكر وهذه الطبقة التجارية حوصرت وتم وأدها من قبل السلطة المطلقة للخليفة الذي لا تنسجم مع  العقل والعقلانية ، هذا الخليفة الذي استطاع إن  يقضي على إرهاصات هذه الطبقة الناشئة  لضعفها كون الدولة دولة ربيعية  لا تعتمد  مواردها من العمل المنتج  ومن دخول أصحاب رؤوس المال  ، فتحول الفكر  إلى زندقة  بنظر السلطان  ومواليهم من كاثوليكية إسلامية قامعة حركة الاعتزال  بروتستانتية العالم الغربي في عصر النهضة الأوربية ، فاحرق المقفع  واحرق الحلاج  ووو...... هذا الحال أدام ثقافة البداوة والجهل والركود الاجتماعي حينما    أوقفت عجلة العمل المنتج  في بلدنا تحت هيمنة الاستعمار التركي والصفوي ، ومن ثم الانكليزي ولحين التاريخ خصوصا بعد إن أصبحت الدولة العراقية تعتمد إيرادات البترول  لإدارة شؤونها   وتمويل أجهزتها القمعية .....
وبذلك لم تنشأ لدينا مدينيه ولا ثقافة مدينيه حقيقية بل ظلت خليط هجين بين  المدينة المظهرية والريف والبداوة  حيث ظلت هيمنة  قيم القبيلة والعشيرة والطائفة هي السائدة  في المجتمع العراقي إن صح عليه توصيف المجتمع إن لم يكن اقرب من كتلة بشرية  غير متجانسة  منها إلى مجتمع مقسم على أساس العمل  ((عمال ، فلاحين ، برجوازية ، إقطاع ، طبقة وسطى ...الخ)).... تجمعهم وتنظم حياتهم نقابات واتحادات  مهنية  ووطنية  ضمن اختيار حر  للإنسان الفرد الحر الواعي لمصالحه ..كما حصل في الغرب الرأسمالي حيث كانت البرجوازية الناهضة هي قائدة التنوير والتثوير ورائدة الديمقراطية في بلدانها  وخلاصها من عصر التخلف والقهر والاستبداد للملوكية المطلقة  وعصر الإقطاع  ومحاكم التفتيش والطبقة الوسطى المشعة فكرا منتجا متنورا في كل الاتجاهات ....  فالسماوة  المدينة  المتريفة  تنقسم إلى محلة شرقية وغربية الغربي فكان نعت سكنته (الغربيون) فيما الثاني اسمه الحي الشرقي فصاروا((أهلها منقسمون في سكنهم إلى حيين يفصلهما سوق طويل ، الأول أطلقوا عليه الحي الغربي فكان نعت سكنته(الغربيون) فيما الثاني اسمه الحي الشرقي فصاروا يسمون (الشرقيون)..))ص21 ، والنجف  تنقسم إلى براق ومشراق  وحويش وعمارة  والى وكرت وشمرت  وهكذا هو حال اغلب   مدن العراق إن صح  تسميتها  بالمدن .... تقسيمات المجتمع الأهلي أللصراع ليكون  فلا برجوازية منتجة   بل برجوازية هجينة طفيلية  وطبقة وسطى هشة تابعة  صنعتها  الدولة لخدمتها وخليط غير واضح المعالم الطبقية من شغيلة المدينة والريف ...... فلم تبرز الهوية الطبقية للصراع  ليكون واعيا  مدنيا  بحق .فالشهيد  يسجل الأحداث وكأن التاريخ يعيد نفسه ما حدث في  8 آب 1959 حدث في  ((الخامس من  تموز 1917))  حيث  تم   فرهود مخزن المؤمن وحدث  في اذار1991 وحدث في نيسان 2003  ......
السلوك  نفس السلوك  وكأن الزمن واقف  لا يتحرك  حيث ثقافة السلب والنهب والغزو  والانتقام ، بسبب الفقر والجهل وتردي الوعي وغياب القوى المنظمة الواعية  القادرة على قيادة الجماهير نحو أهدافها  في الحرية والرفاه والسلام ....بل يعود القهقرى  كما هو حاضرنا الآن  بعد الاحتلال الأمريكي  وبناء السلطة الحاكمة على أساس المحاصصة العرقية والطائفية ، مما ادخل البلاد في آتون حرب طائفية عرقية قذرة   نارها  تنضج طبخات قوى الرأسمال العالمي وخدمه وتديم حكم الطبقة ((الاقطوازية)) المتخادمة مع مصالحه، تحت  رداء الديمقراطية المهلهل  ولا ندري  أية ديمقراطية وأية دولة حداثية مدنية تبنى  من قبل الطائفة والعشيرة  مكونات مجتمع أهلي ما قبل حداثي ؟؟؟؟ 
كتب لنا الشهيد ووثق  هذه  الأحداث  بعين وفكر  الروائي  القدير  كما يقول فوكنر ((على الروائي أن يكتب عن الناس، من خلال تجاربه ، ومشاهداته ، وخياله )) ص50 الرواية في العراق 1965- 1980  د. نجم عبد الله – دار الشؤون الثقافية  بغداد 1987 ط1.
