رياضة روحية لزمن المجيء للأب غدير الكرملي عبر النت ( من 30-11 الى 24-12 )

المحرر موضوع: رياضة روحية لزمن المجيء للأب غدير الكرملي عبر النت ( من 30-11 الى 24-12 )  (زيارة 727 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

رياضة روحية عبر النت: زمن المجيء (30 تشرين الثاني-  24 كانون الأول 2014
سلسلة الرياضات الروحية عبر النت
مع الرهبانية الكرملية في العراق
رياضة روحية لزمن المجيء 2014بعنوان:
»السير نحو الميلاد ...
تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
هذه هي الرياضة الروحية الخامسة مع الكرمل، في سلسلة رياضات روحية عبر النت، والتي بدأناها عام 2012. هذه الرياضة خاصة بزمن المجيء الذي يبدأ عشية الأحد الأول لزمن المجيء والمصادف في هذه السنة يوم30 تشرين الثاني
بعض المعلومات عن السنة الطقسية بحسب الطقس اللاتيني:
السنة الطقسية تبدأ بالأحد الأول لزمن المجيء وتنتهي بالأسبوع الأخير من الزمن الإعتيادي. وطوال هذه السنة الطقسيةتحتفل الكنيسةبين هذين الحدثين بسر المسيح بأكلمه، أي من الولادته وإلى مجيئه الأخير (الذي يُسمى أيضًا المجيء الثاني).
تتكون السنة الطقسية من نوعين من الأزمنة: الأزمنة الكُبرى، والزمن الإعتيادي. الأزمنة الكبرى تتضمن: زمن المجي، الميلاد، الصوم الكبير وزمن القيامة، والتي نحتفل في كل واحد منها بِسِرٍّ معين من أسرار الخلاص، بينما الزمن الإعتيادي، بحد ذاته، لا يحوي أي سرٍّ محدد، لكنه بالأحرى يحتفل بكل سر المسيح، خاصة يوم الأحد. إن الزمن الإعتيادي مقسوم إلى 33 أحد، بعمر المسيح، بالإضافة إلى الأحد الرابع والثلاثين وهو الأخير، ويقع فيه عيد يسوع ملك الكون، والذي تنتهي به إذن السنة الطقسية دائماً.
carmeliraq_family@hotmail.com
هو العنوان الألكتروني الخاص بالرياضات الروحية عبر النت، فنرجو الكتابة لنا على هذا العنوان فيما لو كان لديكم أية رغبة بخصوص الرياضات الروحية أو أي إقتراح ترغبون في إشراكنا فيه وشاركوه مع أحباكم وأصدقائكم ممن يودوا استلام الرياضات الروحية أو الكرازات الأسبوعية.
لعيش رياضة روحية مثمرة، ندعوكم إلى مواقف ثلاث:
    تكييف المحتوى: بما أن إنتظاراتكم هي مختلفة تماماً، فالبعض سيجد مادة الرياضة سطحية والآخر سيجدها معقدة وغير مفهومة الخ.. أي ستكون هناك خيبة أمل عند البعض. عليكم إذن أن تميزوا وتختاروا، من محتوى الرياضة الروحية المُرسَل إليكم، ما يساعدكم في طريقكم الروحي.
    صلوا:  سيكون للنصوص المستَلَمة فائدة ما، فقط إذا أخذتم بعض الوقت للصلاة مع هذه النصوص وبمساعدتها.  ليس هناك رياضة روحية حقيقية بدون وقت مخصص للصلاة الشخصية! مع النصوص المرسلة إليكم ستجدون جدولاً بالنصوص الطقسية اليومية لكل يوم من أيام زمن المجيء؛ يمكنكم إذن أن تقرئوا أثناء الرياضة، النصوص الخاصة بكل يوم والتأمل فيها قليلاً، وستكون لكم مثل الخبز اليومي.
     الشركة: نحن نسير سوية في طريق المجيء نحو ميلاد الرب يسوع من خلال شبكة من العلاقات الروحية. لنخصص بعض الوقت للصلاة من أجل بعضنا البعض، ومن أجل كل من يحتاج إلى صلاتنا، ولا ننسى بالأخص أن نصلي من أجل السلام في بلدنا وفي العالم، ومن أجل النازحين والمتعَبين بسبب أوضاع بلدنا الجريح.
أتمنى لكل واحد منكم رياضة روحية مباركة ... وليتمجد أسم ربنا يسوع إلى الأبد!
السير نحو الميلاد ...
ها إن السير نحو الميلاد قد بدأ... الكثيرون منكم قد عاشوا معنا خبرة الرياضة الروحية عبر النت. إنها لَفُرصَة كبيرة أن نعيش طوال زمن المجيء في التأمل في سر مجيء الرب يسوع وإتخاذه جسدنا، وكذلك الإصغاء إلى كلمة الله، ونحس أننا لسنا وحدنا بل عديدون في مختلف أنحاء العالم نقوم بنفس الشيء. وأن نقوم بذلك عبر النت هو بالتأكيد فرصة ونعمة، لكن في نفس الوقت، هو شيء متطلب...  فرصة ونعمة لأننا لسنا وحدنا في هذا الطريق: هناك الآلاف يسيرون معنا ... فأنا لا أعيش إيماني وحدي، لكني أعيشه مع الكنيسة. لكنه أيضاً متطلب، لأننا يجب أن نقوم ببعض الخطوات والجهود كي نستطيع الإستمرار حتى نهاية الطريق دون أن نمل أو نتعب أونتوقف في منتصف الطريق.
فنحن في هذه السنة، سنتأمل كل يوم ولمدة شهر كامل في كلام الله، والكتاب المقدس بيدنا، وعلينا إذن الإنتباه على الرغم من مشاغلنا وظروفنا الصعبة، التي ستدفعنا إلى التوقف وترك كلمة الله إلى يوم آخر. هدف الملاحظات التالية هو مساعدتكم عملياً في السير في طريق الميلاد هذه السنة؛ وعلى أيِّ حال، المهم في هذه الإرشادات هي أن تجعلنا لا نمل ولا تُثبَط عزيمتنا وهمتنا وأن نستمر في السير حتى النهاية في طريق الميلاد. ربما سيبدو الطريق طويل، لكن تذكروا أننا نسيره سوية مع أناس كثيرين غيرنا وعلينا أن نصلي بعضنا للبعض الآخر.
ماذا يقترح عليكم طريق الميلاد هذه السنة؟
سنقترح عليكم في طريق الميلاد لهذه السنة 2014 نصوصًا يومية. ستستلمون الملف الخاص بالأحد (وهو الأهم والأكبر) يوم السبت عادةً (إذا كانت خطوط الإتصالات سهلة!)، وبعدها تستلمون كل يوم أو كل يومين النصوص الخاصة بالتأمل اليومي وهي نصوص قصيرة ترافقنا في تأمل النص الخاص بكل يوم.
إنجيل كل أحد سيكون هو النور الذي ينير أيام الأسبوع التي تليه.
 باختصار إذن ستستلمون ما يلي:
1) يوم الأحد:
*مدخلاً للموضوع الذي سنركز عليه طوال الأسبوع
* تأملاً في إنجيل الأحد.
* نصًا من التراث المسيحي بالعلاقة مع الموضوع.
2) من الأثنين وإلى السبت: سنصغي إلى كلام الله بحسب قراءات اليوم:
*مدخلاً للنص الكتابي (القراءة الأولى أوالإنجيل المقترح لكل يوم).
*تأملاً قصيراً في النص الكتابي لليوم.
*صلاة نحاول تكرارها في ذلك اليوم، تُدخلنا في شركة مع كل السائرين معنا نحو الميلاد في مختلف الأماكن.
ما هي المواضيع التي ستقودنا تأملاتنا؟
المواضيع التي سنتأمل فيها طوال زمن المجيء مرتبطة بنصوص الآحاد:
- الأسبوع الأول(من30 تشرين الثاني– 6 كانون الأول): الله الذي يُخَلِّصمن خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
- الأسبوع الثاني (من 7 – 13  كانون الأول): الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
- الأسبوع الثالث (من 14 – 20 كانون الأول):  الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده عهداً مع الإنسان.
- الأسبوع الرابع (من 21 - 24 كانون الأول):الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
كيف نعيش هذه المسيرة نحو الميلاد؟
لعيش هذه الرياضة الروحية كل أسبوع، ربما من المستحسن أن تحددوا في يومكم وقتًا ثابتًا (نصف ساعة على الأقل)، وكذلك مكاناً مناسبًا، مخصَّصًا لعيش مسيرتكم نحو الميلاد.  ابدئوا  بقراءة محتوى ملف اليوم المرسل لكم: مدخل ونص كتابي. خذوا وقتًا للصمت كي تطلبوا من الروح القدس أن يساعدكم على استقبال هذه الكلمات كغذاء في مسيرتكم في ذلك اليوم.  أعيدوا قراءة النص ببطيء، ولأكثر من مرة. ركزوا على عبارة في النص، أثَّرَتْ فيكم أكثر من غيرها. تأملوا فيها أمام الله وليس وحدكم! لا تنسوا بأنه موجود فيكم ومعكم وأن هدف الرياضة أو الصلاة هو أن تدخلوا في علاقة معه وليس أن تصلوا مع أنفسكم وأفكاركم مهما كانت جميلة. راجعوا حياتكم ببساطة على ضوء النص. أنهوا التأمل اليومي باتخاذ قرار عملي بسيط يمكن عيشه في ذلك اليوم أو في اليوم التالي، واختموا بالصلاة المقترحة عليكم، أو أية صلاة أخرى تدخلكم في علاقة مع الله شاكرين له كل نعمه وحبه لكم.
الأسبوع الأول من زمن المجيء (من30 تشرين الثاني– 6 كانون الأول):

الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
* مدخل للموضوع الذي سنركز عليه طوال هذا الأسبوع:
"ما أقوله لكم، أقوله للناس أجمعين: اسهروا."
ها هي الكنيسة، كل الكنيسة، مدفوعة بأمر الرب يسوع هذا، تبدأ مسيرة زمن المجيء ...
اسهروا.. يطلب منا يسوع. لكن لماذا علينا أن نسهر؟

لأن الرب آتٍ .. وعلينا أن نستقبله. هذه هي رسالة الكنيسة. فالرب يسوع يأتي ليخلص العالم، وعلى الكنيسة أن تسهر كي تستقبل الخلاص باستقبالها المخلص. هنا يكمن فرحنا الحقيقي. فالمسيح، ولكي يخلص العالم، أراد أن يمر بنا، أن يمر بهذا الباب الذي هو قلبنا. إنه يأتِ ليلتقي بنا (ليلمسنا، ليتعرف علينا، ليمكث معنا) لكي يُخَلّص العالم. ونحن بدورنا، لا نستطيع إستعجال هذا الخلاص الذي نرجوه إلاّ بدخولنا في هذا اللقاء الحقيقي، الشخصي، الحميم مع الرب يسوع.

فكرة الدخول في علاقة حقيقية وحميمة مع الله ربما ستخيفنا. فعندما نعي المسافة الكبيرة الموجودة بين قداسة الله وطيبته وجماله، وبين فقرنا وضعفنا وخطيئتنا، هذا سيدفعنا للوهلة الأولى أن نتخلى عن هذا اللقاء ونعتذر ونتركه للآخرين. لكن الله لا يمكنه أن يخلص العالم بدوننا، بدون المرور بنا؛ لا يمكنه أن يخلص العالم بدون أن يلتقي بنا. لذلك أزال بنفسه هذه المسافة. هذه هي المعجزة العجيبة والمدهشة التي نحتفل بها في عيد الميلاد. فالله نفسه يتجسد، يأخذ جسدنا، يتحد به كي يزيل ويلغي كل مسافة. وسيتمم هذا الإتحاد بآلامه وموته. لكن السر، سر الخلاص، يبدأ هنا في الميلاد.
لا تنسوا أبداً بأن هذا اللقاء بين الله وبيننا هو الهدف النهائي لحياتنا على الأرض. في يوم من الأيام سنعيش إلى الأبد في حضوره .. متحدين به ..نصبح أشباهه، كما يشبه الأبن أباه، ونشاركه حياته نفسها. إن الخلاص الذي نرجوه ما هو إلا حياة في الشركة مع الله. لكن هذا اللقاء بين الله وبيننا هو أيضاً الوسيلة التي اختارها الله كي يحقق ويتمم هذا الخلاص.. إنه الخطوة التي اختارها الله لكي يتمم مخططه العجيب لنا. إن إلهنا هو إله يخلصنا ليس بعصاً سحرية، لكن من خلال مجيئه وبلقاءه بنا.. من خلال مجيئه لملاقاتنا.
إذن، سنحاول في هذا الأسبوع الأول من زمن المجيء، أن نكتشف هذا الإله العجيب، ونتأمله .. هو الذي يأتي لملاقاتنا، سنحاول أن نستقبله، وأن ننفتح على هذا اللقاء. إن الله يتمنى وينتظر ذلك منا. سنصغي إلى "كلمته"، كي نستقبل إرادته. سنحاول أن نثق به .. أن نؤمن به؛ سنحاول أن ننفتح لكلماته المُخَلِّصة. سنحاول كل ذلك سوية. في الكنيسة. من أجل العالم.
*تأمل في إنجيل الأحد الأول من زمن المجيء (30 تشرين الثاني)
مرقس 13: 33 - 37
في ذلك الزمان قال يسوع لتلاميذ بخصوص مجيئه الثاني:
"احذروا واسهروا، لأنكم لا تعلمون متى يحينُ الوقت. فَمَثَلُ ذلك كمثل رجل سافر : وقبل أن يترك بيتَه، فَوَّضَ الأمرَإلى خدمه، كل واحد وعمله، وأوصى البواب بالسهر.
فاسهروا إذاً، لأنكم لا تعلمون متى يأتي ربُّالبيت: أفي المساء أم في منتصف الليل أم عند صياح الديك أم في الصباح،لِئَلا يأتي بَغتَةً فيجدَكُم نائمين. وما أقوله لكم، أقوله للناس أجمعين: اسهروا."
احذروا واسهروا ...
إن كلمة "اسهروا" مكررة أربع مرات من قبل يسوع في هذا النص.
إنها "كلمة السر" بالنسبة ليسوع، والتي بها نستطيع أن نكتشفه كل يوم في حياتنا. قال يسوع هذه الكلمات مباشرة قبل أن يترك تلاميذه نحو الآب، فطريق آلامه (في إنجيل مرقس) يبدأ مباشرة بعد نصنا.
يا رب، ، أنك تُلِّح، وتطلب منا أن نبقى "حذرين ، ساهرين".
في عشية جتسمانية، كنت تَعْلَم بأن تلاميذك لن يتحملوا ما سيحصل وسيتخلوا عنك. لكن مع ذلك، حاولت  أن تُنبههم وتحذرهم من الإستسلام: "اسهروا"، "اسهروا"، "اسهروا"، "اسهروا"!
أنت تعيد علينا اليوم يا رب، نفس هذا الطلب الملِّح.
احذروا ...
استخدم يسوع هذه الكلمة مرات عديدة في سياق "الصراع". فالسهر والحذر لا يمكن أن يتما دون صراع وكفاح. الحذر هنا هو نوع من الإنتباه واليقظة المفرطة في حالة الخطر. فعلينا إذن "أن ننتبه ونكون يقظين" كي نستطيع أن نسمع كلمة الله ، وإلاّ سنمر بجانبها أو لا نفهمها (مرقس 4: 12). يجب أن "نحذر" كي نتجنب "خمير الفريسيين"، وإلاّ سيتسلل داخلنا دون أن نحس بذلك. (مرقس 8: 15، 12: 38). يجب أن "نحذر" من هؤلاء الذين  يتنبؤون ويتكهنون بالمستقبل كما لو كانوا يعرفوه حقاً (مرقس 13: 5 ، 13: 23).
القديس بولس، سيستخدم هو أيضاً لغة مشابهة للتكلم عن السهر والحذر. سيقول أن علينا أن "نكون يقظين" .. "أن نستيقظ من النوم" (رومة 13: 11). كما لو كنا جميعنا أمام خطر الوقوع في السُبات؛ فخطر أن ينام ضميرنا أو يتخدر يواجهنا باستمرار. وبالتالي ردود أفعالنا في الدفاع لن تعمل بعد كما يجب ... لهذا علينا "أن نستيقظ من النوم" أن نتيقظ. ولكي يتكلم عن "السهر"، لا يتردد القديس بولس من استخدام عبارات الحرب: "أسلحة" السهر (رومة 13: 12، أفسس 6: 10، 1 تسالونيقي 5: 6. 8).
أيها الرب يسوع، أنت تقول لي اليوم أيضاً "إحذر، تَيَقَّظ". فالحياة المسيحية تتطلب صراعاً ضد قوىً، من الممكن أن تكون أقوى مني. إجعلني يا رب أبقى ساهراً دوماً، حتى نهاية حياتي، يوم أراك وجهاً لوجه.آمين.
لأنكم لا تعلمون متى يحينُ الوقت ...
كان تلاميذ يسوع قد طرحوا عليه هذا السؤال حول نهاية العالم ومجيئه الأخير: "قل لنا متى تكون هذه الأمور، وما تكون العلامة أن هذه كلها توشك أن تنتهي" (مرقس 13: 4).ويسوع لم يجب على هذا السؤال. هناك نبوءات مختلفة وفي كل الأزمنة، تحاول أن تتكهن بنهاية العالم. ويسوع أجاب على ذلك ولمرة واحدة ونهائية: "أنتم لن تعرفوا متى سيحدث ذلك." فيسوع لا يريدنا أن نعيش في الأحلام، لا بالماضي، ولا بالمستقبل: بل يطلب منا أن نركز على "الوقت الحالي"، على "الزمن الحاضر"، على "اللحظة الحاضرة"، على "اليوم":"اسهروا إذن، لأنكم لا تعلمون ... كونوا دوماً جاهزين .. حاضرين."
الأب شارل دي فوكو كان قد اتخذ العبارة التالية شعاراً له: "حاول ان تعيش كل يوم كما لو أنك ستموت هذا المساء."
فَمَثَلُ ذلك كمثل رجل سافر : وقبل أن يترك بيتَه، فَوَّضَ الأمرَإلى خَدَمِهِ، كل واحد وعمله ...
إن الله يبدو ظاهرياً "غائبًا"، مثل رجل سافر! صورة مؤثرة، يستخدمها يسوع، تُعَبِّر بشكل تام عن الشعور الذي نختبره في الكثير من الاحيان: "ما أبعدك يا رب! أين أنت يا رب!" لكن الإنجيل يبين لنا بوضوح بأن زمن الغياب هذا، بالنسبة ليسوع، هو ليس أولاً زمن المصائب والصعوبات والقلق، لكنه زمن المسؤولية: فكل واحد من الخدم استلم مهمة.. كل واحد أعطي عملاً يقوم به ويهتم به ... كل واحد موكول إليه مسؤولية الإشتراك في بناء الملكوت.. كل واحد وعمله. ويمكن أن نفهم من القصة كما لو أن "السيد" سافر عمداً، لكي يعطي أهمية أو مكانة مهمة لخدمه، وحتى لا يكون دوماً فوقهم ويضغط عليهم.. وكأنه يقول لهم: هاكم، خذوا مسؤولياتكم، أنتم لم تعودوا أطفالاً، قرروا، فكروا، أنا أثق بكم... أعطيكم "كل سلطان لتحقيق مهمتكم"!
يا رب، إجعلنا نستحق هذه المسؤولية التي أوكلتها لنا: في عائلتنا، في عملنا، في مدينتنا، في هذه الجماعة أو تلك في الكنيسة.
وأوصى البواب بالسهر ...
في الليل، "البواب" لديه أهمية كبيرة وخاصة جداً، بما أنه هو مَن تقع عليه مسؤولية "السهر" خاصة، كي يحمي البيت من أي هجوم محتمل، وأن لا يفتح الباب لأَيٍّ كان، وان يكون أول من يفتح الباب للسيد عند رجوعه من السفر. القديس مرقس اعتاد على أن يميز دور بطرس في جماعة الرسل الإثني عشر. فبتمييزه "البواب" عن الآخرين من "الخدم"، يريد أن يُلَمّح بأن يسوع يدعو رعاة الكنيسة وبشكل خاص إلى "السهر": فبطرس، والبابا والأساقفة، هم المسؤولون الأولون عن "سهرِ وتَيَقُّظِ" كل "شعب الله"، على مثال البواب الذي يسهر على كل أهل البيت.
يا رب، أصلي لك من أجل مَن يقومون بهذه الوظيفة في الكنيسة اليوم.
فاسهروا إذاً، لأنكم لا تعلمون متى يأتي ربُّالبيت ...
تكلم يسوع في بداية مثله اليوم عن زمنٍللغياب .. ويعلن أيضاً زمنًا للرجوع.. للعودة...
نحن نسير نحو هذا اللقاء. لا ننسى هذا الهدف.
يا رب، في يومٍ ما، سأراك، وجهاً لوجه، وسأعرفك حقاً، كما أنا معروف من قِبَلِك (1 قورنتس 13: 12). إن الحياة المسيحية ما هي إلاّ السير بإتجاه لحظة اللقاء هذه.
يأتي ربُّالبيت ... في المساء أو في منتصف الليل أو عند صياح الديك أو في الصباح ...
من الغريب أن يسوع لا يقترح رجوعاً إلاّ في الليل! مع أنه في تلك الأيام، وبسبب خطر الطرق، لم يكونوا يسافروا أبداً في الليل. إذن تركيز يسوع على رجوع السيد في الليل، وهي ملاحظة غير منطقية ولا واقعية بسبب ما ذكرنا، لها معنىً رمزيًا عميقاً، نراه في كل الكتاب المقدس: "الليل"، هو وقت الظلمات، وقت "قوى الظلام" (لوقا 22: 53، مرقس 14: 49، أفسس 6: 12). الليلهو إذن وقت التجربة، وقت الإختبار... ففي الليل خاصة علينا أن نكون "حذرين وساهرين"! العهد القديم ينتظر زمن مجيء المسيح كزمن فيه تنتهي الظلمات كي تترك المكان للنور. "أيها البواب، أيها الساهر، ماذا بقي مِنَ اللَّيْلِ؟"، يسأل النبي، كي يُعَبِّر عن هذه الفكرة (أشعيا21: 11). والقديس بولس، لكي يحُث على الرجاء من جديد، يقول: "قَدْ تَنَاهَى اللَّيْلُ وَاقتربَ النَّهَارُ"(رومة 13: 12). والكنيسة عندما تنعلن ميلاد المسيح في قداس الليل، ترنم نشيد أشعيا الجميل (9: 1): "الشعب السالك – أو السائر- في الظلمة، أبصَر نوراً عظيماً."
السهر أثناء الليل. السهر أثناء الصعوبات... الحفاظ على الرجاء حتى عندما نكون في الظلام والعتمة... أن نصمد عندما يبدو كل شيء حولنا ينهار..وُلِد فجر جديد في ليلنا، لكي يُخَلّص شعبه، الله سيأتي. ما أجمل أن نؤمن بالنور عندما نكون في الليل! أعطنا يا رب هذه النعمة!
 القديس يوحنا الصليبي، الروحاني الكرملي الشهير، اشتهر بكتابته حول هذا الموضوع: الله هو هنا، خلال حياتنا الأرضية، مثل نَبعٍ خفي، حاضر بشكل أبدي ودائم، لكن في الليل!
عند صياح الديك ...
 إن تلميح مرقس الإنجيلي، السكرتير الخاص لبطرس، مباشر وواضح. ففي عشية آلامه، في عشية جتسمانية، عندما "نام" بطرس بَدَل أن "يسهر" مع معلمه، في عشية هذه الليلة المأساوية حيث سيُذَكِّر صياح الديك بطرس بأنه أخفق في "السهر" (مرقس 14: 72)، يسوع يطلب من "بواب" الكنيسة أن يسهر. لكننا نعرف بأنه سيفشل في ذلك. كم تُذَكِّرنا خطية بطرس هذه أو نكران بطرس هذا عند صياح الديك، بأن الكنيسة هي إنسانية. وكم يدعونا هذا إلى أن نكون متواضعين ونقبل ضعفنا وضعف الآخرين أيضاً!
لِئَلا يأتي بَغتَةً ...
إن الله يصل دوماً بغتَةً! بشكل غير منتظَر أو متوقَع! بشكل مفاجيء! ويمكننا القول ربما بأن هذه هي إحدى عادات الله: ففي كل مرة نظن فيها أننا فهمنا الله أو أمسكنا به، نكون فيها في الحقيقة لم نفهم أي شيء.
يا رب، اكشف لنا حضورك الخفي في حياتنا، وإجعلنا نكون دوماً جاهزين لزياراتك المباغتة.
فيجدَكُم نائمين ...
أمام الله، نحن دائماً نائمين بعض الشيء... مُفاجَئين بزيارته لنا... علينا إذن أن نخرج من هذا النعاس .. من هذا السُبات الروحي، من هذا الفتور أو الخمول. علينا أن نتبنى أسلوباً فعالاً، نشيطاً، بدل أن نترك أنفسنا في أغلب الأحيان عُرضةً للنعاس.
يا رب، أبقِنا ساهرين .. منتبهين.
ما أقوله لكم، أقوله للناس أجمعين: اسهروا ...
بالنسبة ليسوع، "حضور" الله هو موجود منذ الآن، في قلب الأحداث التي نعيشها: يا رب، إجعلنا ساهرين، يقظين لحضورك. نَجِّنا من هذا النعاس، من هذا الفتور، الذي يجعلنا نخفق في اكتشاف "مجيئك" المستمر. فها هو زمن المجيء ، زمن "السهر" يبدأ ...

