قرية حلوه: (حلوه لكنّ ذكراها مرّه ))

المحرر موضوع: قرية حلوه: (حلوه لكنّ ذكراها مرّه ))  (زيارة 256 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل يعقوب كربو

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 19
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
قرية حلوه: (حلوه لكنّ ذكراها مرّه ))

بقلم يعقوب كربو
مر سبعون عاما على هذا اللقاء : بعد الحديث والسؤال ترقرقت الدموع في العيون وسادت غيمة سوداء على سماء الحضور وعمّ الصمت وكأنك في خشوع الاموات .. انه كذلك.
في مدينة القامشلي ، تم هذا اللقاء بين جراح الزمن وملفات ((السيفو)) وحرقة السؤال الذي تنبعث منه رائحة الموت ، من الحبر الجليل صموئيل ايشوع مطران ابرشية امريكا وكندا سابقا (رحمه الله) وبحضور اعضاء المجالس المليه بالقامشلي وشخصياتها المعروفه وهم ينظرون الى ضيفهم بشغف والى الحديث الذي سيترك اثره على الحضور كأنه برق هز بنوره نفوسهم وألمع في ذاكرتهم تاريخ السنين.
بدأ الحديث على ابرشيته وتكلم على ابنائها الذين قدموا من الشرق الاوسط منذ نصف قرن أو اكثر وعلى مشاريعهم الكبيره , وبفخر واعتزاز بأبناء جلدته الذين منهم سامي القدسي الملياردير المشهور وغيره من المثقفين من ابناء الجزيره السوريه امثال : فريد نزهه ونعوم فايق وغيرهم , هؤلاء الذين صدح اسمهم في سماء السريان في بداية القرن التاسع العشر.
جاء الدور له للسؤال : ( ولو حّز في بعض النفوس من السامعين له ان يسألوا على مالم يجرؤ التطرق له موضوع هو كتاب (( قمران)) ، فسأل قائلا هل من أحد يسمعني خبرا عن رفيق الطفوله صومي واخاه شمعون من عائلة ( أفريمو ) في ايام المحن والذكرى الاليمه سيفو في قرية حلوه.
في هذه القرية عشتٌ وبقي في ذاكرتي شيء لم أنساه حتى اليوم أتسأل عليه ، في قرية حلوه سبع اوثمانية كم غرب بلدة قبورالبيض احداث كتبت بدم نقي صافي يشع نورا من السماء على شهداء السيفو وكانت النتيجة تسعين بالمائة من ساكني هذه القرية الوادعة .
يسرد المطران الحكاية: هربت مع والدتي في الطرف الاخر من القريه وباتجاه الجنوب وفي الشمال كان يركض صومي واخاه , وعيني لم تنقطع منهم , انه رفيقي الذي كنا نلعب سوية امام دارنا ودارهم تجرني امي بسرعه وتقول اركض ولا تنظر ورائك ,السفاحون المجرمون القتله لا يعرفون الله ولا الرحمه اركض كي ننجوا بأرواحنا . عمري كان بعمر صومي رفيقي (لا يتعدى السبع سنوات). عيوننا متجهه بأتجاه الشمال ,الى طورعبدين ، ليالي امضيناها في المغر والجبال بحماية الله حتى وصلنا الى مار ملكي في قرية (( اركح)) خربالي هناك كان أهل القرية والقرى المجاورة المسماة ( رايتي ) قد تحصنوا في الدير . فرجت علينا والحديث طويل...... وحط بي الرحال الى القدس وامريكا .. . ولازلت اسأل عن رفيق طفولتي وما جرى معه وهل خلص أم لا .
نظر بعمق له وتفحص الشعر الابيض الذي كسا ذقنه ونظر الى عينيه العميقتين والى الخدود في وجهه التي خط الزمن تاريخه عليها. ليس ذلك الوجه الطري الطفولي البريء. تعمق بالتحديق في وجهه وصور ثلاثة عشر شهيد في ارض الدار من عائلته في عينيه. رائحة الدم تعبق في انفه , كانت الدموع قد جفت منذ سنين في عينيه اما الان جرت على وجنتيه الحمراوين وهو يستمع الى الحديث الذي مر عليه سبعون عاما وعلى كلمات لم يسمعها من فم قد نسي شكله وصوته , واذا بالحضور ينظرون على جانبهم شمالا ويمينا بدهشة يشوبها الاستغراب من دموع صومي عربي التي اختلطت بدخان سيكارته. وتعالت الاصوات من كل صوب ما بك يا صومي , حينها قام صومي من مكانه ورمى نفسه على رفيق العمر الرفيق والشاهد على مأسي الحياة وشريك الآ هات والويلات المره على قرية حلوه السوريه . اختلطت دموع المطران صومي و دموع صومي عرب بعضها ببعض في حنين وشوق ليس له مثيل , لم تستطع الكلمات التعبير على موقف لم يعيشه ابن الانسان ......... كل ينادي الاخر صومي صومي. نعم بعد سبعون عاما ألتقى الجبلان ثانية وتعثرت الكلمات في الحناجر ووقف الحضور بذهول وسقطت الاحرف الاخيره من الافواه ودب صمت في القاعة ، وبقي الكلام لدموع الحضور . بكى الاثنان بكاء ممزوج بحرقة والم كبكائهم ايامها على اهلهما وعلى رفاقهم الذين صارو ملائكة في السماء , على صداقتهم البريئه في القريه , على ابناء جلدتهم ,على شمعون اخ صومي عرب الذي كان عمره 4 سنوات والذي ترسخت صورته في عينيّ اخاه صومي عندما رأى بأم عينيه كيف يضرب المجرم الكردي رأس أخيه بأخمص البارودة ويرميه الأرض قتيلا . بكى الجميع على الموقف الاليم ولم يرى احد جملة يواسي فيها الموقف سوى احدهم قال (( حلوه لكن ذكراها مرّه))....
حديث طويل من قصص في جسد الليل تتلاشى على أرصفة التاريخ.....
يعقوب كربو
فيزبادن