فالشهيد  صاحب تجربة غنية  ومشاهدات  ذكية  وخيال ثر ....وهو يختم روايته عند أحداث 1963 كأنه  يعدنا  بروايات أخرى  تكمل  مسيرته الروائية التوثيقية   وما جرت من أحداث  مهولة تعرض لها الشعب العراقي  من حروب  وحصار واحتلال  وإرهاب  اسود  لازال  يهدد  وجود الشعب والوطن .....
صراع الذات المتمردة والبنية الاجتماعية المتحجرة :-
هل الجديد مجرد رغبة عابرة، أم حاجة ؟؟؟
هل الجديد هو تقليد أم هو ضرورة ؟؟؟
 الإنسان من خلال ممارسته  نشاطاته الحياتية المختلفة  تعترضه عقبات  تتطلب حلولا  من اجل أن تكون حياته  ميسرة  ، كإنتاج قوته من حيث  النوع والكم ،  وملبسه ومأكله، وسكنه.....مما يتطلب  من الإنسان أن يجري التغيرات  المطلوبة  لتكون منسجمة  مع التطور وفق مما يهيئ له أفضل  السبل الحياتية  حيث الرخاء والأمان  والوفرة  له ولأجياله القادمة  فعندما  قرر جعفر أن  يرتدي البنطلون  والطربوش  ليحاكي  زي  الأفندية  كانت  خطوة تحدي لم تأتي في سياقها ، فلو إن  جعفر  كان موظفا  ، ا و إن جعفر عامل  وراء آلة في معمل  لاستجاب  إلى فتوى  العمل  لارتداء بدله العمل  المنسجمة مع طبيعته  فمن الصعوبة بمكان  إن تتناسب الكوفية والعقال والصاية  و ((الدشداشة)) مع قيادة  الآلة في ساحة العمل  لأنها ستسبب له الإعاقة وتعرضه للخطورة ، وعندها سوف يلقى  البنطلون وبدلة العمل القبول  من قبل المجتمع ولا تلقى الرفض والاستغراب .....
كون  السلطة والحكومة  أتت من خارج  المجتمع وليست  هي صناعته  ومتطلباته كمجتمع بدوي بدائي  تحكمه الأعراف والسواني وليس  الحكومات والقوانين  لذلك كانت العزلة بين  موظفي وممثلي السلطات وبقية  إفراد المجتمع مما جعل التواصل  والاختلاط  ومنها التزاوج  من التابوات  والممنوعات   بين  فئة الطبقة الحاكمة  وعموم  المجتمع فلا يمكن اختلاط  المعادن النفيسة بالمعادن الخسيسة ، مضافا إليه كون الحكام  من  طائفة (السنة) محددة  واغلب الفئة  المحكومة  من طائفة أخرى(الشيعة)
 ((الترك لا يعينون موظفا ينتمي لمذهبنا الشيعي، بل من السنة فقط ..نحن شيعة العراق ابتلينا بتهمة انتمائنا لشيعة إيران وهذه البلوى جاءتنا من العهد الصفوي)) ص55 .
هذه الأحكام  لازالت  توجه لسكان الوسط والجنوب من سكان العراق  حتى في  زمننا الحاضر ، فيتهمونهم مرة  بالصفوية  ومرة  بأنهم من ((الزط)) الهنود ، وأخرى النظر إليهم باستعلاء  وإشعارهم بالدونية  ((شروكَية))........
فالمشكلة مركبة  ما جعل أمر  فتح  ثغرات في السياج العازل بينهما  في غاية الصعوبة ، وهكذا كان  حرمان  جعفر الشاب  المواطن العادي  الشيعي(الجعفري) من الاقتران بحبيبته  وهيبة أبنت ((عبد الكريم شوكت) مسئول المال  الموظف الحكومي السني .
الروائي المبدع كان فطنا وواعيا  إلى  واقع  عزلة السلطة  الحاكمة عن الشعب الذي تحكمه  سواء في ظل الاحتلال أو بعد قيام الحكومة الوطنية  التي تزعمها  لأول مرة ملك مستورد ، ثم استمر الأمر  على هذا المنوال  حتى في عصر الحكومات الجمهورية  رغم ادعائها   بأنها من الشعب والى  الشعب ،  فحكوماتنا مخلقة ومصنعة  خارج  رحم  المجتمع  العراقي ، مما  أدام  جدار العزلة  وكره الشعب  للحكومة  ولكل ما يتعلق بها ، وهذا ما يفسر عمليات النهب والسلب والحرق لمؤسسات الدولة والحكومة في مختلف فترات  الهياجانات والاضطرابات   والثورات على مر تاريخ العراق الحديث ....
مما يؤكد رؤية ((وارد السلمان)) الحزين الكئيب  لحاضر ومستقبل  الشعب والوطن  في ظل  هذا  الواقع المؤلم (( رأى فيها مصائر الناس تنشر على حبال الضياع مثل أردية ممزقة وقمصان موحلة ، وآمال تتقطر سوداء كما لو كانت مستلة من حفرة سخام فاحم )) ص168.
