فصلٌ جديدٌ مع لعبة تحرير المتنازَع عليها

المحرر موضوع: فصلٌ جديدٌ مع لعبة تحرير المتنازَع عليها  (زيارة 525 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 120
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
فصلٌ جديدٌ مع لعبة تحرير المتنازَع عليها

لويس إقليمس
كان الحدسُ في محلّهِ حين أشرنا مثل غيرِنا، أنّ تداعيات قضية سقوط الموصل وبلداتِها بيد "داعش"، كانت مؤامرة سياسية من داخل الوطن، أي من أحزاب تتبع مكوّناتٍ كبيرة ومن شركاء في العملية السياسية. وبموجب المتوفر حاليًّا من المعلومات والحقائق والبيانات، فقدحصلت المصيبة بموجب اتفاق سياسيّ، كما أورد ذلك رئيس الوزراء السابق نوري المالكي بعظمة لسانه. وقد أشار إلى جزءٍ كبيرٍ من خطوطِها، قائد عمليات نينوى الفريق مهدي الغرّاوي، مؤخرًا وهو في حالٍ يُرثى لها خلال دفاعِه على شاشة قناة البغدادية في ثلاث حلقات متتالية.
 وبما أنّ القضية لمْ تزل تداعياتُ تحقيقاتِها هذه تُبحث في أروقة مجلس النواب وسط احتدام جدالات، وربّما سيتلقفُها الادّعاء العام إن كان حريصًا على انتهاج الاستقلالية في عملِه، فهي قد لا تفضي بنتيجة مقنعة حتى مع الإجراءات الإصلاحية التي اتخذها رئيس الوزراء بتنحية قادة وإجراء تغييرات وتنقّلات أمنية واسعة. فالمتورطون فيها عديدون، ومنهم من العيار الثقيل، واللعبة تنكشف خيوطُها يومًا بعد آخر. فما بعدَ التحرير رهنٌ بما قبلَ التحرير وعبدٌ لاتفاقاتٍ بين "الإخوة الأعداء". لذا، من الصعوبة بمكانٍ أن يتمّ كشف المستور كلِّه وراء دهاليز السياسة الداهية واتفاقات الساسة والكتل، حالُها حال باقي القضايا التي طوتها الرفوفُ وامتلأتْ بها الخِزانات. فما خفي كان أعظم!
وسط الكمّ الهائل من المشاكل السياسية المتوارثة عن الحكومة الطائفية السابقة، ومنها المعلَّقة لغاية الساعة مع إقليم كردستان المفاوض العنيد والفارِض أجندتَه على العملية السياسية بقوّة فاعلة مدعومًا من الغرب ومن الذئب الأمريكي راعي العملية السياسية، وتلك الاقتصادية الناجمة عن تهاوي أسعار النفط دراماتيكيًّا، بالإضافة إلى معضلة النازحين والمهجَّرين التي لم تستقطب سوى النزر اليسير من اهتمام الدولة، وكذا صعوبة القضاء الحاسم على مواقع الفساد المستشري بلا هوادة في مؤسسات الدولة، ناهيك عن استمرار اهتزازواقع الأجهزة الأمنية بأصنافِها، كلّ هذه الأمور وغيرُها تفرضُ حساباتٍ صعبة الانقياد، بالرغم من المكاسب التي حققتها الدبلوماسية العراقية في ظلّ العهد الراهن. فالانتصارات المتلاحقة التي حققتها الأجهزة الأمنية المشاركة في محاربة تنظيم "داعش" الإرهابيّ، وإنْ كانت جديرة بالملاحظة، إلاّ أنّها لا تشفي بعدُ، غليلَ المواطن العراقيّ الذي قاسى آلامَ التهجير والسلب وانتهاك الحرمات والاغتصاب والعبث بالممتلكات والعقارات والمقتنيات الخاصة والعامة. فيما لا يزال السياسيون في المثلَّث الحاكم، لم يكلّوا من اللهاث وراءَ آفة المحاصصة الطائفية التي