شذرات عسكرية من الذاكرة ( ١ ) - ألمتزلفون

المحرر موضوع: شذرات عسكرية من الذاكرة ( ١ ) - ألمتزلفون  (زيارة 657 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل صباح قيا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 467
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
شذرات عسكرية من الذاكرة ( ١ ) - ألمتزلفون
د. صباح قيّا
شاءت الصدف أن أشارك في دورة طبية تدريبية في المستشفى الرئيسي لقيادة القوة البحرية في مدينة البصرة الدافئة . حدث ذلك في المنتصف الأول من سبعينات القرن الماضي وأنا في مستهل خدمتي المهنية . كنت ضيفاً على المستشفى لأغراض التدريب فقط ولم أكن من ضمن منتسبيها أساساَ . رن جرس الهاتف في الصباح الباكر من  عطلة الجمعة وأنا منهمك في متابعة المرضى الراقدين " تحت المشاهدة " من خفارة اليوم السابق , وعددهم يقترب من العشرين , باعتباري  الطبيب الخافر ذلك اليوم , وهو السياق المتبع آنذاك في المسشفيات العسكرية  المنتشرة في الوطن الجريح . أعلمني خفر البدالة بأن السيد القائد على الخط .... 

أنا : نعم سيدي ..... هو وبلهجة سورية : مين ? .... أنا : طبيب الخفر تفضل سيدي .... هو : مين طبيب الخفر ? ذكرت له إسمي .. فبدأ يحدثني بلهجة قلقة , وجمل مبعثرة . كلّ ما استطعت أن أفهم منها ... في بنتي مريضة ... وأنه سيرسل السائق لاصطحابي لداره حيث ترقد إبنته . وبعفوية  , قلت له .. سيدي أنا ضابط الخفر أيضاً ... فأجابني : شو يعني ضابط الخفر ... وبسذاجة الموظف الحدث .. قلت يعني أنه لا يغادر الستشفى... فردّ بحدة .. مين ده وضع القانون ? .. وبدون قصد إطلاقاً , سقطت الجملة من فمي ... ده قانون الجيش العراقي . أقفل السماعة حالاً . عدت بعدها إلى مشواري مع المرضى ... ولم تمضي دقائق معدودة , حتى رن ّجرس الهاتف  ثانية ليعلمني خفر البدالة بأن هنالك على  الخط من يود أن يكلمني . أنا: نعم تفضل ... هو وبدون مقدمات : هل تعرف من كان معك على الخط ؟ ... أنا ببساطة : غير السيد القائد ... هو : يعني كنت تعلم بأنه السيد القائد ؟ ... أنا بثقة :  طبعاً . أقفل السماعة مباشرة بوجهي كما يقال . وبصراحة , لم أتضايق مما حصل , فالإنتهاء من مهمة مرضى " تحت المشاهدة " كان شاغلي .

في صباح اليوم التالي , ومع بدء الدوام مباشرة , أتاني الإنضباط مسرعاً يبلغني لمواجهة السيد مدير الخدمات الطبية ... لاحظته يدقق الصفحة التي كتبتها في سجل " كشف الخفارة " , ومعه في الدائرة ضابط برتبة مقدم ركن . بادرني المدير بالسؤال : كيف كانت الخفارة ? أجبته : إعتيادية ... هل حصل شيئ ما ? فاستعرضت فترة الخفارة بيني وبين نفسي ... لم يحدث حريق , لم يكن هنالك شجار , ولم يفارق الحياة أي مريض  ... وبعدها نطقت : كلا , كانت هادئة . فعقب مندهشاً : يعني ألم يخابرك أحد ... وهنا " طخّت عندي " كما يعبّرُ عتها بالعامية... تقصد السيد القائد .. فقال لي بحماس :  إي , نعم , إخبرني تفاصيل المحاورة بينكما ... سردت له كل ما ذكرت أعلاه ... نظر إليّ مليّاً وتململ وهو يهز رأسه : يا دكتورنا الصغير أنت تصلي " أبانا الذي في السموات " , والسيد القائد هو " أبانا الذي في الأرض " . وفي هذا الإثناء , اقترح الضيف الضابط , ويبدو أنه ميال للحق والمنطق للمدير بأن يقنع السيد القائد على أن أساس الإشكال عدم إلمامي باللهجة السورية , وموقفي كان بحسن نية . إنصرفت مطمئنا .َ 