*نص من التراث المسيحي:
من كتابات القديس أفرام السرياني
اسهروا وتنبهوا لأن الرب آتٍ
  ليمنعَ السيدُ المسيحُ تلاميذه من سؤالهِ عن وقتِ مجيئه قال: " فأما ذلكَ اليومُ وتلكَ الساعةُ، فما من أحدٍ يعلمهما، لا ملائكةُ السماواتِ ولا الابنُ، إلا الآبُ وحدَهُ. وليسَ لكم أن تعرفوا الأزمنةَ والأوقاتَ "(متّى 24/ 36؛ أعمال 1/ 7).
أبقى ذلك مكتوماً، لكي يحثنا على السهرِ، وليفكرَ كلُّ واحدٍ منا أن الأمرَ يمكنُ أن يحدثَ في زمنه. لو كشفَ الربُّ في أيِّ وقتٍ سوف يأتي لفقدَ مجيئه عنصرَ الشوقِ والرغبةِ فيه، ولما بقيَ موضوعَ رغبةِ الشعوبِ والأزمنةِ التي سيظهرُ فيها. قالَ إنه سيأتي، ولم يقلْ متى سيأتي. ولهذا تنتظرهُ جميعُ الشعوبِ والأزمنةِ بشوقٍ كبير.
  لقد حدَّد الربُّ علاماتِ مجيئه، إلا أنَّ موعدها بقيَ غامضاً. لأن هذه العلاماتِ تأتي بصورٍ كثيرة، وتأتي وتذهبُ وقد تكونُ قائمةً حتى اليوم. وسيكون مجيئه الأخيرُ شبيهاً بمجيئه الأول.
  في السابقِ انتظره الأبرارُ والأنبياءُ، وظنوا أن ظهورَه سيكونُ في أيامهم. كذلك ينتظره اليومَ بعضُ المؤمنين ويرغبون في رؤيتهِ ويظنون أنه سيظهرُ في أيامهم. ذلك لأنَّ زمنَ مجيئه غيرُ معروف. وهذا هو السببُ الأهم: لئلا يحسبَ أحدٌ أن الله مقيدٌ بزمنٍ أو بقضاءٍ ما، هو من تخضعُ لقدرته الأعدادُ والأزمنة. ما حدَّده هو يعرفه هو. فكيف يكونُ له مكتوماً، وقد حدَّد هو علاماتِ مجيئه ؟ وصفها هذا الوصف حتى يظنَّ ويتوقعَ كلُ جيلٍ وكلُّ زمنٍ أنه سيأتي في أيامه.
  اسهروا لأنه عندما ينامُ الجسدُ يسيطرُ الضعفُ على طبيعتنا. وليس ذلك بإرادتنا، ولكنه يتمُّ بقوةِ دفعِ الطبيعةِ نفسها. وعندما يسيطرُ على النفسِ سباتٌ عميقٌ مثلُ الضعفِ أو القلقِ والاضطرابِ يسيطرُ عليها العدوُّ. أمَرَ السيدُ المسيحُ بالسهرِ لكلا النفسِ والجسد: للجسدِ ليحذرَ النعاس، وللنفسِ لتحذرَ النعاسَ والضعفَ، كما قال الكتاب: "اصحوا، أيها الأبرارُ"(راجع 1قورنتس 15/ 34)، وأيضاً "استيقظتُ ولا أزالُ معكَ"(راجع مزمور 139/ 18) وأيضاً: "لا تفترْ همتكم. أما وقد أعطينا تلك الخدمة رحمةً فلا تفترْ همتنا"(2قورنتس 4: 1).
الأب غدير الكرملي

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الأثنين 1 كانون الأول 2014 : قَلبٌ مخلوقٌ  للسلام
"تعالوا ، لنسِر نحو  النور!"
يجب أن نكون قد اختبرنا السير في الظلمات .. في الصعوبات، كي نفهم هذا الفرح وكل هذا الرجاء الموجود في نصّنا اليوم والمأخوذ من سفر أشعيا النبي. فالشعب الذي يعيش في الظلمات، لا يستطيع أن يتجه نحو النور. بل هو لا يعرف حتى من أين يأتي النور. لكن يكفي أن يبزغ هذا النور ويطلع في الأفق ولو قليلاً كي يتوجه الكل نحوه. "تعالوا نصعد! تعالوا نَسِر! إن الشعب هو مَن يسير نحو الله، لكن الله هو الذي يُسَبِّب فعل السير هذا. لأنه هو النور..الله يأتي للقاء الإنسان مثل النور .. النور الذي يجذب .. النور الذي يُخلِّص.
إن هذا النور المعطى من قِبَل الله كي يجذب الإنسان نحوه، هو كلمته. إنه يأتي ليحكم على القلوب ... ليس بمعنى الإدانة، لكنه يأتي كي يُنيرها، وكي يكشف لنا لماذا خُلِق قلبنا في الحقيقة. فقلبنا لم يُخلَق من أجل الحرب. وإنْ كان يدخل باستمرار في صراعات، فذلك لأنه مجروح بسبب الخطيئة، إنه مغلَق .. مسدود.
لكن في أعماقه، تبقى هناك رغبة في أن يُلقي السلاح..إن قلبنا مخلوق للسلام.  ونور الخالق وحده، يمكنه أن يكشف لنا ذلك.
لا تخافوا من النور. فهو يأتي كي يُخَلِّصنا. اليوم، علينا أن نترك أنفسنا نُخَلَّص من قبل الله.. لندعه يخلّصنا.. هذا يعني أن نترك كلمته تخترق أعماق قلبنا، كي تتمكن من أن تُنير ما في داخلنا وتشفيه .. فكلمة الله تُنير وتشفي .. تكشف حقيقة قلبنا وتعيد إليه السلام.
نص اليوم:     أشعيا 2: 1 - 5
1اَلأُمُورُ الَّتِي رَآهَا أَشَعْيَا بْنُ آمُوصَ مِنْ جِهَةِ يَهُوذَا وَأُورُشَلِيمَ:
2وَيَكُونُ فِي آخِرِ الأَيَّامِ أَنَّ جَبَلَ بَيْتِ الرَّبِّ يَكُونُ ثَابِتًا فِي رَأْسِ الْجِبَالِ، وَيَرْتَفِعُ فَوْقَ التِّلاَلِ، وَتَجْرِي إِلَيْهِ كُلُّ الأُمَمِ. 3وَتَسِيرُ شُعُوبٌ كَثِيرَةٌ، وَيَقُولُونَ: «تعالوا نَصْعَدْ إِلَى جَبَلِ الرَّبِّ، إِلَى بَيْتِ إِلهِ يَعْقُوبَ، فَيُعَلِّمَنَا مِنْ طُرُقِهِ وَنَسْلُكَ فِي سُبُلِهِ». لأَنَّهُ مِنْ صِهْيَوْنَ تَخْرُجُ الشَّرِيعَةُ، وَمِنْ أُورُشَلِيمَ كَلِمَةُ الرَّبِّ. 4فَيَقْضِي بَيْنَ الأُمَمِ وَيُنْصِفُ لِشُعُوبٍ كَثِيرِينَ، فَيَطْبَعُونَ سُيُوفَهُمْ سِكَكًا[1] وَرِمَاحَهُمْ مَنَاجِلَ. لاَ تَرْفَعُ أُمَّةٌ عَلَى أُمَّةٍ سَيْفًا، وَلاَ يَتَعَلَّمُونَ الْحَرْبَ فِي مَا بَعْدُ.
يا ربي يسوع، بتجسدك جئت تقدم نفسك نوراً لقلوبنا.
وكلما تعيش فينا، كلما يستنير قلبُنا ويكتشف حقيقته التي خُلِق من أجلها.
كلامك الذي يدخل قلبنا اليوم، هدفه أن يُحييهذه الحقيقة النائمة في داخلنا .. أن يوقظها من سباتها.
تعال واكشف لنا هذه الحقيقة! تعال يارب .. تعال وخلصنا


غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي


3رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
الثلاثاء 2 كانون الأول 2014 :السماء تلتقي بالأ
"الأَرض تَمتَلِئُ من مَعرِفَةِ الرَّبّ"
فرعُ يخرج من جِذعٍ ..إنسانٌ يولد من الأرض، وروح الرب ينزل ويحل عليه. إن إعلان أشعيا المتعلق بمجيء المسيح مذهل وعجيب. فالسماء هي من تأتي للقاء الأرض .. الروحُ هو من ينزل ويحل على الجسد .. الله يأتي لملاقاة الإنسان من خلال إتحاده به بروحه القدوس.
في زمن كتابة النبي لهذا النص، كانت ذرية داؤد منتهيةً تقريباً، ونسله المتعاقب كان قد ابتعد شيئاً فشيئاً عن الرب، ملقيًا على الشعب الخزي والمصائب، إلى أن وقع السبي وأُجلي الشعب، وكان ذلك نهاية المملكة.
لكن مع ذلك، وبعيداً عن أرضه، استمرت القلة الباقية من الشعب ترجو الرب .. استمر الرجاء حَيًّا في قلوبهم. فمن هذا الفرع، المائت تقريباً، سيقوم وينْمي غُصنٌ ، والذي هو المسيح. هو ثمرة الأرض. لكن الخبر الجميل والعجيب، هو أن الله سيأتي ويُحِلّ روحَه عليه. الإله العلي كلّي القدرة، يأتي للقاء البشرية المُذَلّة، ويهب روحَه لابن الإنسان .. روح الله هذا، بكماله، بملئه، سيقيم ويقود كل كيان هذا الابن
إن عطية الروح القدس هذه لهذا الإنسان- الإله، ولأنه يأتي كي يصالح البشرية مع الله، ستحقق مُصالَحَةً تعانق وتحتضن وتشمل كل الخليقة. وبفضل هذا الإتحاد، تصبح معرفة الله ممكنةمن جديد.
إن الله يأتي لملاقاة الإنسان ويفتح له ويفتح له باب المعرفة هذا، أي باب الدخول في علاقة معه والتعرف عليه.
نص اليوم:     أشعيا 11: 1 - 10
في ذلك اليوم يَخرُجُ فَرعٌ مِن جذعِ يَسَّى، والد داؤد، وَينْمي غُصنٌ مِن أُصولِه، ويَنزلُ علَيه روحُ الرَّبّ، روحُ الحِكمَةِ والفَهْم والمَشورَةِ ، روحُ القُوَّة والمعرفةِ وتَقوى الرَّبّ، ويبتهجُ بمخافة الرَّبّ. لا يَقْضي بِحَسَبِ ما ترى عَيناه، ولا يَحكُمُ بِحَسَبِ سَماعِ أُذُنَيه، بل يَقْضي لِلضُّعَفاءِ بِالعدل، ويُنصِفُ الضالمين بكلامٍ كالعاصا، ويُميتُ الشَريرَ بِنَفخَةٍ مِن شَفَتَيه. ويَكونُ العدلُ حِزامًا لوسطِهِ، والحقُ مِئزَرًا حولَ خَصرِه. فيَسكُنُ الذِّئبُ مع الحَمَل، وَيربِضُ النَّمِرُ بجانب الجَدْيِ، ويَرعى العِجلُ والشِّبلُ معاً، وصَبِيٌّ صَغيرٌ يَسوقُهما.تَرْعى البَقرةُ والدُّبُّ مَعاً ويَبيتُ أَولادُهما معاً، والأَسَدُ يَأكُلُ التِّبنَ كالثَّور، ويَلعَبُ الرَّضيعُ على وكرِ الأَفْعى، ويَضَعُ يدَهُ في مَكمَنِ الثعبان. لا يُسيئُ أحدٌ ولا يُفسِد، أينما كان في جَبَلي المُقَدَّس،  لِأَنَّ الأَرض تَمتَلِئُ من مَعرِفَةِ الرَّبّ كما تملأُ المِياهُ البَحر. في ذلك اليَومِ يرتفع أَصلُ يَسَّى القائِمُ رايَةً لِلشُّعوب، تطلُبُهُ الأُمَم ويَقيم المجد في مَوطِنِهِ.
ربي يسوع .. أيها المسيح.. ابن الله الممتليء بالروح،
أنت يا مَن وحدك تعرف الآب ، ومحبوبٌ من قِبَله، نُسَبِّحك ونسجد لك.
بإشراكنا في حياتك، تُشركنا أيضاً بروحك القدوس، وتدخلنا في هذه المعرفة، التي هي مصدر وينبوع كل مصالحة.
إننا نثق بك يا رب .. ورجاؤنا قوي بك. إجعلنا ننقادُ لتعليمك بتواضع وثقة .. قُدنا أنت يا رب بنفْسك، وَحِّدنا بك .
يا رب، تعال وخلِّصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي


4رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
الأربعاء 3 كانون الأول 2014 :نار الإيمان
إلى أقاصي الأرض بشارتهم
لنستمع اليوم إلى تعليم بولس: إن الله يأتي للقائنا عبر الإيمان .. من خلال الإيمان ! قد يبدو ذلك مفارقة كبيرة .. أو تناقض غريب؟ فالله يأتي كي يخلصنا. يأتي يخلِّص مَن يدعون اسمه. لكن كيف ندعوه دون أن نؤمن به أولاً؟ السر هو أن الإنسان عندما يدعو الله ويستغيث به، هناك، قبل توجه الإنسان هذا نحو الله .. هناك عطية مسبقة وأولى من الله. فالله هو مَنيسبب فينا الإيمان حتى نصرخ إليه.. كي يأتي ويخلصنا. إذن حتى هذه الشرارة الأولى هي عطية من الله ..  هي خطوة الله الذي يأتي للقائنا.
مالذي بقي علينا نحن أن نفعله إذن؟
علينا أن نمسك بهذه الشرارة، ونسمح لها أن تشعل فينا نور الإيمان هذا .. علينا أيضاً أن نقدم له، أو أن نسَلِّم إليه فكرنا وإرادتنا، لكي يُنيرها هذا النار، ويحولها،  ويعطيها بالتالي قدرة جديدة. إن عطية كلمة الله التي تنير قلوبنا وتكشف لنا حقيقتنا وحُريتنا .. وعطية الروح القدسالتي تدخلنا في معرفة الله، يمكن أن تُصبحا فينا، إذا فتحنا قلوبنا، قوىً للخلاص. إذا آمن قلبنا بقوة كلمة الله وعملها الفعال فينا، وبفعل الروح القدس فينا، إذا اعترفت شفاهنا بأن يسوع هو الربّ، لا شيء عندها يستطيع أن يمنعنا من استقبال قوة خلاصه.
نص اليوم:     رومة 10: 9 - 18
9إذاشَهِدْتَ بِفَمِكَ أن يسوع ربٌّ، وَآمَنْتَ بِقَلْبِكَ أَنَّ اللهَ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، نِلتَ الخلاص.10فالإيمانُ بالقَلبِ يقودُ إلى البِرِّ، والشهادةُ بالفمِ تقودُ إلى الخَلاصِ. 11لأَنَّ الْكِتَابَ يَقُولُ:«كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يَخيبُ». 12لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَغير اليهودي، لأَنَّ الله رَبُّهُم جميعاً، يفيضُ بخيراتِهِ على كُلِّ مَنْ يدعوهُ. 13 فالكتابُ يقول: «كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ».
14ولكنْ كيف يَدْعُونَهُ وما آمَنوا بِهِ؟ وَكَيْفَ يُؤْمِنُونَ بِمَنْ لَمْ يَسْمَعُوا بِهِ؟ بَلْ كيفَ يَسْمَعُونَ بِه وما بَشَّرَهُم أحدٌ؟ 15وَكَيْفَ يُبَشِّرُهُم وما أرسَلَهُ الله؟ والكتابُ يقول:«مَا أَجْمَلَ خُطواتِ الْمُبَشِّرِينَ بِالخَيْر». 16ولكِنْ ما كُلُّهُم قَبِلوا البِشارةَ. أما قالَ إشعيا:«يَارَبُّ، مَنْ آمَنَ بما سَمِعَهُ مِنّا؟» 17فالإِيمَانُإِذًامن السَّماعِ، والسَّماعُ هوَ مِنَ التَّبشيرِ بالمَسيح.
18غيرَ أنِّي أَقُولُ: أمَا سَمِعوا؟ نعم، سَمِعوا، فالكتاب يقول: «إِلَى الأَرْضِ كُلِّها وَصَلَ صَوْتُهُمْ، وَإِلَى أَقَاصِي الْمَسْكُونَةِ أَقْوَالُهُمْ».
ربي يسوع .. أنت حاضر فينا بكلمتك وبروحك القدوس،
أنت مُتَحِّد بنا إلى الأبد، ونحن نؤمن بأنك ربنا وإلهنا.. إننا نؤمن بهذا ونكرر إيماننا هذا كل يوم.
فأنت يارب، بمجيئك، سَبَّبت إيماننا هذا.. نسبِّحك وندعوا دوماً باسمك..
فبحقِ كلمتك المزروعة فينا، تعال وامْلُك على قلبنا .. تعال يا  رب، تعال وخلِّصنا!


غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

5رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
الخميس4 كانون الأول 2014 :شريعة المحبة عند الله
"لدينا مدينة حصينة"
إن الله يأتي للقائنا كي يهيأ مدينة.. مدينة منيعة.. مدينة حصينة لكي تستقبل وتحمي من يستنجد به .. تحمي مَن يريد أن يحتمي بالرب. العيش بالإيمان يتطلب أن نكون محميين من قبل الله، لأن العيش بالإيمان هو أن نعترف بهشاشتنا وضعفنا ونقبلها، ونعيشها مع الله. يجب أن نعترف بأننا لسنا أقوياء بحد ذاتنا .. وهنالك في أعمق أعماقنا رغبة للحب لا حد لها، قدرة على الحُب، وضعها الله فينا. لكن طبيعتنا قد جُرِحَت، فأثَّر ذلك على هذه القدرة، وبدأ قلبنا يميل بعدها إلى الإنطواء على ذاته، كي يحمي نفسه، حتى لا يتألم. ولكي يبقى قلبنا منفتحاً، يجب أن يكون الله نفسه هو من يحميه.. علينا أن نتركه يقوم بذلك، أن نسمح له بذلك .. فالله وحده هو مَن يمكنه حماية قلبنا، علينا أن نَكِله إليه .. أن نعهد به له كي يحميه. إنه هو وحده يستطيع أن يجعله يبقى منفتحاً كي يُحِب، مهما كان قلبنا هَشًّا وضعيفاً.
إن الله جاء، في ابنه، واتخذ ضعفنا البشري، ليلتحق بنا ويخلص أثمن ما نملك. لقد أعطانا يسوع قانونًا..  شريعة للمحبة لكي نبقى منفتحين دوماً، فشريعة المحبة هذه لن تسمح بعد لقلبنا أن ينغلق أبداً. فأن نطيع المسيح، هذا يعني أن نبقى دوماً منفتحين على الآخرين. وعندها، سيأتي هو بنفسه ويزرع فينا المحبة التي يطلبها منّا. إنه هو قوتنا.. هو القوة في ضعفنا. هكذا إذن، العيش بالإيمان يتطلب أن نبقى معه في هذه العلاقة الحيوية، الضرورية للحياة، والتي بها وحدها سنستطيع أن نُحِبَّ حقاً.
 اليوم :أشعيا 26: 1 - 6
1فِي ذلِكَ الْيَوْمِ يُنشَد هذا النشيدُ فِي أَرْضِ يَهُوذَا: لَنَا مَدِينَةٌ مَنيعةٌ! حَصَّنَها الرّبُّ لِخَلاصِنا بأسوارٍ ومتاريسَ.2اِفْتَحُوا الأَبْوَابَ لِتَدْخُلَ الأُمَّةُ الوفيَّةُ للرّبِّ، الأُمَّةُ التي تحفَظُ الأمانَةَ. أنتَ يا ربُّ تحفَظُ سالِمًا مَنْ يَثبُتُ ويحتَمي بكَ. 4تَوَكَّلُوا عَلَى الرَّبِّ إِلَى الأَبَدِ، لأَنَّ الرَّبَّ صَخْرَةُ البقاء. 5 يَخْفِضُ سُكَّانَ الْعَلاَءِ، ويَحُطُّ الْمدينةَ الْشَّامِخَةَ، يحُطُّها إِلَى الأَرْضِ. يُلْصِقُهَا بِالتُّرَابِ. 6لتَدُوسُهَا أَقْدَامُ الْمَسَاكِينِ، وتطَأَها أرجُلُ الفُقراءِ.
 ربي يسوع .. أنت صخرتنا وتريدنا أن نستند عليك. فهشاشتنا وضعفنا لا تغيران شيئًا فيك، بل من خلالها تستطيع، أنت، أن تصبح قوتنا، كي نستيطع أن نحب، وأن نهب ذاتنا، وأن نصبح أحياء. رجاءنا هو أنت يا رب، أنت الحَيّ فينا. أنت حياتنا، تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

6رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
الجمعة5 كانون الأول 2014 :شريعة المساكين
"سيُقَدِّسونَ اسمي
إن الله يأتي للقائنا من خلال وعوده، والتي يتممها شيئًا فشيئًا كلما آمنّا بها. واليوم في نصنا، يَعِدُ الله بأن يُرجعَ الفرح للمساكين والمتواضعين، بتخليصهم من أعدائهم. والإنسان مخلوق لكي يجد الفرح. وهذا الفرح هو في الله .. ومرتبط بمعرفتنا لله مرتبطٌ في حياةِ شركة مع الله. والله لا يريد إلاّ فرحنا. لكن من هو عدونا الذي يخلصنا الله منه؟ الخطيئة هي هذا العدو المستبد، هذا المستهزء، الذي يحاول مقاومة عمل الله هذا. فهو يريد أن يجعلنا نعتقد بأن هذه الشركة مع الله هي شيء مستحيل، ويشكننا بكلام الله ووعوده، ويسخر من إرادتنا وعقلنا وذاكرتنا كي يُّذَكِّرنا باستمرار بأننا ضعفاء وغير مستحقين وبالتالي غير قادرين على العيش في شركة مع الله.
ويسوع .. يأتي كي يُخَلِّصنا من هذه الكذبة. ففي يسوع، الله يأتيللقاء الخاطيء. ويجعل من نفسه صَديقًا للخاطيء.. يأكل على مائدته كي يُعَرِّفه بأنه مدعو إلى الشركة معه، وبأنه أكبر بكثير من خطيئته، وبأن الله قد خلق داخله شيئاً يربطه بالله، وهو أعمق بكثير من خطيئته، وهذه الكرامة التي خلقها الله في الإنسان هي التي تجذبه نحو الشركة مع خالقه. ويسوع قد جاء ليفتح عيوننا على هذه الحقيقة ويتممها: فقد أخذ على عاتقه خطايانا، كي يرفع هذا الحاجز الذي يمنعنا منالعيش في شركة معه. وإذا آمنا بعمل المسيح هذا، يمكننا أن ندخل في شركة معه. وهو سيدخلنا في شركة مع أبيه.
نص اليوم:     أشعيا 29: 17 - 24
17بعد قليل، في مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ جِدًّا، سيَتَحَوَّلُ لُبْنَانُ جنائِنَ، وَالْجنائنُ ستُشبِه غابة كبيرة18فِي ذلِكَ الْيَوْمِ، يَسْمَعُ الصُّمُّ أَقْوَالَ الكتاب، وَتُبصِرُ عُيُونُ الْعُمْيِ بعدَ انغِلاقٍ على السَّوادِ والظلامِ. 19وَيَزْدَادُ الْمساكينُ فَرَحًا بِالرَّبِّ، وَيَبتهِجُ البؤساءُ بِقُدُّوسِ إِسْرَائِيلَ. 20لأَنَّ الْطغاةَ يَهلِكونَ والساخرينَ يَزولون ولا يبقى أَثِرٌ للمُواظبينَ على الشَّرِّ. 21أولئِكَ الذين على كلمةٍ يَتَّهِمونَ الآخرينَ بالخطيئةِ، وينصِبونَ شَرَكًا على باب القضاء لِمَن يقضي بالعدلِ، ويُحَرِّفونَ دعوى البريءِ بأباطيلِهِم.
22لِذلِكَ قالَ الربُّ إلهُ بيتِ يعقوبَ الذي افتدى إبراهيمَ: «لَن يخجَلَ يعقوبُ بعدَ الآنِ ولن يَصفَرَّ وجهُهُ23متى رأى أنَّ ذُرِّيَّتَهُ بعدَ العملِ الذي عَمِلَتْهُ يدايَ في وسَطِهِم يُقَدِّسونَ اسمي مِثلَما قدَّسَهُ يَعْقُوبَ، وَيَهابونَ اسمي أنا إِلهُ إِسْرَائِيلَ. 24وأن الضالينَ بالرُّوحِ يهتَدونَ إلى الفَهمِ والمُتَذمِّرينَ يَقبَلونَ أن يَتَعَلَّموا"
ربي يسوع .. أنت النور الذي هو أقوى من ظلماتنا، أنت الحَق الذي هو أقوى من كل كذب، أنتَ تفتح عيوننا على عَظَمَةِ دعوتنا.. وتأتي كل يومٍ، ترافقنا، خطوةً فخطوة، كي تحققها فينا، نُسَبّحك يا رب ونشكرك.
إن خطيئتنا تمنعنا في الكثير من الأحيان من أن ننفتح إلى مجيئك، لكننا نؤمن بأنك تستطيع أن تخلصنا منها. تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

7رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين – العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان.
السبت6 كانون الأول 2014 :الله يهتم يلتزمنا
"يسكُبُ الربُّ مَطَرَه على زَرْعِكَ
إن الرَّبَّ يأتي للقاء الإنسان من خلال نعمته التي يفضيها عليه. نصنا اليوم مؤثِّر جداً لأنه مليءٌ بأعمال الله وفعله فينا. سيصرخ الشعب تجاهه وفي المقابل، سيجيب الربُّ .. سيعطي .. ويُعلِّم .. ولن يتخلى عن شعبه أو يختبيء.. سيتكلم .. وسيعطي مرة أخرى، سيضمد الجراح ويشفي. سيكون حاضراً هنا. في الحقيقة هو هنا أصلاً، لكنه سيُظهِر ذلك.. سيكشفه. سيأتي الربُّ لملاقاتنا ويفتح عيوننا على مخطط خلاصه. هو سيتحمل كل شيء، ويقود كل شيء، من البدء وحتى النهاية. واليوم يريدنا أن نراه، وأن ندخل في الفرح، في هذا التيار الذي يقوده هو بنفسه. وهنا أيضاً، العمل الوحيد المطلوب من الإنسان والذييُطلِق عطية الله هذه، هي صرخته نحو الله. يكفي أن نتوجه بتواضع نحوه وأن نضع رجاءنا به، وأن نؤمن بحبه، وبرغبته في ان يقودنا ويباركنا، وأن يكون معنا .. أن يكون عِمانوئيل!
عندها، ستُدخِلنا هذه النظرة الجديدة في فعل تسليم بَنَوي. وسيفتح الله عيوننا على عمله المستمر في حياتنا .. على ما يفعله في حياتنا. ولأننا سنرى كيف أن نعمته تلتزمنا وترافقنا في كل ما نقوم به، يمكننا عندئذٍ أن نُسَلِّم ذاتنا أكثر فأكثر إليه .. بسهولة أكثر فأكثر .. بانفتاح أكثر فأكثر، بثقة أكثر فأكثر.
نص اليوم:     أشعيا 30: 19– 21 ، 23 - 26
19يا شَعْبَ صِهْيَوْنَ الساكنَ فِي أُورُشَلِيمَ. لنْ تَبكيَ بعدَ اليومِ، لأن َّ الربَّ يَتحنَّنُ عليك عند صوت صُراخِكَ ويستَجيبُ عندما يسمَعُكَ، فيُعطيكَ خبزًا في الضِّيقِ وماءً في الشَّدَّةِ، ويُرشِدُكَ ولا يتوارى مِنْ بَعدُ، بل تراهُ عيناكَ أبداً. إذا مِلتَ يمينًا أو يساراً تسمعُ كلامَ قائِلٍ من ورائِكَ: «هذِهِ هِيَ الطَّرِيقُ. اسْلُكُوا فِيهَا». 23ثُمَّ يسكُبُ الربُّ مَطَرَه على زَرْعِكَ الَّذِي تَزْرَعُهُفي الأَرْضَ، فيكون الَخُبْزُ من غَلَّةِ الأَرْضِ شهيًّا وافِراً، وَفي ذلك اليوم تَرْعَى مَاشِيَتُكَ فِي مُروجٍ فسيحة. 24وَالثيرانُ وَالْحَمِيرُ الَّتِي تَفلَحُ الأَرْضَ تَأْكُلُ عَلَفًا مُمَلَّحًا مُذَرَّى بِالْمِنْسَفِ وَالْمِذْرَاةِ. 25وَيَكُونُ عَلَى كُلِّ جَبَل شامخٍ وكلِّ رابيةٍ عالية سَوَاقٍ وَجداولُ مِيَاهٍ فِي يَوْمِ الْمَذبَحَةِ الْعَظِيمَةِ، عندما تَسْقُطُ الأَبْرَاجُ. 26وَيَصيرُ نُورُ الْقَمَرِ كَنُورِ الشَّمْسِ، وَنُورُ الشَّمْسِ يَصيرُ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ كَنُورِ سَبْعَةِ أَيّامٍ، حينَ يُضَمِّدُ الرَّبُّ جُرحَ شَعْبِهِ وَيَشْفِي رُّضوضَه.
ربي يسوع .. لقد جئتَ، أنت الابن الوحيد، كي تكشف لنا الآب. لقد قلتَ لنا مراراً بأن كل شيء فيك تجاه الآب، ما هو إلاّ ثقة وتسليم ومحبة. لقد تَجَسَّدْتَ واتحدْتَ بنا كي تجعلنا نصبح بالتبني، أبناءً للآب مثلك، وذلك لكي نتمكن أخيراً من أن نستسلم لحُبِّك. نشكركُ يا رب ونمجِّدك! تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!
للأب غدير الكرملي
يتبع