استنكرها الجميع قولاً ودعايةً وتشبثوا بها فعلاً وتطبيقًا وتنفيذًا. وآخرُها، صدورُ مرسومٍ جمهوريٍّ بتعيين نائبين لرئيس ديوان الرئاسة، شيعيّ وكرديّ، بالرغم من إمكانية الاستغناء عن هذه الصفات والدرجات تقنينًا للنفقات. وماذا لو كانَ بادر الرئيسُ معصوم بحَنَكتِه، واختارَ شخصية من مكوّنات الأقليات المهضومة الحقوق والمهمَّشة على طول الخط، والتي يتباكون عليها جميعًا في وسائل الإعلام وفي الاجتماعات التي لها بداية وليس لها نهاية أو في اللقاءات والزيارات المكّوكية لدول العالم متبجّحين بإيلائِهم اهتمامًا بحقوق الأقليات والسهر على تشجيعِهم التشبّثَ بالأرض والوطن. فيما كلّ الدلائِل تشيرُ إلى تهميشِهم واستكثار منصبٍ سياديٍّ يتيمٍ لهم والتقتير عليهم بمناصب أخرى عامة أو وظائف اعتيادية. فأينُ الحرصُ الوطنيّ في هكذا إجراء؟ وكيف يتسنى للمواطن المكوي بنارِ الطائفية التمزيقية والمحاصصة البغيضة التي لا تترك فرصةً للكفاءات الوطنية كي تُبدع وتجيد وتنمي؟ ما هكذا تُبنى الأوطان يا ساسةَ العراق! ضعوا كلمةَ الحق والإنصاف في صدورِكُم ولو مرّة! وإن كان اللهُ يمهل، فهو لا يهملُ ولا ينسى عبدَه ليبقى مفجوعًا طيلةَ عمرِه!
وفي ضوء ما حصل ويحصل، يكون الدستور المثقَل بالتناقضات، هو السبب الرئيسي لكلّ الإشكاليات التي أوجدت مثل هذه التناقضات والمشاحنات بسبب ابتعادِه عن السمة الوطنية التي تبني وطنًا على أساس دستوريّ شامل وليسَ ناقصًا وطائفيًا ودينيًا ومذهبيًا وعرقيًا. وهذا ما يتطلّب تغييره ليتسامى فوق هذه الإشكاليات جميعًا.

مفترَق طرق
نحنُ اليوم أمام مفترَق طرقٍ خطيرٍ من موضوع وحدة تراب الوطن، بعد أن اشتدّت حبالُ الجرّ السياسيّ والطائفيّ في محاولة لتعزيز مفهوم الّلامركزية التي نحلمُ بها جميعًا ونراها خيرَ معالجةٍ للتذبذب في مصير الحياة السياسية في البلد، ولكن ليسَ على حساب وحدةِ أرضِه وترابِه ومياهِه. فالمحاولات الجارية في أيامِنا، يُشمّ منها رائحة بدء الانفصال الفعليّ من جانب المكوّن الكرديّ على أساسٍ قوميّ وعرقي، ومن جانب المكوّنين الشيعيّ والسنّي على أساسٍ طائفيّ ومذهبيّ. والخياران أشدُّ إمضاءً من السيف البتّار
. ولو تمهّل الشركاء السياسيون المهيمِنون على مقدّرات البلاد والمستنفذون لثرواتِها الوطنية بوسائل وأشكال واتجاهات مبتكرة في كلّ مرّة، كي يعطوا فرصة لنهضة بلدِهم الجريح بعد القضاء على عصابات "داعش"، لتيقنوا أنّ الغرب بقيادة أمريكا ومَن وراءَها من الكارتل الاقتصاديّ والإعلاميّ المهيمِن عالميًا، لا تهمُّهُم مصلحة الوطن ووحدتَه وتطوّرَه. بل، وليس من اهتماماتهِم البتّة نهوضُه وتعافيه من كبوةٍ، كان لهم فيها أداءٌ وضلعٌ كبيرٌ في إيجادِها وتأجيجِها وإدامة زخمِها وتواصلِها ما شاءَ القدَر. فهُم يريدون العراق سوقًا استهلاكية دائمة وملاذًا للخارجين عن القانون ومؤسساتٍ تعجُّ وتسبحُ في فوضى خلاّقة كي يسهلَ تحريكُها والمناورة بها والسيطرة عليها متما شاء الأسياد.