إنتشر خبر محاورتي مع القائد الذي يتجنبه كل من يحاول أن " يسلم على ريشه " , والذي تغذي جبروته شلة من المتزلفين والمنتفعين , بين عساكر القاعدة البحرية باختلاف رتبهم ودرجاتهم الوظيفية . ألكل يسأل ويود معرفة شكل الطبيب الذي جابه , كما يشاع , هيبة القائد السوري الأصل  بقانون الجيش العراقي . والحق يقال , لم تكن مجابهة مني أبداً , ولم أحاوره بذلك الأسلوب لأغدو بطلاً بنظر البعض , ولم يخطر ببالي يوماً أن أتجاوز على " المافوق " , أو أخالف النظم والتعليمات العسكرية . كل ما بدر مني ينبع من تشبثي بالقانون واحترامي له , وكانت الغاية من عفوية " ده قانون الجيش العراقي " هي محاولة إيصال المعلومة إليه كي أتصرف بما يحمي ذاتي ويضمن حقوقي . فليست الحكمة بمخالفة القانون بل بكيفية  الإحتماء به . أتعلم أحياناً مبادئ رائعة , لأجد نفسي ضحية تمسكي بها , وخاصة في مجتمع ذلك الزمان حيث المسؤول , وكما نوه عنه الحكيم مدير الخدمات هو " أبانا الذي على الأرض " , وأن القانون , بحسب أحد فلاسفة اليونان , وضع لحماية الأقوياء .

والآن أين بيت القصيد ,... كان السيد القائد يجتمع يوم خفارتي مع ضباط ركنه وآخرين . أعلمته زوجته , إثناء الإجتماع , بأن إبنتهما مريضة . وعدها بتأمين وصول الطبيب إلى دارهم حالاَ . إتصل بالمستشفى وحصل له معي ما حصل . جن جنونه من تعبيري " ده قانون الجيش العراقي " . إدعى أحد ضباط ركنه المتزلفين بعدم وجود مثل هذه المادة القانونية , وأنها من تأليفي  , أو من المحتمل كنت أجهل أن من كلمني هو القائد فلم أتعامل مع المخابرة بجد . طلب منه أن يتصل بي والذي أكدت له شخصية من كلمني . إمتعض القائد بعد ذلك كثيراَ . ألح عليه الوصوليون بمعاقبتي وخاصة الذي خابر ثانية وأنكر بإصرار وجوب عدم مغادرة ضابط الخفر وحدته قانوناً لأي سبب كان . إتصل القائد بعدها بالمدير الحكيم الذي أدى واجبه الطبي تجاه المريضة , ثم تعامل مع الحدث بضمير عادل .

مرت الأيام ودار الزمن . كنت مع زميل لي في غرفة فحص واحدة في المستشفى التعليمي العسكري ببغداد حيث يتهيأ كل منا للإلتحاق بمعمعة الدراسات العليا . دخل ضابط برتبة مقدم ركن عرفته  وهو لم  يعرفني . إستقبله زميلي بحفاوة وتبادلا الحديث الذي كان معظمه يدور حول ذم القائد أعلاه ووصفه بأنواع النعوت المقززة . كنت أسمع سباب وشتائم ضيف زميلي على من كان يتملق له سابقاً , تظاهرت بانشغالي مع كتابي الطبي . تقدم نحوي قائلاً : دكتور هل تسمح بقليل من وقتك ... أخبرني عن ظلم ذلك القائد وتعسفه وأشياء كثيرة ... وكيف أن أحد الأطباء الشباب ذلّه , فقصّ عليّ بعض ما أوردته أعلاه . سألته : ألم تكن أنت من نفيت أمامه بشدة ورود تلك الفقرة في القانون ؟ ألست من ألح عليه بمعاقبة الطبيب ؟ بدى عليه الإرتباك  و تلعثم في الرد على أسئلتي . ثم قلت له : هل تعرف من هو الطبيب ؟ أجاب : لا أعرفه شخصيا ولكن إسمه .... فذكر إسمي ... ونزل الخبر عليه كالصاعقة بقولي له :  إنه أنا ... بدى أمامي , وسط دهشة زميلي , كالفأر المذعور . تركنا خائباً عندما أيقن بأن تبريراته لن تلقى صدىً عندي . 
     