عيون ((أفراس الأعوام))  لا تنسى صور أماكنها الأليفة :-

من يقرأ رواية أفراس الأعوام  تتشكل في مخيلته  صورة المدينة ، معمارها ، أسواقها، أزقتها ، مقاهيها ،دور السينما ، التياترو، دوائر الحكومة ، أزياء  الناس حسب  انتماءاتها  ومكانتهم الاجتماعية ...... زقاق ((السبوسة ) شارع (مصيوي) زقاق (المعمل) و(دبغن)، محلتي (الشرقي) و (الغربي)، (الفوانيس)، مقهى ((عطية)) ((القشلة))، ((الصوب الكبير)) و ((الصوب الصغير)) مقر ((اتحاد الشعب)).....
فالروائي الرائع أراد أن يوثق هذه المحلات والأماكن   فبعضها لم يعد لها وجود الآخر  آيل للاندثار  أو لم يبقى سوى اثر .. هذا التجوال  المصور  يعطي القاريء جواز سفر وخارطة دلالة   تجعل  من الإحداث والشخصيات  تتحرك وتتجسد أمامه  وكأنه في دار عرض سينمائي ، وهو في السوق  يستمع برؤيا    الأقمشة المزركشة للقماشين ، ويطلع على سوق الصفارين والحدادين ، ويتفحص هيئة  البدوي  والبدوية ، ورائحة الشاي  والقهوة ،  ونسيم  النهر ، وأبهة السراي   وأزياء الجندرمة ، ومتعة دخول التياترو ، وخصام العشاق  للغجريات  وراقصات إلهيوه ، وفساتين  بهية  وووووو.
كما يضع أمامك كشفا بالأسماء المتداولة ودلالاتها  ((جوخه))  وهيبة ،  ساسون بن داود ، الياس ، شوكت ، نجيه ، زكيه ، ثم طارق    ، قوميات مختلفة أديان مختلفة ، مستويات وفئات  مختلفة .... مما يعكس لدى القاريء اللوحة الخلفية للصراعات وللعادات   وللسلوكيات  ضمن الحراك الاجتماعي  الحياتي  اليومي  للناس .....والسر الكامن وراء سلوكياتهم  وتصرفاتهم .....

الذئبية  تضعف ولا تموت ، الثعلبة مستترة في الكهوف :-

الروائي  يؤكد  من خلال الأحداث  والظواهر  الفردية والجماعية  على  رسوخ  السلوك الذئبي المفترس المتأصل في الذات  البدوية ، كما إن السلوكية الثعلبية  نتاج  محاولات  التطويع  وواقع الارتهان  الحياتي  لعامة الناس من الفقراء  والمقهورين ،  وهيمنة ثقافة الثأر والغزو  والغنيمة  لازالت  سائدة  حتى  لدى سكان المدينة  فغالبا  ما  تنشط  عادات البداوة  خارجة من كهوف اللاوعي  في فترات  انعدام القانون  والفوضى  لتمارس بوحشية  سادرة في القتل والسلب  والنهب  لا يردعها قانون ولا يحد منها  شرع  ولا دين ، فالمدينة  لا تزال ترقد  في أحضان البداوة والصحراء  رغم إنها  سرحت القطيع  وطوت الخيام في الظاهر  على الأقل، هذه الطباع الافتراسية  كانت  ولا زالت  تنشط في عقول وسلوكيات  العراقيين   في المدينة والريف  سواء لمن ارتدى العقال أو  السدارة  أو المتأنق في  ربطة العنق .....مما ينسيه  شعاراته   الديمقراطية  وثقافته الحوارية  ودعواه بالمدنية ....
المدنية  لا تدرك بالأمنيات   بل بالممارسات  استجابة لواقع متحول  ، ففي  المستنقعات لا تتكاثر سوى الاشنات والطفيليات  ولا تطغى سوى  رائحة العفن ....
فقائد الحزب  كشيخ العشيرة كرجل الدين  لا يعلو على قوله قول  ولا يدانيه  احد ، هو الأول ، هو الأعلى ..... هذا ما أثبتته  صراعات القوى والأحزاب السياسية العراقية من مختلف الاتجاهات  والايدولوجيا  والعناوين .......استمر هذا الحال نحو الاسوء  منذ بداية نشوء الأحزاب  في العراق  لغاية الآن إن لم يكن أسوء  مما كانت البداية  ، فقد أصيبت بعدوى العشائرية والتوريث حتى الأحزاب اليسارية  والديمقراطية  فتم وسمها باسم  زعيم  أو قائد  أوحد موحد  غالبا ما يكون شيخ عشيرة  أو  رئيس طائفة  يبقى على رأس الحزب  مدى الحياة ...!!!
حدث هذا كما نرى  بسبب كون هذه الأحزاب لن تأتي نتيجة لحاجة موضوعية  كممثلة لطبقة اجتماعية  قائمة واضحة الملامح والحدود إنما هي نتيجة رغبة  لشخص أو عدة أشخاص من الفئة المثقفة  لمحاكاة  الغرب  المتطور  في العالم الغربي ، مما  ترك للذات  الدور الأول في قيادة وتوجيه  وإدارة هذه الأحزاب ....فاغلب هذه الأحزاب سبقت في نشأتها نشأة النقابات  والمنظمات المهنية لتكون مقدمة  لنشوء  الأحزاب  السياسية ،  لا نريد أن ندخل  في  تفاصيل صيرورة الأحزاب  والمنظمات المهنية  في العراق ، ولكننا كنا نتمنى أن  يصار  إلى تفكر  وتعريف الظواهر  الاجتماعية  وجذورها الموضوعية  وليس مظاهرها  فقط (( الواقع بالنسبة للروائي هو المجهول واللا مرئي، هو مايراه بمفرده ، وما يبدو له انه أول   من يستطيع رصده ، الواقع لديه هو ما تعجز الأشكال التعبيرية المألوفة والمستهلكة عن التقاطه مستلزما طرائق وأشكالا جديدة ليكشف عن نفسه)) ص16-17  الرواية والواقع الموسوعة الصغيرة – ترجمة د. رشيد بن حدو .