 لستُ أجني، كي لا أُحمَّلَ ما لا طاقةَ لي به، بل أقولُ واستعرضُ ما أراه مثلَ غيري على أرضِ الواقع، وفي ضوء العمليات التحريرية القائمة حاليًا والاستعدادات الجارية لتحرير مناطق الأقليات المتنازَع عليها والتي خضعت لصفقات سياسية واضحة لا تقبل الشكّ.
 فالجانب الكرديّ، أجادَ إدارة ملفّ إشكاليّات الإقليم مع المركز، بدفعٍ من استشاراتٍ وتوصياتٍ خارجية، إلى جانب الدعم الّلامحدود الذي تلقّاهُ ومازالَ، استعدادًا لإعلان دولتِه القومية المزمعة حين الحصول على معظَمِ مبتغاه. وقد تحقّقَ الكثيرُ ممَا حلمَ به وأرادَه لغاية الساعة، وهو يستعدّ لإكمال الصفحة الأخيرة بإعادة المناطق المسلوبة من عصابات "داعش"، استعدادًا لضمِّها إلى دولتِه العتيدة بعد حصولِه على الضوء الأخضر داخليًا ودوليًا. فالغربُ عمومًا يتعاملُ اليومَ مع الإقليم كجهةٍ ذات سيادة، ولهُ فيها وجودٌ دبلوماسيّ وقنصليّ مستقلّ عن بغداد. كما أنّ الإقليم لا يعود إلى حكومة المركز في اتخاذ قراراتٍ مصيرية وأمنيّة وسياسيّة، إلاّ في حدود الإعلام التنسيقيّ للاستهلاك المحليّ فقط.وهو يديرُ مواردَه المائية والنفطية ومؤسساتِه الإدارية بصورة مستقلّة عن المركز.وما سلوكُ الجانب الكرديّ وتعاطيه مع مسألة سقوط الموصل وتخلّيهِ عن المناطق المتنازَع عليها،التي كانت في عهدتِه من جانبٍ واحد، بين ليلةٍ وضحاها لمصلحة عصابات إرهابيّة، سوى علاماتٍ من تطبيقَه لأجندة محكمَة التخطيط والتنفيذ. وها هو اليوم، وعقبَ الانتصارات الأخيرة في قاطع "سنجار" بدعم سَوقيّ وجوّيٍّ من دول التحالف، يُعلنُ صراحةً بلسان قيادتِهعن أحقيّة مَنْ يحرّر المناطق المتنازَع عليهاوبضمّها لأراضيه، وفقًا للدستور. فهل يا تُرى، أنّ التخلّي عن مناطق عراقية من دون مقاومة لصالحِ عصاباتٍ إرهابية قادمة بأيديولوجية تكفيرية عبر الحدود ليسَ لها وطن ولا أرض، مذكورٌ نصّا في هذا الدستور الذي يُفسَّرُ بحسب مرام البعض؟ وهل إنّ تحرير هذه المناطق ومصيرَها منصوصٌ عليه دستوريًّا أيضًا قبل حصولِ النكبة؟وهل إنّ إعادة توطين المهجَّرين من مناطق سكناهم الأصلية في مواقع أخرى من الإقليم مذكورٌ أيضًا في الدستور الأعرج المليء بالقنابل الموقوتة منذ كتابتِه وإخراجِه والموافقة عليه بطريقة غريبة لا تخلو من مؤامرة، هي الأخرى؟ أليسَ في هذا إصرارًا ورائحة لإحداث تغييرات ديمغرافية فيما تُسمّى بالمناطق المتنازَع عليها؟ أسئلة كثيرة لن نجدَ لها ردودًا، لأنها جميعًا خارج السياقات الموضوعية والمواطنية التي افتقدها الوطن والمواطن معًا، والأخير هو الضحية.
هذا بالتأكيد، ما حرّضَ أوساطًا من السنّة لاستغلال احتجاجاتٍ واعتصاماتقامت في مناطق غربية حصرًا في أوقاتٍ سابقة،نتيجة للتهميش الذي طالَ هذا المكوّن في الحكومات السابقة، ما دعاها كي يحذو حذو خطوات الإقليم الناجحة والمطالبة بإقليمٍ سنّي على أساسٍ طائفيّ. ومثلُهُ أيضًا خطا الشيعة في محافظات الجنوب ذاتَ التوجّه وما يزالون يجدّدون ذات الطلب في هذه الأيام. وهذا من حقّهم كما ينص الدستور على ذلك. والحالُ، وإنْ يكن التصوّر بتشكيل دولة اتحادية من أقاليم لأغراضٍ لامركزية في الحكم وفي إدارة شؤونِها، ما يخفّفُ من وطأة المركز ومن جهدِه ومشاكلِه البيروقراطية.