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

8رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين –العراق
(الأسبوع الثاني: 7 – 13 كانون الأول 2014)
السير نحو الميلاد ...
تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!
موضوع الأسبوع الثاني:
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
إنه هو مَن أحبنا أولاً.
في بداية هذا الزمن الذي يقودنا نحو ميلاد المُخَلِّص، وطوال الأسبوع الأول، تأمَلنا في الله الذي يأتي للقائنا. كان هذا موضوع الأسبوع الأول. فالله هو مَن بدء مبادرة الحُب هذه .. هو الأول.. لأنه هو مَن يهبنا ما يلزم كي نتمكن من البحث عنه... هو الأول، لأن كل شيء يأتي منه..هو الأول لأنه يهب كل شيء، بل ويهب حياته أيضاً. فهو يأتي للقائنا حيث نكون نحن.. في عالمنا السائر في الظلمات.. يأتي في حياتنا، التي هي بعض الأحيان مجروحة، لكنها دوماً في بحث عن السلام والسعادة. الله يأتي في حياتنا، كي يحولها تماماً. الله يأتي إلى العالم، فيتحول العالم دون أن يدري.. لأن التحول يحصل في الأعماق. أليس هذا ما ننتظره في الحقيقة؟ أي أن يأتي الله ويغير حياتنا وعالمنا كله؟ إن الله هو الإله القدوس السامي الآخر، المختلف عنا تماماً.. لكنه في نفس الوقت أيضاً، أقرب إلينا من أنفسنا نحن:هو وحده يمكنه معرفة رغبات قلبي العميقة، والوحيد أيضاً الذي يملك القدرة على تحقيق هذه الرغبات.. هو خالق كل شيء، ولهذا هو الوحيد القادر على تجديد كل شيء.
ها هي إذنالبشرى الكبيرة لهذا الأسبوع الثاني من زمن المجيء: الله يأتي ، ويصنع كُلَّجديد. هناك شيءٌ تَغيَّرَ في العالم مع مجيء المُخَلِّص. وهناك شيء سيتغير لأنه لن يتوقف عن المجيء.. بل مستمر بالمجيء. وكي نُهيأ أنفسنا لاستقبال هذا الشيء الجديد التي يغزو عالمنا وحياتنا .. كي نَقْبَله (لأننا في بعض الأحيان نخاف من الجديد، حتى لو لم نكن راضين عمّا نعيشه الآن في الوقت الحاضر)، إذن كي نقبله، علينا أن نجرؤ ونمتلك رغبات كبيرة. رغبات هائلة مثل السلام والتناغم الذي نتمنى أن يعم العالم بأكلمه. رغبات عميقة، أمثال تلك التي لا نجرؤ أو لا نفكر في أن نضعها أمام الله، أو مثل تلك التي لا تجرؤ صلاتنا على التعبير عنها، مثل: لِيَحدث شيءٌ جديدٌ في حياتنا، لِيُولد فِيَّ الإنسان الجديد، ليُجَدِّدني خلاص الله، وليولد فيَّ هذا الإنسان الجديد وليكبُر.
هذا هو بالذات الموضوع الذي تُكَلِّمنا عنه النصوص الليتورجة لهذا الأسبوع : الولادة... ولادة عالم جديد يصفه لنا الصوت المتحمس لأشعيا النبي قائلاً:"الأرض المنعرجة تتعدل، والطريق الوعر يصير سَهلاً!".. ولادة عالم جديد نجد فيه كلام تعزية وحنان مصدره الله.
عالم جديد، يسمع فيه المجليين عن أرضهم كلام تعزية وحنان.. عالم جديد، يسمع فيه المتعَبين والثقيلي الأحمال كلاماً يُقَوّي، ويُشَدِّد ويهب الرجاء. نحن لا نتكلم هنا عن مجرد حُلم، أو عن عالم خيالي مثالي نُصَبِّر به أنفسنا المتعَبة ورغباتنا الكبيرة: يوم الأثنين من هذاالأسبوع، سنحتفل بِعيدٍ يُذَكِّرنا بأن بواكير هذا العالم الجديد هي من الآن بيننا: فالإحتفال بالحَبَل الطاهر لمريم (المحبول بها بلا دنس أصلي)، يعني أن هناك خليقة مُجَدَّدة تماماً بفضل نعمة من الله، وطأت أرضنا .. وبأنها صورة مسبقة لما نحن بأجمعنا مدعوون لأن نصيره في مجد الله. لكن لننتبه: فحتى لو كان هذا العالم الجديد بيننا، فلا يزال له الحجم الصغير والهشاشة اللتين يتمتع بهما ابن البشر، لهذا عليناأن نكون "منتبهين ، يقظين" لصوت الله، الذي يأتي كل يوم ليجدد حياتنا، إلى أن نصل إلى الولادة النهائية في اليوم الأخير.. علينا إذن أن نعمل على أن ينمو شيئاً فشيئاً، فينا وفيما حولنا، هذا العالم الجديد الذي تركه المُخَلِّصُ لنا مثل هدية نفيسة.
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً
الأحد  7 كانون الأول 2014
في الأسبوع الثاني من زمن المجيء هذا، سنستمر في نفس طريقنا نحو الميلاد وبنفس الإيقاع الإعتيادي: الرسالة الأولى من القراءة الليتورجية المخصصة لكل يوم، هي التي تقود تأملنا إنطلاقًا من موضوع الأسبوع. وموضوع هذا الأسبوع هو: "الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً". ويوم الأحد هو عادة مدخل لموضوع الأسبوع هذا، ونجد فيهأيضاً نصًا من التراث المسيحي، عادة أحد آباء الكنيسة أو أحد القديسين المعروفين.
*تأمل في إنجيل الأحد الثاني من زمن المجيءمرقس 1: 1 -  8
بدء بشارة يسوع المسيح ابن الله:
كُتِبَ في سفر النبي أشعيا: "هاءنذا أُرسل رسوليقدامك لِيُعِدَّ طريقَك. صوتٌ مُنادٍ:
في البريةأعدوا طريق الرب ، واجعلوا سبله قويمة."
تم ذلك يوم ظهر يوحنا المعمدان في البرية، ينادي بمعمودية التوبة لغفرانالخطايا. وكان يخرج إليه أهل بلاداليهودية كلها، وجميع أهل أورشليم، فيعتمدون عن يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم.
وكان يوحنا يلبس وبر الإبل، وزناراً منجلد حول وسطه. وكان يأكل الجراد والعسل البري، وكان يعلن فيقول: " يأتي بعدي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أنحني فأفكرباط حذائه. أنا عَمَّدْتُكُم بالماء، وأماهو فيُعَمِّدُكُم بالروح القدس."
سنقرأ اليوم بداية إنجيل القديس مرقس. طوال هذه السنة المسماة "السنة ب"[1]، سيكون لإنجيل مرقس الأولوية في أناجيل الآحاد.
إن تقليد الكنيسة قَدَّم دوماً مرقس الإنجيلي كتلميذٍ لبطرس الرسول. هكذا إذن سنسمع في هذا الإنجيل ذكريات وتعليم بطرس، هذا الشاهد الذي كان قريباً جداً من يسوع. نعتقد بأن هذا الإنجيل قد كُتِبَ في روما، نحو العام 70، وموجَّه إلى جماعة مسيحية متكونة من مؤمنين من أصل وثني، لم يعيشوا أبداً في فلسطين.
عند مقارنتنا لهذا الإنجيل مع الثلاثة الأخرى، نراه عمليًا جداً: فهو قصة رجل من الشعب .. قصة مليئة بتفاصيل جميلة ومشوقة. لكن لا يجب أن ننخدع ببساطة هذا الإنجيل الظاهرية، فمرقس هو أيضاً لاهوتي، يقدم لنا اكتشاف بطرس التدريجي. ففي الجزء الأول من الإنجيل، كل الناس يتساءلون: "مَن هو يسوع؟". ويسوع كان يقوم بأعمال ويلقي بتعاليم تسبب تساؤلات كثيرة. لكن وبشكل غريب، كان يسوع يفرض "السرية" حول شخصه. ثم في الجزء الثاني من حياته العلنية، بدأ يكشف شيئاً فشيئاً عن سر شخصيته. أي أن مرقس استخدم طريقة مشوقة وعميقة في كشفه لسر المسيح، من خلال إدخالنا في السر وفي أجوائه، ومن ثم كشفه لنا هذا السر بالتدريج وبطريقة عميقة جداً.
"جغرافية" مرقس هي أيضاً، "لاهوتية"، بمعنى أنها ترسم هالة حول "الجليل".. هذه الأرض المفتوحة.. المنفتحة والمستقبِلة لرسالة وتعليم يسوع، يضعها إذن في تضاد مع أورشليم.. المدينة التي ترفض يسوع. بالإضافة إلى ذلك، يأخذ بحر الجليل معنىً رمزياً بالنسبة لمرقس (فبطرس، الصياد، كان يعرف أصغر التفاصيل عن بحيرته هذه(: الضفة الغربية هي يهودية، أما الضفة الشرقية فهي وثنية. هكذا يُظهر لنا مرقس، وبإصرار، يسوعَ ذاهباً "نحو الوثنيين"... مفتتحًا هكذا "رسالة" الكنيسة التي يُوجِّه لها مرقس هذا الإنجيل. فكما ذكرت أعلاه، كنيسة مرقس كانت مكونة من مسيحيين من أصل وثني، لهذا يركز في إنجيله على رسالة يسوع نحو الوثنيين وانفتاحها على الجميع وليس فقط اليهود.
اخيراً، إنجيل مرقس هو "مأساوي". هناك ثلاث جماعات إنسانية مرسمومة فيه ومُقدَّمة بوضوح. أولاً، يسوع وتلاميذه، دوماً معاً. ثم هناك الجمع، الذي يتبع يسوع، لكنه لا يفهمه في أغلب الأحيان أو بصعوبة. وأخيراً، الأعداء، الذين يتربصون بيسوع، منذ البداية، ويحكمون عليه ويدينونه.
بدء بشارة(بدء البشرى السارة.. بدء إنجيل..)...
إن أول كلمة من إنجيل القديس مرقس هي نفس الكلمة الأولى من الكتاب المقدس، وهذا ليس صدفة: "في البدء خلق الله السموات والأرض" (تكوين 1: 1). الإنجيلي يوحنا استخدم أيضاً نفس الكلمة في بداية إنجيله: "في البدء كان الكلمة" (يوحنا 1: 1). متى ولوقا، أيضاً،  يشيران إلى حقيقة البداية هذه: "أما أصل يسوع المسيح فكان هكذا..."(متى 1: 18، لوقا 1: 3).هكذا إذن الإنجيليون الأربعة يبينون لنابشكل أو بآخر بأن مخطط الله، من خلال يسوع، يسجّل بدأية جديدة ويُلَمِّح إلى أن خليقة جديدةبدأت. و"زمن المجيء" هذا الذي يبدأ، هو أيضاً، كل سنة، فرصة لبداية جديدة أو لانطلاق جديد في حياتنا نحن.
يا رب، تواجهنا باستمرار تجربة التوقف .. أي أن نتوقف عن السير، وأن نقول: كفى!
أعطنا يا رب كل يوم من جديد، روح "البداية"،  وأحيي فينا باستمرار الرجاء.
"بشارة .. البشرى السارة!" إننا معتادون جداً على هذه العبارة. إنها ترجمة للكلمة اليونانية "إيوانكاليون" والتي جاءت منها كلمة "إنجيل". لكن هذه الكلمة لا تعني "كتابًا"، أو شيئًا. إنها "البشرى السارة لملكوت الله التي ابتدأت في شخص يسوع".  "البشرى السارة، هي القيامة، هي الفصح، إنها الإنتصار النهائي للحياة! هذه الكلمة جاءت من النبي أشعيا وهو يعلن للمسبيين التعساء نهاية جلاءهم: "عَزُّوا، عَزُّوا شعبي... عذابهم قد انتهى... خاطبوا قلبَ أورشليمَ وقولوا لها بأن إثمها قد غُفِر... إصعدي إلى جبلٍ عالٍ ، يا مُبَشِّرة َ صِهيون المُفرِحة، أنت التي تحملين "البشرى السارة"، ارفَعي صوتَك بقوَّة،  وقولي: "هُوذا إلهُكم، يأتي..." (أشعيا 40: 1. 11)
هل هذا هو إيماني أنا اليوم؟ هل أن إيماني هو مجرد حِمًل أجُرُّه معي بصعوبة، أم أنه "بشرى" "سارة"، "جيدة"، "رائعة"؟
البشارة السارة ليسوع المسيح آبن الله ...
منذ البداية، يعلن مرقس فحوى الإنجيل. إن "ألقاب" يسوع هذه هي مفتاح كل القصة. وستعود، في نهاية الإنجيل عندما يتعرف "وثني" على يسوع المائت على الصليب ويقول: "حقاً، كان هذا الرجل ابن الله"(مرقس 15: 39). كانت هذه طريقة أدبية معروفة في الكتابة في ذلك الوقت، تُستَخدَم للإشارة إلى أن المعنى العميق للقصة، بأكمله، مُدرَج بين عبارتين أو كلمتين مكررتين في البداية وفي النهاية.
إن كلمة "يسوع"تعني بالعبرية "الله يُخَلِّص"، "يَشُوَع". إنه الأسم المألوف، الذي يشير إلى الشخصية الإنسانية، التأريخية، الأرضية، لرجل الناصرة.
"المسيح".. تعني بالعبرية "ممسوح الرب"، هذا اللقب يشير إلى أن يسوع هو حقاً ذاك الذي كل إسرائيل كانت تنتظره، المنحدر من نسل داؤد"، "ملك مملكة الله".
وأخيراً، "ابن الله"... هو لقب لن يأخذ كل معناه إلاّ لحظة القيامة. في الوقت الذي كان مرقس يكتبفيه، كان المسيحيون، يُعلنون إيمانهم ويبشرون بألوهية يسوع أيضاً.
كُتِبَ في سفر النبي أشعيا: "هاءنذا أُرسل رسوليقدامك لِيُعِدَّ طريقَك. صوتٌ مُنادٍ:
في البريةأعدوا طريق الرب ، واجعلوا سبله قويمة" ...
هنا أيضاً ليس صدفة أن يبدأ الإنجيلي مرقس باستشهاد من العهد القديم. فيسوع هو ليس "كائن" يصل فجأة من كوكب آخر. لكنه يتجذر في تأريخ شعب. فهو كان "منتَظَراً"، "مُعلنَا به"، "ومجيئه مُهَيَّأ"... ...وقراءة نص من العهد القديم،والتي نقوم بها في قداس كل أحد منذ المجمع الفاتيكاني الثاني، هي ليست تجديداً من قِبَل الكنيسة الحديثة. فالمسيحيون الأولون، ومنذ وقت مرقس، ومسيحيوا متى ولوقا ويوحنا أيضاً، كانوا يقرأون الكتاب المقدس (الخاص بهم، أي العهد القديم)... ويُطَبِّقوه على يسوع.
ونحن؟ يحصل لنا في الكثير من الأحيان أن نتذمر بأننا لم نلتقِ بالله. لكن هل نحاول فعلاً أن نستخدم الوسائل التي لدينا؟ماذا نفعل كي نبحث عنه؟ هل نُعِدّ "طريق الرب"؟ زمن المجيء هذا يُمكِن أن يكون زمناً لإعادة التأمل في الكتاب المقدس.
تم ذلك يوم ظهر يوحنا المعمدان في البرية، ينادي بمعمودية التوبة لغفرانالخطايا. وكان يخرج إليه أهل بلاداليهودية كلها، وجميع أهل أورشليم، فيعتمدون عن يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم...
لا يجب أن نتخيل بأننا "سنلتقي" بالله، في عيد الميلاد مثلاً، بدون "أن نُحَضِّر" مجيئه .. بدون أن نتطهر، أو أن نعمل على نتوب، وأن نُغيِّر حياتنا.
يوحنا المعمدان، هو، لم يجامل مستمعيه. كان يقول لهم: "غَيِّروا تماماً تصرفاتكم... عودوا إلى الطريق!" هذا هو معنى الكلمة التي نترجمها بـ "توبوا". الكلمة اليونانية هي "ميتانويا" وتعني الرجوع إلى الطريق: "كنتم تتصرفون هكذا؟ تصرفوا الآن بالعكس. الشر الذي تقومون به، توقفوا عن فعله. والخير الذي لم تكونوا تعملوه، ابدئوا بالقيام به. تَغَيَّروا! تَغَيَّروا!"
عندما يقترب ميلاد الرب يسوع، المسيحيون هم مدعوون لأن يستقبلوا "سر المصالحة" من أجل غفران خطاياهم. من الآن، أريد أن أتهيأ لذلك، كي أعمل منه مسيرة جدية وناضجة ومسؤولة، وليس مجرد عادة أقوم بها بشكل ممل وروتيني. وعلى مثال الجمع الذي كان يأتي إلى الاردن، سأبدأ "بالتعرف" على خطاياي و"الإعتراف" بها، بوعي ووضوح. يا رب، إفتح عيني!
وكان يوحنا يلبس وبر الإبل، وزناراً منجلد حول وسطه. وكان يأكل الجراد والعسل البري ...
 إنها الملابس النمطية المألوفة "لرجال الصحراء" .. البدو، في ذلك الوقت.
"الصحراء"! إن الجمع الذي كان يأتي إلى الصحراء، هذا الجمع المنجَذِب نحو يوحنا المعمدان، كان عليه أن يترك جزءً من العالم الذي يعيش فيه، لكي يذهب إلى عالمِ آخر. فعندما "ينسحب"هذا الجمع "إلى الصحراء"، هذا يعني ربما نوعًا من رفض السهولة .. رفض حياة  الرفاهية. إن "الصحراء" هي مكان مفتوح أمام أنظارنا، حيث الطرق ليست معبدّة ومهيّاة بوضوح: إنها دعوة للمغامرة إذن! لا شيء واضح وأكيد. "الصحراء"، هي أيضاً مكان الخلوة والصمت: دعوة إلى اللقاء الداخلي! ومن المستحيل هناك أن يشرد فكرنا، أو أن نلتجيء إلى الأمور السطحية والخادعة: فالإنسان يجد نفسه وجهاً لوجه مع نفسه،  مُعرَّى من كل الأقنعة وحضور الله يفرض نفسه بقوة. في هذا الصمت والخلوة ونزع الأقنعة، ربما سيتمكن الله من أن يُسمِع صوته لنا: فعندما تسقط أقنعتنا، سنسمع نداءه لعيش حياتنا بصدقوحق. إذا كنا نريد أن يكون لقاءنا بالله حقيقي وعميق، يجب أن يكون لنا وقتٌ مخصصٌ "للصحراء".
هل أستغل زمن المجيء هذا لآخذ وقتًا منتظماً للخلوة والصمت؟
وكان يعلن فيقول: " يأتي بعدي من هو أقوى مني، من لست أهلا لأن أنحني فأفكرباط حذائه. أنا عَمَّدْتُكُم بالماء، وأماهو فيُعَمِّدُكُمبالروح القدس."
إن يوحنا المعمدان لم يوجَد إلاّ من أجل آخر .. من أجل شخص لم يُحَدَّد أسمه بعد: "ذاك الذي يأتي"، "الآتي!"..."الأقوى"... "الأكرم"، "الأكثر أهلاً"، "ذاك المملوء بالروح القدس"..
إذا قررنا أن نعود إلى الطريق، أن نهتدي، فالله لن يكون متفرجاً: بل سيملأنا من روحه هو.
*نص من التراث المسيحي:
من كتابات القديس البابالاون الكبير ، القرن الخامس (مقطع من الموعظة السابعة لعيد الميلاد)
  إن ربنا يسوع المسيح، بولادته إنسانًا حقًا، هو الذي لم يتوقف أبداً عن كونه الله، حقق في ذاته بداية الخليقة الجديدة، وفي ولادته أعطى البشرية بداية روحي يُمكنه فهم هذا السر الكبير؟ ومَن يستطيع أن يشرح هذه النعمة العظيمة؟
الظلم سيصبح نقاوة، والشيخوخة تصبح جِدَّةً [2]؛ الغرباء سيكون لهم الحق في التَّبَنّي، والناس القادمون من بلدان أخرى سيشاركون في الميراث. الكفار يصبحون أبراراً؛ والجشعون يصبحون كُرماء؛ الزناة يصيرون أطهاراً؛ والبشر الجسديون تماماً يصبحون روحانيين.
من أين يأتي تغيير كهذا إنْ لم يكن من "يمين الله العَلي"؟ إن ابن الله جاء ليهدم أعمال الشر؛ لقد إتّخذ جسدنا والتحق بنا، وجعلنا نتجسّد فيه ونلتحق به، بحيث يصبح نزول الله نحو عالم البشر، نوعاً من ارتفاع الإنسان نحو عالم الله.
استيقظ إذن.. تَنَبَّه أيها الإنسان، وتَعَرَّفْ على كَرامة وسمو طبيعتك! تَذَكَّر بأنك خُلِقْتَ على صورة الله، وهذه الصورة، على الرغم من أنها أُفسِدتْ في آدم، قد أُصلِحَت وأُحييت في المسيح!
استخدِم الخلائق المنظورة، كما يجب أن تُستَخدَم؛ويمكنك أن تستخدم الأرض، والبحر، وما يأتي من السماء، والهواء، والينابيع والأنهار؛ واستعمل كل ما يوجد من جميل ورائع، لتسبيح وتمجيد الخالق.
لتستقبل عيناك النور المرئي، لكن احتضن من كل قلبك هذا النور الحقيقي "الذي ينير كل إنسان آتِ إلى العالم" والذي عنه يقول النبي: "مَن ينظر إليه يُشرق وجهه، ولن يبقى فيه أي ظلمة أو اضطراب".
فإذا كنا بالفعل هيكل الله، وإذا كان روح الله يسكن فينا حقاً، فإن ما يحمله كل مؤمن في داخله، له قيمة أكبر بكثير من كل عجائب السماء.
[1]) السنة الطقسية اللاتينية مقسمة إلى ثلاث سنوات: أ، ب، ج. كي يتمكن المؤمن من سماع معظم نصوص الكتاب المقدس خلالها. أي أن النص نفسه يعود كل ثلاث سنوات (وليس كل سنة، كما هو الحال في السنة الطقسية لمعظم كنائس الشرقية المقسمة على سنة واحدة فقط).
الأب غدير الكرملي


غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي


9رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق

»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
الأثنين 8 كانون الأول  2014:   هوذا إلهكم ..يأتي فيخلصكم
"ستنفجر المياه في البرية"
في نصنا اليوم، يرتفع صوتٌ ويُعلن: "هوذا إلهُكم... هو يأتي ويُخلِّصُكم".هوذا إلهُكُم... ماذا سنرى؟ إلى ماذا يدعونا النبي أشعيا من خلال كلمة "هوذا"؟ هل هو يدعونا للتأمل في كشف الله لذاته على طريقة الكشف أو الوحي في سيناء: برق ورعد وسحاب؟ كلا. إن ما يشير إليه أشعيا اليوم، هو ليس عالمًا يهتز ويتخلخل أمام عَظَمَة الله الذي يأتي بنفسه. نحن في الحقيقة لا نرى أي شخص يتقدم إلينا، لكن الصحراء المُقفِرة ستُزهِر.. وبلاد العطش ستنفجر فيها المياه، والسراب ينقلب غديراً... الأماكن المتروكة والمهملة تُصبح طُرقًا.. طُرُقاً آمنة للذهاب من خلالها إلى المدن المجاورة. لكن ليس اللهمن يَعبُر في هذا الطريق المقدس. بل الإنسان هو مَن يسير فيه: المأسورون "الذين افتداهم الرب" .. أي نحن، فكل واحد منا هو مأسور.
هوذا إلهنا... تأملوا في طريقة الله الرصينة والخفية التي يأتي من خلالها إلينا؟ فنحن لا نلاحظة في أي مكان بوضوح، لكننا نلاحظ ثمار عمله .. فهو يُجَدِّد كل شيء .. يخلق كل شيء جديداً. هكذا اختار الله أن يكشف نفسه: فهو لا يكشف نفسه من خلال حَجْبِ وإخفاء كل ما نعرفه حولنا بعَظَمَةِ نوره ومجده، لكن من خلال إظهار الحياة وجعل المياه تتدفق فيها، وتُخصِب كل شيء جاف ويَبِس حولها.

ويجرؤ النبي أشعيا ويقول بأن هذا المجيء هو أيضاً "انتقام"، "أخذ بالثأر"! هذا لا يعني بالطبع بأن الله يحمل داخله هذه المشاعر الإنسانية السلبية، لكن هذه الكلمات الإنسانية تُبين وبقوة بأن الله هو في جانبنا. فأمام هذا العالم، الذي يجعلنا، في الكثير من الأحيان، نعاني ونتألم ونمر بالموت، أمام هذا العالم الذي هو في الكثير من الأحيان جاف وقاحل ومليء بالأشواك، أمام هذا العالم إذن، الله لا يستسلم بل يلتزم بجانب الإنسان.. يقف بجانبنا. فهو يريد الحياة، ويريدها حَيّةً. وإنْ كان سيأتي، فذلك لكي يُحوِّل هذا العالم ويُغَيِّره... إنْ كان سيأتي، فذلك لكي يزرع فينا الأمل والرجاء والرغبة في تَغيُّر وتَحوّل عالمنا هذا... يأتي كي يجعلنا نجرؤ ونؤمن بأن الجديد هو ممكن، وأن الله يرغب أكثر منا في أن يَتجَدَّدَ كل شيء."تقووا إذن ولا تخافوا، فهوذا إلهُنا .. هو يأتي ويُخَلِّصُنا".
نص اليوم:     أشعيا 35: 1 - 10
ستفرح البرية والقفر وتبتهج البادية وتزهر كالورد. تزهر إزهارا وتبتهج ابتهاجا مع ترنيم. قد أوتِيَتْ مجدَ لبنان، وبهاءَ الكرملِ والشارون، فهم يرون مجد الرب وبهاء إلهنا.
قووا الأيدي المسترخية وشددوا الركب الواهنة. قولوا لفزعي القلوب: " تقووا ولا تخافوا، هوذا إلهُكُم، النِقمةُ آتية، مكافأةُ اللهِ حاضرة: هو يأتي ويُخَلِّصُنا".
حينئذ تتفتح عيون العُمِي، وآذان الصم تتفتح، وحينئذ يقفز الأعرج كالأيل، ويترنم لسانُ الأبكم؛إذ قد انفجرت المياه في البرية، والأنهار في البادية. فالسراب ينقلب غديراً، والمَعطَشَةُ ينابيعَ مياه. وفي مأوى بنات آوى الذي يربضن فيه، تظهرُ خُضرةُ القصَبِ والبَرْدِيّ.
ويكون هناك مسلك وطريق، يقال له الطريق المقدس، لا يَعْبُرُ فيه نجس، بل إنما هو لهم. من سَلَكَ هذا الطريق، حتى الجُهُّالُ لا يَضِلّ. لا يكون هناك في الأرض أسد، ولا يصعد إليه وحش مفترس، ولا يوجد هناك، بل يسير فيه المُخَلَّصُون. والذين فداهم الربُّ يرجعون، ويأتون إلى القُدْسِ بترنيم، ويكون على رؤوسهم فرحٌ أبدي، ويرافقهم السرور والفرح، وتنهزم عنهم الحسرةُ والتَّأَوُّه.
يا رب، مع النبي أشعيا، نطلب منك أن تجعلنا نجرؤ ونقدِّم أنفسنا في الحق أمامك.
أنت تأتي بنَفْسِك وتريد أن تخلصنا:
ها هي أرض قلوبنا الجافة .. بلاد العطش، والكثير من أشواك الغاب. هوذا العالم الذي فيه لا نستطيع أن نجد طريقنا بسهولة. إننا نؤمن بأننا سنرى مجدَك في هذه الأماكن الصحراوية التي نعيش فيها... نود أن نمتلك هذه الثقة ونعترف بأننا ننتظر شيئاً جديد. نُقدّم لك حقيقة رغبتنا لكي تزرع فيها الحياة. نود أن نترك كلمات أشعيا النبي ترن في أذهاننا: "ستنفجر المياه"، لقد وعدتنا بذلك يا رب. "ليفرح وليزهر.." من الآن، بلد العطش:
تعال يارب .. تعال وخلصنا

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

10رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
الثلاثاء 9  كانون الأول  2014:   لِنُصغي إلى ذاك الذي يُكَلِّم قلوبنا.
"عَزُّوا شَعبي"
في نص النبي أشعيا اليوم، نسمعصوتًا صارخًا. لا نعرف بوضوح من أين يأتي. إنه صوت ينادي وبقوة. بالتأكيد هذا الصوت يأتي من الله.. إنه هو مَن يرغب التكلم مع أورشليم. لكن مع ذلك، هذا الصوت هو ليس صوته، أو بالأحرى إنه صوتُ إله يكشف عن ذاته من خلال أصوات بشرية. اليوم، يعلن الله عن رغبته في أن يوجه إلى الإنسان كلاماً لكي يكون معه، لهذا سيكلمه كما يُكَلِّم الصديق صديقه، لكن بطريقة غير مباشرة: لدينا هنا رسول يُخاطب قلبَ أورشليم عنه.
"خاطبوا قَلبَ أورشليم. " ... لكن ألا يمكن أن يكون هذا هو الشيء الجديد الذي يحدث اليوم؟ أعني أن الله يتحدث معنا من خلال كلمات بشرية، يتكلم بتواضع من خلال إخوتنا، ويسمع ما نقوله له، نحن بدورنا! في الحقيقة، إن هذا العالم الجديد الذي حاولنا يوم أمس أن نجرؤ ونرغب في مجيئه، مُشار إليه اليوم أيضاً من خلال هذا الصوت المنادي: "كل جبل وتَلٍّ ينخفض، والمُعوَجُّ يتقوم، ووعر الطريق يصير سهلا". وثمرة تَحُوّل العالم هذا هي هذه بالضبط:أي أن نتمكن من التعرُّف على أن "فم الرب قد تَكَلَّم"
 إن أي كلام من الله بخصوص حياتنا لابد أن يحمل التعزية. لكن مع ذلك، كلام الله الذي نسمعه اليوم يقول أيضاً بأن "كُلُّ بَشَرٍكالعُشْب" ، أي زائل كالعشب. لكن عندما يصل هذا الكلام إلى القلب، سيدوّي صوته ويوصل هذا النداء: "عَزُّوا، عَزُّوا شَعبي". وهنا، نصل إلى النتيجة النهائية. الإثم قد غُفِر، والمكافأة قد وُهِبَت. ليس لأن الله هو ذاك الذي يحاسب ويعاقب. لكن في كلامه، تنكشف لنا صورة الله الحقيقية: ها نحن أحرار لأننا نعرف بأننا قد غُفِر لنا. صحيح أنّ كل بَشَرٍ زائل كالعشب، لكن يمكننا أن نستقبل الله في هذا الجسد الهش والضعيف .. الله الذي يجعل من نفسه قريباً جداً منا ويُعزينا كل يوم
  نص اليوم:     أشعيا 40: 1 - 11
"عَزُّوا، عَزُّوا شَعبي، يقول إلهُكُم. خاطبوا قَلبَ أورشليم، وقولوا لها بأنْ قَد تَمَّ تَجَنُّدُها، وغُفِرَ إثمُها، ونالت من يد الرب ضعفين عن جميع خطاياها."
صوت صارخ: "في البريةأَعِدُّوا طريقَ الرب، واجعلوا سبل إلهنا في الصحراء قويمة. كل واد يرتَفِع، وكل جبل وتَلٍّ ينخفض، والمُعوَجُّ يتقوم، ووعر الطريق يصير سهلا، ويتجلى مجد الرب، ويعاينه كلُّ بشر، لأن فم الرب قد تكلم"
صوت قائل : " نادِ" فقال: " ماذا أنادي؟ " كُلُّ بَشَرٍكالعُشْب، وكُلُّمجدِه كَزَهْرِ الصحراء. العشبُقد يَبِس، وزَهرُهُقد سَقَط، لأن روح الربِّ هَبَّ فيه. إنَّ الشعبَ عُشْبٌ حقًا. العشبُقد يَبِس، وزَهرُهُقد سَقَط، وأما كلمة إلهنا فتبقى للأبد".
 إصعدي إلى جبلٍ عالٍ يا مُبَشِّرَةَ القُدْس. إرفعي صوتك بقوة يا مُبَشِّرَةَ أورشليم. إرفعيه ولا تخافي، قولي لِمُدُنِ يهوذا: " هوذا إلهكم، هوذا السيد الرب يأتي بقوة، وذراعه تَمُدُّهُ بالسلطان، هوذا جزاؤه معه وعملُه قدامه. يرعى قطيعه كالراعي، يجمع الحُملانَ بذراعه، ويحمِلُها في حِضْنِه".
يا رب، أنت تأتي لتُجَدِّد كُلَّ شيء. إننا نؤمن بأنك ترغب أكثر منا بولادتك بيننا وفينا.
اليوم، نضع حياتنا أمامك في هذه الصلاة. عَلِّمنا أن نعيشها في المثابرة والمحبة.
عَلِّمنا أن نُسَلِّمك مفاتيحها بثقة وإيمان. أسمِعنا صوتك العذب وكلامك الذي توجهه إلينا كل يوم.
إجعلنا نكون بالنسبة لإخوتنا رُسُلَ تعزية وسلام!تعال يارب .. تعال وخلصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

11رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً
الأربعاء10 كانون الأول  2014:   أن نَدَعَ الله يجدنا !
"في الرب،يجدون قِوَىً جديدة"
يوم أمس، طَلبنا من الله نعمة المواظبة على الصلاة والإصغاء، كي نسمح له أن يلقي علينا كلمات مُعزِّية. لكن اليوم هناك كلام آخر يُسمَع، كلام مؤلم لكنه يلقي الضوء على أشياء مهمة، كلام هو عتاب قاسي من قبل الإنسان تجاه الله: "إن طريقي تخفى على الرب، وإلهي يُهمِل حَقي" في بعض الأيام، يبدو أن طريق حياتنا يتيهويصطدم في أشواك الغابات وتنهال الصعوبات علينا، وعندها نبدأ بمعاتبة الله: "لماذا الله ليس عادلاً معي؟ لِيرى على الأقل نيتي الصالحة، ورغبتي في عمل الخير، وأن لا يتركني أُنْهَك في هذا الطريق الذي لا يقود إلى أي مكان!" إن هذا الصوت المتعَب، الله نفسه هو مَن يستقبله. فهو لا يرفض ولم يرفض أن يسمع هذا العتاب، وأن يجيب علىهذا الكلمات التي لا تحتوي على أي ثقة أو رجاء: "لِمَ تقول يا إسرائيل: إن طريقي تخفى على الرب؟"
"لم .. لماذا؟" يقول الله...فالله يستغرب في الواقع: "ألا تعرف ذلك؟"
لكننا نحن بدورنا نتعجب ونستغرب: فلكي يُجيب على تَعب الإنسان وعتابه، نرى الله يقدم لنا نفسه كالإله القوي الذي "لا يضعف ... ولا يَمل". فهو لا يترددفي أن يقدم نفسه في العَظَمة والقوة، حتى لو بدى ذلك للإنسان المتعَب ربما بأن كل هذه العَظَمَة والفخامة لن تُريحه بل تُزيد من وحدة هذا الإنسان المتعَب والسائر في طريق صعب ووعر.لكن مع ذلك، إذا كان الله يتكلم هكذا، فلأنه يريد أن يبين بأن قوته وعَظَمَته هذه هي للإنسان .. من أجل الإنسان. صحيحٌ أن "الفتيانُ يتعبون ويَعيَون"، وحتى الرياضيون يرون في يوم ما، قوتهم تخور. أما هؤلاء الذين يضعون رجاءهم في الرب، فيجدون فيه قِوَىَ جديدة." يجدون ما لا يستطيعون أن يعطوه لأنفسهم. فالله وحده يمكنه أن يهبنا حياته هو.. "هؤلاء الذين يضعون رجاءهم في الرب "، يسمحون له في الحقيقة، بأنيجدهم. بالمعنى الذي نراه في مَثَل الابن الضال. لماذا الخوف إذن، فمهما تهنا وضللنا وتعبنا في طريق حياتنا، لنحتفظ بثقتنا بالله أبينا، لأنه لن يرتاح إلاّ عندما يجدنا!
نص اليوم:     أشعيا 40: 25 - 31
"بمن تشبهونني؟"  يقول القدوس؟إرفعوا عيونكم إلى العلاء وانظروا: مَن الذي خلق هذه،مَن الذي يُبرِزُ جُندَها بعدَد، ويدعوها جميعاً بأسمائها، وذلك بسبب عَظَمة قدرته وشدة قوته، فلا يُفقَدُ أحد منها.
فَلِمَ تقول يا يعقوب، وتتكلم يا إسرائيل: "إن طريقي تخفى على الرب، وإلهي يُهمِل حَقي" أما عَلِمْتَ، أوَ ماسَمِعْتَ؟ إنَّ الرب إله سرمدي، خالق أقاصي الأرض، لا يَتعَبُ ولا يُعيي، ولا يسبر فهمه.يُؤتي التَعِبَ قوةً، ولفاقد القدرة يُكْثُرُ الحَوْل.الفتيانُ يتعبون ويَعيَون، والشبان يَعثُرون عِثارا.أما هؤلاء الذين يضعون رجاءهم في الرب، فيجدون في الرب قِوَىً جديدة، يرتفعون بأجنحة كالنُسور؛ يَعْدُونَ ولا يُعْيَون، يسيرون ولا يَتْعَبون.
يا رب، يا خالق كُلّ شيء، اليوم نَكِلُ إليك، بصورة خاصة، كل المتعَبين والمتألمين، كل الذين فقدوا عزيزاً أو بيتاً أو بلداً ... والذين، تحت ثِقَل الحِداد، أو المرض أو الألم، تخور قواهم ويُحبَطون.
أنت خالقنا .. أنت أبونا .. لقد خلقت الكون بِحُبّ، ومن حُبِّك هذا، نحن نستقي القوة يا رب.
مُباركٌ أنت لأجل عمَلِك المستمر في حياتنا؛ مُباركٌ أنت يا رب على القوة المُحَوِّلة لقيامتك. جَدِّدْ فينا عطية قُوَّتِك، تلك التي تنبع من ثقتنا ورجائنا بك، أنت العارف بكل شيء، والقادر على كل شيء. تعال يارب .. تعال وخلصنا!


غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

12رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
الخميس11 كانون الأول  2014:   أن نستقبل "الجديد" الذي تهبه نعمة الله لنا.
"قَدَّر الله لنا منذ القِدَم، أن نكونَ أبناءه
نص النبي أشعيا الخاص بهذا اليوم، يُكرِّر علينا نفس الموضوع الذي تَكلمنا عنه في اليومين الماضيين. لهذا فكرت اليوم أن نعمل "وقفة" في طريق التجديد الذي يتكلم عنه الصوت المنادي لأشعيا النبي. مع أنها ليست تماماً وقفة أو قطع في الموضوع، لأننا سنستمر في التكلم عن نفس الموضوع: لأننا سنتكلم اليوم عن الولادة أيضاً، ولو بطريقة أخرى. قبل يومين (8 كانون الأول) صادف (ويصادف كل سنة في نفس التأريخ) عيد الحَبَل الطاهر بمريم أمنا (عيد العذراء مريم المحبول بها بلا دنس أصلي)؛لكننا استمرينا في رياضتنا الروحية، في تأمل النص اليومي الخاص بزمن المجيء، كي لا نقطع تسلسل الموضوع. وبما أن هذا العيد هو مهم لنا كثيراً ولا يبعدنا عن موضوعنا بل بالعكس، وكذلك بسبب الملاحظة التي ذكرتها في بداية حديثي اليوم، سنتأمل اليوم في القراءة الخاصة بهذا العيد وهي من رسالة القديس بولس إلى أهل أفسس.
عندما تحتفل الكنيسة بمريم المحبول بها بلا دنس أصلي، فهذا يعني بأنها تؤكد بأن الله قد أعَدَّ لابنه "مقاماً" "مُقَدَّساً لا عيبَ فيه". إنّ هذه هي "جِدَّة [1]" مطلقة تحدث اليوم: ولادة إنسان قديس حقًّا، مطابقٌ تماماً للمشروع الذي يريده الله للإنسان عند خلقِه له على صورته. ومريم، بشكل ما، هي الكائن الوحيد "الإنساني" تماماً، لأنها بدون خطيئة .. بما أنها عاشت في الألفة الحميمة مع الله.
لكن بماذا يهمنا هذا؟ إن هذا يهمنا ويخصنا تماماً لأن مريم وما حصل لها ليس استثناءً خاصًّا بها. فهي ليست غريبةعنا، بل واحدة منّا. فنحن .. كل واحد منا، يؤكد لنا بولس الرسول، قد اختارنا الله في المسيح، قبل إنشاء العالم، لنكون في نظره قديسين بلا عَيبٍ في المحبة.بكلمة أخرى، إن ما حَصَل لمريم، بالنعمة، منذ لحظة ولادتها (أي أنها طاهرة وبدون خطيئة)، سنصبحه نحن، أيضاً بفضل نعمة الله بالطبع، لكن شيئاً فشيئاً وطوال حياتنا. هذه هي بالذات دعوتنا المشتركة. لكن ليس لكي نصبح كاملين بلا عيب: فنحن لسنا مدعوين لأن نصبح شعباً يتكون من أناس كاملين، لكن "قَدَّرَ الله لنا أن نصبح شعبه" .. أي هؤلاء الذين يقفون في حضرة الله ويُرَنِّمون بحمده. ومن أجل ذلك، علينا أن نتخذ من مريم أمنا مثالاً لنا لأنها عرفت كيف تستقبل الجديد الذي جاءت به النعمة التي "مَلأَتْها" تماماً (الممتلئة نعمة). علينا إذن أن نستقبل جديد النعمة الذي ينبت فينا، وأن نحميه .. وأن نحافظ عليه .. وأن نجعله ينمو ويكبر داخلنا. هكذا، حياة كل واحد منا، والمُجَدَّدة من الداخل، ستصبح أكثر فأكثر مطابقة ووفق الأختيار الأزلي لله.هو الذي خلقتنا على صورته .. على مثاله
اليوم:     أفسس 1: 3–6 .  11 - 12
تبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح. فقد باركنافي المسيح كل بركة روحية في السموات. ذلك بأنه اختارنا فيه قبل إنشاء العالم، لنكون في نظره قديسين بلا عَيبٍ في المحبة. وقَدَّر لنا منذ القِدَم، أن يتبنانا بيسوع المسيح، على ما ارتَضَتْهُمشيئتُهُ، لحَمْدِه على نِعمَتِه السنية، التي أنعم بها علينا في الحبيب...
وفيه كانَ لنا نصيبٌ وَفقًا لِما قَضاه بتدبيرٍ سابق، ذاك الذي يَفعَلُ كلَّ شيء، على ما تُريدُه مَشيئتُه. فأَعَدَّنا منذ القِدَم لِنُسَبِّحَ  بِمَجده. نَحنُ الذين سَبَقَ أن جعلوا رَجاءَهم في المسيح.
يا رب، في مريم، أعطيتنا أيقونة الخلق المُجَدَّدَة على صورتك. نحن نتأمل فيهاما ترغب يا رب أن يُصبح كل واحد منا. تَباركْتَ يا رب على هذه العطية التي وَهَبْتَها لنا بأن تختار بنتاً من جنسنا لتعمل منها أمًّا لابنك ..ولتَجعَلْ منها أمنّا .. التي تُرينا الطريق نحوك. نَتَضَرّع إليها كي تأتي وتساعدنا في أوقات الخطر والإحباط .. كي تأتي وتلمَس قلب هؤلاء الذين لم يسيروا بعد في طريقك. فيَتِمَّ عَمَلُ خلاصِك في العالم... تعال يارب .. تعال وخلصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي


 

13رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
الجمعة12 كانون الأول  2014:   الإله القريب جداً.
"لَيْتَكَ يا بُني، كنتَ يَقِظًا وأصغيتَ إليَّ!"
في عملية الخلق الجديد، الذي يقوم به خلاص الله.. نسمع اليوم في نصنا ما يشبه تنهد مليء بالحسرة والأسف:  "لَيتَكَكنتَ يقِظاً وأصغيتَ إلى وصاياي ...".نحن، في الكثير من الأحيان، لا نكون منتبهين أومصغين إلى صوت الله .. ونكون غافلينوشاردي الذهن بسبب مختلف الإنشغالات والإهتمامات التي تضعنا في مواقف نأسف فيها دوماً على عدم فعل ما كان يجب علينا فعله: فنحن دائماً نعي متأخرين وبعد فوات الأوان بأننا أخطئنا في اختيار الطريق، أو أن مساعينا كانت عقيمة، وأفكارنا كانت خاطئة، وبأننا ابتعدنا عن الله، دون أن ننتبه..
لكن إذا كان زمن الإنسان هو زمن الأسف والحسرة على الماضي، فإن زمن الله هو دائماً "أبدية الحاضر": "أنا هو.. أنا الكائن"، يقول الرب. هذا هو الأسم الذي أعطاه الله إلى موسى. لكن مَن هو هذا الإله الثابت المستقر أزلياً؟ إنه المُخَلِّص، إنه الله، كُلِّي القدرة، ذاك الذي يجعل من نفسه "الأقرب" للإنسان. ومهما كانت أخطاءنا الماضية، يقدِّم الله لنا من جديد ودائماً نفس الوعد: إنه يَعدنا بالسلام والعدل، إنه يَعِد بالإثمار والألفة معه .. كل يومٍ من جديد ومهما يحصل؛ ويستخدم الله صوراً تُكَلِّم الشعب الذي كان مُهَجَّراً ونازحاً من مكان إلى آخر: التراب والنهر.. البحر وحبات الرمل.
"أنا الربُّ إلهُكَ الذي يُعَلِّمُكَما يُخَلِّصُكَ": لكن ماذا نحتاج كي نستقبل هذا الخلاص الذي يُقَدِّمه لنا اللهوبشكل أبدي؟ ما نحتاجه هو فقط أن نصغي إلى كلامه. فقط أن نكون.. منتَبهينإلى إرادته.. هذه الكلمة الجميلة تعكس الإنتظار وفي نفس الوقت الإصغاء والرغبة في عيش ما نصغي إليه.
هكذا، وبهذا الشرط، سنتمكن من تجاوز الماضي، مهما كان يحمل من فشل أو أخطاء.. سنتجاوزه.. وسيأتي سلام الله ويروي،كالنهر، أرض حياتنا.
نص اليوم:  أشعيا 48: 17 - 19
هكذا قال الرب فاديك القدوس:
أنا الربُّ إلهُكَ الذي يُعَلِّمُكَ ما يُخَلِّصُكَ، ويَهديكَ الطريقَ الذي تسيرُ فيه. لَيتَكَ كنتَ يَقِظاً وأصغيتَ إلى وصاياي! فكان سلامُكَ كالنهرِ، وبِرُّكَ كأمواجِ البحر!وكانت ذُرِّيَّتُك كالرَّمل، وسلالة أحشائِكَ كحَصاهُ، فَلَمْ يَنْقَرِضْ ولم يَبِد اسمُه مِن أمامي!.
  رب، أمامك.. أنت الذي تأتي إلينا.. كل يوم بدون ملل.. وإلى الأبد، نريد اليوم أن نُقَدِّم أنفسنا مع كل ماضينا.. بكل ما يحتويه.. مع حسرتنا، وجروحاتنا وكل أخطائنا، نُقَدِّمها لك كي تأخذها بقوتك المُحيية، وتقتلعنا من كل ما يسحبنا إلى الخلف ويمنعنا من التقدم نحوك.
يا رب، إجعلنا ننتبه لصوتك ونطيع كلامك.. كلام الحياة الذي يفتح أمامنا رجاء العالم الجديد الذي وعدتنا به ... تعال يارب .. تعال وخلصنا!



غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

14رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال خلقه كل شيء جديداً.
السبت13 كانون الأول  2014:   القلب الجديد
"الله حَضَّرهم للرسالة"
النص الأخير الذي تقترحه علينا ليتُرجية هذا الأسبوع، والذي يقدم لنا خلاص الله كخلق جديد لكل شيء، يحوي الكثير مما يدهشنا. فهو يتكلم عن نبي قديم، قام بمعجزات لا تخصناولا تهمنا بل وربما تصدمنا قليلاً. فكيف يمكننا أن نَعتَبر أن جَلْبَ المجاعة للناس، وقَتْلَرجالٍ بِحرقهم بالنار، كيف نعتبرها إذن أعمالاً عظمية أُنجِزَت لمجد الله؟! بل وأكثر من ذلك، أُنها أُنجِزَت بمساعدة الله
بالطبع لا يجب أن ننخدع من نبرة هذا النص الذي يريد تمجيد آباءنا في الإيمان، باستخدام عبارات هي أقرب منها إلى الملحمة مما هي من القصة التأريخية.
لكن المهم، هو أن هذا النص، على الرغم من كل شيء، يعلن لنا نوعاً من "البداية".
أيَّ دور كان التقليد اليهودي يسند إلى إيليا؟ كان التقليد اليهودي يقول بأن إيليا سيعود في نهاية الأزمنة، مباشرة قبل مجيء الرب النهائي... وبأنه سيأتي كي يصالح بين "الآباء والأبناء".. كي يُهيّأ إذن إنسانية تعيش في سلام، ووحدة..إنسانية قادرة على استقبال المسيح. ويسوع كان قد شرح لتلاميذه بأن ذاك الذي جاء ليلعب دور إيليا، أي دور التحضير لمجيئه هو المسيح، هذا الشخص هو يوحنا المعمدان، الذي كان قد جمع الشعب من أجل عماد التوبة. هكذا، الرسالة التي أُوصِلَت لنا هي أن تجديد العالم والذي هو إحدى علامات مجيء الرب النهائي، يبدأ بتجديد قلوبنا
هنا في الحقيقة، نار إيليا – مثلها مثل ماء عماد يوحنا المعمدان – يمكن أن يكونا مهمين، رمزياً بالطبع، لتطهير قلوبنا، ولتخليصها من كل ما يُثقلها ويعرقل عملها، كيما تُصبح حاضرة ومُهَيَّأة لمجيء ذاك الذي يأتي ويولد بيننا في حنان طِفل.
ماذا نفعل نحن اليوم كي نجدد قلوبنا
نص اليوم:  يشوع بنِ سيراخ  48: 1–4  ، 9– 11
وقام ايليا النبي كالنار، وَتَوَقَّدَ كلامُهُ كالمِشعَل. بَعَثَ عليهم الجوع، وبِغَيرتِه رَدَّهُم نَفَرًا قليلاً. أغلقَ السماءَ بكلامِ الرب، وأنزَلَ منها نارًا ثلاثَ مرات. ما أعظمَ مَجدَكَ يا ايليا، بعجائبك! ومَنْ لهُ فَخْرٌ كفخرِكَ؟
وخُطِفْتَ في عاصفةٍ من النار، في مركبةِ خَيلٍ نارية، وقد اكْتَتَبَكَ الربُّ لأقضيةٍ تَجري في أوقاتها، ولتَسكينِ الغضبِ قَبل حِدَّتِهِ، وَرَدِّ قَلبِ الأبِ الى الابن، وإصلاح أسباطِ يعقوب.طوبى لِمَنْسيراك، وطوبى لهؤلاء الذين ماتوا في محبة الرب، لأننا نحن أيضاً، سنحصل على الحياة الحقيقية.
يا رب، في شَخْصِيَّتَي إيليا النبي ويوحنا المعمدان الكبيرتين، أنتَ تُظهِر لنا مثال الإنسان المُلتَهِبَ حُبًّا من أجلك .. الإنسان المُمتلأ رغبةً لِيُعَرِّفَ الآخرين عليك. ضَعْ فينا يا رب نفس الغَيرةالتي وهَبْتَها لهما .. ونفس نقاوة القلب في في خدمتك، كي يتغير قلبنا ولكي يَعرِفَ العالم حولنا، شيئاً فشيئاً، وبشكل أفضل، قيمة الحياة والخلاص اللذين تقدمهما للعالم. مباركٌ أنت يا رب، من أجل كل هؤلاء الذين، ولقرون عديدة، حَضَّروا مجيئك. مباركٌ أنت من أجل كل أفعال المصالحة التي، في عالمنا، تبني بالفعل وتُعجِّل مَجَيء ملكوتك، أنت الذي تحيا لكي تُخَلِّص كل البشر... تعال يارب .. تعال وخلصنا!

مع محبة الأب غدير الكرملي

يتبع


غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

موضوع الأسبوع الثالث:
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
إن الله الخالق .. الله الذي يخلق من جديد .. الذي يجدد خَلقَ كل شيء باستمرار، هو إلهٌ يُحب أن يدخل في علاقة... في علاقة حُب معه هو. الكتاب المقدس، في سفر التكوين، يرينا الله يأتي "وهو يتمشى في الجنة عند نسيم النهار"ويتحدث مع الإنسان، ثم يبحث عنه، لأن الإنسان بعد ضَلَّلته روح الشر،"خاف واختبأ من وجه الرب الإله فيما بين أشجار الجنة"(تكوين 3: 8-9). ومن أجل إعادة بناء هذه العلاقة المقطوعة، "يخلق" الله العهد.
العهد: إن هذه الكلمة الجميلة، التي تُعَبِّر عن العلاقة المُؤَسَّسة بثبات، ظَهَرَت بعد الطوفان، عندما ظَهر قوس قزحعلى الأرض الجديدة التي انبثقت من مياه الطوفان: "هذه علامة العهد الذي أنا جاعله بيني وبينكم وبين كل ذي نفس حية معكم مدى الأجيال للأبد:تلك قوسي جعلتها في الغمام فتكون علامة عهدي بيني وبين الأرض" (تكوين 9: 12-13). إن هذا العهد الذي ينساه الإنسان باستمرار أو يهمله باستهزاء، يقترحه الله من جديد باستمرار وبلا كلل أو مَلَل: فهو يدعو إبراهيم ويكشف له نفسه؛ يأتي ليجد موسى ويُرسله إلى شعبه كي يُخرجه من العبودية؛ يختار داؤد، "الراعي بحسب قلبه"، كي يقود شعبه بحكمة وعدل. والله يُحب كل واحد منهم حبًّا عجيباً، فيُصَبِّره .. ويوبخه كابن له عندما يُخطيء.. يُنَشِّئه باستمرار وبلا كلل..ويغفر له.. ويقدم له دوماً هذا العهد، الذي بمرور السنين والقرون، سيصبح بشكل أوضح وتدريجياً، عهداً له صورة "العرس" .. صورة زواج لا يمكن حَلَّه أو إلغاءه.
فالله، بخلقه البشرية "على صورته ومثاله"،ومن خلال نفخه فيه نفخةً من حياته، كان يفكر في العرس الأبدي الذي يُحضِّره له منذ البداية في بيته الكبير. وبما أن الإنسان كان يعاند ولا يريد أن يفهم، أتى الله بنفسه، في ابنه، الذي جاء يقترن بالبشرية ويذهب إلى أبعد الحدود فوهب جسده وحياته لها، في "تبادل حُبِّ عجيب"، كما يقول آباء الكنيسة، "تبادل عجيب"، يُشرِكنا من خلاله في ألوهيته: "الله صار إنسانًا، كي يصبح الإنسان إلهًا"
هذه هي القصة التي سنتأمل فيها هذا الأسبوع، من خلال الإعلانات أو النبؤات والتي كانت لاتزال مبهمة بخصوص مجيء رئيس أو ملك سرّي والذي سيُعطى لنا (الأثنين والسبت)؛ وكذلك من خلال التحضيرات التي يقوم بها الله كي يُهيء بها قلب الإنسان لاستقباله (الثلاثاء والجمعة)؛  وأخيراً من خلال الكشف عن مخطط حُبِّه منذ الخلق (الأربعاء) وإلى مرحلة الوصول إلى القِران أو الزواج (الخميس).
كان يجب أن يأتي "عمانوئيل، "الله معنا"،كي من الممكن أن يصبح العهدفعالاً بين الطرفين المتعاقدين، اللذين هما مختلفين جداً في الطبيعة وفي القوة، وكذلك لكي يمكن لقدرة الله الكلية ولضعف الإنسان الكلي، أن يتحدا. كان يجب أن يولد طفلٌ ضعيف بيننا، والذي هو نفس الوقت أيضاً الله القوي، كي يُمكِن أن يُعقَد أخيراً  – من خلال جسده المبذول حتى الموت، ومن خلال روحه الموهوب للجميع –العهد الجديد الأبدي
يا رب، أمام هذه العطية الجذرية والجوهرية ، زِدْ فينا الرغبة في الدخول والإلتزام بهذا العهد الجديد الأبدي!
الأحد  14 كانون الأول 2014
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده عهداً مع الإنسان
تذكير: في هذا الأسبوع الثالث من زمن المجيء، سنستمر في السير في طريقنا نحو الميلاد وبنفس الإيقاع الإعتيادي: القراءةالليتورجية الأولىالمخصصة لكل يوم، هي التي تقود تأملنا إنطلاقًا من موضوع الأسبوع وكما فعلنا في الأسبوعين الماضيين. موضوع هذا الأسبوع هو:"الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (أو إقامته) عهداً مع الإنسان". ويوم الأحد هو عادة مدخل لموضوع الأسبوع هذا، ونجد فيهأيضاً نصًا من التراث المسيحي،  يُؤخَذ عادة من أحد آباء الكنيسة أو أحد القديسين المعروفين.
*تأمل في إنجيل الأحد الثاني من زمن المجيء:يوحنا  1: 6- 8  و  19- 28
ظهر رجل أرسَلَه الله، اسمهيوحنا. جاء شاهدًا لِيَشهدَ للنور، فيؤمنَ عنشهادتِه جميعُ الناس. لم يَكُنْ هو النور، بلجاء كشاهد لِيَشهدَ للنور.