 فالروائي ليس ناسخا  للواقع  بل  هو غائصا في أعماقه كاشفا عن خفاياه ، مزيلا عنه  الرتوش  وأصباغ التجميل  أو التشويه ، التضخيم  والترخيم ، إبراز أبطال وهميين  ونسيان  وإهمال دور الفاعلين  الحقيقيين  لصناعات الأحداث  والتحولات ....وهذا  لم نجده  في  رواية ((أفراس الأعوام)) بالشكل المطلوب كما نرى  ...
كما تناول  الروائي  الممارسات  الشعائرية  المغالية  والتي  دخل اغلبها من  خارج العراق  كالتطبير وضرب الزنجيل   والتي يغذيها  بعضا من  أصحاب الثروة والجاه  ممن يدعون  خدمتهم  وإخلاصهم   للمذهب  بعيدا  عن جوهر  ثورة الأئمة والأوصياء عليهم السلام   كثورة الإمام الحسين   من العدل  والمحبة  وترسيخ قيم  التسامح  والمودة بين البشر ، حيث يخاطبهم  قائلا  ((هم يكسبون الجاه والمقام الاجتماعي وانتم  تحرزون الألم  والإرهاق والإعياء .))ص128

   
ففي الوقت  الذي  يجب أن تكون فيه هذه الثورات  حافزا قويا   للطبقات الكادحة  من الفقراء والمقهورين  للثورة ضد  الظلم والاستغلال  واسترجاع  حقوقهم المغتصبة  من قبل  قوى الاستبداد  والاستغلال  ، يجعلونهم  يشعرون  بالذنب  وجلد الذات  وكان لهم  دور في   معاناة ومصائب  ومظلومية  وقتل  الأئمة  والأوصياء ، وكأنهم يبرئون ارستقراطية  قريش من الأمويين وأتباعهم   من أصحاب  الثروة  والجاه  من القبائل  والقادة  من جريمتهم  الكبرى  بقتل   أحفاد الرسول ممن ثاروا   لأجل نشر العدل  وإنصاف  المظلومين   من عامة الناس ، وهذا يسري  على  حرف وعي  الكادحين والمقهورين  عن  رؤية عدوهم  المستغل  المستبد   ومقاومته   في كل زمن  الحاضر والتوجه  لجلد الذات  وتأنيب الضمير  على فعل  هم  أبرياء منه   تماما .....
العشو الفكري وعدم الإمساك  بلب  الحقيقية:-

تردد شخصيات الرواية ما هو متعارف  حول  تقلب  الشخصية العراقية  وعدم  ثباتها في مواقفها من الأحداث والأشخاص  التلون ، القردنة ، الثعلبة ، الانتهازية من عدم الوفاء بالعهد ، التسول الأخلاقي ....الخ ، في وقت  ترفعه على الرؤوس وأخرى  تجره بالحبال ، مرة تقبل  يده   وفي وقت آخر  تقطعها ، مرة تكرمه بإسراف  حاتمي وأخرى  تسلبه وتقتله بوحشية  ذئب مفترس .
فلو إن الباحث تعمق في  دراسته  لطبيعة  المجتمع العراقي  الطبقية وأساليب الإنتاج ،وطريقة العمل وكسب الرزق، لصعب عليه  تشخيص وفصل السمة الطبقية  للفرد  أو للجماعة  وذلك لكون  مجتمعنا مجتمعا مستهلك  في اغلبه  وليس منتجا ..... الخ.ظروف  الضنك والعوز  المادي الذي مرت بها البلاد  خلال عقود طويلة من الزمان  وفي مختلف العهود   تطلبت  من الأغلبية من الأفراد مزاولة أكثر من مهنة وأكثر  من عمل في اليوم الواحد ، مرة  موظف  وأخرى بائع  متجول  أو سمسار عقارات ، أو حرفي صغير ... الخ .
 تقلبات  الأسواق  ومزاجات السلطات وتبدلانها  المتكررة  أدت إلى هزات عنيفة  في المجتمع  وانعكاساتها على  الأفراد  من الغنى للفقر ومن الفقر للغنى  دون  أية  مقدمات  وأسباب وجيه .....
طول فترات  الأحكام العرفية والسلطة  القمعية   وانعدام الحريات   في المجتمع لا من حيث  التفكير أو  اختيار العمل  ولا في تسنم  الوظائف  الحكومية أو الواجهات الاجتماعية .....