هناك اعتقادٌ سائدٌ، أنّ ما يحصل اليوم لن يعزّز الوحدة الوطنية ولن يحفظَ وحدةَ البلاد، بسبب كون النَّفَس طائفيًّا والرائحة مذهبيّة والهدف تفتيتيًّا واستقلاليًا في المستقبل. وهكذا، "كأنكّ يا أبو زيد ما غزيت"، كما يقول المثل. فلا نكون قد حقّقنا الديمقراطية الصحيحة بعد إسقاط النظام الدكتاتوري، ولا حصلنا على الحرّية المسؤولةفي ضوء العملية السياسية المريضة المتأرجحة، ولا حقّقنا التنمية المأمولة من الثروات المستخرجة، ولا ساهمنا في إغاثة المناطق المنكوبة والمتخلّفة، ولا قدّمنا ما يستحقُّه المواطن البسيط من أمن واستقرار وخدمات بلدية وحياة كريمة. فالفساد اخترق كافة مؤسسات الدولة والّلصوص تضاعفوا واستفحلوا ومعهُم تزايدت أعداد الميليشيات وأعمالُها غير المشروعة. وكلُّ ذلك على حساب الشعب الأعزل. أمّا ميزانيةُ الدولة الضخمة طيلة السنوات المنصرمة، فحدِّث ولا حرَج! فهذه تُدار بأيادي غير نظيفة وتُنفق في بنودٍ وأبوابٍ مترهلة استهلاكية لصوصية واضحة، ولا أحد يُفلح في إيقاف هذا المدّ الجارف، بالرغم من تعالي الأصوات الصادقة التي تُكمّ بكلّ الوسائل والحجج والبراهين الواهية. كما أنّ الدولة تقف عاجزة عن إيجاد حلولٍ لأهمّ مطالب المواطن، والتي تقتصر على تقديم خدمات آدمية تحفظ أمنَه واستقرارَه وتُؤمِّن رزقَه وحسنِ تعليمِه وتثقيفِه وتربيته على أسسٍ مدنية ومتحضّرة. وما يُؤسفُ له، فإنْ حصلَ وتحقَّقَ مثلُ هذه المشروع التمزيقيّ والتقطيعيّ الطائفيّ والعرقيّ لأوصال الوطن بحسب توجهات بعض الجهات، فإنّه سيكون كارثيًّا. وإن سمحتْ حكومةُ المركز وتغاضت عن وحدة أراضي البلاد وفرّطتْ بها لصالحِ أية جهةٍ انفصالية، فمردُّهُ سيكون إلى ضعفها وضعف الدولة عمومًا ونظامِها السياسيّ وغيابِ قرارِها المرهون بصاحب القوّة والتأثير والدعم على الساحة السياسية.

الأقليات، الضحية الأكبر في كلّ المعادلة

لم تحظى أقليات العراق يومًا، بما يترتبُ لها من حقوق مواطنية، شأنُها شأن سائر أبناء المكوّنات. بل كانت مشاريعَ صفقاتٍ منذ بدء تأسيس الدولة العراقية. فقد استغلَّها المحتلّ البريطانيّ حينَها، أبشعَ استغلال وزجّها في أتون حربٍ لا ناقةَ لها فيها ولا جمل. وما نالتهُ الأقلية المسيحية من ظلمٍ وتخلٍّ عن وعودٍ بإدارة ذاتية في مناطق تواجدِها التاريخية، خيرُ دليلٍ على استمرار تهميشِها وعدّها مواطنة من الدرجة الثانية. وهذا يطال، بطبيعة الحال، الأقليات الدينية الأخرى كالصابئة المندائية والإيزيدية، والإتنية كالشبك والكاكائية والصارليّة والقوقاز وذوي البشرة السوداء والغجر وما سواهمُ إن وُجدوا. فيما عدا التركمان،الذين تمكنوا بدعم إقليميّ من الجارة تركيا ومن شركائِهم في كردستان العراق، مِن تثبيت هويتِهم الإتنية والدفع بصياغة قانون خاصّ لهم يحفظ حقوقَهم وينظّم شؤونَهم.
