تقاسيم الرؤى: (الرخامات النابضة في ملهاة الوقت)


المحرر موضوع: تقاسيم الرؤى: (الرخامات النابضة في ملهاة الوقت)  (زيارة 1570 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل كريم إينا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 943
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
تقاسيم الرؤى: (الرخامات النابضة في ملهاة الوقت)
                                                                كريم إينا

صدر للشاعر رمزي هرمز ياكو مجموعة شعرية عن سلسلة نون رقم (30) سنة 1996 بعنوان: (هذا رخامي ملهاة للوقت) ضمّت المجموعة على أربع عشرة قصيدة مملوءة بنبض الرمزية ورؤى الخيال الواسع. يقع الكتاب في (40) صفحة من القطع المتوسط. تنفيذ الطباعة خلوق إبراهيم أيوب وتضمن غلاف المجموعة لوحة رسمت بأنامل الفنان عماد بدر والجدير بالذكر أن الشاعر رمزي هرمز ياكو له العديد من الشهادات منها دبلوم مكائن ومعدات- دبلوم إدارة وغيرها. حاصل على العديد من الجوائز منها الجائزة الأولى مناصفة في مسابقة جريدة الطلبة والشباب عام 1988 – 1989، والجائزة الثالثة في مسابقة أصوات الكبرى في جريدة الجمهورية 1990، الجائزة الأولى في مسابقة منتدى الأدباء والكتاب الشباب- فرع نينوى 1991، وآخر الجوائز كانت الجائزة الثانية في مسابقة شمشا الأدبية في الشعر العربي لموقع عنكاوا دوت كوم 2005.
تبدأ أول قصيدة في المجموعة بعنوان يقظة ص3 حيث يقول: / يقضمني الوقت /ويلهو في ذاكرتي/ يسحبني صمت مساءات خجلى في ترتيب تلألئها / فهو ما زال يقضم أخطاءه المدفونة في ألواح الطين. نرى شاعرنا يتسلل نحو وجوه عوّدت نفسها للإختفاء في الغابات. أما قصيدة فصول الآتي في الوقت ص5 نرى بأن الشاعر قد تلاعب باللغة من خلال تعابيره القوية كما تلاعب بالوزن، فالقصيدة هي من البحر المتدارك ولكن الفصول الثلاثة وهي (المقدّمة، فصل خاص، الخاتمة) هي من البحر المشتق من المتدارك (الخبب) يظهر الفصل الأول بطرقه على أردية الصحو حيث يقول: /أطرق أردية الصحو/ وأدخل حيث الأشياء بألوان المقتولين/. أما في الفصل الثاني تتضح الرؤية عنده لأنه يبوح عن كلمات: أطياف – موسيقى – الحجر – نفايات، وهي كلها ترجع لتكمل قصة التكوين. أما الفصل الثالث ص7 يقول:/ أختار الوقت الأبيض / كي أعلن صلحي مع ضوء ذاب بريقه في بؤرة أيامي/. ثم الفصل الرابع والخامس نراه يركب باخرة في بحر هائج تسحبه الأمواج إلى قدّاس الحب. إلى أن يصل إلى الفصل الخامس نراه يطلق كل الصور وينفخ بأبواقه ليل نهار لكي ترجع القصائد المشرعة عنده كرذاذ الحلم مملوءة بالخبز والخمر. أما الفصل السادس والسابع يعبر حاجز أيامه الملصوقة في التاريخ ص11: / يأخذني صوت الشعر إلى ملكوت الكلمات/ يعطرني بحروف من ضوء/  و /سألملم أشلائي المتناثرة / في قلب القاع/ وغيرها من الصور التي ينسجها الشاعر ويرسّخ فيها فكرة مفادها في نهاية القصيدة حيث يقول: /أن كلّ فصول الآتي في الوقت يحررها الرب ويجمعها في الفصل الأبدي/. ثم تأتي قصيدة إغتراب الطعنة في أشرعة الجسد التي تتكوّن من ثلاثة أجزاء ففي طعنة يقول: /ثقبوا أذرعي النائية / يشهد الحاضرون سهادي الأخير/ صور جميلة يكمن فيها صخب مجلجل يقسم الرؤى إلى فنون التضاد والنقائض. ثم تظهر قصيدة الإختيار وقصيدة رنين ص18 يقول: /تحت القصف الأسود/ كان الطفل يعلق ناقوساً/ في باب الدار/ سقط الدار/ وصار الناقوس يرنّ إلى الأبد/. أما ص29 تظهر قصيدة سيكارة يقول: /تمضغني برماد موانئها الرثة/ وبحوافرها ترسيني /في آخر ضياء يختاره صمتي/ وتظهر قصائد: نشيد الحجارة- والوصول- والبحث عن حطام الصورة- والمتفرّجون- والمارة. مملوءة بالنبض الأدونيسي وثمة كنية نحن الشعراء فيما بيننا قد أطلقناها على الشاعر رمزي هرمز ياكو بـ (أدونيس) كنظيره الشاعر السوري (علي أحمد سعيد) الملّقب بـ (أدونيس)، أما في نص (هذا رخامي ملهاة للوقت) فقد أبدع الشاعر في الدخول إلى مفهوم تحديث الشعر وهو نص ينبض كلّ مقطع منه بشعرية خالصة يفتقر إليها العديد من الشعراء الحاليين. يبدأ النص بوصف شعري توضيحي عام يسوده