كل هذا أدى إلى  ميوعة  الواقع الطبقي  وتداخل  بعضها البعض ، تحولاتها ككثبان رملية متحولة  غير ثابتة ،مما  أنعش حالة  التطفل  والقردنة  والتسول  الأخلاقي  والتلون  وتغيير الو لاءات والانتهازية   والقدرية  من اجل ضمان   مستوى حياة أفضل  وتؤمن سلم  الصعود  في التدرج  الوظيفي  والاجتماعي...... كما انه  أدى إلى لجوء الفرد إلى عشيرته  والى طائفته  للإحساس  بالأمن والأمان ، وليس إلى نقابته  ومنظمته  المهنية ، بسبب هشاشة هذه  المنظمة  وبسبب  تعدد ولاءاته المهنية  كما أسلفنا ، وقد امتد  هذا السلوك  إلى الانتماء السياسي فحيث يكون  شيخ العشيرة  أو رئيس الطائفة  يكون الفرد ، مما  يمسخ الفرد  ويبعده عن  فهم مصالحه ومصالح طبقته  والانجرار وراء  أنانيته   وضيق افقه ....(( رأى مدينة تصحو وتنام على خواء وتهالك  وضياع، رأى صراعا، ونفاقا ، مراءات وأكاذيب ن رأى أحزابا أريد لها أن تنتشل الشعب من مستنقع الضياع ، وتنقذه من براثن الديجور ، لكنها هي من سقطت في هوة  العمى وتاهت في سديم العتم))ص324.؟؟؟؟!!!!
ثانيا :- المستعمر المحتل هو المنقذ المخلص!!! .
من المؤسف  حقا  أن يصاب المثقف((جعفر، الياس )) و الثوري اليساري((وارد السلمان))  بعمى الزيف الديمقراطي  للعالم الغربي ، فيرى في  السارق   القاتل  مخلصا ومنقذا  لغريق هو من ألقاه في اليم  فهل يعقل  إن حالة العمى الفكري وحالة العجز  واليأس  تدفع بالمثقف إن يرى  في المستعمر مخلصا لشعبه ولوطنه  وبلده ، يوجه اللوم لشعبه  وأبناء وطنه  لأنهم  رفعوا راية الكفاح لمقاومة الغزو الاستعماري  الهمجي  تحت ذريعة انه  طريق التحضر والتطور والتقدم والخلاص من  حالة وواقع البداوة  والتخلف  وكان هذا  المستعمر  داعية  خير ومتبرع  خير  نذر نفسه وجنده وثرواته  لخلاص العالم  من  أدرانه وشروره  وضياعه ، بمعنى  إن  الجنة تحت أقدام  المستعمرين (( أفشلت  تجربة أولئك الذين جاءوا  بجيوشهم  الجرارة قبل  أربعة عقود ، رافعين شعار التحرر  لا الفتوح ... الحضارة لا الجهل ، وخرجوا معتقدين إنما بذروا بذرة التغيير التي ستنبت شجرة وارفة تحمل ثمار التقدم الناجز ، والمعرفة الثرة ، والنور الباهر ، والرقي اللافت ، والسرور المتناسل ، والبهجة المهفهفة ، والتحاور  المتحضر ، والتعبير الحر ،  والكتابة المؤثرة ، والتدوين الفاعل ، والفن المحبوب ، والأدب المرغوب ،  والموسيقي الساحرة )) ص324.
يسهب  الكاتب   بلغة شعرية  باذخة الجمال  في وصف  حسنات المستعمر وانجازاته  ورقيه ، متناسيا  إن هذا الوصف ربما ينطبق  عليه في وطنه  ومواطنيه  ولشعبه وليس  لشعب  جاء لسحقه  ويحتل وطنه  بالنار والحديد ، متناغما مع  رسالة صديقه  ((الياس)) المستوطن  في  انكلترا  )). ((الحضارة والتقدم ))(( لقد خسرنا نحن العراقيين دولة لو تعاونا معها  لنقلتنا من جيب الظلام إلى مرفأ الضياء)) ص174.
شعب  ضائع   قاصر لا يستطيع    إن  يبني مستقبل أجياله  ولا أن   يستعيد مجده الغابر  كصاحب أول حضارة في التاريخ  أبهرت  العالم  في الغرب  قبل الشرق  يتوالى عليه الدخلاء  وهو سادر في نومه وسباته  المميت ،  نرى إن الوطني  والمثقف   يتحسر آسفا  على  هذا الدخيل  المخلص ((  وجاءهم الدخيل الثاني ليطبق عليهم ما مطبق عليه، كان يريدهم أن يخلعوا كل ثيابهم  ليغدوا عراة ، ثم يهبه ثيابا له قاسها على مقاساته لا على مقاساتهم ، لم يتوان ولم يتأمل ولم يرعو ، وهذا هو خطؤه الفادح، لم يحسب حساب زمن صرفه في ارتقاء  سلم التحضر  فجاء ليلغي حساب ذلك  الزمن على شعب  داهمته المفاجآت، فترجمها تحطيم ارث  وتهشيم كرامة  ونيلا من وجود ))ص177!!!