ألمتزلف متواجد في كل مكان وزمان . يبتسم لابتسامة المدير , ويكشر  أضعاف تكشيرته  . يمدح عندما لا يستوجب المديح , ويبالغ في التقريع  لإمتعاض طارئ . غايته الوصول إلى موقع لا يستحقه , أو المحافظة على درجة غير كفءٍ لها . قد يفلح في تحقيق مآربه من خلال التملق والتزويق وكلمات الثناء الزائفة والجمل المنمقة , ولكن إلى حين , حيث سرعان ما ينكشف أمره وتشخص نواياه , أو يزاح ليأخذ محله بديل أمهر منه تلوناً وتزلفاً . وهذا ما حصل بالفعل لضابط الركن المتزلف , حيث تمّ نقله بإيعاز من القائد إلى مكان لا يحسد عليه أبداً ....

هل يتعظ الإنسان من عاتيات الزمن ؟ أشك في ذلك ... ألبشر من يجعل إبن البشر إنساناً معبوداً ... يرسم له طريق الضلال ويدفعه للسير بانحراف ... هذا ما هو موجود بالفعل على أرض الواقع في مجتمعنا الشرقي , وفي معظم بل جميع الحلقات الإدارية والسياسية والإجتماعية , وللأسف الشديد , حتى الدينية  .. ألكل يسعى لمجده بحق أو بزيف .. والمصيبة الكبرى عندما يتهيأ المجد الوهمي للمسؤول , لأي مسؤول , بفعل الإطراء اللامعقول لنخبة المتزلفين ... وما أكثرهم .
       


غير متصل خوشابا سولاقا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 958
    • مشاهدة الملف الشخصي
الى الأخ العزيز الدكتور صباح قيا المحترم ...... تقبلوا خالص تحياتنا ومحبتنا
سردكم للحادثة مع القائد كان سرداً رائعاً يشد القارئ على متابعة قراءته بانتظار النتيجة عن ماذا سوف تسفر . وهنا لا يسعنا إلا أن نحييكم على ذلك الموقف الانساني النبيل الشجاع الملتزم وهذه السمة النبيلة كانت تلازم سلوك أغلب أبناء شعبنا في الوظيفة أينما حلوا ، وكانوا دائماً مضرباً للأمثال في الأخلاص والحرص للموظف الملتزم الذي يحترم القانون والنظام في عمله ، ولذلك كان الموظف من أبناء أمتنا في أجهزة الدولة كافة موضع رضى وثقة واحترام وتقدير رؤسائه ومرؤوسيه على حدِ سواء ، ولكن ما يؤسف له اليوم في عراقنا الجريح والحزين الذي يئن تحت وطأة غياب الروح الوطنية واحترام القانون والنظام وحول البلاد الى غابة للوحوش يفترس فيها القوي الضعيف ، أن تلك الحمائم الوديعة التي كانت تزهو بطيرانها في سماء الوطن دون خوف من الصقور قد طارت وغادرت أعشاشها ورحلت عن أرض الوطن وتحول أرض الوطن الى مرتع للأفاعي السامة الغدارة التي تلدغ دون سابق انذار في عُقب الأقدام من أمثال ذلك المقدم الركن ، وما أكثر هؤلاء المتزلفين والمرائين والمتملقين والسفهاء المارقين اليوم في أجهزة الدولة العسكرية والمدنية ، وهم الغالبية المؤثرة والمتحكمة بمصير البلاد ممن يصنعون القرار السياسي ويتحكمون بمقدرات البلاد وينهبون ثرواته في وضح النهار من دون خوف أو خجل ، وقليلين هم من امثالكم يحترمون القانون ليس خوفاً من العقاب بل أحتراماً وحباًله وإكراماً للنظام ، وأخيراً نحييكم ونشكركم على موقفكم ذاك لأنه كان مساهمة رائعة وخيرة منكم في خلق الأنطباع الطيب عن أبناء امتنا كمثال للوطنية الصادقة والحقة التي تم نسيانها وقبرها في هذه الأيام الكشرة يا دكتور ، ودمتم والعائلة الكريمة بخير وسلام .

