تحية الى روح الفقيدة وردى بويا قاقوزا / أوغنا
زوجة عمي الراحل صليوا بيو
هذه نبذة عن ذكرياتي الخاصة وعلاقتها بعمي ( الأخ الوحيد لوالدي, وأخته صارة) , وزوجته العزيزة التي رحلت عنا قبل أيام معدودة ( رحم الله الذين غادرونا الى الحياة الأبدية , والعمر المديد للأحياء بيننا ) , وهذا ما قمت به أيضا لأحياء الذكرى بأحد الأحياء وهو خالي /مسو/ منصور ججو ( أيضا في عنكاوة دوت كوم) , وربما سأكتب المزيد لمن تركوا في حياتي ذكريات جميلة لربما يفرح بها أيضا القريبين والبعيدين منهم , لذا بعض التفاصيل ربما ستكون غير معلومة لمن لم يعاصروا تلك الحقبة الماضية وأعتقد بأن بعض هذه المعلومات ستكون مفيدة لأحفاده على الأقل وتاريخ العائلة له أهميته.
أنا وأخوتي وأخواتي, كنا نعتبر عمي صليوا , كأخ كبير بيننا , ونسميه ونناديه على الدوام / أخوني صليوا , وزجته وردى ( وهي أبنة أحد أعمامي بويا قاقوزا) , نناديها بكل حب ومحبة/ ددي وردى .
ولا زال أتذكر جيدا وأنا طفل لايتجاوز (3) سنوات من العمر , في قلعة كركوك ( في أواخر أربيعينيات القرن الماضي) , عندما كان عمي يأتي لزيارتنا أثناء دراسته في كلية الزراعة ببغداد , وهو يدخل من باب البيت وعادة كانوا بسقفيات واطئة , وهو يطأطأ رأسه والسدارة السوداء على رأسه , نظرا لطول قامته , وكنا نحن الصغار نهرع لأعلان الخبر السار :- أخوني صليوا ثيليه , أخوني صليوا ثيليه !!..
لأنه كان شابا وسيما , يلبس ملابس الأفندي وسيدارته السوداء على رأسه , ويمشي وهو معتز بهندامه ووضعه المتميز كطالب كلية في حين كان الجميع حولنا طلبة في المدارس الأبتدائية الوحيدة في القلعة للبنات والبنين .
ولابد أن أذكر حادثة تعرضت لها , ربما أدت بحياتي وأنا في ذلك العمر وربما أصغر بسنة , لولا وجود أخوني صليوا , في الزمان والمكان المناسب , لقد قمت بتقليد والدتي في أستعمال البمب اليدوي لأستخراج النفط من التنكة المعدنية ( التي كانت في الأصل تستعمل لبيع الدهن الحر) , ونتيجة لذلك أصبحت كالفتيل للمبة التي كنا نستعملها في الفانوس في البيت ( بدون كهرباء) , ولذا كنت على وشك الأنفجار لو تقربت من أي لهب , او عود شخاطة , ولم يعلم أحد بحالتي , ألا عندما جاء عمي وأدرك خطورة الوضع وخاصة وأن جلدي بدأ بلأنتفاخ ببقع داكنة سوداء , وفورا أخذني الى مستشفى في / كاي ثري / شركة النفط , وأنقذوا حياتي وفي مقدمتهم أخوني صليوا !!؟؟..
ولكن لابد ,ان أذكر هذه الحادثة الأليمة التي حلت بأخي فؤاد الذي كان أصغر مني بسنتين , وهو طفل يزحف لم يتعلم المشي , بعمر سنة , وبدأ يزحف بأتجاه البريموس (الموقد الوحيد) على أرضية التارمة أمام الغرفة التي نسكنها , وبدأ هو أيضا بتقليد والدتي في أستعمال البمب اليدوي للبريموس وعليها كتلي كبير من الماء المغلي , وأنقلب البريموس والكتلي عليه ونتيجة البقعة المنخفضة في ارضية التارمة أنسكب عليه الماء وجلس فيها ببركة وهو يصرخ من الألم , وبالرغم من صغر سني كطفل لم أبلغ الثالثة , هرعت أليه وانا أصيح :- دايا دايا , فؤاد قدليه !!!..