وهذه شهادة يوحنا، إذ أَرسل إليه اليهودُمن أورشليم بعضَ الكهنة واللاويين، يسألونه: "من أنت؟"فاعترف ولم ينكر، اعتَرَفَ: "لست المسيح"
فسألوه: "من أنت إذاً ؟ أأنت إيليا؟"  قال:ا "لستُ إيّاه". "أأنت النبي؟" أجاب: "لا!" فقالوا له: "من أنت؟ فنحمل الجوابَ إلى الذينأرسلونا؛ ما قولُك في نَفسِك!"
قال: أنا صوتٌ مُنادٍ: " في البرية قَوِّمُوا طريقَ الرب، كما قال النبي أشعيا".
وكان المرسَلون من الفريسيين. فسألوه أيضا: "إذا لم تكن المسيح ولا إيلياولا النبي، فَلِمَ تُعَمِّدُ إذاً؟"
أجابهميوحنا: "أنا أُعَمِّدُ في الماء، وبينكم مَنْ لا تعرفونه، ذاك الذي يأتي بعدي، ولستُ أهلاً لأن أفُكَّ رباطَحذائِه".
وجرى ذلك في بيت عنيا عبرالأردن، حيث كان يوحنا يُعَمِّد.
التأمل:
ظهر رجل أرسَلَه الله، اسمهيوحنا. جاء شاهدًا لِيَشهدَ للنور، فيؤمنَ عنشهادتِه جميعُ الناس. لم يَكُنْ هو النور، بلجاء كشاهد..
إن يوحنا المعمدان، مع مريم، أكبر شخصيات زمن المجيء. في كل عام، يُخَصَّص الأحدان الثاني والثالث من زمن المجيء وبشكل كامل له. لأن له دوراً فريداً من نوعه: فهو آخر الأنبياء .. الشاهد الأول ليسوع المسيح.. صوت صارخ وقوي.. لكنه يختار أن يختفي ويصغر بتواضع أمام ذاك الذي يبشِّر به .. جاء كي يشهد.. يشهد للنور ..
أيها الشاهد للنور، قُلْ لنا من أي طريق سيأتينا المسيح..!
في الحقيقة، لا أحد مثل يوحنا المعمدان استطاع أن "يُمَثِّل" زمن المجيء. وكأنه أصبح رمزاً لهذا الزمن الطقسي. فهو آخر أنبياء العهد القديم الكبار (لوقا1: 76 / متّى 11: 9): هو إذن "الرابط" بين الماضي والمستقبل، بين ما هو قبل وما هو بعد.
يا رب، ساعدنا على أن نكون أمناء لجذورنا الماضية، ومنفتحين على كل شيء جديد تريد أن تخلقه اليوم.
جاء كشاهد لِيَشهدَ للنور.
شاهد النور! ما أجمل هذا اللقب! يوحنا المعمدان هو رجل الشهادة. الأناجيل الثلاثة الأخرى يقدمون لنا يوحنا المعمدان "كواعظ التوبة". بينما الإنجيل الرابع يُظهِره لنا "كشاهد للنور"... أول "شاهد ليسوع المسيح". يجب أن لا ننسى بأن كلمة "شاهد" هي، بلغة العهد الجديد الأصلية، أي اليونانية، نفس كلمة "شهيد". أي نفس الكلمة تُعَبِّر عن مَن يشهد لشخص آخر وكذلك عن من يستشهد. والمعمدان بالفعل، جمع المعنين، فهو كان "أول شاهدٍ"" ليسوع، لكنه أيضاً "أول شهيد" ليسوع (مرقس 6: 27). كانت هناك فكرة مسيطرة على إنجيل يوحنا وهي: أن العالم[1] يهيء "قضية .. دعوى" ضد يسوع. فالعالم يرفض يسوع، ويتهمه. ويمكن تلخيض هذه "القضية" بالسؤال التالي: "لكن من هو يسوع هذا؟" لهذا يظهر شهودٌ يشهدون عن المتهم. إن كلمة "شهادة" نراها في إنجيل يوحنا 14 مرة، والفعل "يشهد" 33 مرة. وأول شاهد قَدَّم نفسه لشغل هذه المهمة، هو يوحنا المعمدان: "جاء كشاهد ليشهد للنور." أنا قادر على أن أدافع عن يسوع وأشهد له عندما يتهمونه؟
وهذه شهادة يوحنا، إذ أَرسل إليه اليهودُمن أورشليم بعضَ الكهنة واللاويين، يسألونه: "من أنت؟".. ولماذا تُعَدِّد؟
إن هذه العبارة تدعونا إلى أن نسأل أنفسنا حول دورنا نحن كشهود. فعلى كل مسيحي أن يكون شاهداً للمسيح. وفي الحقيقة، نستطيع أن نلاحظ بأن طريقة عيش يوحنا المعمدان هي التي كانت تحث معاصريه وتجعلهم يتساءلون. فكانوا يسألونه عن هويته.. مَن هو...
هل نحن اليوم نسبب أي تساؤلاً لمن يرونا نعيش معهم أو بالقرب منهم
هل هناك في تصرفاتنا، شيئاً يمكن أن يُحيِّر أو يثير الفضول عند الآخرين
يا رب، ساعدنا على أن نعيش بطريقة تجعل رفقاءنا، وأصدقاءنا وكل من يتعامل معنا، يتساءلون عن "السِرّ" الذي يُسَيّر حياتنا: "مَن هو..؟ لماذا يتصرف دوماً هكذا؟!"ت المسيح .. ولا النبي .. أنا صوت ..".
هكذا، وخلف السؤال حول هوية المعمدان، الشاهد... هوية يسوع هي التي كانوا يبحثون عنها. فالسؤال الحقيقي الذي كان خلف سؤالهم للمعمدان: "هل أنت المسيح؟"، هو التالي وهو الذي كان يهمهم أكثر معرفة الجواب عليه: "إذن مَن هو يسوع؟ هل تعرفه؟".
وجواب يوحنا كان مُزدَوَجًا: فهو يبدأ بالقول وبتواضع، بأنه ليس المسيح.. ثم يضيف بأنه لا يريد أن يكون إلاّ "صوت"، صوت شخص آخر!
اليوم، الكنيسة، وكل مسيحي، عليهم أن يتبنون شهادة يوحنا المعمدان الشجاعة هذه.
"يا كنيسة المسيح، ماذا تقولين عن نفسك؟ مَن تعتبرين نفسكَ؟ مَن تُمَثِّلين؟"
"أيها المسيحي، من أنت.. ماذا تقول عن نفسك؟ مَن تعتبر نفسك؟ "
كلا! أنا لست المسيح. أنا لست إلاّ صدى للمسيح.
يا رب، أنقذنا من إدعائاتنا بأننا نمتلك الحقيقة .. بأننا وحدنا "متحدثي المسيح"، أو الوحيدين الذين يعرفون ويفهمون يسوع المسيح
بينكم ..في وسطكم.. مَنْ لا تعرفونه ...،
إننا نؤمن بأن المسيح الذي نبحث عنه، هو أصلاً بيننا وفي وسطنا.. وفي قلب رجاءنا وتطلعاتنا، وصراعاتنا، وكل حُبّنا الإنساني!ّ ويمكننا القول بأن الأفضلية الوحيدة للكنيسة، وللمسيحي، هي أنه "يتعرف"، و "يُسَمِّي" ذاك الذي ينتظره البشر ويبحثون عنه على غير هدى.. فنحن "نعرفه ونسميه"، ونؤمن بأنه من الآن موجود وحاضر معنا وبيننا وفينا. التجربة التي قد نقع فيها نحن المسيحيون هي أن نعتبر أنفسنا أفضل من الآخرين المختلفين عن إيماننا. لكننا ننسى ربما وبسهولة بأن ذاك الذي نؤمن بأنه حاضر معنا وبيننا وفينا، يأتي إلينا كل يوم في وجوه الآخرين .. وذاك الذي ندعي بأننا نحبه ونمتلكه في قلوبنا، هو نفسه الذي نهمله ولا نتعرف عليه عندما يأتي إلينا كل يوم لابساً وجه أخي وأختي وقريبي وكل من ألتقي بهم يومياً.انتبهوا .. اسهروا ...!" يقول لنا يسوع: "فقد كنت جائعاً .. وسجينا، ومريضاً، ومضطَهَداً ومُعَذَّبًا، ونازحاً ومحتاجاً.. لكنكم لم تفعلوا شيئاً إلي.." فنحن نهمل وباستهزاء المسيح الرب كل مرة نُهمل فيها ونستهزء بأخٍ أو أختٍ لنا.
لكننا بالمقابل يجب أن نفرح في كل مرة نستقبل ونمد يدنا فيها لأخ أو أختِ بحاجة إلينا، لأنا نعرف بأن الله  صار "إنسانا"، وبأنه يريدنا أن نحترم الإنسان الذي نحتك به كل يوم، مهما كان لونه أو عرقه أو جنسه. أن نكون مسيحيين إذن هي ليست أفضلية بل مسؤولية ورسالة
ذاك الذي لا تعرفونه، يأتي بعدي..
كل حياة يسوع تأثرت جداً بهذا "الجَهل" أو "عدم المعرفة". فالله لا يأتي بوضوح مثل صوت البوق أو صوت الرعد. فالله ليس ذاك الذي "يسحق" أو "يسيطر". بل إنه مثل  "نفخة الريح، الذي لا نعلم من أين يأتي ولا إلى أين يذهب." (يوحنا 3: 8). الله هو "ذاك الذي يسمح للآخرين أن يسحقوه، أن يصلبوه، أن يتهموه"... هل هذه مفارقة؟ كلا.. بل هي حقيقة الله الذي لا يستطيع إلاّ أن يكون "الله الخفي"، وذلك لأن كيانه أسمى من أفكارنا التي تريد فهمه والسيطرة عليه. وهوية يسوع ("مَن أنت إذن؟") تخفى وتغيب على كل بحثنا وتحقيقاتنا ومحاولاتنا لفهمه واحتوائه. إنه حقاً "الله الخفي" بمعنى أنه سيبقى سِرًّا يتجاوز فهمنا وعقلنا.
يا رب، ساعدنا على أن نكتشفك .. وأن نتعرف عليك حيث أن تختبيء. لقد بحثت عنك في الصحة، في النجاح، في الأصدقاء، في فرح العيش (وأنت موجود هناك، أيضاً!). لكن، ما حصل لي، هو المرض، الفقر، والفشل، في الزواج أو في الحياة العائلية أو الوظيفية. ساعدني يا رب، على أن لا أمر بجانب حضورك الخفي، بل أن ألتقي بك حيثما تكون.. أحتاج لعينين مثل عينيك الطاهرتين اللتين تريان ما هو خفي ولا تحكمان فقط على ما هو ظاهر. ساعدني يا رب!
يا بني.. إن استطعت أن تكشفني "خَفِيًّا.. لكن حاضراً دوماً معك وفيك"، ستكتشف ينبوعاً للفرح، لا أحد ولا أي شيء آخر يمكنه أن ينتزعه أو يسلبه منك... فرح مريم عندما اكتشفت ولادة الإله الخفي في أحشاءها.. فرح يوحنا المعمدان الذي، مع أنه كان يرى نفسه وهو "يصغر"، وجد بهذا فرحه.. ووجده "الآن تامًّا" (يوحنا 3: 29-30).
ولستُ أهلاً لأن أفُكَّ رباطَحذائِه".
إن يوحنا المعمدان هو ذاك الذي "احتجب وتنحى بتواضع أمام ذاك الذي كان يعلن عن مجيئه". يوحنا المعمدان، هو "الشاهد" الحقيقي: أي ذاك الذي يوجد فقط بالعلاقة مع "الآخر"، فهو يرفض لقب "المسيح" (يوحنا 1: 20). ويتمنى "أن يختفي" كي يَكبُر "المسيح" (يوحنا 3: 30). إنه ليس النور، لكن "السراج الموقَد" في الليل (يوحنا 5: 35). إنه الخادم غير المستحِق أن يفكَّ رباط حذاء المعلِّم (يوحنا 1: 27). إنه ليس إلاّ "صديق العريس"، الذي يقف عن بعد، محتجبًا (يوحنا 3: 29). إنه ذاك الذي قام بأعجب شيء ألا وهو: إنهاء "رسالته" وتفضيل رسالة يسوع عليها، من خلال إبعاد تلاميذه عنه هو، كي يرسلهم ليتبعوا "آخر".. يتبعوا يسوع (يوحنا 1: 35-39). وأخيراً، يموت قبل أن يرى انتصار القائم من بين الأموات.. يموت في ظلمة الشكّ التامة: "أأنتَ الآتي، أم آخر ننتظر؟" (متى 11: 2.19). هكذا إذن كان يوحنا المعمدان، ليس فقط "الشاهد" المثالي، لكنه أيضاً "مثال" المؤمن الحقيقي بالذات: "ذاك الذي لا يرى، لكنه يؤمن" (يوحنا 20: 29).
يا قديس يوحنا المعمدان، صلِّ لأجلنا
يا قديس يوحنا المعمدان، أعطنا قدرتك على الإحتجاب والتواضع
يا قديس يوحنا المعمدان. أعطنا هذا "الحب الجنوني" الذي يضحي بنفسه من أجل الآخر.. كيما يصبح فرحنا تامًّا...
"أنا أُعَمِّدُ في الماء ...
يقول لنا الإنجيلي يوحنا، أن اليهود أرسلوا إلى المعمدان بعض الكهنة واللاويين، وهم خبراء في "التطهير الطقسي"، خبراء رسميين ..ومعتَرَف بهم. هؤلاء هم إذن مَن أُرسِلوا في ذلك اليوم للتحقق من صحة عمل هذا الشخص الهامشي بالنسبة لهم (المعمدان) والذي كان يدعو الآخرين للعماد "لمغفرة الخطايا" (مرقس 1: 4) والذي لا يمكن إلاّ أن يكون مشكوك فيه، وممنوع من العمل من قبل الدين الصحيح، دين أورشليم (يوحنا 1: 19). وكان من بين المرسلين أيضاً لاستجواب يوحنا بعض "الفريسيين"، "الأنقياء"، "المنفصلين" (عن الآخرين كونهم أفضل منهم!)، والذين كانوا يعرفون، وبشكل تام، الشريعة والسنن والقوانين.. ما هو مسموح وما هو ممنوع.. (يوحنا 14: 24). لكن هؤلاء الفريسيين الحريصين على تطبيق الطقوس بحذافيرها، مَرّوا مع الأسف بجانب الشخص الوحيد الذي كان بمقدوره أن يغفر الخطايا حقًا .. سيرفضه غالبيتهم. لكن يوحنا المعمدان، كان يعرف ذلك جيداً، كان يعرف بأنه ليس هو المعمدان، هو "الرسول .. الخادم" البسيط مَن كان يغفر الخطايا... فهو "لم يكن يُعمِّد إلاّ في الماء"... لكن، سيأتي بعده، بعد عمله الطقسي كمُعَمِّد، سيأتي "الحَمل الذي يحمل خطيئة العالم" (يوحنا 1: 29).
يا رب، بينما يقترب حدث الميلاد منا، أعطنا أن نقترب منك، أنت الوحيد الذي تغفر الخطايا.
وجرى ذلك في بيت عنيا عبرالأردن، حيث كان يوحنا يُعَمِّد
كان قد جاء من أورشليم.. المدينة المقدسة، والتي كانت في ذلك الوقت المركز العالمي لنشر كلام الله والسيطرة على طريقة نشره. بينما نرى بأن الله سيكشف عن ذاته، لس هناك في أورشليم، بل في أرض غريبة، فيما وراء نهر الأردن. والإنجيلي يوحنا كان مقتنعاً جداًبأهمية هذه المعلومة الجغرافية، بحيث ركَّز عليها مرتين (يوحنا 1: 28 و 10: 40)
يا رب، ساعدنا على أن نكون "مُرسَلين"، وأن لا ننغلق داخل حدودنا. فكم هي حزينة مثلاً الحدود التي نضعها نحن المسيحيين لتفصل بيننا: هذا كلداني وهذا سرياني وهذا..... هذه التسميات ربما قد لا تضر كثيراً بقدر ما تضر نظرتنا للآخر وتعاملنا معه بحسب هذه التقسيمات. امنعنا يا رب من أن نتعامل مع إخوتنا بحسب طائفتهم، لأننا سنكون عندها بعيدون كل البعد عن تعليمك .. وهذا يكشف أيضاً بأننا لم نتعرف عليك بعد.. ولم نكتشف بعد حضورك وسطن
يا رب، افتح عيون قلوبنا كيف تكتشف حضورك السرّي... في الشاطي المقابل
*نص من التراث المسيحي: 
التدبير الإلهي في التجسد الخلاص
من كتاب القديس إيرناوس الأسقف في الرد على الهراطقة
الله هو مجد الإنسان.
وفي الإنسان يتمّ عمل الله كله، وحكمته وقدرته.كما أن الطبيب يُظهِر نفسه في المرضى الذين يعالجهم،
كذلك يُظهر الله نفسه في تعامله مع الناس.ولهذا قال القديس بولس الرسول:
"إن الله أغلق على جميع الناس في العصيان ليرحمهم جميعا" (روما 11: 32).
قال هذا في الإنسان الذي عصى الله، فأُبعِد عن الخلود،ثم عاد ونال رحمةً بيسوع المسيح ابن الله، وبه نال التبني.
وما دام يقبل، من غير كبرياء أو غرور، المجد الحقيقي،إذا قررنا أن نعود إلى الطريق، أن نهتدي، فالله لن يكون متفرجاً: بل سيملأنا من روحه هو.الناجم عن المخلوقات وعن خالقها، الإله القدير وواهب الكائنات كيانها،
وما زال ثابتا على محبته تعالى وعلى حمده والخضوع له،فسوف ينال مجدا أعظم يتقدم به شيئا فشيئا حتى يصير شبيها بمن مات من أجله.
"اتخذ الكلمة جسدا يشبه جسدنا الخاطئ " (روما 8: 3)،ليقضي على الخطيئة، ويبعدها عن الجنس البشريّ.

ودعا الإنسان ليكون شبيها بالله، وليقتدي به.وأدخله في سر أبوّة الله، فمكنه أن يدركه ويراه.
كلمة الله سكن في الإنسان، وصار ابن الإنسان، ليمكن الإنسان من أن يدرك الله،وليجعل إقامة الله في الإنسان أمرا ممكنا، بحسب رضى مشيئة الله الآب.ولهذا فإن الرب نفسه أظهر لنا علامة خلاصنا،إذ وُلِدَ من البتول ودعي اسمه "عمانوئيل" أي "الله معنا"، لأن الرب يسوع المسيح، هو الذي خلص جميع الذين لم يكونوا قادرين على أن يخلصوا أنفسهم بأنفسهم.
وفي هذا المعنى قال القديس بولس ذاكرا ضعف الإنسان:"إني أعلم أن الصلاح لا يسكن فيّ" (روما 7: 18)،
مبينا أن الخلاص ليس منا، بل من الله.وقال أيضا: "ما أشقاني من إنسان.فمن ينقذني من هذا الجسد الذي مصيره الموت" (روما 7: 24).وهو يشير بهذا الكلام إلى المحرر الذي هو يسوع المسيح.وهذا ما أشار إليه النبي أشعيا أيضا حين قال:"قولوا لفزعي القلوب، تقووا، ولا تخافوا. هو ذا الله آت ليحكم ويثبت. إنه يأتي ليخلصكم" (أشعيا 35: 4).

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

16رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
الأثنين 15 كانون الأول  2014:  النجم هو العلامة
"كَوْكَبٌ يَخرُجُ مِنْ يَعْقُوبَ"
إله العَهد، إله الآباء... إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، الذين أقام اللهمعهم، يقول لنا سفر التكوين، عهدًادائماً لهم ولكل نسلهم.. هذا الإله، ها هو يكشف ذاته كالإله الذي لا ينسى وعوده، الإله الأمين الذي نعمتُه هي حاضرة دوماً. فهو يُلهم حتى الأنبياء الغرباء، الوثنيين، لكي يُذَكِّر بأنه يُحِبُّ شعبه ويغمره بعطاياه. "ما أجمل خِيامِك ! لقد زَرَعَها الربُّ كأرزاتٍ على المياه!
ثم يُعلِن بأنه من هذا الشعب، ومن نسل يعقوب، سيخرج "بطلٌ"،لكي يحكمه، بمعنى يقوده نحو الخلاص. ويالَهُ من بَطَل! فهو لا يشبه قائدًا محاربًا، لكنه يشبه نجمًا! نجمٌ يرمز إلى الرجاء في الليل المظلم؛ نجمٌ يشير بأن المكان الحقيقي لمستقبلنا ولسعادتنا، هو السماء. نجمٌ مُعلَنٌ عنه منذ قديم الزمان، والذي نرى فيه "النجم الشارق من العُلى"الآتي لزيارتنا ولتفقدنا (لوقا 1: 78)، " كوكب الصبح الذي يُشرِق في قلوبنا" (2 بطرس 1: 19).لنتعلم من النبي بلعام الذي عرف كيف يُصغي إلى الله الذي كان غريبًا عنه، وليساعدنا مثاله هذا على أن نكتسب نحن أيضاً نظرةً ترى أبعد من المظاهر المباشرة والمادية .. نظرةً تستطيع أن ترى الخلاص حاضراً دوماً وباستمرار في العالم
نص اليوم:     عدد24: 2–7 .  15 - 17أ
جاء النبي الوثني بلعاملِيَلْعَن إسرائيل. فرفع عينيه ورأى إسرائيل مُخَيِّمًا بحسب أسباطه. فنزل عليه روح الله. فنَطَقَ هذه الكلمات النبوية وقال: "كلام بلعام بن بعور كلام الرجل الثاقب النظر. كلام من سمع أقوال الله، من رأى ما يريه القدير،مَطْرُوحًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ.ما أجمل خِيامك يا يعقوب، ومساكنك يا إسرائيل. فهي منبسطة كأودية وكجنات على نهر، لقد زرعها الله كشجراتِ عودٍ، وغرسهاكأرزاتٍ على المياه. بَطَل يخرج من نسله، ويسود شعوبا كثيرة. ويرتفع مُلْكُهُ على أجج، وتتسامى مملكتُه".
ثم نَطقَ من جديد كلماته النبوية وقال: "كلام بلعام بن بعور كلام الرجل الثاقب النظر. كلام من سمع أقوال الله، ومن عرف معرفة العلي ،ومن يرى ما يريه القدير، مَطْرُوحًا وَهُوَ مَكْشُوفُ الْعَيْنَيْنِ.هذا البَطَل، أَراهُ ولكنْ ليسَ للوقت الحاضر. أُبصِرُه ولكن ليس من قريب.كَوْكَبٌ يَخرُجُمِنْ يَعْقُوبَ، وَيَقُومُ صولجانٌ مِنْ إِسْرَائِيلَ،
يا رب، أنت الإلهُ الأمين الذي لا يَمَلُّ من السير معنا ويرافقنا. مُباركٌ أنت يا رب على وعودك التي، منذ البدء، تنير طريق البشر. نُسَبِّحك يا رب لأنك تُعوِّد عيوننا دوماً على استقبال حقائق تتجاوزنا لحد الآن .. كحقيقة علامة النجم الذي دَلَّنا على ودلاة ابنك الآتي ليُنير طريقنا ويقودنا إليك. افتح عيوننا لرؤية نورك، أنت الذي لا تتوقف المجيء إلينا. تعال يارب .. تعال وخلصنا!


غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

17رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
الثلاثاء16 كانون الأول  2014:  إن لم تعودوا كالاطفال ...
"شعبٌ صغير وفقير"
يوم أمس، ظهر إلى النور، الوعد الذي قدمه الله بأن يهب لشعبه رئيسًا لقيادته. اليوم، موضوعنا يتكلم بالأحرى عن تحضير هذا الشعب، إذن عن تحضيرنا نحن، لاستقباله. "سأغير قلوب شعبي وأُنَقّي شفاههم." الله أيضاً هو مَن يهتم بإتمام العمل؛ أي أن ذاك الذي يقدم الوعد، هو أيضاً نفسه الذي يساعدنا على دَعم هذا العهد. إن هذا التغيير يقوم به الله بإتجاهين: الأول هو الإنفتاح الخارجي على الشعوب الأخرى، والثاني هو نحو العمق. أي لم يعد شعب واحد هو المدعو، لكن كل الشعوب، "أبنائي في الشتات"، كلهم مدعوون للتقرب إلى الرب. كما أنهم لن يستطيعوا بعد أن يقدموا أنفسهم من خلال التباهي والتكبر كونهم "الشعب المختار"، ، لكن في تواضع مَن يستلم كل شيء من آخر، من ذاك الذييهب كل شيء مجاناً. ها نحن أمام بشرى سارة!
أمس كنا نتكلم عن عَرش وصلوجان – لأن من سيأتي هو حقاً ملك. أما اليوم فالموضوع يخصالتواضع، الصِغَر، لأن مَن يأتي هو طفل، وعلى مثاله، يريد الله أن يجعل منا جميعاً أبناءه؛ اليوم الموضوع يخص الفقر، لأن الشيء الوحيد الذي يطلبه منا هو أن نسمح له بأن يُتَمِّم عمله فينا. أن نتخلى عن كل ما يعطينا الأمان، كي لا نضع ثقتنا وإتكالنا إلاّ على الله (أي وكأننا نتخلى عن أسلحتنا بشكل ما)، هذا هو الشرط الأساسي كي نتجاوز الخوف (مع أن هذا يبدو متناقضًا)، لأننا عندها "سنعتَصم باسم الرب"..أي سيكون هو ملجأنا وحمانا ومَن يعطينا الأمان. هكذا سنكون جاهزين لرؤية الطفل الذي سيأتي.
نص اليوم:     صفنيا3: 1–2.  9 - 13
كلام الرب إلى أورشليم:
ويل للمتمردة الدنسة المدينة الظالمة!إنها لم تصغي لصوت أي شخص، ولم تقبل التأديب، ولم تتكل على الرب، ولم تتقرب لخدمة إلهها. أما أنا، يقول الرب، سأغير قلوب شعبي وأُنَقّي شفاههم، كي يدعوا جميعا باسم الرب ويعبدوه بقلب واحد. مِنْ عَبْرِ أنهارِأثيوبيا، عِبادي، وأبنائي في الشتات، يقربون لي تقدمة. في ذلك اليوم، لن تخجلي من جميع أعمالك التي عصيتني بها، لأني حينئذ أنزع من وسطك المتباهين المتكبرين، فلن تعودي بَعْدُ إلى التَّكَبُّر في جبلِ قدسي. وأُبقي في وسطك شعبًا وضيعًا فقيرا،يعتصم باسم الرب. هذه البقية من إسرائيل، لن ترتكب الظلم. ولن تنطق بالكذب، ولن يوجد في فمها لسان مكر،لأَنَّهُمْ سيَرْعَوْنَ وَيَرْبُضُونَولا أحد يفزعهم.
يا رب، ها نحن أمامك، ضعفاء وصغار كما ترغب في أن نكون، ليس لكي تسحقنا وتهيننا، لكن كي تنظر إلينا كأبناءك الأحباء الذين، ما أن يُسَلِّموا أنفسهم لك ولو قليلاً، ستبعد عنهم كل شر. أعطنا يا رب أن نسمح لك بأن تغيرنا بنظرتك. لا تجعلنا نعتمد على ما نتصوره يعطينا الأمان والسلام، بل أن نستقبل السلام والأمان اللذين يأتيان منك وحدك. السلام الذي سيأتينا في هذا الطفل الذي سيولد بيننا.تعال يارب .. تعال وخلصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

18رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسا
الأربعاء17 كانون الأول  2014:  منذ الخلق..
"جَبَلَ الأرضَ للسُكنى"
اليومان الأولان من هذا الأسبوع الثالث من زمن المجيء، ساعدانا على التأمل في عمل الله في سر العهد، من خلال إعلانه للنجم أو الكوكب المُخلِّص، ومن خلال تهيئة وتحضير شعبٍ يستقبل هذا المُخلِّص. اليوم سنرجع إلى زمن أبعد من ذلك، إلى ما قبل العهد، إلى فعل الخلق نفسه. فالله الذي كشف اسمه إلى موسى: "أنا هو"، هذا الإله يُذَكرنا اليوم كيف أنه في البدء "جَبَل الأرض وصنعَها".نحن في الحقيقة لازلنا هنا نتكلم عن نفس السِرّ الذي تكلمنا عنه في اليومين الأولين، لأن مخطط الله للخلق هو منذ البدء مخطط لإقامة العهد مع الخليقة: فالله "لم يخلق الأرض لكي تكون صحراء، لكنه جبلها كي تكون مسكونة بالخلائق، خلقها للسُكنى".
إن الله، ومنذ الأزل، كان يفكر في الإنسان، الذي سيَكِل إليه الخليقة؛ كما أن قلب الله، ومنذ بدء الخليقة، كان يحث الإنسان على الدخول في علاقةٍ بنوية معه .. في قران معه. ولهذا، فالله الخالق، هو أيضًا الله المخلص؛ من أجل ذلك، دعا الإنسانَ إلى الحياة، ويريد أن يعطيه من جديد الحياة وبفيض. كل شيء مُعطى سوية، أي الهبات الطبيعية والروحية في نفس الوقت: ندى السماء والبراعم، وفي نفس الوقت يهب البِرَّ والخلاص. ولتُمطِرِ الغيومُ الصِدِّيق!أي أن الله لا يهبنا فقط عطايا الطبيعة والعطايا الروحية المختلفة، لكنه يهبنا ذاته هو: "الصِدِّيق .. البّار"،فالله نفسه هو البارُّ الذي يأتي كي يُخلِّصنا.
نص اليوم:     أشعيا 45: 6ب–8.  18 . 21ب - 25
أنا الرب وليس من رب آخر. أنا مبدع النور وخالق الظلام، ومجري السلام: أنا الربُّ صانعُ هذه كلها. أُقطُري  الندى أيتها السموات من فوق، ولتُمطِرِ الغيومُ الصِدِّيق! لتنفتح الأرض، وليُبَرْعِمالخلاصُ، وليَنبُتِ البِرّ أيضاً. أنا الرب خَلَقْتُ ذلك.لأنه هكذا قال الرب خالقُ السموات، الله جابلُ الأرض وصانعها، الذي أقرَّها ولم يخلقها للخواء، بل جَبَلَها للسُكنى: إني أنا لاربّ وليس مِن ربٍّ آخر.
مَن الذي أسمعَ بهذه من القديم، وأَخبَرَ بها من ذلك الزمان؟ أليسَ إيايَّ أنا الرب؟ فإنه ليس من رب آخر، لا إله غيري، إله عادل مُخَلِّصٌ ليس سواي. توجهوا إليَّ، فتخلُصوا، يا جميع أقاصي الأرض؛ فإني أنا الله، وليس من إله آخر. بذاتي أقسمت، ومِن فَمي خَرَجَ الصِدْق. كلمةٌ لا رجوع عنها، ستجثو لي كل ركبة، ويُقْسِمُ بي كلُّ لِسان. سيقولون فِيّ: بالرب وحده البِرّ والقوة، وإليه يأتي جميع الذين غضبوا عليه فيَخزون.
يا رب، مُبارَكٌ أنت من أجل خليقتك التي تعكس جلالَكَ وجَمالكَ .. خليقتَكَ التي تعكس عَظَمَتَك وقدرتكَ، لكنها تعكس أيضاً إهتمامك وعنايتك بالإنسان، وتعكس كذلك مَحبَّتَك التي جعلتك تجبل خليقةً على صورتك كي تدخل معها في علاقة .. خليقةً تصرخ إليك وتتضرع قائلة: "يا رب!" .. وتقول لك أيضاً: "أبَّا .. أيها الآب!"
مُبارَكٌ أنت يا رب لأنك خلقتَ الأرض والغيوم، ووهبتنا الثمار والسماء، ومن أجل كل ما تستمر دون توقف في إعطائه لنا وتجديد وَهْبِهِ كل يوم، في الخلاص الذي يأتي إلينا... أنت الذي وُجِدْنا بفضلك، تعال يارب .. تعال وخلصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

19رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
الخميس18 كانون الأول  2014:  ... إلى الأبد
"زوجُكِ ، هو خالقُكِ"
اليوم، يأخذ العهد شكل العرس. إن فِعْلَ الخلق الذي قام به الله، والذي كنّا نتأمله يوم أمس، كان قد نتج عنه أرضاً مُثمِرة، دُعي الإنسان كي يسكن فيها. واليوم، غاية خلقه توضحت بشكل كبير: فصورة العرس موجودة في كل تفاصيلها –الزواج، الحب الكبير، الهجران، الغفران- لكي نفهم وبوضوح بأن العهد المقتَرَح من قبل الله للإنسان، لا يشبه الإتفاق القانوني بين شخصين متعاقدين، بسبب اتفاق مفيد للطرفين. كلا، إنه عهد يُعَبَّر عنه بعبارات حُبٍّ قوية وشديدة.
لكن لا يجب أن ننخدع بالعبارات المستعملة هذه: فإذا كان لغة النص هنا تتكلم عن هجران وغضبه، فهذه كانت طريقة ذلك الوقت والتي تَستخدم لغة وردود أفعال إنسانية تماماً وتَنسُب لله، لكن في الواقع، عهد الله هو أبدي ومجَدَّد على الدوام؛ فليس الله هو من يهجر ويخل بالعهد، لكن الإنسانية، بسبب ضعفها وإهمالها، تجعل من نفسها زوجة متقلبة الأطوار.. غير مُحِبَّة وخائنة. لأن الله، وهو الحُب بالذات، لا يمكنه أن يناقض ذاته أو ينكرها. "فحتى لو غَيَّرَت الجبال موضعها... فإن حُبّيلكِ لن يتغير.. يقولمحبة التي تخلق، تصبح إذن، المحبة التي تفدي. ويُذَكِّر الله بوقت نوح، فبعد الطوفان، تظهر علامة العهد "القوس قزح"، لكي تُظهِر بأن العهد يبقى حقيقة محفورة في الطبيعة كما في تأريخ البشرية، وبشكل دائمي وثابت. ومن جديد ستُعطى لنا علامةً
نص اليوم:     أشعيا  54 : 1– 10
كلام الله الموجهة إلى أورشليم:
إهتفي بفرحٍ، أيتها العاقر التي لم تلد؛  إندفعي بالهتاف وآصرخي بالفرح، أيتها التي لم تختبر آلام المخاض! فإن المرأة المهجورة سيكون لها أبناء أكثر منتلك التي لها زوج، يقول الرب. وَسِّعي موضع خيمتك، وليبسطوا جلود مساكنك، ولا تمنعيهم. طولي أطنابك وثبتي أوتادك! فإنك تتجاوزين إلى اليمين وإلى الشمال ويرث نسلك الأمم ويُعَمِّر المدن الخربة. لا تخافي، فإنك لن تَخزَي. ولا تخجلي، فإنك لن تُفتضحين، لأنك ستنسين خزي صِباك،  ولن تَتذكري عار إرمالك من بعد. لأن زوجك هو خالقك، "ربُّ اللقوات" اسمه. وفاديك، هو إله إسرائيل القدوس، يدعى إله الأرض كلها. نعم، كامرأة مهجورة كئيبة الروح، الرب يدعوك. وهل تُرذل زوجة الصبا؟ يقول إلهك. لقد هجرتك لِوَهلَة، لكني وبمراحمي العظيمة سأضمك. في سورة غضبٍ، حَجَبْتُ وجهي عنك لحظة. لكني وبحُبٍّ أبدي، تَرَأفتُ بك، يقول الرب فاديك. فكما أقسمت في أيام نوح، ألاّ تُغرِقالمياه الأرض، كذلك أقسم ألا أَغضب عليك وألا أزجرك. فحتى لو غَيَّرَت الجبال موضعها، أو تزعزعت التلال، فإن حُبّيلك لن يتغير، وعهد سلامي لن يتزعزع،يقول الرب راحمك.
يا رب، أنت تكشف لنا، بأن مُخطط حُبِّك، ومنذ الأزل، هو أن تتخذ من البشرية "عروسًا" لك، لكي تملأها بحنانك وحُبِّك وتُكثِر نسلها. يا رب، إن مُخطط حُبّك هذا هو من عجيب لدرجة لا يمكننا فيها أن نجرؤ على تصديقه أو الإيمان به. قَوِّ فينا الرجاء يا رب. إغفِر لنا إهمالاتنا وفُتورنا.. وبطئنا في الجواب على حُبِّك. تعال وطَهِّر فينا كل ما هو غير قادر على استقبال هذا الحُب الذي يأتي كي يحملنا معه نحو أبديتك. تعال يارب .. تعال وخلصنا!


غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

20رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
الجمعة19 كانون الأول 2014: الوقوف أمام الله
"أن نرتبط بقوة بعهدك "
العهد بدأ منذ الخلق .. العهد يستمر حتى العرس الأبدي: في اليومين السابقين، تأملنا بتعجُّبٍ مشروع الله لنا؛ لكن اليوم، وبينما يقترب تحقيق مشروعه العجيب هذا، يطلب منا الله أن نلعب دورنا في عمل العهد. في نصنا اليوم نجد "تطويبة" (طوبى للإنسان...") تحدد لناما هو دور الإنسان هنا، والذي يتضمن في بعض الأحيان العمل، وفي أحيان أخرى، التوقف عن ذلك. فكما خلق الله في البدء العالم في ستة أيام، وفي اليوم السابع أخذ راحة كي يتأمل في عمله هذا، كذلك الإنسان هو مدعو من جهةٍ،أن يعمل "بحسب الحق"، وأن يتمسك به بقوة؛ ومن جهة أخرى، أن يتوقف عن العمل، حتى لا يقع في الشر وكي يحترم السبت "ولا ينتهكه"، أي من خلال تحديد يومٍ غير دنيوي، لكن مقدس، يوم معطى لله حتى نتأمله في كلامه وفي عمله. فمن خلال عيش هذا التناوب في الإيقاع في حياتنا، وكلنا انتباه باتجاه الخير الذي هو الله نفسه، بهذا إذن سيدخل الإنسان شخصياً، وبعمق، في العهد. إن اختيار الله في البداية لشعبه، مَرِّ من خلال إنسان (إبراهيم)، ومن خلال شعب (الشعب العبراني)، وهذا الإختيار يمتد الآن إلى كل هؤلاء الذين "يرتبطون بقوة بالعهد"، لأننا كما يقول القديس بولس، "لقد اختارنا الله في المسيح منذ إنشاء العالم" (أفسس 1: 4). فالابن سيأتي في نهاية العالم ليجمع كل البشرية في العهد الجديد الابدي
نص اليوم: أشعيا56: 1 -3أ . 6 – 8
هكذا قال الرب: حافظوا على الحق، وأجروا البِر، فقداقترب خلاصي أن يجيء، وبِرِّي أن يتجلى. طوبى للإنسان العامل بحسب الحق، والمتمسك به بقوة؛ الذي يحافظ على السبت ولا ينتهكه ويمتنع عن فعل كل شر. لا يجب أن يقول الغريب الذي انضم إلى الرب: "إن الرب سيستبعدني عن شعبه". والغرباء المنضمون إلى الرب ليخدموه، ويحبوا اسم الرب، ويكونوا له عبيدً، وكل من حافظ على السبت ولم ينتهكه وتمسك بعهدي، كل هؤلاء، سآتي بهم إلى جبل قدسي. وأفرحهم في بيت صلاتي، وتكون محرقاتهم وذبائحهم مَرْضِيّة على مذبحي، لأن بيتي بيت صلاة يدعى لجميع الشعوب. يقول السيد الرب، الذي يجمع منفيي إسرائيل: مع هؤلاء المجموعين سابقاً، سأجمع غيرهم وأضمهم إلى الآخرين.
يا رب، على مثالك، كما فعلتَ عند الخلق، أنتَ تُعَلِّمنا العيش في التناوب بين العمل والراحة .. بين القيام بأشياء وبين التأمل في العالم. أنت تُعَلِّمنا أن نقف أمامك في مجانية الصلاة، لقد جعلتَ من قلبنا بيت صلاة لأنك تسكن فيه. أنت الذي تأتي كي تجمع كل الشعوب في وحدة حُبِّك، أعطنا أن نعيش في السلام والتوافق، ونحن نتقدم نحو مسكنك الذي، ومنذ الأزل، قد هيأتَه لنا، تعال يارب .. تعال وخلصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

21رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال عقده (إقامته) عهداً مع الإنسان
السبت20 كانون الأول  2014:  ذاك الذي يأتي
"سيأتي ذاك الذي يعود إليه المُلك والسلطان"
ينتهي هذا الأسبوع كما بدأ: أي بالإعلان النبوي بمجيء شخص من نسل يعقوب، والذي رآه "بلعام" يرتفع بعيداً مثل النجم أو الكوكب، ويقارنه يعقوب، في نصنا اليوم، بشبل أسد. فيعقوب نفسه، قبل موته بقليل، كان قد ألقى على كل واحد من أبناءه، أسلاف أسباط إسرائيل الإثني عشر، نبوءة تُعلن مستقبل كل سبط منهم. ونبوءة يهوذا هي مميَّزة عن الأخريات: فمن سبط يهوذا ستخرج السلطة السياسية الأقوى والأكثر ثباتاً وديمومة في تأريخ إسرائيل المتقلب، لأن هذا السبط أنجب داؤد. لكن سيأتي من هو أعظم من داؤد، الذي كان ملكًا فذاً ورمزاً للمسيح الآتي، لكنه كان، مثل أي إنسان، مُنقَسِمًا بين حُبه لله الذي اختاره، وبين ضعفه وخطاياه التي تُبعده عن هذا الإله؛ إذن يُعلَن عن مجيء ذاك الذي هو أعظم من يعقوب ويهوذا وداؤد وكل أبناءه .. ذاك الذي يجب أن يأتي .. ذاك الذي لا يتوقف عن المجيء إلينا، منذ بدء التأريخ .. حتى قبل أن يُقام العهد الأول بين الله والبشر. ذاك الذي يأتي إلينا منذ الأزل، بقوة ونُبلِ وقدرة أسد، لكن أيضًا بحنانِ وتواضعِ الحَمَل. ذاك "الذي يعود إليه المُلك والسُلطان"،لأنه "إلهٌ حَق، من إله حَق". ذاك الذي قوتُه تسمح له بأن يستخدم السلطة الحقيقية دون أن يفرض نفسه بالقوة والعنف، لكنه يأسر القلوب بحنانه ولُطفِه، ذاك الذي لا يسيطر أو يستحوذ باستخدام السلاح، لكنه يحكم بالحُب.
نص اليوم:     تكوين 49: 1 -2  .  8–10
دعا يعقوب بنيه وقال: "اجتمِعوا لأنبئكم بما سيحصل لكم في الأيام القادمة.اجتمِعوا وأصغوا يا بني إسرائيل، أصغوا إلى يعقوب أبيكم.
يا يهوذا، سيحمدك إخوتُك، وتكون يدُك على رقبة أعدائك، ويسجد لك بنو أبيك. بُني يهوذا هو شبل أسد؛ عاد من الصيد، وجثم وربض كالأسد. هذا الوحش، مَن ذا الذي يُقيمه؟لا يزول المُلكُ من يهوذا، ولا تؤخَذ عصا القيادة من يدِ بنيه، إلى أن يأتي ذاك الذي يعود إليه المُلك والسُلطان، مَن ستُطيعه جميع الشعوب.
يا رب، مُبارَكٌ أنت، على كل ما تفعله من أجلنا .. على مخطط عهدك الصبور معنا، والذي عَرَّفْتَنا عليه من خلال هؤلاء الذين يتكلمون باسمك. نشكرك يا رب على هذا الرجاء العجيب الذي وعدتنا بحصوله في نهاية التأريخ.. نشكرك على النبوءات الكثيرة،والتي، منذ يعقوب إلى يهوذا، ومن يهوذا إلى داؤد، تُعَوِّدنا تدريجيًّا على إنتظار ابنك الوحيد. أعطنا يا رب، وكما فعل شعب الكتاب المقدس طوال قرون طويلة، أن ننتظر بحرارة وشوق، هذا اليوم القريب، الذي فيه يأتي إلينا، هذا الطفل الذي أتَمّ كل الوعود والنبوءات، كي يقودنا إليك. تعال يارب .. تعال وخلصنا!

مع محبة الأب غدير الكرملي

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

السير نحو الميلاد ...
تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
موضوع الأسبوع الرابع:

الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
الله يُخلِّص. هذا هو السِر الذي نتأمله منذ بداية زمن المجيء هذا وخلال مسيرتنا نحن الميلاد هذه السنة. فالله يُخَلِّص من خلال مجيئه لملاقاة الإنسان، ومن خلال خلقه كل شيء جديداً – هو "الخالق الأمين" (1 بطرس 4: 19)- ومن خلال عقده أو إقامته عهداً مع الإنسان. ههذ كانت مواضيع الأسابيع الثلاثة الماضية، والتي سضمحت لنا أن نكتشف وجهَ إلهنا الذي يجعل من نفسه قريباً.. أكثر فأكثر قربًا، والذي أراد أن يتحد، بعزم وتصميم، بإنسانيتنا، كي يُخَلِّصها، وذهب حتى النهاية في هذا الطريق من خلال وهب ذاته لنا؛ هذا هو السِر الذي سنتأمل فيه في هذه الأيام القليلة التي تفصلنا عن ميلاد الرب يسوع. في هذه الأيام، نحن ربما منشغلين جداً بكل أنواع التحضيرات الضرورية بالتأكيد لاستقبال العيد، لكننا مدعوون فيها أيضاً إلى أن نفتح كل يوم كتابنا المقدس كي نسمح لله أن يُشبِعنا من الخبز الوحيد الذي بمقدوره حقاص أن يُغذِّينا ويُشبعنا: كلام الله "الحي والدائم" (1 بطرس 1: 23).
الله يُخَلِّص من خلال عطيّةِ ذاته. كان بإمكانه أن يُخلِّصنا بطريقة أخرى، هو الكلي القدرة، لكنه مع ذلك يختار ليس فقط أن يتكلم، ليس فقط أن يُعلن أن أن يقيم عهداً – أي كل الأشياء التي تحافظ خارجياً على مقام كل طرف من أطراف العهد وعلى الإختلافات بينهما-، لكنه أراد أن يشارك بشكل كامل وتام وضع الإنسان، "هذا "المسافر الفقير" على طريق الأرض، لكي نحن بدورنا نشاركه حقاً ما هو عليه. كان لآباء الكنيسة (إيريناوس، أثناسيوس...) عبارة جوهرية لشرح ذلك: "الله صار إنساناً، كي يصير الإنسانُ إلهاً". فالله يهب ذاته بأكلمه كما هو من خلال عندما صار إنسانًا. بكلمة أخرى: الله يهب ذاته من خلال التخلي عن ذاته؛ الله يهب ذاته من خلال نزوله.. تنازله، تضاءله.. جعل من نفسه ضعيفاً! الله المحبة أشفق على الفراغ الكبير الذي كان في إنسانيتنا، وأراد أن يملئه بذاته هو! افرغ ذاته كي يملأ الإنسانية من ذاته.. أخلى ذاته يقول القديس بولس. ملئنا من قوته التي أتتنا كضعف! (الله يأتي كطفل في مذود).. ملأ الإنسانية من نوره المختبء في الجسد، من حُبِّه الذي تلون بلون الدم (الحَمَل الذبيح، مصلوب الحُب): مَن يستطيع أن يستوعب سِرًّا كهذا ؟ كيف لا نندهش أمام سر الإيمان هذا!
لكي نتأمل في قرب الله العجيب هذا من الإنسان .. والذي يهب ذاته كي يقترب منا، سنقوم وببساطة، كما فعلنا سوية طوال زمن المجيء، بفتح قلوبنا لكلام الله الذي تقترحه علينا ليتورجية هذه الأيام. سنستمع إلى سلسلة من الشهادات التي تعلن المُخَلّص: سنلتقي بصاموئيل، الذي دعوته النبوية ستكون الإصغاء إلى كلام الله، ثم برسول الله الذي يجب أن "ينقي ويُطهر"، وسنمر بـ "عمانوئيل"، ابن العذراء، "الطفل المولود لنا .. الأبن المعطى لنا".. لنستجمع قوانا إذن في نهاية مسيرتنا نحو الميلاد، ولنستمر في الإصغاء بحماس وانتباه إلى كل كلمة من كلام الله... الله الذي جاء "ونَصَبَ خيمته بيننا" (يوحنا 1: 14). لا نخف أبداً من المغامرة والسير خلفه.. لنفتح أبواب قلوبنا وليدخل الكلمة: فالكلمة ، من أجلنا، صار بشراً.
الأحد 21 كانون الأول 2014
الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان
تذكير: في هذا الأسبوع الرابع من زمن المجيء، سنستمر في السير في طريقنا نحو الميلاد وبنفس الإيقاع الإعتيادي: القراءةالليتورجية الأولىالمخصصة لكل يوم، هي التي تقود تأملنا إنطلاقًا من موضوع الأسبوع وكما فعلنا في الأسابيع الثلاثة الماضية. موضوع هذا الأسبوع هو:"الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان". ويوم الأحد هو عادة مدخل لموضوع الأسبوع هذا، ونجد فيهأيضاً نصًا من التراث المسيحي، يُؤخَذ عادة من أحد آباء الكنيسة أو أحد القديسين المعروفين.
*تأمل في إنجيل الأحد الرابع من زمن المجيء:لوقا 1: 26- 38
في الشهر السادس، أرسل الله الـملاكجبرائيل إلى مدينة في الجليل اسمها الناصرة، إلى عذراء مخطوبة لرجل من بيت داود اسمه يوسف، واسم الفَتاة مريم.
فدخل إليها فقال: "السلامُ عليك، أيتها الـممتلئةنعمة، الرب معك".فداخلها اضطراب شديد لشهدا الكلام، وسألت نفسها ما معنى هذا السلام.
فقال لها الـملاك: "لا تخافي يا مريم، فقدنلت حظوة عند الله. فستحملين وتلدينابنا فَسَمِّيهِ يسوع. سيكون عظيما وابنالعَلِيِّ يُدعى، ويوليه الرب الإله عرش أبيه داود، ويملك على بيت يعقوب أبد الدهر، ولن يكون لملكهنهاية".
فقالت مريم للملاك: "كيفيكون هذا ولا أعرف رجلا؟"فأجابهاالـملاك: "إن الروح القدس سينزل عليك وقدرة العلي تظللك، لذلك يكون الـمولودقدوسا وابن الله يدعى. وها إن نسيبتكأليصابات قد حَبِلَتْ هي أيضًا بابنٍ في شيخوختها، وهذا هو الشهر السادس لتلك التي كانتتدعى عاقرا. فما من شيء يُعجِزُ الله".
فقالت مريم: "أنا أَمَةُ الرب، فليكنلي بحسب قولك".
وانصرف الـملاك من عندها.
التأمل:
منذ الأحد الأول للمجيء، وفي كل أحد، نسمع القراءات والكرازة تتكلم عن مجيء المسيح. واليوم أيضاً سنتكلم عن نفس الموضوع وسنطلب من المسيح أيضاً أن يُهيئنا لاستقباله كما يستحق هذه السنة، نطلب منه أن يحضرنا لمجيءٍ جديد لابن الله في حياتنا؛ لكن اليوم سنتأمل مجيئه من خلال التأمل في إنجيل بشارة مريم. أحد الأيام، جاء الملاك جبرائيل كي يتكلم عن طفل سيولد قريباً. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي فيها يتكلم عن طفل سيولد، لكن الطفل في هذه المرة هو ليس مجرد نذير، أو صوتٌ صارخ أتى ليُعِّد طريق الرب، لكنه المسيحُ نفسُه؛ فالإعلان أو البشرى التي جاء يعلنها الملاك هذه المرة، ليست موجهةً إلى زكريا غير المصَدِّق لها، لكن إلى مريم القوية في إيمانها، مريم الرقيقة، التي تريد أن تكرس حياتها كخادمة، خادمة للرب.
لم يكن ملاك الله يستطيع أن يتأخر أكثر من هذا كي يتدخل. فقد كانت مريم موعودة ليوسف: كانت قد خُطِبَت بحسب تقاليد ذلك الوقت، وبعد وقت قليل من ذلك، كانت ستبدأ حياةً جديدة في عائلة جديدة مع يوسف.
في أعماقها ربما، كانت تُفَضِّل أن تحقق حـلمها: أي أن تكرس قلبها وجسدها حتى النهاية إلى إلهها. لكن كيف يمكن لهذا أن يحدث؟ كيف يمكنها، وهي الشابة الضعيفة، أن تهرب من هذه التقاليد المتوارَثة؟ إذن، هل وضع الله في قلبها رغبة مستحيلة؟
وها أن الملاك في بداية بشارته سيضاعف من حَرَجِها: "ها إنك، يقول لها، ستحبلين وتلدين ابنا، فسَمِّيه يسوع". هي، كانت قد أحست بأنها مدعوة من قبل الله لأن تكرِّس بتوليتها له، لكن ها أن الله نفسَه يُعلن لها بأنها ستكون أُمّاً ستغار منها كلُّ نساء إسرائيل.
نرى مريم هنا، في نفس الوقت، خاضعة وتتساءل: هل غَيَّر الله تصميمه وخطته بالنسبة لها؟ كيف سيتم ذلك، وأنا عذراء .. كيف يتم ذلك وأنا لا أعرف رجُلاً؟ بكلمة أخرى، كأنها كانت تقول في نفسها: لكي أطيعك يا رب، هل يجب أن أترك وأتخلى عن دعوتك الأولى لي؟
كلا، إن الله لا يتراجع عن كلامه أو يغيره، لكنه بالعكس سيتممه، سيُتَوّجه، سيجعل بتوليتها تُثمِر بأمومة هي تماماً من عمل الروح القدس: "ستظلك قدرة العلي"؛ لذلك يكون المولودُ منك قدوساً وابن الله يُدعى".
فالله سيحقق في نفس الوقت، دعوته ووعده لمريم، وكذلك عطية المخلص التي بَشَّر به أنبياؤه من قبل. ولأن مريم تدع الله يُسَيِّر حياتها، ها هي تستلم رسالة أكبر وأخطر مما كانت تتوقع، وأصبح لها مكانا جديداً تماماً في تأريخ الخلاص.
عندما، في حياتنا، يبدو أن الله يناقض كلامه، عندما يتركنا مُحرَجين أمام سر الاختيار، لا يجب أن نهرب، أن نخاف: بل لنؤمن بأنه يُحَضِّر لنا إحدى عجائبه.
عندما يقدم لنا الله طريقاً جديداً، طريقاً للتجربة أو طريقاً للفرح، لنتركه يعمل فينا، لنتركه يُخرِجَنا من أرض العبودية إلى الحرية: فكل شيء سيتم بحسب كلامه، لأنه لا شيء يستحيل على الله.
لكن كيف قَبِلَتْ مريم بهذه المسؤولية الخطيرة وهي الفتاة البسيطة في قرية نائية؟ ما هو سر مريم؟
في الحقيقة، السر الذي لازمها طوال حياتها هو رجائها الكبير بوعد الله.
فهي ليست مثلنا، شكاكين وضعيفي الإيمان... هي ليست بحاجة إلى تفاصيل وإيضاحات أكثر من الملاك، ولا إلى مدة لكي تُفَكِّر، ولا إلى ضمانات إضافية كما نحن نفعل دوماً؛ إنها ليست بحاجة إلى قوة أخرى غير قوة الله: "ليكن لي بحسب قولك!"،أي لتكن مشيئة الرب فيَّ.
هذا هو إيمان التلميذ الحقيقي: التزام كامل في خدمة الله ... هذه هي الرسالة التي تحملها لنا مريم اليوم، ونحن على أبواب زمن الميلاد، لكي تُهيئ فينا طريق الرب.
إنها تطلب منا أن نجرؤ على العيش، أن لا نخاف من أن نؤمن. أن نعيش ونحن نؤمن، أن نجرؤ على العيش في الإيمان؛ أي أن نعيش مما نؤمن. هذا ما فَعَلَتْهُ هي طوال حياتها، وعاشته في تفاصيل حياتها البسيطة والمملة والثقيلة لنساء عصرها وقريتها، وفي بيئة اجتماعية وسياسية صعبة ومخَيِّبة للآمال مثل بيئتنا اليوم.
إن العظائم التي صنعها الله لها، حققها في الحياة اليومية البسيطة، في تفاصيل حياتها اليومية الاعتيادية، وها هي قد أصبحت الشاهد المثالي على الإنجيلبدون أن تقوم بأعمال عظيمة أو أن تترك حدودها .. حدود قريتها، لكن من خلال معيشتها حتى النهاية كخادمة للرب، كأمة الرب.
لكن ما هو سر مريم الذي يجب أن نتعلمه منها إذن؟.. ما هو سر هذه الفتاة الشابة؟...
إن سر مريم هو إنها عرفت كيف لا تخلف موعد مرور الله في حياتها؛ سرها هو أنها كانت حاضرة عندما مر الله بقربها؛ أي أنها كانت ساهرة .. يقظة .. ذات قلبٍ يعرف كيف يصغي .. سرها يكمن في أنها آمنت بأن لا شيء يستحيل على الله... تجرأت على ذلك لأنها آمنت؛ ولهذا حياتها تحولت تماماً وأشرق نور الله فيها إلى الأبد.
لنتذكر جواب مريم الأول، "نَعَمَها" الأولى لله، جوابها المُعتَمِد تماماً على الله وليس عليها هي، جوابها المملوء بالفرح والرجاء:"ها أنذا أمة الرب، فليكن لي بحسب قولك".
ونحن.. قبل أيام قليلة من الميلاد... ماذا فعلنا أو ماذا نفعل لكي نسمح لله أن يأتي في حياتنا، أو يولد فيها كما فعل في مريم؟ .....
لنصلي لله بثقة ولنَقُلْ له: "يا رب، اجعلني أنا أيضاً أجرؤ على القول لك بفرح ورجاء على الرغم من ضعفي: "ها أنذا يا رب، أطلب مني ما تشاء، اجعلني خادماً لك، ولتكن مشيئتُك فيّ دوماً، آمين."
نص من التراث المسيحي:
العالم كله ينتظر جوابَ مريم
من مواعظ القديس برناردس رئيس الرهبان في تسبيح مريم العذراء
سَمِعْتِ، أيتها البتولُ، أنكِ ستحمِلِين وستلدِين ابنًا. وسَمِعْتِ أن ذلك لن يكونَ بقوةِ رجُلٍ بل بقوةِ الروح القدس. وهو ذا الملاكُ ينتظرُ الردَّ منكِ: يجبُ ان يعود إلى الله الذي أرسَلَه.
أيتها السيدةُ، نحن ايضاً ننتظرُ منكِ كلمةَ الرحمة، نحن الرازحِين تحتَ قرارِ الحُكمِ الصادرِ علينا.
هذا ثمنُ خلاصِنا بين يَدَيْكِ. سنتحرَّرُ عن قريبٍ إنْ أنتِ وافقْتِ. بالكلمةِ الأزليِّ كُوِّنَّا جميعاً: وها نحن الآن عُرضَةٌ للموتِ. بكلمتِك الموجَزةِ تُرَمَّمُ طبيعتُنا ونُعادُ إلى الحياة.
يتوسَّلُ إليكِ بالدموعِ آدمُ المنفيُّ من الفِردَوسِ مع نسلِه المعرَّضِ للشقاء. يتوسَّلُ إليكِ إبراهيم. يتوسَّلُ إليكِ داؤد. يتوسَّلُ إليكِ الآباءُ القديسون، أي أجدادُكِ: هم أيضاً يسكُنون في ظلالِ الموت. العالم كلُّه ينتظرُ ذلك منكِ جاثيًا أمامَكِ وبحقٍّ.
فعلى كلمةٍ من فمِكِ يتوقَّفُ عزاءُ المتعَبِين، وفداءُ المأسورين، وحريَّةُ المحكومِ عليهم، وأخيراً خلاصُ جميعِ أبناءِ آدم، والجنسِ البشريِّ الذي أنتِ منه.
أسرِعي بالردِّ أيتُها البتول، أجيبي بسرعةٍ على الملاكِ، وعلى الله بوساطتِه. قُولي كلمةً واستقبلي الكلمة. قولي كلمتَكِ الإنسانية، واحمِلي بالكلمةِ الإلهي. قولي كلمتَك العابرةَ، واستقبلي الكملةَ الأزليَّ.
لماذا تتأخرين؟ لماذا تضطَرِبين؟ آمِني واقبَلِي واستَقبِلي. أنتِ مُتَواضِعةٌ، فتجرَّئِي. أنتِ حييَّة، فتشدَّدِي. ليسَ من المناسبِ الآن مع براءتِكِ البتوليةِ أن تنسَيْ الفِطنةَ. في هذه الحالةِ فقط لا تخافي الغُرور، أيتها البتولُ الفَطِنَة. كان حياؤُكِ في الصمتِ مَرْضِيًّا لدى الله. وأما الآن فكلمةُ تقواكِ وطاعَتِك للهِ هي الضَّروريةُ.
افتحي قلبَكِ للإيمان، ايتها البتولُ الطوباويّة، وشفتَيكِ للقُبول، وأحشاءَكِ لاستقبال الباري. هوذا مُشتَهَى جميع الأمم في الخارج يَقرَعُ على الباب. إذا تأخَّرْتِ، سيذهبُ ثم تَشرَعِين في البحثِ عَمَّن تُحِبُّه نفسُكِ. قُومِي، اسرِعِي، افتَحِي. قُومِي بالإيمان، أسرِعي بالتقوى، وافتحِي بكلمةِ القُبُول.
قالتْ مريمُ: "أنا أَمَةُ الربِّ، فَلْيَكُنْ لي بِحَسَبِ قَولِكَ"(لوقا 1: 38).


غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

23رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
الأثنين 22 كانون الأول 2014: نبوءة الضعفاء
"كُسِرَتْ قِسيُّ المقتدرين، ولَبِس الضعفاء القوة"
النبية حنّة، هي صورة الرجاء الطافح الذي نتأمله اليوم. "لقد حَبِس الرب رحمها تماماً"(أي جعلها عاقراً)، هذا ما نقرأه هذا في بداية سفر الملوك الأول (1: 6) كان هذا هو المنطق الخاص بنصوص العهد القديم، والذي كان يَنسُب كل شيء إلى إرادة الله. لكن حنّة لم تكن تقبل هذا المنطق: فاستقرت في الهيكل، وأخذت تصلي باستمرار.. صلاة "المرأة المحزونة، المكروبة النفس" (1: 15) .. كانت تذرف صلاتها مع دموعها أمام الرب. وكي تتأكد من أن الله سيستجيب صلاتها، أعطت مُقَدَّما. فنراها تَعِدُ مُسبقًا ما تطلبه. أي أن هِبَتها تسبق الهبة التي تريد أن تستلمها..فهي تقول:"يا رب، إنْ أنت نَظَرتَ إلى بؤسي أنا أَمَتك، وأعطيتَني مولودا ذكرا، سأعطِه للرب لكل أيام حياته.." (1: 11). أي أنها تَنذِر مقدّمًا الطفل الذي لم تستلمه بعد.. تَنذره لله. وكانت صادقة ولم تخدع الرب. فنحن نراها من جديد في الهيكل اليوم، حيث تأتي كي تُكمِل وتحقق وعدها هذا. أعطاني الربُّ بُغْيَتي التي سألتُها من لدنه. ولأجل ذلك، أعطيها بِدوري للرب.." (1: 27 - 28). لأنها آمنت، حنّة العاقر.. استلمت من الرب مقدرة العطاء. وبوهبها ما أستلمته من الله، حنّة التي أفاض عليها الله عطيته، تُصبح نَبية:
فليس الأقوياء ولا المقتدرين مَن يستطيعون استقبال الله الذي يهب ذاته، لكن مَن يستطيع ذلك هم هؤلاء الذين حتى لو كانوا أقوياء ومقتدرين في عيون العالم، يعرفون في أعماقهم بأنهم لا يختلفون عن إخوتهم: أي يعرفون أنهم هم أيضاً ضعفاء وصغار. إن الله لا يهب ذاته من أعلى عَظَمته، لكنه ينزل لأقصى درجة إلى أن يجعل من نفسه الأصغر والأضعف. هذا هو خياره الإلهي، هو الله: فهو أخلى ذاته إلى أبعد الحدود كي يتمكن أضعف وأصغر بني البشر من أن يستقبله.
نص اليوم: 1 ملوك 1: 24–28 ؛ 2: 1أ
لما فَطَمَتْ حَنَّةُ صاموئيل، صعدت به ومعها ثلاثةُ عجول وإيفةٌ من دقيقٍ وزِقُّ خَمر، وجاءَت به إلى الربِّ في شيلو. وكان الصبي لا يزال طفلا. فذبحوا العِجل، وقَدَّمُوا الصبي إلى عالي. وقالت: "يا سيدي، حَيَّةٌ نفسك! أنا المرأة التي وقفت لديك ههنا تصلي إلى الرب. إني لأجل هذا الصبي صَلَّيْتُ، فأعطاني الربُّ بُغْيَتي التي سألتُها من لدنه. ولأجل ذلك وهبته للرب، كلَّ أيامِ حياتِه، يكونُ موهوبٌ للرَّب". وَسَجَدُوا هُنَاكَ لِلرَّبِّ.
فصلت حنة فقالت: إبتهج قلبي بالرب وارتفع رأسي بالرب، واتسع فمي على أعدائي، لأني قد فرحت بخلاصك. لا قدوس مثل الرب، لأنه ليس أحد سواك وليس صخرة كإلهنا. لا تكثروا من كلام التشامخ، ولا تخرج وقاحة من أفواهكم، لأن الرب إله عليم وازن الأعمال. كسرت قسي المقتدرين ولَبِس الضعفاء القوة. الشباعى آجروا أنفسهم بالخبز والجياع كفوا عن العمل حتى إن العاقر ولدت سبعة والكثيرة البنين ذبلت. الرب يميت ويحيي يحدر إلى مثوى الأموات ويُصْعِدُ منه. الرب يُفْقِرُ ويُغنِى، يَضَعُ ويرفع. يُنهِضُ المسكينَ عن التراب، يُقيم الفقيرَ من المزبلة ليجلسه مع العظماء، ويورثه عرش المجد.
يا رب، نحن لا نستطيع ن نهب لك إلاّ ما أنت تعطينا إياه. لكننا، مثل حنّة، نقف أمامك، بإيمان وثقة. أنت الذي أفضت علينا نعمك، وستفيض علينا دومًا عطاياك من خلال مجيء ابنك.
ماذا يمكننا بالمقابل أن نقدم لك غير أنفسنا يا رب، كي نُجيب بحُبٍّ على حُبِّك؟
أعطنا كَرَمَ حنّة، وثقة صموئيل الطفل، لكي وعلى مثالهم، نضع أنفسنا في خدمتك، ولكي نعمل معك على إشباع من هو جائع، وإغناء من هو فقير، ورَفع من هو مهان. تعال يارب .. تعال وخلصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

24رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
الثلاثاء23 كانون الأول 2014: مثل السارقأتي فجأة إلى هيكله السيد الذي تلتمسونه"
من خلال قراءة الآبيات الأخيرة من سفر ملاخي النبي، تضعنا الليتورجية اليوم في نقطة الإتصال بين العهد القديم والجديد. فهذا السفر هو السفر الأخير في العهد القديم، وإذا قلبنا ولو صفحة واحدة سنجد أنفسنا في الجهة المقابلة، أي في العهد الجديد، وسنقرأ: "نسب يسوع المسيح، ابن داود، ابن إبراهيم" (متى 1: 1). مع أننا هنا في نصنا اليوم لا نتكلم عن ولادة ولا عن وعد، بل ولا عن الفرح أو عن الخلاص، لكننا نتكلم في نصنا اليوم عن"يوم عظيم ورهيب" (ملاخي 4: 5)، حيث كل شيء سيُحرَق في "نار السباك"ويُطَهَّر بـ "كمسحوق منظف للثياب"(3: 2). فنحن هنا أمام حكم .. دينونة – وربما سنستغرب ونقع في حيرة بقراءتنا هذا النص في عشية عيد الميلاد. نعم، نحن سنُحاكم – لكن من قِبَل ذاك الذي جعل نفسه أصغر وأضعف من الذين جاء كي يحاكمهم. يوحنا المعمدان دق ساعة مجيء "الرب الذي تبحثون عنه"(يوحنا 3: 8)، وسيكون"فجأة"،هنا بيننا، مثل ذاك الذي لا ننتظر مجيبه أبداً لأننا حتى إذانبحث عنهفبفتور، ننتظره، لكننا لا نعرف "لا من أين يأتي ولا إلى أين يذهب"(يوحنا3: 8)، ذاك الذي يأتي "مثل السارق"،كما يقول لنا العهد الجديد ذلك ولأكثر من مرة (1 تسالونيقي 5: 2. 4؛ 2بطرس 3: 10؛ رؤيا 3: 3؛ 16: 15)، مثل النور في الظلمات.. مثل النار في الحطب.
فهل يجب إذن أن نخاف؟
كلا بالطبع، لكن بالأحرى علينا أن نأخذ بعزم طريق بيت لحم، وأن نضع جانبًا كل أفكارنا المسبقة:
فالطفل الذي سنلتقي به، ينتظر منا تقدمة الرحمة والسلام ينتظر منا أن نقدم له حياتنا تقدمة حُرّة طاهرة.
نص اليوم: ملاخي 3: 1– 4 ؛ 4: 5 - 6
هاءنذا مرسل رسولي،لِيُعِدَّ الطريق أمامي، ويأتي فجأة إلى هيكله السيد الذي تلتمسونه، وملاك العهد الذي تتمنوه، ها إنه آت، يقول رب الكون. فمن الذي يستطيع أن يحتمل يوم مجيئه؟ ومن الذي سيستطيع الوقوف عند ظهوره؟ فإنه مثل نار السباك، كمسحوق منظف للثياب.فيجلس كي يصهُر ويُنَقِّي الفضة، فينقي بني لاوي ويمحصهم كالذهب والفضة، هكذا سيتمكون، في نَظَر الرب، قادرين على تقديم القربان في البِر. فتكون عندها تقدمة يهوذا وأورشليم مرضية للرب، كما في الأيام الماضية والسنين القديمة،
هاءنذا أرسل إليكم إيليا النبي، قبل أن يأتي يوم الرب العظيم الرهيب،فيرد قلوب الآباء إلى البنين، وقلوب البنين إلى آبائهم، لئلا آتي وأُنزِل على الأرض اللعنة.
يا رب، ها هو يوم مجيئك يقترب؛ اليوم الذي فيه سنحتفل في هيكل الكنيسة بولادتك، ويا ليتنا نحتفل فيه في نفس الوقت بولادتك في هيكل قلبنا. أنت تريد أن تأتي كي تجعل من قلبنا مسكناً لك. نشكرك يا رب، لأنك كشفت لنا بأنك لن تأتي بالقوة والمجد، لكن في الحنان والضعف. نشكرك لانك أفهمتنا بأننا سنُحاسَب في اليوم الأخير على المحبة، وبأننا سنقف في ذلك اليوم ليس أمام الحاكم المخيف، بل أمام حُبِّك الرحوم، أنت إلهنا العظيم وربنا الحنون، الذي أراد أن يصبح طفلاً ويهب ذاته لنا، أنت الذي ياخذ حُكمك شكل الخلاص، تعال يارب .. تعال وخلصنا!

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

25رياضة روحية لزمن المجيء مع الآباء الكرمليين - العراق
»السير نحو الميلاد ... تعال يا رب، تعال وخلِّصنا!«
الله الذي يُخَلِّص من خلال هبة ذاته للإنسان.
الأربعاء24 كانون الأول 2014: الله يهب ذاته ..
"هذا ما تصنعه محبةُ رب الجنود العظيمة. "

هكذا إذن! الله يُخَلِّص بوَهْبِ ذاته إلينا، واليوم .. في مساء هذا اليوم.. تساعدنا الليتورجية في جعل هذا الحدث حاضراً في حياتنا. نورٌ، وبشرى، وفرح.. هي علامات هذا المجيء.. يرافقها شعور بفرح الإنتصار وفرح الحصاد. فالحياة المزروعة تحمل من الآن ثماراً. فهو سيأتي مثل ذاك الذي"ينشُر على عرشِ داؤدَ ومملكته سَلامًا دائماً لا انقضاءَ له"(أشعيا 9: 6) لكن ليس أي سلام: فهذا هو الوعد الواقعي الملموس لذاك الذي لا "يسكن" فقط في رجاء كل الشعب لكن أيضاً في كل تأريخه، كل تأريخنا نحن. بكلمة أخرى: مجيء الله في حياتنا هو رجاء نحمله داخلنا.. يسكن فينا ويرافق كل تأريخ حياتنا. بل أكثر من ذلك: إنه يسكن جسدنا ذاته. في هذا الحدث الذي هو دائماً حاضر ومتجدد باستمرار، الكلمة يأتي ويسكن – ويُحَوِّل – كل ما نحن عليه: النِير الثقيل، العصا التي تقسو على الكتف، هو نفسه سيحملها عنّا؛ والحصاد سيرتفع بفضل حياته المزروعة فينا؛ والفرح سيُعلِنُ انتصاره على كل الآلام، وسينشرُ بيننا نوراً عظيماً في قلب ظلام حياتنا وقلوبنا. لا شيء فينا غريب عنه. فالله تبنى حياتنا ذاتها. فانتشرت نعمته بذلك في كل ظلماتنا. لكن لننتبه قليلاً: فكل ذلك، علينا أن نكتشفه في وجه طفل فقير من هذه الارض. لا أكثر. وجه بين أوجه كثيرة أخرى. وجه فريد، لكنه في نفس الوقت، يشبه كل الأوجه الأخرى لأبناء البشر... فيه.. هو الذي يُشبهنا .. فيه، الله يُخلصنا. "هذا ما تصنعه محبةُ رب الجنود العظيمة".

نص اليوم: أشعيا9: 1–6
الشعب السائر في الظلمة، أبصر نورا عظيما؛ والجالسون في بقعة الموتِ وظللاله، أشرق عليهم نور. كَثَّرْتَ له الأُمّة وَفَّرْتَ لها الفرح. يفرحون أمامك، كالفرح في الحصاد، كابتهاج الذين يتقاسمون الغنيمة. لأن نِيرَمَشَقَّتِها، وعصا كَتِفِها، وقضيبَ مُسَخِّرِها، قد كَسَرْتَها، كما في يوم مِدْيَن,
لأنه قد وُلِدَ لنا وَلَد، وأعطي لنا ابن؛ فصارت الرئاسة على كتفه، ودُعِي أسمُهُ عَجيبا، مُشيراً، إلهًا جباراً، أبا الأبد، رئيسَ السلام.هكذا ستنمو رئاسته، وسينشُر على عرشِ داؤدَ ومملكته سَلامًادائماً لا انقضاءَ له. وستُؤَسَّسُ مملكته على الإنصافِ والعدل، من الآن إلى الأبد. هذا ما تصنعه محبةُرب الجنود العظيمة.
يا رب،إن يومك قل حَلّ ... يوم ظهورك .. فالله القوي والطفل، يُسَلَّمُ بين أيدينا. أعطنا أن نشعر بهذا الفرح الذي يُولَدُ من ضعفنا الذي أخذْتَه أنت على عاتقك .. هذا الفرح الذي يولد من تجاربنا المحمولة من قِبَلِكَ .. الفرح الذي يولد من الموت الذي هَزَمْتَه يا رب.
لينتشر هذا الفرح إلى العالم بأكمله، وليأتِ ويَمس كل هؤلاء الذين، خاصة في هذه الليلة، يعانون من ألم الوحدة، والمرض، والشيخوخة، والفقر، والتهجير، والرفض. ليروي هذا الفرح كل حياتنا وليبقَ أقوى من كل شكوكنا وأحزاننا. تَبارَكْتَ يا رب إلى الأبد، أنت الذي تأخذ طرقاً غير متوقَعَة، أنت الذي تلتزم في إنسانيتنا دوماً، أنت الإله الذي حُبُّه يُخَلِّصنا إلى الأبد. آمين.

ميلاد سعيد وكل عام وانتم بالف خير
مع محبة الأب غدير الكرملي
وماري ايشوع

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

عيد الدنح  (ب)  2015
قراءات قداس اليوم: (أفسس 3: 2- 3أ ، 5 - 6 / أشعيا 60: 1-6 / متى 2: 1-12)

مقدمة الكاهن
نحن لازلنا في الزمن الميلادي: بقي لنا أحد آخر وينتهي هذا الزمن الطقسي وندخل في الزمن الأعتيادي للسنة الطقسية. في الطقس اللاتيني نحتفل اليوم بعيد الدنح (أي عيد ظهور الله في  العالم.. أو كشفه ذاته للإنسان)، وسنحتفل الأحد القادم وهو الأخير من زمن الميلاد، بعيد عماد المسيح.
ففي كنائسنا الشرقية، في عيد الدنح، نقرأ إنجيل العماد (أي كيف أن الله كشف ذاته من خلال ابنه ونزول الروح عليه وكذلك سماع صوت الآب يقول: "هذا هو ابني الحبيب..." .. بينما في  الطقس اللاتيني، في عيد الدنح، نقرأ إنجيل ظهور الله للمجوس من خلال النجمة التي قادتهم إلى مكان ولادة المسيح (أي الله يكشف ذاته للبشرية في حدث الولادة)؛ بينما الأحد القادم سنقرأ إنجيل العماد. أي في الطقس اللاتيني هناك عيدان مختلفان: الدنح (الله يُظهِر ذاته للعالم: نص المجوس)، وكذلك عيد عماد الرب (إنجيل العماد) بينما في كنائسنا الشرقية، لدينا عيد الدنح الذي نحتفل فيه بعماد الرب يسوع. وهذا مجرد اختلاف في التقاليد الطقسية.
في زمن الميلاد هذا، وفي بداية هذه السنة الجديدة، لنقدم حياتنا بكل تفاصيلها، لنقدم حياتنا بنعمها وبنواقصها وصعوباتها إلى الله ولنطلب منه أن يعطينا في بداية هذه السنة الجديدة، قلباً جديداً، قلباً يعرف كيف يُحب أكثر من قبل، قلباً يعرف كيف يكتشف حضوره يومياً بيننا وفينا.

متى 2: 1 – 12
ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية، في أيام الملك هيرودس، إذا مجوس قدموا أورشليم من المشرق وقالوا:  "أين ملك اليهود الذي ولد؟ فقد رأينا نجمه في المشرق، فجئنا لنسجد له".
 فلما بلغ الخبر الملك هيرودس، اضطرب واضطربت معه أورشليم كلها. فجمع عظماء الكهنة وكتبة الشعب كلهم واستخبرهم أين يولد المسيح.
 فقالوا له: " في بيت لحم اليهودية، فقد أوحي إلى النبي فكتب: "وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا لست أصغر ولايات يهوذا فمنك يخرج الوالي الذي يرعى شعبي إسرائيل".
 فدعا هيرودس المجوس سرا وتحقق منهم في أي وقت ظهر النجم.  ثم أرسلهم إلى بيت لحم وقال: " اذهبوا فابحثوا عن الطفل بحثا دقيقا، فإذا وجدتموه فأخبروني لأذهب أنا أيضًا وأسجد له".
فلما سمعوا كلام الملك ذهبوا. وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى بلغ المكان الذي فيه الطفل فوقف فوقه. فلما أبصروا النجم فرحوا فرحا عظيما جدا.  ودخلوا البيت فرأوا الطفل مع أمه مريم. فجثوا له ساجدين، ثم فتحوا حقائبهم وأهدوا إليه ذهبا وبخورا ومرا.
 ثم أوحي إليهم في الحلم ألا يرجعوا إلى هيرودس، فانصرفوا في طريق آخر إلى بلادهم.
الكرازة
في تفكيرنا وفي داخلنا، عيد الميلاد مرتبط دوماً بالفرح .. بجو من الفرح الداخلي. ولكننا ننسى ربما في الكثير من الأحيان بأن ميلاد المسيح كما ينقله لنا الإنجيل، لم يكن عيداً بالنسبة للعالم عندما حدث.. بل ربما بالعكس!
فالإنجيل يكلمنا عن تناقض عجيب: فمن جهة، هناك الفرح الكبير للمجوس الوثنيين .. هؤلاء الباحثين عن الله، الذين  تركوا كل شيء في حياتهم وبدئوا السير لمجرد أنهم رأوا علامة بسيطة.. نجمة..  ومن جهة أخرى نجد هذا القلق الكبير الذي سيطر على الملك هيرودس والمقربين منه عندما أُعلن لهم هذا الحدث! فبالنسبة للمجوس، ميلاد يسوع كان مصدر فرح عظيم، بينما نفس هذا الحدث بالنسبة لهيرودس والآخرين، كان مصدراً للقلق والإرتباك والإضطراب. فالله، بمجيئه إلى هذا العالم .. وبمجرد حضوره البسيط، غَيَّر جذريًا موازين حياة الإنسان.
 فهذا المجيء، مجيء الله في حياتنا، وكما أعلنه النبي أشعيا (أنظر قراءة قداس اليوم الأولى: أشعيا 60: 1-6)، ما هو إلاّ مجيء النور في حياتنا .. حياتنا التي يملأها الظلام وينتشر في كل الأرض. وإذا كان النبي أشعيا يُصر قبل كل شيء على الطابع المفرح والإحتفالي والعجيب لهذا المجيء، فهذا لا يمنع بأن هذا الحدث يهز ويحرك ملكوت "الظُلمة" تُغطي الأرض كلها" و"الديجور" التي "يشمل الشعوب". فبمجيئه إلى هذا العالم، يكشف نور الله الظلمات ويفضحها،  بل إنه يكشف ظلمات قلوبنا أيضاً.
بالنسبة لهيرودس، "وكل أورشليم معه"، كان مجي المسيح يعني أولاً نهاية حقبة، نهاية مرحلة تأريخية. فقبل مجيء يسوع، كانوا قد تعودعوا على عدم انتظار أي شيء من الله .. لم يعودوا ينتظرون أي شيء من الله، إلاّ بشكل خجول جداً.. لم يعودوا ينتظرون مجيء هذا المسيح الذي أُعلن عن مجيئه في الكثير من النبوءات. فهم كانوا مستقرين في حياتهم وفي طريقة عيشهم التي اختاروها، لدرجة أنهم لم يعودوا يرغبون أو يتمنون حتى مجيئه .. أي أنهم كانوا مُكْتَفين بذاتهم... فحتى لو كانوا لا يزالون يقرأون ويدرسون الكتاب المقدس، أو حتى لو كانوا يعرفون أين يجب أن يولد المسيح .. فهم في الحقيقة لم يعودوا ينتظرون أي شيء من الله.. من مجيئه! وبمرور الوقت، ضعف انتظارهم ورغبتهم هذه في مجيئه .. أو لم يعد لمجيء الله في حياتهم أي معنى.
لكن الموقف، بالنسبة للمجوس، كان مختلفًا تماماً: فهذه النجمة الصغيرة كانت كافية لكي تلد في داخلهم هذه الرغبة الروحية الحقيقية. كانت كافية كي تجعلهم يثقوا ويقبلوا أن يسيروا بهداها وخلفها، مع أنهم لم يكونوا يعرفوا إلى أين ستقودهم، مثل إبراهيم. وأثناء الرحلة خلف النجمة، كان الإنتظار يكبر فيهم. ورحلتهم الطويلة هذه إلى بيت لحم أصبحت مثل رحلة روحية داخلية لولادة المسيح في حياتهم. فهذا الطريق الطويل الذي قاد هؤلاء الوثنيين إلى أورشليم كان مثل طريق نضوج قلبهم وإيمانهم. فهم الذين كانوا علماء وحكماء، قبلوا أن يتنازلوا ويسألوا الآخرين.. قبلوا أن ينتظروا، قبلوا أن لا يقرروا ويختاروا بالإعتماد على أنفسهم الطريق الذي يجب أن يتبعوه...  بل ذهبوا واعتمدوا على كلام الآخرين عندما اختفت النجمة من طريقهم ولم يعودوا يعرفوا الطريق. هكذا إذن، وبدون أن يعوا ذلك، يبدو أن بحثهم المستمر والطويل هذا، غير حياتهم تماماً لأنهم قبلوا أن يسلموا زمام أمورهم إلى آخر .. إلى الله من خلال علامات حضوره في حياتهم.
إن هذا التناقض بين النور والظلمات، بين غفوة رغبتنا في أنتظار الله وبين البحث الداخلي المستمر عنه، سنجده فينا نحن أيضاً. ففي الحقيقة، هيرودس والمجوس هما وجهان موجودان فينا.. وجهان لقلبنا نحن.
ألسنا نحن أيضاً، من هؤلاء الناس المُكتَفين .. الذين يعرفون الكثير عن الله لدرجة أنهم لم يعودوا حتى يروه عندما يمر.. عندما ياتي، عندما هو هنا؟ فالله بيننا لكننا لا نعرفه أو لا نكتشفه! لكن ألسنا نحن أيضاً، في أعماقنا،  مدفوعين باستمرار للبحث والإنطلاق من جديد، بواسطة نجمة صغيرة تنير في حياتنا، على الرغم من ظلمات الشك التي تحوطنا، وعواصف الحياة اليومية أو من اكتفاءنا بما نعيشه؟
نحن في نفس الوقت، هيرودس هذا، الذي لا يريد أن يذهب للبحث عن المسيح، لأنه يريد أن يحافظ على ما يعتقد أنه يملكه، والذي هو مستعد لعمل كل شيء، حتى لو كان سيدمر ويهلك آخرين، كي يبقى في مكانه الحالي المريح بالنسبة له ولا يريد أن يغير أي شيء من حياته... لكننا أيضاً هؤلاء المجوس، الذين تركوا كل شيء كي يتبعوا علامة من الله ظهرت في حياتهم وأنارتها. نحن إذن هذا الخليط من النور والظلمات.. خليط من الإيمان والإكتفاء بأنفسنا وبما نعيشه، خليط من الفرح والقلق.
إذن السؤال المهم اليوم هو: هل نجرؤ، مثل المجوس، أن نتبع النجمة؟ أن نتبع هذه الأنوار الصغيرة التي يضعها الله بين الحين والآخر في حياتنا .. أن نتبع إذن علامات حضور الله في حياتنا.. والتي تتطلب في الكثير من الأحيان، تغييراً جذرياً في طريقة عيشنا؟
فيجب أن نعلم بأننا إذا قبلنا أن نتبع النجمة.. أي أن نتبع طريق الله .. أو كل ما يقودنا إلى طريقه، علينا أن نقبل تغيير حياتنا؛ فالمجوس، يقول لنا الإنجيل، بعد أن حَذَّرهم الله في الحُلم، يعودون إلى بلدهم، لكن من طريق آخر. لأن عليهم أن يتجنبوا هيرودس. بالمعنى الروحي يمكننا القول: إن مَن يقوده الله حتى المذود، أي إلى اكتشاف طفل الميلاد، يستطيع أن يعود إلى بيته، إلى بلده، إلى أهله، لكن هذا سيكون من طريق آخر، أي يجب عليه أن يغير طريقه. أي يغير حياته وتصرفاته، وطريقة عيشه والطريق التي كان يستعملها عادة، فلا يمكن أن تكون بعد كما كانت في السابق. لأن مَن يذهب إلى بيت لحم، سيحصل في حياته تغييراً جذرياً... فمَن يكشف المسيح حقاً ويتركه يولد في قلبه، لا يمكن أن يعود إلى نفس طريقة حياته السابقة... إن مَن يسمح للمسيح أن يمس قلبه ويملك على حياته، لا يمكنه بعد أن يتصرف كما كان يفعل في السابق.. حضور الله الحقيقي في حياتنا يتطلب إذن تغييراً مهماً في حياتنا وفي طريقة تعاملنا مع الآخرين.
السؤال إذن هو موجه لكل واحد منا اليوم: نحن .. ماذا تَغَيَّرَ في حياتنا؟ هل حقاً نريد أن نغيرها من أجل الله؟ نحن نَدَعّي بأننا لا نعرف كيف يجب أن نغيرها أو ماذا يطلب منا الله أن نقدمه له، فأي شيء يمكننا أن نقدمه لله حقاً؟
لكن في الحقيقة، نحن نعلم في قرارة أنفسنا، وعندما نتأمل في حياتنا ولو قليلاً، نعلم بأن الله لا يريد إلاّ أن نستقبله في حياتنا وقلوبنا وبيوتنا. إنه لا يريد منا هدية، فهو مَن يريد أن يعطينا. واليوم يبدو أنه يريد  أن يعطينا شيئاً ثميناً كما يفعل دوماً .. يريد أن يهبنا هدية ثمينة، لكنها في نفس الوقت مسؤولية يجب أن نهتم بها... إنه يريد أن يعطينا الآخر .. القريب، كي نهتم به ونحاول أن نحبه وأن نرى حقاً المسيح فيه.
لنطلب من الله وبثقة، أن يأتي ويولد فينا .. لنطلب منه أن يأتي ويُظهِر لنا وجهه .. وأن يفتح عيوننا كي نكتشفه كل يوم في أخوتنا، وأن يُعَلّمِنا بالفعل كيف نُحِبّ حقاً. آمين.
مع محبة وسلام الأب غدير الكرملي

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

عماد الرب  (2015)
(قراءات القداس: نشيد عبد يهوه: أشعيا 42: 1-4 ، 6-7 /  1يوحنا 5: 1-9 / متى 3: 1-17)
إخوتي وأخواتي الأحباء،
تحية عطرة في الرب يسوع.
اليوم في الطقس اللاتيني، نحتفل بعيد عماد الرب. (في عيد الدنح احتفلنا بكشف الله لذاته في أبنه من خلال إنجيل المجوس). وبهذا العيد، عيد العماد، ينتهي ما نسميه بزمن الميلاد. فالليتورجية تدخل بعد هذا العيد في الزمن الأعتيادي. هذا العيد يحدد إذن مرحلة مهمة، ليس فقط في الزمن الطقسي، لكن أولاً في حياة يسوع نفسها. فبالنسبة ليسوع، العماد هو أول فعل يقوم به في حياته العلنية، فالعماد يفتتح زمن رسالتة العلنية، زمن الكرازة.. زمن إعلانه البشرى السارة، بعد ثلاثين سنة من الحياة الخفية في الناصرة.
إذن هذا العيد، العماد، بإنهائه زمن الميلاد وإدخالنا في الزمن الإعتيادي، فهو يجعلنا أيضاً ندخل في زمن الكلمة. الكلمة الذي صار بشراً .. الكلمة الذي جاء وسكن بيننا .. وها هو يأتي لكي يلتقي بنا. إنه يأتي يطرق باب قلبنا، يأتي لكي يمس أعمق نقطة في قلوبنا والتي تتطلع إلى الخلاص.
لِنَدَعْ الكلمة إذن تدخل فينا!
اليوم، كما يقول المزمور، لا تُقَسُّوا قلوبَكم.. لا تغلقوا قلوبكم .. لكن اسمعوا وأصغوا إلى صوت الرب.. إلى كلمة الآب!
(متى 3: 1-17)
 في تلك الأيام، ظهر يوحنا المعمدان ينادي في برية اليهودية فيقول: "توبوا، قد اقترب ملكوت السموات".  فهو الذي عناه النبي أشعيا بقوله: "صوت مناد في البرية: أعدوا طريق الرب واجعلوا سبله قويمة".
وكان على يوحنا هذا لباس من وبر الإبل، وحول وسطه زنار من جلد. وكان طعامه الجراد والعسل البري. وكانت تخرج إليه أورشليم وجميع اليهودية وناحية الأردن كلها،  فيعتمدون عن يده في نهر الأردن معترفين بخطاياهم. ورأى كثيرا من الفريسيين والصدوقيين يقبلون على معموديته، فقال لهم: "يا أولاد الأفاعي، من أراكم سبيل الهرب من الغضب الآتي؟  فأثمروا إذا ثمرا يدل على توبتكم، ولا يخطر لكم أن تعللوا النفس فتقولوا "إن أبانا هو إبراهيم". فإني أقول لكم إن الله قادر على أن يخرج من هذه الحجارة أبناء لإبراهيم.  هاهي ذي الفأس على أصول الشجر، فكل شجرة لا تثمر ثمرا طيبا تقطع وتلقى في النار.  أنا أعمدكم في الماء من أجل التوبة، وأما الآتي بعدي فهو أقوى مني، من لست أهلا لأن أخلع نعليه. إنه سيعمدكم في الروح القدس والنار.  بيده المذرى ينقي بيدره فيجمع قمحه في الأهراء، وأما التبن فيحرقه بنار لا تطفأ".
 في ذلك الوقت ظهر يسوع وقد أتى من الجليل إلى الأردن، قاصدا يوحنا ليعتمد عن يده.  فجعل يوحنا يمانعه فيقول: "أنا أحتاج إلى الاعتماد عن يدك، أوأنت تأتي إلي؟"  فأجابه يسوع: "دعني الآن وما أريد، فهكذا يحسن بنا أن نتم كل بر". فتركه وما أراد.
 واعتمد يسوع وخرج لوقته من الماء، فإذا السموات قد انفتحت فرأى روح الله يهبط كأنه حمامة وينزل عليه.  وإذا صوت من السموات يقول: "هذا هو ابني الحبيب الذي عنه رضيت".

الكرازة
لم يكن من قبيل الصدفة، أن يسوع، عندما خرج من مياه المعمودية، يسمع صوت الآب يقول: "هذا هو ابني الحبيب؛ الذي عنه رضيت (أو ممكن أن نترجم: "الذي فيه، وَضَعْتُ كل حُبي") ؛ أقول أن هذه ليست صدفة لأن هذه العبارة تأتي في نبوءة أشعيا (في النشيد الأول لعبد يهوه). إذن ومنذ بداية رسالة يسوع العلنية، يقدم لنا الإنجيل مفتاح الفهم لما يجب أن يحصل ليسوع فيما بعد، أي لماذا عليه أن يتألم ويموت ثم يقوم.. فيسوع يحقق إذن نبوءة أشعيا.. يسوع هو "عبد يهوه" الذي تنبأ عنه أشعيا.. "عبد يهوه" الذي هو مسيح الله والذي سيتألم ويهب حياته ومن ثم يرفعه الله. هكذا تأتي الشخصية السرية لعبد يهوه هذا لكي تُوضِّح لنا طريق يسوع الغريب والفريد.
ويسوع نفسه في الحقيقة، سيتكلم عن "عماد آخر" يجب أن يُعَمَّد به: "علَيَّ أن أعتمد بمعمودية (أو "عليِّ أن أقبَلَ معموديّةً، وما أشد ضيقي حتى تَتِمّ!" (لوقا 12: 50) . في هذه الآية، يستعمل يسوع صورة العماد .. صورة العبور أو المرور من خلال المياه، لكي يتكلم عن موته على الصليب.
إن الماء، في الكتاب المقدس، له هذه القيمة الرمزية المزدوجة: فهو في نفس الوقت رمز للحياة .. مصدر للحياة، لكنه أيضاً طريق يمر الموت من خلاله. الماء هو مصدر الحياة، فهو يُزهِر الصحراء، ويعيد القوى للإنسان المتعَب ويُريح ويُروي العِطاش. لكنه أيضاً سبب الطوفان، وسبب دمار كل الحياة على الأرض! ولدينا مَثل واضح على على هذا المعنى الرمزي المزدوج للماء في قصة عبور البحر الأحمر، في سفر الخروج: فالماء كان سبب عبور العبرانيين إلى الحياة وتحريرهم من العبودية، لكنه كان في نفس الوقت، سبب موت جيش فرعون الذي كان يلاحقهم.
هكذا إذن في عماد يسوع، يتداخل الموت والحياة معاً، لكن بشكل جديد وخاص جداً. فهنا ليس الموت من له الكلمة الأخيرة. فالعماد ليس مجرد صورة طقسية لمصير كل إنسان: أي المرور من الحياة إلى الموت. لكن العماد يُدخلنا في بُعد ومفهوم جديد .. يُدخِلنا في فهم جديد تماماً لسر الموت والحياة.. مفهوم جديد لحياتنا نحن.
فعماد يسوع لم يكن مجرد الإعلان عن موته على الصليب، لكنه يتنبأ ويكشف لنا أيضاً الحياة الأخرى التي تنتظرنا .. يتنبأ ويكشف لنا القيامة التي تتم بعد هذا الموت، أو من خلاله. وهذا ينطبق على حياة كل واحد منا نحن أيضاً. والقديس بولس يلخص، في عبارة قصيرة لكن مركزة جداً، هذه الفكرة الأساسية في إيماننا المسيحي، في رسالته إلى أهل قولسي عندما يقول: "إنكم دُفِنتُم مع المسيح، بالمعمودية، وبها أيضاً أُقِمتُم معه!" (قولسي 2: 12).
هكذا إذن، المعمودية، هي سر العبور من الموت إلى الحياة التي خُلِقنا من أجلها منذ البداية. ومعمودية يسوع في بداية حياته العلنية، ما هي إلاّ الإعلان أو المثال على هذا العبور أو المرور من الموت إلى القيامة، والذي هو بالذات دعوتنا الحقيقية، دعوة كل إنسان.