                   محبكم أخوكم : خوشابا سولاقا - بغداد 

غير متصل صباح قيا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 467
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
ألأخ الكاتب والمحلل السياسي الهادئ خوشابا سولاقا المحترم
سلام المحبة
شكراً على مرورك وتقييمك الإيجابي للموضوع , وأشكرك أيضاً على كلماتك الإطرائية الجميلة , وعلى إضافاتك القيمة بمعانيها الغزيرة . ما أوردته هو جزء ضئيل جداً من المواقف الحرجة والمصيرية التي جابهتني خلال الخدمة  , سأحاول أن أسرد موقفاَ بين فترة وأخرى وغايتي طرحها كدرس حياتي ليس إلا , ومن دون شك فإن شخصكم الكريم  وآخرين قد مرّت عليهم أحداث مماثلة وأقسى منها , ولكنها تصبح ذكريات لذيذة رغم وقعها  المؤلم حينها وربما تبعاتها بعدها . ألمسيحي في ألوطن وعلى مر الزمن  سلاحه العمل الدؤوب وباخلاص وتفان . وأي هفوة منه  حتى ولو غير مقصودة قد تؤدي إلى عواقب غير محببة , وهنالك من يجعل من الحبة  كبة ويحاسبه على أساسها , وبالمقابل الكثير  يضع الضمير أمامه ويتعامل معه  بإنصاف . لماذا المسيحي على العين ? ألأسباب كثيرة . أهمها كونه مسيحي  , وليست له عشيرة تسنده عند الملمات وذلك معروف للجميع. أي أنه ليس بعبعاً .... ولكنه يفرض احترامه من خلال عمله وخصاله ...  ومن لا يتحلى بذلك يكون قد ابتعدعن جوهر مسيحيته ...
أحييك ثانية على مداخلتك الهادفة
تحياتي

غير متصل ATHEER SHAMAON

  • عضو فعال
  • **
  • مشاركة: 71
    • مشاهدة الملف الشخصي
دكتور صباح قيا المحترم
مرة اخرى تكتب لنا موضوع ممتع وسرد رائع لذكرياتكم, انتم من ذلك الجيل الذي افرز نخبة من الرجال اصبحتوا نبراسا لجيل الابناء من خلال قيمكم وروحيتكم المسيحية التي تعاملتوا وتعايشتوا مع الاخر من الاخوة المسلمين وكنتم لهم نبراسا ايضا ليتجلى فيكم من ايات رب المجد:-(مت 5: 16): فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ، لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ، وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ."

غير متصل صباح قيا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 467
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
الأخ Atheer Shamaon
سلام المحبة
شكراً لمداخلتك وما تحتويه من كلمات التقييم والإطراء. ألأمل أن أكون عند حسن ظنك وحسن ظن القراء الأفاضل باستمرار . مهما كانت الذكريات أليمة يظل الكلام عنها درساً بليغاً لمن يرغب بالإستفادة من جوهر خلاصتها .
تحياتي