فيبدو كهارب من  عضة كلب  سائب  إلى جحر  ذئب  مسعور ، استعمار لم يخلف سوى الفقر والخراب  ونهب الثروات  والخيرات  وتكريس التخلف ، ولنا في  الاستعمار  الأمريكي  خير  دليل  مكرسا العرقية والطائفية وفكك كل مؤسسات الدولة  فادخل البلاد في  متاهات  الإرهاب والخراب  والاقتتال الطائفي  والعرقي  وأخرها  ((طنطل))  داعش  الإجرامي....... فهل  لأي وطني عراقي أن يتأسف  رحيل البساطيل الأمريكانية  الغازية  ، بدعوى  تخليصنا من  الديكتاتورية الصدامية  وكأنها لم تحكم العراق إلا برعاية أمريكا  وحلفائها  سعيا منها  لمحاصرة  المعسكر  المعادي  ومحاربة الشيوعية ، حيث  قدم البعث  أعظم  الخدمات لسيد البنتاغون .
ثالثا :- تبنيه  لرموز سلطة  لا شاغل لها  إلا قمعه ...
((أعتبر نفسك ولدي، وأنا أبوك ... أرجو وان تزورنا.وإذا رغبت أن تعيش بالأمنيات:)) ص322.
الوهم الذي  يهيمن على  عقلية  العراقي الواعي ((جعفر)) ناهيك عن المواطن العادي  كون الأجهزة القمعية  وأفرادها هم   من الشعب واليه ، في الوقت الذي تبرهن  كل الحقب وكل تاريخ هذه الأجهزة  كونها ملك يمين الطبقة الحاكمة  تأتمر بأمر الحاكم  متناسية  كونها  من الشعب  وإنها يفترض أن تحرص على سلامته وأمنه  وضمان  حريته  لا إن  تسهر الليالي  لإحصاء أنفاسه  وسكناته  وحركاته ، فغالبا  ما يكون الجلاد  من أكثر  الناس فقرا وحرمانا  وجهلا  بحيث  يكون سوط السلطة لجلد  مواطنيها  ممن  يعارضونها  أو يعترضون  على بعض  سلوكياتها  وفسادها  وعسفها  واستئثارها بالثروة  والجاه دون وجه حق ، وخصوصا  بالنسبة للقوى الشيوعية واليسارية  التي عانت من القمع  والتشريد  والقتل والإبعاد والتعذيب والحرمان  في مختلف الحقب  في زمن  الملكية ...
((أمر سري ومستعجل ، استدعي فيه جميع رؤساء دوائر القضاء ومدراء النواحي ، وفيه قرأ مفوض الأمن التابع للقائمقامية برقية سرية ومستعجلة من وزارة الداخلية ، تحذر من وجود تنظيم حزبي جديدو هدام لهيكلية الدولة والمجتمع يدعى ((الحزب الشيوعي)).))ص204.

خذ الشهادة واشطب كل الأمنيات :-

 لازالت ذاكرتي تحفظ مضمون  عبارة  من رسالة لطارق عزيز  عضو قيادة حزب البعث في 1978 حينما انللنساء،بهة الوطنية بين الشيوعيين والبعثيين ،  مخاطبا الشيوعيين     واضعا  أمام  قيادتهم  خيارين  إما الانضواء  تحت خيمة الحزب القائد وإما أن يحقق  لهم  أمنيتهم  في الشهادة .......
هذا هو قدر الشيوعيين  ((حزب الشهداء)) كما يفتخرون  هم  وقواعدهم ، في مفارقة كبيرة ، فهم من يريدون  أن  يبنوا  الحياة الحرة المرفهة للإنسان ، من  يريدون أن ((يجلبوا  الجنة من السماء إلى الأرض)) ،  و في ((عالم يسمعون عنه أن أناسه تعيش الحرية الانعتاق بلا فقر ولا دجل.. النساء تصاحب الرجال، والرجال لا يسيرون إلا بمصاحبة النساء، عالم رجاله يعشقون العمل كعشقهم للنساء ، ونساؤه كالفراشات تهفهف في حقل عالم الرجال ... الالسلطات تقولسويا في المعامل والحقول...)) ص50.
كما تصورهم  الروائي  الشهيد،هذا الفصيل الوطني  المكافح  من اجل ((وطن حر وشعب سعيد)) وقد اعتلى مناضليه  أعواد المشانق  من  اجل رفاه وسعادة الشعب  ومن اجل حرية واستقلال الوطن ، رغم ذلك  ناصبه العداء الحكام في مختلف العهود الملكية والجمهورية على حد سواء  والأقسى من ذلك  أن يكون جلاديه   من الفقراء والمعدمين  من عمال وفلاحين وكسبه   ممن  تبنى  آمالهم وطموحاتهم  وخلاصهم من القهر والعبودية والاستغلال ...... نتيجة  للتجهيل والتضليل  وشد العصائب على العيون  من قبل  الإقطاع المتحالف مع   وعاظ السلاطين من أدعياء الدين  وعملاء الاستعمار .
((ليس غريبا إن انهال شرطي بهراوة على درويش بائع الخضار أمام أنظار المارة في السوق، لأنه شك في انه استخدم قطعة قماش حمراء ينظف بها الفاكهة المغبرة ، ما يدلل على انه شيوعي يناهض بها رجال امن لديهم أمر بملاحقة الشيوعيين، ذلك إن كل شيء احمر صار يثير توجس الشرطة))ص315.