ولكن أخوني صليوا في هذه المرة لم يكن موجودا , وبقى الطفل يغلي بحروق جسده وخاصة منطقة الحوض و والدتي لاحول لها ولا قوة , الى أن رجع والدي من العمل في شركة النفط العراقية / الآي بي سي , ولكن لسبب ما لم يدرك خطورة حروق التي أصابت فؤاد , وعندما أخذه الى المستوصف الصغير في أسفل القلعة على الطرف المقابل للجسر القديم , ولاأزال أتذكر وأنا أصطحبه بأن كل ما تم علاجه به هو قطع أجزاء جلده المحترقة والمتدللة بأستعمال المقص اليدوي , ووضع الحبر الأسود على جسمه , ولكن حروقه كانت عميقة , ولم يمكث سوى بضعة أيام وفارق الحياة , ودائما أسأل نفسي
:- أين كنت ياعمي , ولماذا لم يدرك والدي بخطورة حالته وأخذه أيضا الى مستشفى / كاي ثري وأنقاذ حياته ؟؟!!..
سوف أكتفي بهذا القدر من أحداث وأخبار وذكريات أخوني صليوا , قبل أن يتزوج والموضوع هنا عن الفقيدة زوجته / ددي وردى , وأبدأ بموضوع زواجهما , وأتذكر جيدا تلك المناسبة السعيدة في حياتهما , وربما كنت في الرابعة أو الخامسة من عمري / أي في بداية خمسينات القرن الماضي .
لقد كان بيت جدي أمام الزقاق الضيق المؤدي الى بيت عمي بويا قاقوزا , ولذا كان من الطبيعي أن يلتقيان ويقعان في الحب , وخاصة وأن كل يوم أحد كانت الفتيات في احلى ملابسهم وحليهم الذهبية يجتمعون في تلك الفسحة , ويلعبون الأوبرا / أكوام التراب حيث يخفون قطعة معدنية في أحدها , والتي تحزر الكومة تكسب الفلوس , وتكتمل الحسبة بمجيء / توما كورا ( وكان كفيف البصر بنظاراته الزجاجية الثخينة وهندامه الأنيق جدا ) , بسلته على رأسه ويجلس بينهم , والبنات يشترون منه الحلوى والجرزات ويتبادل معهن النكات والطرائف .
وكانت العادة المتبعة في حفلات الزواج القديمة أن يتم ركوب العروسة حصان أو حتى حمار يحملها مع جهازها الى بيت العريس و وراؤها النسوة يهلهلون ويرقصون ويضربون على الطبول , ولاأتذكر ركوبها على حصان لأنها كانت تعيش على بعد خطوات من بيت العريس !!؟؟..
ولكن اتذكر كبقية العرائس حيث تجلس العروسة , وتخفي رأسها بقماش حرير , والمدعووين من الرجال , يقتربون منها لأزاحة القماش لرؤية وجهها , ووضع نقود في يدها / سبحتا , وأتذكر أنه حتى والدي قام بنفس الدور ووضع في يدها ورقة دينار عراقي , وكان يومها له قيمته , وشعرت والدتي بأنه كان سخيا أكثر من اللازم وأنزعجت مما حدا بها أن تأخذني بيدي ونرجع الى كركوك , وكان لها الحق بذلك لأنه , ربما لم يتجاوز راتبه أكثر من عشرة دنانير شهرية !!..
ولابد أن أذكر حقيقة أن أول حمل لها أجهضته , ربما نتيجة صعود السلم الخشبي / السومبيلتا الى السطح حيث كان العنكاويون ينامون في أشهر الصيف , وأذكر هذا جيدا لأنني تجرأت لألقي نظرة على الجنين , بعمر عدة أشهر , قبل دفنه وكان ذكرا . ( وأذكر هذا لأنها ذكرياتي الشخصية !!..) .
