ذكريات ( 1 )
تمر عبر ذاكرتي بين الآونة والأخرى صور من الماضي تعكس ذكريات أشبه بحوادث الأمس .
ينهمر المطر بغزارة في ظهريات أيام موسم الشتاء في مدينة كركوك القديمة , لذا كنا نلتجئ الى أماكن نحتمي فيها من غضب السيل الجارف فتأوينا كراجات لأهل الذوات ندخلها بصمت مترقبين خفة الهطول ثم نبدأ بالتدخين .
صديقي – بولس – له مهارات في ( علم التدخين ) , فهو يخفي سيجارته المولعة داخل فمه ثم يخرجها ثانية ويجعل من دخانها دويرات ينفثها بشكل متوال الواحدة تلو الأخرى كأنه يرسم أطارات لصور حبيبته الخفية , وسرعان ما كانت الدويرات الدخانية تصل الى خارج مأوانا , تراها تتلاشى بسرعة البرق , ولكن ذلك لم يكن يثني من عزمه على تكرار تلك العملية مرارا.
لم يكن يحب , ولم تكن له حبيبة , ولكنه كان يتمنّى الحب . قصير القامة ذات نفس طيبة , غير أنه كان يتميّز بعادة أبعدت عنه الكثير من أصدقائه , فقد كان معتادا أن يبصق يمينا ويسارا والويل لمن وقف على أحد جانبيه !! ثم يسألني عن المستر ( كلاسنر ) صاحب الدار المقابلة لمأوانا , لم أكن أعرف عنه الكثير لذا كنتُ أكتفي بقولي " أنه مُبشّر " .
كان المستر (كلاسنر) ) يسكن دارا واسعة المساحة تكتنفها الأشجار من كل صوب , ولها غرف عديدة وسياج حديدي يتوسطه باب حديدي كبير , وكانت الى حد ما تشبه تلك البيوت التي كنا نقرأ عنها في كتب الروايات ذات الطابع الرومانسي , يرتعد القارئ من كونها معزولة وبيئتها مسكونة !! غير أنها تحوي ثلاث شخصيات فقط , هو المستر ( كلاسنر ) وابنتاه .
كانوا يقولون عنها أنها كنسية لنخبة من الناس يجتمعون فيها ويصلّون من أجل الخلاص , وأتذكر واحدا من أقرب الناس اليها يُدعى الأخ ( ألياس ) راعي كنيسة ( السبتيين ) في مدينة كركوك , وهو رجل يبتسم كثيرا من دون وجود داع لذلك .
وأكثر ماعرفناه عن شخصية المستر ( كلاسنر ) الغامضة , هو أنه رجل يبشّر بدينه , ولستُ أدري ما الذي حصل لهم بعد مغادرتي لمدينة كركوك .
بعد فترة غير قصيرة يتوقف غضب الطبيعة وتسطع الشمس فنترك مأوانا لنخرج الى الشارع العام , فنرى على سطح دار الحبيبة قوام الجميلة ( هيلدا ) وهي تنشرغسيل ما جمعه ذلك النهار الممطر.
بقلم : أويا أيشو كركوك 1957
بقلم : أويا أيشو كركوك / 1957