في كل تاريخ العراق  لا تتفق القوى الظلامية  وعملاء الاستعمار  ووكلاء الاحتكارات البترولية  إلا على محاربة الشيوعيين ، ولنا في ما حصل  في انقلاب  شباط الفاشي حيث يواجه الشيوعيون وأصدقائهم أشرس حملة إبادة وتصفية  وتشريد  في  1949 بإعدام  فهد  ورفاقه  وفي 1963 بإعدام  سلام عادل وعشرات من الشيوعيين  والشيوعيات  واغتيال وإعدام العشرات  من الشيوعيين  خلال حكم البعث بعد ـ1968بالاضافة إلى مجزرة عيسى سوار في 1974  ومجزرة بشتاآشان  في كردستان العراق ، خير دليل على ذلك . وكان السلطات  تقول  للشيوعي خذ الشهادة واشطب  كل الأمنيات  كما  عبر عنها طارق عزيز  في 1978.
ورغم كون الشيوعيون   هم الأكثر  قوة و- سا ودعما   لثورة 14 تموز 1958  وقيام الجمهورية العراقية ودفاعا عن الزعيم  عبد الكريم قاسم ، فان الزعيم  رمز السلطة  كان  ينتشي  ويمتلئ زهوا   حد الغرور  حينما  تهتف آلاف  الحناجر من الشيوعيين  وأنصارهم  من  العمال والفلاحين والكسبة والطلبة والشباب  والمثقفين رجالا وتساءا  (( عاش زعيمي عبد ألكريمي))، رافعين صوره  باعتباره القائد  الأوحد والزعيم المحبوب فماداموا   كذلك  فهم  ملائكة  وبناة الوطن  وأحباب الزعيم  ولكنهم سرعان  ما يكونون  من أعداء الثورة  والزعيم  ومن القوى الهدامة  وتكون ((الشيوعية كفر والحاد )) حينما  يكتمل الشعار والهتاف  بمطلب مشروع واستحقاق واجب  (( الحزب الشيوعي بالحكم  مطلب عظيمي)) ، فتصدر الأوامر  لأجهزة القمع بإغلاق مقراتهم واعتقالهم كما  حصل  في  ((الثامن من آب 1959))
   
ليقدم رأسه ورأس الثورة  ومناصريها إلى الفاشية القومانية  الاسلاموية  خادمة الاحتكارات البترولية  في انقلابها الأسود في 8-شباط 1963على طبق من ذهب  نتيجة خوفه من الجماهير  رغم أنها رفعته على  الرؤوس، وكان ما كان  مع الشيوعيين  من قتل واختطاف  ونفي......
فلا ادري  كيف تأمن القوى اليسارية والديمقراطية  لأجهزة قمعية  إنما أسست  من اجل مراقبة  ومعاداة الشيوعيين وأنصارهم  في مختلف  الحقب  الملكية والجمهورية  الديكتاتورية والديمقراطية .؟؟؟؟

 أفراس الشهيد تتخطى العديد من المحطات:- 

بسبب طول  الفترة الزمنية  التي تغطيها  الرواية  ومحاولة الكتاب  إن  يحصر  أحداث الرواية بما يجري في مدينة السماوة ، فقد  تجاوزت  ولم تتوقف أفراسه  عند الكثير  من  المحطات  المهمة  من  تاريخ الشعب العراقي  رغم إن لها  اثر أكيد  على  الأوضاع في السماوة  كغيرها من  مدن  العراق ، مثلا  انتفاضات الشعب العراقي في 48  و56 وثورة 1958  إعدام  قادة الحزب الشيوعي  العراقي عام 49 وإصابة الزعيم  وإعدام الطبقجلي  ورفاقه  في  محاولة الشواف الانقلابية  وغيرها من الإحداث الهامة  التي   هزت  كل مدن وقصبات   وحتى أرياف العراق  في أقصى الشمال والجنوب، مقاومة القوى المحافظة لقانون الأحوال الشخصية ، ومعاداة المقاومة الشعبية ، وهستيريا الإقطاع من  قانون الإصلاح الزراعي، ومطالبة القومانيين  بالوحدة الفورية الاندماجية مع مصر وسوريا ،  ربما  الروائي اختزن الكثير من هذه الأحداث الهامة  لرواية أخرى   في هذا الجنس  الروائي المهم  في بلد  مثقل بالأحداث التي  لم توثق ولم تسجل  روائيا لحد الآن ....وهذه مهمة  الأدباء العراقيين  في وقت نتلمس فيه  نوعا  من حرية  التعبير والتفكير  وان  لم ترفع بعد العديد  من الخطوط الحمراء  من أمام المفكر والمبدع والكاتب  فلا زال هناك   الكثير  المكرس  لتقديس الشخص والنص  يحذر الكاتب   من الاقتراب  منه أو مسائلته ......