وبدون شك كان الحدث مؤلما وحزينا للجميع , لأنه الحمل البكر والكل يترقب حمل العروسة ومعرفة قدرتها على الأنجاب وينتظرون ذلك النيأ السار وخاصة من حماتهم , وخاصة أذا كان ذكرا !!..
والجدير بالذكر فأن عمي بويا قاقوزا , أنجب أربعة بنات / ودرى, شكرية , لطيفة وصبحية , قبل أن ينجب ذكرا / أنور, وكان الوحيد / عزيزا , في عائلته , كما كان عمي بويا أيضا عزيزا , ومدلل لوالديه وأتذكر جيدا عندما كان يخرج من الزقاق الضيق , وهو يمتطي جواده ويحمل بيده بندقية , وكلاب الصيد / السلوكي تجري أمامه , والحصان مزين بلألوان الزاهية التي تتلالأ في ضوء الشمس , منظر رائع لم يتكرر في عنكاوة , لأن عمي قاقوزا كان يعتبر من وجهاء وأعيان عنكاوة , وكانت عائلته ضمن القلائل الذين كان لهم ( ديواخانة ) , للزوار والضيوف , ويقال أن أحد نواب الحاكم العثماني تم أستضافته فيها , وتم أجتناب شره بتلك الضيافة , وكان له خدم وحشم من يقوم بخدمتهم ويقدم لهم القهوة والشاي , وكان والد / حني , الذي تزوج من لطيفة أبنة بويا قاقوزا , يعمل كجايجي في تلك الديوانخانة , وكان يرقص في حفلة زواج أبنه , ويفتخر بذلك المقام الجديد لدى بويا قاقوزا , من جايجي الى فرد من العائلة !!..
ولقد كان المرحوم عمي بويا , بالرغم من كونه أقطاعي كبير لأراضي زراعية شاسعة , كان رجل أعمال ناجح , حيث فتح أول مغازة لبيع أفخر الأقمشة في أربيل , وأتذكر رؤيته والنساء يكتضون حوله , ليس فقط لشراء تلك الأقمشة المطرزة بخيوط لماعة ذهبية وفضية , وأنما لكونه وسيما طويل القامة و عذب اللسان والمجاملة , وكان يأتي الى بيتنا في بغداد لقضاء بضعة أيام يقوم خلالها بشراء الأقمشة تلك , وعندما نجحت بالصف الخامس / البكالوريا , وقبلت بالبعثة العلمية , قبل فورا بأن يكون كفيلي لمصاريف البعثة , والتي كانت أحد الشروط المهمة للقبول , ولذا أذكره وبكل أمتنان وشكر, ولقد قمت بدفع تكاليف البعثة الى الحكومة العراقية , عندما قررت عدم الرجوع وانهيت ذمتي وحصلت على شهادة رسمية بذلك . ولكن مع الأسف فأن أبنه و وريثه / أنور , بقى معززرا ومدللا , ولم ينضج الى شخصية ولو بشبه قريب من والده , ويأخذ مكانه في المسؤولية والحفاظ على أرث والده ومكانته الأجتماعية لامن قريب ولامن بعيد , حيث أهدر جميعها وبيعها بسعر بخس الى الأكراد و ولم تحتفظ العائلة منها ألا بالقتات ( وكانت تبلغ قيمة تلك الأراضي بسعر السوق الحالي بمئات الملايين من الدولارات !!..) , ورحمه الله لقد توفاه الأجل وهو في مقتبل العمر .
ولقد كان والدي شديد الأعجاب بعمي بويا و كصديق حميم , وكان في كل مناسبة يتم ذكر عمي بويا , تنهمر الدموع من عينيه , عندما يذكرنا بما ألم بعمي بويا المصاب الجلل في سكتة دماغية أصيب بشلل نصفي , واصبح هذا العملاق الوسيم طريح الفراش لايقوى على الكلام والحركة , وكان يقول لنا كنت أتجنب رؤيته بتلك الحالة , ونبكي مع بعض وهو يتألم في حالته الميؤوسة ينتظر رحمة الله على عمي بويا قاقوزا وأسكنه جنة الخلد , لما عرف عنه من مواقف مشهود لها في عنكاوة !!...