الحزن المفعم بالفرح، ولا بدّ أن تكون الحياة هكذا حيث يقول: /مدن تنهض من ركامها / تبحث عن أحيائها / وأجنتها تصفح متأخرة عن آخر نبوءة/ عاريات يخلعن أطرافهن / ويقترحن لأنقاضهن متاحف/ ثمّ تمتد خيوط الأمل من خلال المخلّص الآتي فيقول / العجوز يعطّر رائحة صبي يتهيأ للبزوغ / ويفتح دهاليزاً تحت الأنقاض / قد يأتي من أعماق الأرض ويوقظ حشداً من الحاملين لميراثنا/  ورغم الأمل الذي يعلنه الشاعر فإنه ما زال متشائماً يحاول التغلّب على آلام العالم ومعاناته حيث يقول: /حضارة تشيّع تماثيلها / وتبتكر رغوةًَ نفاثةً تتبخّر في متاحفها المؤجّلة/ إنه يبكي على هذه الحضارة العظيمة التي تركت بأياد ملوك ورؤساء لم يعرفوا قيمتها، كما أن ربط الشاعر الماضي بالحاضر جعله يخطّط للمستقبل فيقول: / أصابعك الرخوة نهشها قطيع النسيان من ثدي عشتار / حين إبتعد مردوخ خارج المسرح متشبّثاً بخرافةٍ أربكته طويلاً / حينها قرّر مغادرة وقته / فحمل قدميه نحو الضوء/  وأخيرأ يعلن الشاعر إنتصاره من خلال قطعان الخنازير التي أهلكت في البحر حيث يقول: / الحشود تقترب من البحر / قد تتصدّأ مسالكها / ولكن الشياطين مفتونة بإهلاك قطيع الخنازير / تلك حكمة الله في إيقاظ صوت خبأته الطبيعة بتلذّذ /  إن الله أدخل الشياطين في قطعان الخنازير لتهلك في البحر، ولتأخذ الملائكة دورها في العالم، لأن الخير لا بدّ أن ينتصر على الشر حيث يقول في نهاية النص: /هكذا كانت أيامك تتموّج وتخرج من شواطئٍ محشوةٍ بالرماد الصدأ، وأفواج الساروفيم المسدسوا الأجنحة / مضوا بسرعةٍ وهم يرتّلون (هاليلويا، هاليلويا، هاليلويا)/ فإرم صورتك في القاع وإلحق بهم/ الرياح تتباطأ / كي ينهي التماثيل ترتيب رمادهم/ ويعلو رخام الدفىء في مداخنهم/ كي تتفتّح تفاحة آدم../.
من خلال هذا نجد بأن الشاعر في هذه المجموعة يبحث عن الخلاص الأبدي للعالم أجمع وهي التي تجعله المنقذ لمعاناة الآخرين، وهي مهمّة كبيرة حملها الشاعر في أغلب قصائده، فهو دائماً يحاول معالجة آلام الأخر من خلال شعرية رائعة يتميّز بها، وأحياناً يتقمّص دور المخلّص للقضاء على هذه الآلام ونشر الخصب والعطاء من خلال رمز وظّفه في أحسن الصور وفي أغلب قصائد المجموعة مثل (يسوع، تموز، عماذ، كأس، عطاء، خلاص، الآتي، الوقت، يقظة، غفران) وعشرات من الرموز الأخرى، كما إستطاع الشاعر توظيف الرموزالتي تعكس حضارة العراق، والتي ما زال يأمل بأن يكون وطننا الحبيب شعاعاً يتعلّم منه جميع شعوب العالم، ووطنية الشاعر وحبّه لأرضه نلاحظها في أغلب قصائد هذه المجموعة.
إن شعرية الشاعر رمزي هرمز ياكو فهو يقودنا من حيث ندري ولا ندري إلى شعر إبداعي مرهف لا تشوبه شائبة. والسبب يرجع إلى قدراته التخييلية التي قد وظّفها في شعره والمحسنات البديعية والجمل المنفية والمثبتة التي دائماً يستند عليها كونها عكازته. وكل ما يتطلّبه النقد هو نقداً دقيقاً نزيهاً صريحاً مرناً متحمساً يوسّع دائرة المعرفة في إطراد مستمر. يرى علماء اللغة أنه من المحال أن نصدر أحكاماً على فلسفة أو آراء شاعر ما وبعبارة أخرى يتعين على الناقد أن يختار تلك الملامح النحوية التي تميّز الكاتب عن غيره من الأساليب. يظهر من خلال شعر رمزي هرمز ياكو الجمل الفعلية. وقد إستخدم شاعرنا تراكيب معينة في التعبير دخلت في مجال الحزن والفرح والحب واليأس...إلخ. وأحياناً أخرى يلجأ إلى الإستفهام البلاغي الذي لا يتوقع إجابة من المخاطب. وفي أغلب الأحايين يلجأ إلى الحب الأفلاطوني دائماً الحبيبة مجهولة. وبدون تحيّز وإفتئات ودون تأثر بالأهواء الشخصية والتعرّض للتفسيرات القائمة على الحدس والتخمين حتى تسود القيم الموضوعية. وتظهر مصاحبات إعتيادية في شعره تجمع بين الومكانية.أخيراً نقول بأن الشاعر رمزي هرمز ياكو إستطاع أن يقدّم لنا نموذجاً شعرياً خاصاً يتميّز به وحده، من خلال التلاعب بمفردات اللغة والألفاظ، فهو يرمي مفتاح نصوصه وقصائده إلى القارئ للدخول إليها من خلال تعدّد القراءات، فهو يثير القارئ ويشدّه إلى نصوصه المبدعة أتمنّى له التوفيق في مجال الشعر والحركة الأدبية الحديثة (الحداثة).