ومن المؤسف، في العقود السابقة من حكم العراق، لمْ يظهر قادة وزعماء عفيفون ومخلصون ووطنيّون تبنّوا حقوق هذه المكوّنات، بالرغم من أصالةِ بعضِها المتجذّرة والمشهودِ لها بالعفّة المالية والحرص الوطنيّ والرغبة بتنمية البلاد ونهضتِها ورفعتِها إلى مصاف الدول المتقدّمة. ولكنّ محاولاتِها الحثيثة والصادقة، تصطدمُ دومًا بإرادة معاكسة، تريدُ العودة بالبلاد والعباد إلى عصور التخلّف والفلَتان والفوضى التي تُنتجُها أفعال هذه الطبقة غير الحريصة على تنمية الوطن. ويعود للراحل عبدالكريم قاسم، بالرغم من أخطائِه السياسية، وقفتُه الوطنية في هذا المجال والكلمة الحسم، حين اعتراض نفرٍ من مجلس الجامعة ورئيس مجلس السيادة على اختيار العالم الصابئيّ المندائيّ عبدالجبار عبدالله، لخلافة العالم المسيحي الدكتور متي عقراويّ، الأستاذ في علم التربية، على رئاسة جامعة بغداد بعد إحالة الأخير على التقاعد بعدَ قيام ثورة 14 تموز في 1958، وذلك بعد رئاستِه لها منذ تأسيسِها في 1956.فقد نُقل عن الزعيم ما معناهُ " حاجة البلاد إلى عالم لقيادة صرح علميّ، وإلى إمام لإمامة الصلاة في جامع"، وقولُه أيضًا:"الثورة جاءت لإنصاف الناس، لا تفرق بين مذهب ومذهب، ودين وأخر، بل جاءتْ لوضع كل إنسانٍ عراقي مهما اختلف دينُه وقوميتُه وشكلُه في المحلّ المناسب، وإنَّ الثورة ستزيلُ من أمامها كلَّ مَنْ يقف في طريقها لتحقيق هذه الغاية".
وبعد هذا الكلام الواضح وهذا الموقف المشرّف من زعيمٍ وطنيّ نزيهٍ،أمِنْ قولٍ آخر ظهرَ ليصدحَ بالحقّ ويقف إلى جانب موضوعة "الرجل المناسب في المكان المناسب"؟ أمِن مقارنةٍ بين ما جرى في 1958 وما يجري اليوم من تعيينات وفق المحاصصة التي يتسيّدُها المثلّث الشيعي- السنّي- الكرديّ، مخالِفًا للدستور الذي يدّعي المساواة بين جميع المواطنين؟

 أليسَ من سخرية القدَر ونحن في الألفية الثالثة من التطوّر في التقنية والمدنيّة والوسيلة والأداء، أن يذهب فكرُ البعض بعدم جواز تنصيب غير المسلم في منصب سياديّ أو وزارة أو دائرة أو مؤسسة عامة أو خاصّة، وفقًا لشرعٍ سُنَّ قبل أكثر من أربعة عشرَ قرنٍ خلت في ظروفٍ لها مبرّراتُه، يمكن أن تكون نافعة بالأمس وغير مجدية في هذا العصر؟
إنّ استمرار النظرة الدونيّة لأبناء المكوّنات القليلة العدد "الأقليات"، تأتي من واقع عدم الاستنارة وعدم الإيمان بعصر التطوّر الجديد في كلّ يومٍ وكلّ ساعة، وبحقّ الجميع في التساوي بالحقوق والواجبات بسبب "الأنا" الطائفية والفئوية القاتلة.أمّا النفر من الضّالين ومن المغرَّر بهم بضرورة العودة إلى عصور ما قبل التطوّر، عليه إعادة قراءة الأزمنة والتاريخ بروح معاصرة وإنسانية قبلَ أن تفوتَه فرصة الاستمتاع بجمال الصورة التي خلقَها لهُ اللهُ المبدع، وليس بتسخيفِها وتحقيرِها وإهانتِها. فالرجل والمرأة، خلقهما اللهُ ذكرًا وأنثى إنسانَين متساويين، ليحيا وينميا ويكثرا ويبدعا في فردوسِه الكبير، تمامًا كما أذنَ لشعوبٍ ودولٍ كي تتصاهر وتتداخل وتتبادل المنافع والمصالح معًا وفقَ قواعد دولية وأسس إنسانية واجتماعية واقتصادية مقبولة. ومن الغريب أنّ مَنْ يتبنّى مثل هذا الفكر المتخلّف، يقف اليوم من بينالمستخدمين الحريصين لوسائل التطوّر التي أتت بها التقنية الحديثة، كالطائرة والمركبات والمكائن الثقيلة المدنية منها والعسكرية وأجهزة الاتصال المتطورة ووسائل الإنتاج المتعددة للاستخدام اليوميّ والأطعمة وما سواها من مغريات.