وبالرجوع الى ددي وردى , عاشت حياة طويلة وغادرتها بعد رؤية أحفادها من أبنها الوحيد / آزاد وأبنتها ميسون , عندما كانت تزورها من ألمانيا , ولابد أن أذكر عن مصاب آخر وأليم هو وفاة أبنها وهو طفل صغير في عمر الورود , من مرض نادر , ولم يتجاوز السادسة من عمره , وكانت تعيش معنا في كركوك / شارع ألماس في القورية , وبالرغم من أستشارة أكبر الأخصائيين في المدينة , لم يتمكنوا من علاجه , ولقد فقدناه جميعا لأنه كان محبوب الجميع , وبكينا عليه بحرارة , ليس أياما وأنما أسابيع وكان عمي صليوا في بعثة / دورة تدريب في قبرص , وعندما رجع , بعد أشهر من الحدث و بقينا صامتين والألم يشع من عيوننا , دون أن يخبره أحد بالمصيبة , ولعدم تعريضه لصدمة كبيرة , قام والدي بأصطحابه بالسيارة من كركوك الى عنكاوة , وهو يتطلع للقاء زوجته العزيزة وابنه الذي فارقه لحوالي سنتين , وتمكن والدي من أفشاء الخبر له أولا بأن أبنه مريض وبعدها بمرض نادر, وقبل وصولهم الى عنكاوة , أخبره بالحقيقة بعد أن كان يتوقع السيء , وها هو يسمع الأسوأ , ولابد وأنه أصبح مهيأ لتقبل الواقع والحقيقة المفجعة , هكذا كان والدي يعز عليه أخوه الصغير , وما كنا نكن له كل المحبة لأن شخصيته كانت محببة للجميع صغارا وكبارا !!!..
والمصيبة الكبرى الأخرى التي ألمت بهم هي أستشهاد أبنهم الشاب / سمير في الحرب العراقية الأيرانية , حيث تم تجنيده في الجيش لعدم قبوله بالجامعة لضعف معدلاته في البكالوريا , وخاصة وأنه كان قد تزوج قبلها ببضع سنوات وزوجته ترملت وهي شابة , وتحمل رضيعها البكر, وكنت في ذلك الوقت أدرس في بريطانيا , وكنا نلوم عمي صليوا لعدم أرسال أبنه , الى مصر أو الهند للدراسة على حسابه والتخلص من الجندية , ولابد وان هذا التقصير , أضاف حزنا والما في نفسه , لبقية أيام عمره , ولكنه عاش ليرى حفيده من أبنه الوحيد / آزاد , وكانوا يعيشون في بغداد وفارق الحياة بعد معاناة من مرض عضال وزوجته الوفية بجانبه تقوم بخدمته ورعايته الى آخر أيامه .
لقد كانت ددي وردى , تحمل كل هذه الأحزان في قلبها الحنون , وتمكنت من العيش بصبر لرؤية أحفادها وهم يكبرون ويملؤون أيامها بالبهجة والسرور , ولكن كل ذلك لم يكفي لأزالة الغم والحزن العميق بقلبها لفقدان أحبتها وخاصة زوجها العزيز , وآخر مرة رأيتها في بيت آزاد كان نظراتها الحزينة بالرغم من كل ما حولها من مظاهر الحياة والحيوية من أحفادها , بانها كانت تنتظر اليوم الذي تلتقي بهم في الحياة الأبدية , وهذا ما تمنته وتحققت أمنيتها . فهنيئا لها بملاقاتهم !!!..
رحمة الله على الذين غادرونا والعمر المديد للأحياء , وكما كان يقول والدي المرحوم :-
كلنا زائلين , لأننا في سفر في هذه الحياة القصيرة مهما طالت !!؟؟..
أيوب عيسى بيو أوغنا
معماري وخبير ومحكم دولي وخليجي معتمد
مسقط/ سلطنة عمان