هكذا إذن، ومنذ لحظة عماد يسوع، ندخُل في سر معمودية المسيح، أي في الطريق الغريب الذي أختاره الله كي يخصلنا من خلاله.. نحن كنا نتمنى لو أنه يخلصنا، وبكلمة واحدة، من الشر ومن عالم الشر كله ويخلق عالماً جديداً، دون أن يمر بالآلام والموت.
هكذا، يقترح الله علينا، من خلال المسيح.. يقترح على كل واحدٍ منا أن نصبح أبناءه. وعندها، في قلب حياتنا وظلماتها وصعوباتها، سيتردد في قلوبنا نشيد المحبة هذا، نشيد المحبة الصادر عن الله الآب والموجه نحو ابنه: "أنت ابني الحبيب..."، أي الموجه نحو كل واحد منا. لكننا ربما نفضل أن لا نصغي إلى صوت الآب هذا أو إلى دعوته هذه لنا. لأن محبة الله هذا أو دعوته هي خطيرة بالنسبة لنا، فهي متطلبة جداً، لأن مَن يريد أن يُجيب عليها حقاً، يجب عليه أن يغير حياته، وأن يموت عن ذاته.. أي أن يمر بطريق العماد نفسه الذي مر فيه يسوع.. أن يموت عن ذاته من أجل الآخرين كي يقوم معه في النهاية.
فإذا تجرأنا وأصغينا إلى صوته، إذا لم نُغلق آذاننا وقلوبنا أمامه، عندها سنفتح أيدينا، عندها سنفقد كل ما كان يُكوِّن حياتنا، سنفقد إرادتنا الضعيفة الخائفة المنغلقة على ذاتها.. لأن الله عندما يسيطر على حياة شخص ما، فهذا لكي يمتلكه، ويُشرِكه في خلاص العالم. لكن السر الكبير، هو أننا عندما نفقد كل شيء .. سنربح كل شيء .. لأن الله وحده يكفي.
إذن، على مثال المعمدان، وعلى مثال كل الذين تبعوا يسوع، نحن مدعوون لأن نتوقف، نحن أيضاً، عن أن نطلب من الله أن يجيب عن إنتظاراتنا، وأن يخلصنا بحسب طرقنا نحن. وربما عندها سنسمع نحن أيضاً، بدورنا، صوت الآب هذا الذي كان قد قال لبطرس وليعقوب ويوحنا، على جبل التجلي: "هذا هو ابني الحبيب.. الذي وضعت فيه كل فرحي، وضعت فيه كل محبتي، اسمعوا له .. اصغوا إليه!" وإذا أصغينا إليه وعملنا بمشيئته، ستصبح حياتنا على مثاله، مليئة برائحة الآب الطيبة.. مليئة بنِعَم الآب وبروحه القدوس الذي يعطي لحياتنا، لكل حياتنا معنىً وهدفًا، على الرغم من كل صعوباتها وأحزانها، آمين.
مع محبتي سلامي
الأب غدير الكرملي



غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأحد الثاني للزمن العادي  (ب)   2015
قراءات القداس: (1صموئيل3: 3ب-10-19/ 1 قورنتس 6: 13ج-15أ. 17-20 /  يوحنا 1 : 35-42)

هناك بعض اللقاءات التي تحدث في حياتنا، لا يمكن أن ننساها أبداً: مثلاً عندما نلتقي بشخص يهتم بنا بصورة خاصة، بشخص يثق بنا، ويُشرِكنا في حياته ويبين لنا حُبَّه. اليوم الإنجيل يكلمنا عن أحد هذه اللقاءات.
بهذه الطريقة استطاع يسوع أن يربط التلاميذ به. ومنذ لقاءهم الأول به، أثَّر في حياتهم ولم يستطيعوا أبدا أن ينسوه بل وتغيرت حياتهم تماماً بسببه. فالإنجيلي يوحنا مثلاً، يتذكر، بعد أكثر من 50 سنة من هذا الحدث، بأن الساعة كانت الرابعة عصراً! أي أن هذا الحدث أثَّر فيه جداً وغير حياته.
هذا اللقاء بيسوع، اليوم، هو ممكن بالنسبة لنا أيضاً؛ لكن يجب نذهب ونقيم عنده، وأن نسمح له بأن يقود حياتنا، وعندها لا يمكن إلا أن تتغير حياتنا بفضله.
في بداية هذا الأحد، لنطلب من الله أن يجعل منا نحن أيضاً، على مثال التلاميذ الأولين، شهوداً وتلاميذاً حقيقين له.

يوحنا 1 : 35-42
في ذلك الزمان:
كان يوحنا في الغد أيضا قائما هناك، ومعه اثنان من تلاميذه.  فحدق إلى يسوع وهو سائر وقال: "هوذا حمل الله!" فسمع التلميذان كلامه فتبعا يسوع.
 فالتفت يسوع فرآهما يتبعانه فقال لهما: "ماذا تريدان؟" قالا له: "رابي" أي "يا معلم"، أين تقيم؟" فقال لهما: "هلما فانظرا !" فذهبا ونظرا أين يقيم، فأقاما عنده ذلك اليوم، وكانت الساعة نحو الرابعة بعد الظهر.
 وكان أندراوس أخو سمعان بطرس أحد اللذين. سمعا كلام يوحنا فتبعا يسوع.  ولقي أولا أخاه سمعان فقال له: "وجدنا المشيح" ومعناه المسيح.
 وجاء به إلى يسوع فحدق إليه يسوع وقال: "أنت سمعان بن يونا، وستدعى كيفا"، أي صخرا.
الكرازة
إنجيل اليوم يكلمنا عن دعوة يسوع للتلاميذ الأولين: المعمدان يوجه تلاميذه نحو يسوع ... يسوع هو الذي يبدأ ويأخذ زمام المبادرة ... يذهبون للتعرف على يسوع ... ثم يقيمون عنده ... وفي النهاية يذهبون يبشرون به.
هذا هو طريق كل تلميذ.
إذن كيف من الممكن أن نصبح نحن أيضاً تلاميذ للمسيح؟ أو السؤال الأهم ربما هو لماذا لا نهتم نحن اليوم في أن نصبح تلاميذه، لماذا ليست لدينا الرغبة القوية بهذا الإتجاه؟
الجواب الأساسي هو لأننا ربما بعد لا نعرفه جيداً، وبالتالي لسنا واعين تماماً بما فعله من أجلنا؟ ومن الطبيعي كي أتبع شخصًا وأهب حياتي من أجله، عليَ أن أعرفه جيداً وأن يكون هناك سبب قوي كي أسلم له حياتي.
نحن بحاجة إذن، على مثال التلاميذ الأولين، إلى أن نختبر هذا اللقاء الحميم مع المعلم. يجب أن نذهب وننظر، يجب أن نتعرف على المسيح (الكتاب المقدس وعيشه/ الأفخارستيا / الصلاة... الخ.)، وعلينا أيضاً أن نمكث معه وأن نقيم فيه، مثل الأغصان في الكرمة.
وإنجيل اليوم يكشف لنا السر الحقيقي الوحيد كي نصبح تلاميذ المسيح: يجب أن نقيم معه، أن نمكث عنده. لأن المكوث معه، الإقامة عنده هي أساس كل شيء وكل تفاصيل حياتنا عندها تأخذ معناها من علاقتنا وحياتنا معه. وهذا المكوث والعيش مع المسيح سيجعل منا شيئاً فشيئاً وبمرور الأشهر والسنين، أصدقاء ورفقاء حقيقيين لله.
في إنجيل اليوم، المعمدان يسمي المسيح "حمل الله"، هذا اللقب مهم جداً في إكتشافنا للمسيح. وربما نستطيع القول بأن مفاجأة هذا النص هي هذا اللقب الغريب الذي يُعطى للمسيح: حمل الله.
ما هو أصل هذه العبارة؟
إن عبارة "حمل الله" تشير على الأقل إلى 4 أشياء ممكنة:
فهي تشير أولاً إلى الحمل الفصحي: أي إلى طقس الفصح اليهودي وإلى خروج الشعب من مصر، فموسى كان قد طلب من الشعب أن يقوموا بهذا الطقس أي أن يذبحوا حملاً، قائلاً لهم: "من الآن فصاعداً، في كل سنة، هذا الطقس سيذكركم بأن الله مر بينكم ليحرركم ويخلصكم". ويوحنا المعمدان يُطبق هذا اللقب على يسوع: إنه هو "الحمل الفصحي" .. هو نفسه حضور الهو، هو الفصح، أي "عبور" الله (أو "مرور" الله) الذي يحرر الشعب. وهو المسيح، صورة الله، جاء أيضاً ليحررنا من عدو أقوى من أي عدو، أي من الخطيئة. فهو يحمل خطيئة العالم ويصالح الإنسانية مع الله.
النقطة الأولى إذن هي (الحمل الفصحي)؛ النقطة الثانية التي تشير إليها عبارة "حمل الله" هي الإشارة إلى "عبد الله" (عبد يهوه) الذي يكلمنا عنه النبي لأشعيا. النبي أشعيا يكلمنا عن عبد الله، وهو كائن سري، يحقق مشروع الله من خلال الألم والاضطهاد. فمنذ الجلاء إلى بابل، الكثير من اليهود كانوا ينتظرون المسيح الذي يحمل ملامح هذه الشخصية المتألمة، شخصية عبد يهوه. ويُقارَن عبد الله هذا، في آلامه، بالحمل البريء الذي يحمل خطايا العالم (أشعيا 52-53). وفي النهاية بالطبع، سينتصر هذا العبد المتألم وسيرفعه الله ويمجده (أشعيا 52: 13).
نأتي إلى النقطة الثالثة، وهي إشارة إلى أسحق: فعبارة حمل الله تشير هنا إلى الحمل المعطى من قبل الله .. الحمل الذي يعطيه الله. ففي القصة المعروفة، عندما طلب الله من إبراهيم أن يقدم ابنه إسحق كذبيحة، يسأل إسحق أباه إبراهيم: "لكن أين هو الحمل الذي سنقدمه كذبيحة؟"، وإبراهيم يجيبه: "الله هو الذي سيهيئ الحمل من أجل الذبيحة". وفي إنجيلنا اليوم، يوحنا المعمدان يرينا الحمل الحقيقي المهيأ من قبل الله: من الآن فصاعداً أُلغيَت كل الذبائح الدموية. فالمسيح يرمز إذن إلى هذا الحمل المهيأ من قبل الله والذي  محا كل خطايانا من خلال حبه لنا واستسلالمه لإرادة الآب وليس من خلال الذبائح الدموية للحيوانات كما كان الحال سابقاً. فذبيحة المسيح الحقيقية هي أنه وضع نفسه وحياته بأكملها في خدمة حياة إخوته.
النقطة الرابعة والأخيرة، هي إشارة إلى موسى. فيوحنا المعمدان يرى في المسيح موسى الجديد: فكما حرر موسى الشعب من عبودية مصر، يسوع يقوم بالتحرير الجذري، أي تحرير البشر من عبودية الشر. والربانيين اليهود كانوا يقارنون موسى بالحمل: فأمام سلطة وقوة فرعون، كان هناك ضعف وبراءة الحمل الذي انتصر عليه.

السؤال الذي علينا طرحه اليوم على أنفسنا هو: هل نحن حقاً راغبين في إتباع المسيح؟ هل نحن حقاً منجذبين نحوه؟ اليوم أيضاً يسوع يلتفت نحو كل واحد منا، كما فعل مع التلاميذ، ويسأل: ماذا تريد؟ إذا تريد أن تعرف من أنا وأين أقيم.. أي إذا كنت تريد التعرف علي واكتشافي، عليك أن تأتي وتقيم معي.. إذن إذا كنت حقاً أعرف ماذا أريد.. تأتي لحظة مهمة وحاسمة ألا وهي لحظة القرار. نحن في الكثير من الأحيان نعرف ماذا نريد أو ماذا يجب علينا أن نفعل، لكننا لا نقرر.. لا نلتزم بجيدة.. أو قراراتنا تكون سطحية وننساها بسرعة أو نتخلى عنها.
هكذا إذن، يسوع يقول لنا، إذا كنت تريد أن تعرف ماذا عليك أن تفعل، "تعال وأنظر!"

لنطلب اليوم إذن من المسيح .. حمل الله.. أن يجذبنا إليه، أن يكشف لنا حُبه لكل واحد منا ويجعلنا من تلاميذه، حتى نستطيع أن نشهد له كل يوم، لا نخف من أن نذهب خلفه ونقيم معه...

مع محبتي سلامي
الأب غدير الكرملي
[/b][/color][/size][/size][/color][/b]

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

الأحد الخامس اعتيادي (ب) 2015 (مرقس 1: 29 - 39)
قراءات القداس: (أيوب 7: 1-4. 6-7 / 1قورنتس 9: 16-19 . 22-23 / مرقس 1: 29-39)

مرقس 1: 29-39
في ذلك الزمان:
لما خرجوا من المجمع، جاؤوا إلى بيت سمعان وأندراوس ومعهم يعقوب ويوحنا. وكانت حماة سمعان في الفراش محمومة، فأخبروه بأمرها. فدنا منها فأخذ بيدهاوأنهضها، ففارقتها الحمى، وأخذت تخدمهم.
وعند المساء بعد غروب الشمس، أخذ الناس يحملون إليه جميع المرضى والممسوسين. واحتشدت المدينة بأجمعها على الباب. فشفى كثيرا من المرضى المصابين بمختلف العلل،وطرد كثيرا من الشياطين، ولم يدع الشياطين تتكلم لأنها عرفته.
وقام قبل الفجر مبكرا، فخرج وذهب إلى مكان قفر،وأخذ يصلي هناك. فانطلق سمعان وأصحابه يبحثون عنه،فوجدوه. وقالواله: "جميع الناس يطلبونك."
فقاللهم: "لنذهب إلى مكان آخر، إلى القرى المجاورة، لأبشر فيها أيضا، فإني لهذاخرجت."
وسار في الجليل كله، يبشر في مجامعهم ويطرد الشياطين.

الكرازة
"جميع الناس يطلبونك".. كل الناس يبحثون عنك!
سننطلق اليوم من عبارة بطرس هذه، التي تبدو وكأنها عتاب موجه ليسوع.. عتاب ممزوج بنوع من عدم الفهم. فموقف يسوع في الحقيقة، لا يبدو منطقياً ابداً؛ فمن الصعب أن نفهم أو نتفهم حقاً موقف يسوع أو السبب في انسحابه وذهابه إلى العزلة بعيداً عن الجموع، بينما هو في قمة نجاحه في رسالته وفي استقطاب الناس نحوه. فلماذا ينعزل لوحده بينما يرى أن رسالته تنجح وتُثمِر؟ لماذا لا يستغل هذه الفرصة وإتباع الجموع له، لتغيير الأشياء، في عالم يبدو تائهاً وضائعاً والشر مسيطر عليه؟
إن عتاب بطرس غير المباشر هذا، يعكس في الحقيقة عدم فهمنا وحيرتنا نحن أيضاً. فإذا كان الله هو كلي القدرة، لماذا يترك عالمنا يسير في طرق الشر والضياع والظلم؟ لماذا لا يأتي ويُعدِّل ويُقَوِّم أو يُنَظِّم كل ما هو موعج؟ ففي سؤال بطرس هذا تنعكس كل تساؤلات الإنسان منذ آلاف السنين. لماذا الله غائب لهذه الدرجة، خاصة عندما نكون في أمس الحاجة إليه؟
إن نص أيوب الذي سمعناه قبل قليل، يُذَكِّرنا بأن هذه التساؤلات هي قديمة جداً. فأيوب، الذي يُعتَبَر في الكتاب المقدس مثال للإنسان الذي يواجه الألم وانعدام المعنى في الحياة، نراه هنا (أيوب) يصرخ وهو فاقد الرجاء بكل شيء ويقول: "إن عيني لن تريا السعادة بعد الآن!"
هذه هي المفارقة في حياتنا، وفي وجودنا كبشر: فنحن نبحث عن السعادة .. نحن عطاش لأن ننجح في حياتنا .. لأن تكون حياتُنا ناجحة، لكن هذه الرغبة تواجِه باستمرار موانعاً تضعها الحياةُ أمامنا، لكي نصطدم في النهاية مع المرض والموت.
وأمام هذا التساؤل، أمام الملايين من البشر الذين يحسون بأن حياتهم ضائعة وليس لها أي معنى... أمام كل هذا إذن، موقف يسوع في إنجيل اليوم، يحيرنا ويزعجنا بل وربما يكون في بعض الأحيان مثل حجر عثرة لفهمنا بل وحتى لإيماننا. فهو الذي يستطيع أن يشفي ويخلص، أن يُهدّيء ويجدد، هو الذي يستطيع أن يعيد من جديد وبشكل نهائي، العالم والإنسانية إلى الطريق الصحيح، نراه هنا كما يقول الإنجيل"وقام عند الفجرِ مبكراً، فخرج وذهب إلى مكان قفر، وأخذ يصلي هناك"!
نحن هنا أمام سر كبير، أمام سؤال يبقى دون جواب، سؤال يقلب كل أحلامنا في النجاح والسعادة.
وهو نفس رد الفعل المعاتب الذي سنراه عند التلاميذ غير المصدِّقين، عندما سيعلن يسوع لهم عن آلامه وموته. في الحقيقة، لدينا هنا شيئاً غريباً وغير مفهوم في موقف يسوع، بالنسبة للتلاميذ.. لكن أيضاً بالنسبة لنا نحن اليوم.. لدينا شيئاً يتجاوز فهمنا أو نظرتنا ومنطقنا الإنساني.. ففي موقف يسوع، هناك شيء لا يأتي من أرضنا .. شيء مصدره مكان آخر غير مكاننا، مكان آخر تكشفه لنا صلاة يسوع.
ربما علينا هنا أن نتخيل استغراب وتعجب التلاميذ الكبير عندما رأوا يسوع راكعاً .. يصلي في الصمت والعزلة في الفجر باكراً. فبعد كل هذه الشفاءات التي قام بها، كل هذه المعجزات، كانوا يتوقعون أو ينتظرون أن يجدوا يسوع في موقف أكثر منطقياً، أي واثق من نفسه وجالس الخ.! لكنهم يجدوه في موقف هو في الحقيقة عجيب جداً ومؤثر جداً لأنه يعكس تواضع ابن الله راكعاً أمام أبيه. صورة يسوع الراكع هنا تعكس بصمت أعظم سر يمكن أن نقابله يوماً ما، وهو سر حياة الله نفسه، سر يحوي في نفس الوقت القدرة والعَظَمَة، والضعف والتواضع.
لقد فهم القديس بولس جيداً هذا السر، كما يبين لنا نص الرسالة الأولى إلى أهل قورنتيس الذي سمعناه اليوم. فكل ما استطاع أن يعمله، هو بولس، لم يكن بشيء، أو ليس له قيمة، أمام سر ابن الله العجيب. فمهما فعل بولس، فهو لا يستطيع ان يفخر أو يجعله يتكبر ويُعجب بنفسه. فنجاحه، سعادته، هي في مكان آخر، مصدرها مكان آخر .. مكان جاء يسوع وكشفه لنا، ويتمنى أن نكتشفه، نحن أيضًا بدورنا.
إن طرق الله تختلف كثيراً عن طرقنا نحن البشر.
باختصار، إنجيل اليوم، والإنجيل بصورة عامة، يقول لنا، بأننا إذا نريد أن يكون لحياتنا معنى حقاً.. إذا كنا نريد أن نحصل على السعادة الحقيقية، فمصدر كل هذا ليس أعمالنا وما نفعله وما نفكر به.. هو ليس نجاحاتنا في أعمالنا وطموحاتنا، لكن المصدر الحقيقي يجب أن نجده في الله، ولا يمكننا أن نجده إلاّ من خلال علاقة حميمة، علاقة حب وتواضع أمام الله، علاقة تسليم للذات، أمام الله، الذي وحده يمكن أن يعطينا السعادة، وحده يمكن أن يجعل لحياتنا معنى،
هذا ما يشرح تصرف يسوع في إنجيلنا اليوم: سر نجاح يسوع وسعادته الحقيقية، ليس في المعجزات التي يقوم بها ولا في مجيء الناس إليه.. لكن في علاقة الحب الحميم التي تربطه بالآب، في علاقة الإعتماد الكلي وتسليمه لحياته بين يدي الآب. سر تصرف يسوع هذا يكشف لنا سر الملكوت نفسه، الذي يريدنا الله أن نشترك معه فعلياً في بنائه وأن نتحمل مسؤولية أعمالنا وتصرفاتنا. وكيف أن كل ما نفعله يجب أن يكون تحت نظرة الله أبينا في علاقة بنوية مليئة بالثقة والتسليم.
هذا ما يكشفه لنا يسوع اليوم، ويتمنى أن نعيشه كما عاشه هو، آمين.
مع محبة الأب غدير الكرملي

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

الأحد السادس من الزمن الإعتيادي ب (مرقس 1 : 40-45)

قراءات اليوم: (أحبار 13: 1-2 و 45-46 / 1 قورنتس 10: 31 – 11: 1 / مرقس 1: 40-45)

مدخل

مرة أخرى يجمعنا المسيح حول مائدته .. يجمعنا ليعطينا كلمة الله ويمنحنا حياته من خلال القربان المقدس. وسنسمع في قداس اليوم الإنجيل الذي فيه يشفي يسوع أبرصاً. يمكن أن يكون هذا الأبرص مثالاً لنا في هذا الإنجيل، علينا التشبه به .. بإيمانه وثقته القوية بالمسيح.
في البداية لنطلب هذه النعمة من الله: أن يجعلنا نسلم حياتنا بين يديه بثقة وباستمرار، ولنعترف أمامه بأننا ضعفاء .. ولا معنى لحياتنا بدونه.

في ذلك الزمان:
أتى إلى يسوع أبرصٌ يتوسل إليه، فجثا وقال له: "إن شئت فأنت قادر على أن تبرئني." فأشفق عليه يسوع ومد يده فلمسه وقال له: "قد شئت فابرأ." فزال عنه البرص لوقته وبرئ.
فصرفه يسوع بعد ما أنذره بلهجة شديدة، فقال له: "إياك أن تخبر أحدا بشيء، بل اذهب إلى الكاهن فأره نفسك، ثم قرب عن برئك ما أمر به موسى، شهادة لديهم."
أما هو، فانصرف وأخذ ينادي بأعلى صوته ويذيع الخبر، فصار يسوع لا يستطيع أن يدخل مدينة علانية، بل كان يقيم في ظاهرها في أماكن مقفرة، والناس يأتونه من كل مكان.

الكرازة
منذ اليوم الأول، منذ أن ظهرت أول علامات البرص على جسده، طريق هذا الرجل، إلى أن وصل إلى يسوع وركع أمامه، كان بالتأكيد طويلاً ومؤلماً جداً. وربما لهذا السبب استطاع أن يجد الكلمات التي مَسَّت حالاً وفوراً قلب يسوع: "إذا أردت، يا رب، فأنت قادر على شفائي" فما هزَّ يسوع بقوة ، كما يقول لنا الإنجيل، ليس أولاً هذا البرص الذي يشوه جسده ووجه، ولا هذا المرض الذي جعل منه شخصًا مُبعَدًا وغير مرغوبٍ فيه، أو فقيراً بسبب الشريعة، لكن ما مَسًّ يسوع وأثَّر فيه جداً هو اعترافه المتواضع بضعفه الشخصي، وهذا هو أساس كل صلاة حقيقية.

إلى هذا بالذات، إلى قلب هذا السِرّ، يريد الإنجيل أن يقودنا اليوم. فإن ما يجب أن يجذب انتباهنا اليوم في هذا الإنجيل، ليس أولاً شفاء هذا الأبرص، مهما كانت هذه المعجزة كبيرة ومدهشة، لكن إنجيل اليوم يريدنا أن نتساءل بخصوص موقف مئات وألوف البرص الآخرين، كل الذين عاشوا في وقت المسيح، والذين سمعوا به، لكنهم لم يأتوا أبداً طالبين الشفاء. هل من الممكن أن نتخيل ولو للحظة بأن يسوع كان سيرفض مساعدتهم؟ بالتأكيد لا، فنحن نعرف من الإنجيل بأن طيبة يسوع لم يكن لها حدود فهي كانت تغطي حتى غير المستحقين والمجرمين. إذن السر الذي يكشفه لنا إنجيل اليوم هو أن الكثيرين غير هذا الأبرص لم يأتوا إلى يسوع. لماذا؟

لأن الطريق الذي سار فيه هذا الأبرص والذي لم يرد الآخرون السير فيه كما ذكرت في البداية، هو أن يعترف بمرضه وبمحدوديته، وبالتالي استطاع على الرغم من كل المعوقات الجسدية والتي تفرضها الشريعة والمجتمع، استطاع أن يذهب إلى يسوع، إلى الشخص الوحيد الذي يمكن أن يشفيه.
هذا الطريق الذي يقود إلى قدمي يسوع وإلى الشفاء الكامل، هو طريقنا نحن أيضاً، طريق كل واحد منا. وهو مفتوح، مثلما كان مفتوح منذ 2000 سنة، لكل واحد منا اليوم، إذا قَبَلْنا، على مثال هذا الأبرص، أن نسير في هذا الطريق، طريق التواضع الذي يجعلنا نكون مقتنعين بأننا بدون الله لا يمكن أن نفعل شيئاً ذو قيمة، وبأننا باعتمادنا فقط على أنفسنا بعيداً عن الله، لا يمكن أن نُخَلِّص أنفسنا بأنفسنا، وليس لحياتنا معنى حقيقي. ولا يجب أن ننسى أبداً بأن الله خلقنا كي نعتمد عليه.. كي نستند عليه، كأبناء، لكي تكون علاقتنا به علاقة الابن والبنت بالأب الذي كل حياته موجهة لأبنائه ولسعادتهم.
لكن ما هو هذا الطريق الذي يُظهِره لنا الأبرص في إنجيلنا اليوم؟ مرقس الإنجيلي لا يعطينا أية تفاصيل عنه، فهو لا يقول لنا أي شيء عن آلام ومعاناة هذا الأبرص في السابق، ولا عن قلقه ورفضه لمرضه الذي جعله يكون مكروهاً ومنبوذا من مجتمعه وأهله وأصبح يعيش على هامش المجتمع في البراري بعيداً عن البشر. كان الأبرص مُجْبَراً على أن يُصدر صوتًا عندما يقترب من الناس، لكي يحذرهم بأنه أبرص، وبهذا يبتعد الآخرون عنه. مرقس لا يقول لنا أي شيء إذن عن مدى إحساسه بالضعف والرفض وعدم الحُب من قبل الآخرين. ومرقس لم يقدم لنا التفاصيل لأن هذا الطريق هو ربما طريق كل واحد منا بشكل أو بآخر. والإنجيل لا يقول لنا إلاّ المرحلة الأخيرة من هذا الطريق، أي مرحلة تسليم حياتنا بكل ثقة والتي قادت هذا الأبرص إلى يسوع: "إذا أردت، فأنت قادر على أن تطهرني."هذا هو موقف المسيحي الحقيقي: فهو هنا لا يشترط أي شيء، ويعلم بأنه لا يسيطر على أي شيء في مسيرة حياته، لكنه يسلم حياته إلى إرادة الله. وهنا فقط يستطيع يسوع أن يتدخل ويمسه ويشفيه ويخلصه.
طريق الأبرص هذا، طريق العشارين والخطأة، يسوع، هو أيضاً، سار فيه، من أجلنا، حتى نهايته، ونراه في بستان الزيتون واضحاً في صلاته في هناك: يا أبتِ مشيئتك التي أريدها وليست مشيئتي.وهذا الطريق، طريق تسليم الذات بيد الآب، أصبح طريق القيامة وطريق الحياة وإلى الآبد.
من الآن فصاعداً، يجب أن نؤمن بأنه مع يسوع، لا يمكن لأي ليل أو ألم أو معاناة أن تستمر دائماً، وبأن يسوع هو معنا وهو وحده قادر على أن يعطي معنى لحياتنا ويملأها بنوره. هو هنا، بالقرب من كل واحد منا، مستعد لأن يستقبلنا. لكن بشرط أن نلتجئ إليه بثقة وتواضع؛ أن نسمح له أن يقودنا نحن أيضاً، مثل هذا الأبرص، إلى الركوع أمام يسوع وأن نسلم حياتنا بين يديه قائلين له: يا رب، أنا أثق بك .. إذا أردتَ، فأنت قادر على أن تحررنا .. أن تطهرنا .. أن تخلصنا، آمين.

مع محبة الأب غدير الكرملي
[/b][/color][/size]