أسلوب السرد  في ((أفراس الأعوام )):-

((يمكن تشبيه البداية، البيضة المخصبة ، التي تتحول مرحلة بعد أخرى إلى كائن متكامل الأعضاء سوي الخلقة، مجسدا لسمات النوع البيولوجي المنسل منه، ومختلفا عنه في تفاصيل هيئته ومشاعره وطريقة تفكيره)9 ص15 د. احمد العدواني بداية النص الروائي- مقاربة لآليات تشكل الدلالة- المركز الثقافي العربي ط1 2011
كان الراوي الرائع  زيد الشهيد  قد  ابتدأ روايته  بداية موفقة  بمشهد السلب والنهب  لمقر الحزب الشيوعي العراقي في السماوة عام 1959 ،  هذه الظاهرة الخطيرة  المترسخة في ثقافة  شعب   كان ولازال  يمارس بدواته  على مختلف المستويات  حيث إعادته إلى مشهد  نهب وسلب مركز التموين  للسلطة العثمانية عشية دخول الانكليز  للعراق  وطردهم للأتراك ،  وقد احتلت هذه الظاهرة   حيزا مهما   في المشهد الروائي  حيث  يتكرر النهب والسلب  سواء  لثكنات  المحتلين  أو لمحلات   ودور  المواطنين  زمن الفوضى وضعف السلطة المركزية ، فالراوي  يفتح  في 1959  ويختم  بها روايته   لتجري أفراسه في مضمار  جري  دائري  مغلق، وكأن الكاتب يؤشر  تكرار الأحداث نفسها وان  حدثت في أشكال  ومبررات  ووسائل مختلفة  كدلالة لعدم  حدوث أي تغير نوعي هام  في ثقافة العقل الجمعي  كمؤشر  للتحضر  والديمقراطية   والتمدن ،وهذا  أمر  يتطلب معالجة خاصة ،فهذا السلوك ليس جينة بيولوجية  للعراقيين  ولكنه نتيجة  ظروف  اقتصادية اجتماعية سياسية  كرست  هذه  الظاهرة ، فالازدواجية ((الوردية )) ليست جينا  بل طبعا مصنعا  يمكن  التخلص منه ....
أفراس الشهيد  أفراسا أصيلة   تحمل  فارسا عراقيا وطنيا  يأمل  ويحلم  ويعمل  من اجل  عراق  حر ديمقراطي   مزدهر  ، يخلع  رداء البداوة  والتخلف   ليرتدي رداء التقدم والتحضر   ليس بالضرورة  من الجينز الأمريكي  أو معطرا بالعطر الأوربي ،ولكنه  يتسع لدولة مدنية حداثية  متطورة وشعب  مرفه  سعيد  رائع إن يكون  قماشه وفصاله  وخياطته   بأيدي وطنية  متنورة .....حسب ما أوصى به ((الياس)) صديق  جعفر بل  ضمن رؤية ((علوان السلمان)) وعقلانية ((جعفر حسن درجال)).... موظفين حب ((فارض العلوان وجابر الدخيل)) لمدينتهما  والوقوف صفا واحدا ضد العدو الغازي ووفاء وكرم البدوي في عرب((الشيخ لهمود)).... لبناء عراق حر وشعب سعيد  أمل كل العراقيين ...
تميزت العديد  من  فقرات  الرواية  بأسلوب  شعري  طافح بالعذوبة والبلاغة  والوصف باذخ الجمال ، مما ينعش روح القاريء  ويمتع ناظريه  بأجمل صور الطبيعة ، الحقيقية  أو المتمناة في الخيال .....
((الكاتب الكبير هو بالضبط الفرد الذي يستطيع في ميدان معين، مثل ميدان العمل الأدبي(أو الرسم، أو الفكرة، أو الموسيقى...)أن ينجح في خلق عالم متخيل متماسك أو اقرب ماسكون إلى التماسك المطلق ، بحيث تتلاءم بنيته  مع البنية التي تصبو  إليها المجموعة))ص245 مبادئ تحليل النصوص الأدبية- الدكتور بسام بركة، الدكتور ماتيو قيدر- الدكتور هشام الايوبي- مكتبة لبنان  ناشرون – الشركة المصرية العالمية للنشر- لونجمان ط1 2002.
والعراق بلد الإبداع  والأدب ، بلد العقول المبدعة  في كل المجالات  ومنها الأدب  ، لابد أن يكونوا  في مستوى هذه المهمة الإبداعية  في قراءة التاريخ  وتفكر الأحداث قراءة جديدة  متنورة منفتحة  موضوعية  لتؤشر مسارات  المستقبل  الآمن السعيد ...
في الختام  نود إن  نشير إلى إننا   أولينا  مسالة  تأويل الحدث  والإيغال  في تحليل الواقع  ومؤشراته  ومدى قدرة  النص على  استيعابه  وتنوير كهوفه  وزواياه التي لازالت  غير مضاءة  كفاية كما نرى  وخصوصا  في الرواية التاريخية ، مما أصبح حيز هذه الدراسة  يضيق أمام  الدخول  إلى أبواب أخرى  كلغة السرد  والخطاب  وطبقات الرواة ومستويات السرد ... الخ ،لأننا  نرى تأشير قصور الوعي  وإزالة غمامة الفهم في التحليل  والتأويل   يحتل  الأولوية  في وقتنا الراهن  ن مرحلة  التفكيك والبناء  والتركيب  للوصول  إلى نموذج  حياة هو الأمثل  والأكمل  تحلم به  أغلبية أبناء العراق  بغض النظر عن قومياتهم وأديانهم  وأجناسهم .....
تحية حب وتقدير للروائي المبدع القدير ((زيد الشهيد)) لعمله الروائي كعمل مميز ضمن جنس الرواية التاريخية التي لازالت الساحة الأدبية والثقافية العراقية تفتقر لها ....