هكذا إذن، تتكرّر مأساة أبناء هذه المكوّنات، ويُتاجرُ بها بحسب أهواء القويّ على الساحة. ومَن لا قوّةَ تحميه، ولا سلاحَ يدرأُ عنه اعتداءات غيرِه ويصدُّ همجيّتَهم وتجاوزَهم على استقلاليّةِ قراره، فهو صيدٌ سهلٌ للجميع وصفقةٌ تُمرَّرُ بين الأقوياء.وسوف تتواصلُ هذه المأساة، ولن تتوقفَ حتى قدومٍ زعيمٍ وطنيّ قويّ وعادل يرسم ملامحَ وطنية ومواطنيّة جديدة للوطن وأهلِه، وليعيدَ بناءَ الأمّة العراقية من جديد بالاحتكام إلى دستور عادل وقوانين موضوعية تمارس العدل والمساواة والحق للجميع دون تمييز. ومن المؤسف أن ينساق بعض المثقفين من أبناء هذه الأقليات وعدد من الانتهازيين والمنتفعين وبعض المراجع الدينية على اختلاف ألوانِها وأطيافِها، مناديةً بتوطين النازحين وبتخييرِهم بين العودة إلى ديارِهم وقراهم ومناطقهِم الأصلية، وبين البقاء "غرباء أذلاّء صاغرين"، من خلال المطالبة ببناء وحدات سكنية لهم في المناطق التي نزحوا إليها، سواءً في كردستان أو في مناطق أخرى في عموم الوطن. فهذا الأمر، إِنْ حصلَ، فهو تأييدٌ ضمنيٌّ بالرغبة في الموافقة على الجهات التي ترمي لإحداث تغيير ديمغرافيّ حقيقيّ يساهمُ في قلع شعوبٍ وجماعاتٍ من جذورِها، بل هي مشاركةٌ في مؤامرة تشترك فيها أطرافٌ منتفعة كثيرة "أمريكية-غربية- إقليمية–عراقية" لتعزيز الطائفية والفئوية في العراق والمنطقة.
وإلى ذلك اليوم المأمول بتحرير المسبيّ أرضًا وبشرًا وثروةً، وقدوم الزعيم العادل القويّ، وعساهُ قريبًا، نتطلّعُ لعامٍ جديد يقلبُ المعايير الظالمة وغيرَ المقبولة ويزيلُ الغبنَ عن المظلومين والمهمَّشين ويعيدُ البسمة إلى وجوه الأطفال والكبار والفرحة للشيوخ والثكالى ويشفعُ لعودة السبايا والمقهورين والمغتربين والمهجَّرين والمأسورين والمحبوسين إلى ديارهم وقراهم وأوطانِهم. آمين يارب!

لويس إقليمس
بغداد، في 30 كانون أول 2014



متصل كنعان شماس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 77
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
الاخ لويس من المعروف ان بريطانيا رسمت حدود العراق الحالي . بعد غزوة الكويت جاءت امريكا ورسمت حدودا جديدة كرد سنة شيعة  رفضها صدام والذين معه من الحالمين بالامة العربية ورسالتها الاسلامية الخالدة  فعادت امريكا وطمســــــت ذكرهم . منتهى الحكمة كان القبول بالحدود الامريكية  على الاقل كانوا سيوفرون هذه الدماء ويتجنبون هذا الخــــراب    تحية