حوار مع ..............مهاجر

المحرر موضوع: حوار مع ..............مهاجر  (زيارة 336 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل سمير القس يونان

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 121
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
حوار مع ..............مهاجر
« في: 21:51 16/01/2015 »
حوار مع ..............مهاجر
                     
بقلم......سمير القس يونان
القوش في  15  ك2  2015
قبل أيام ودعت روحي لتهاجر ارض البؤساء والمهمومين وبقى جسدي يتأوه ألما وتكور زاوية الوطن المظلمة كجنين في بطن أمه..ودعت أضلاعا كانت تحمي فؤادي من غضب المارقين وسراق الدار لأضحى عنقودا يتدلى من كرمة وحيدا تلسعه الزنابير وتصفعه الرياح والأيادي الصفراء..ودعت حلما طالما راودني في النهار قبل الليل تاركا إياي كجذع شجرة نخرها الزمن البليد وأضحى وكرا للنحل ولمن يدع فيه المال المسروق..تركتهم يرحلون عبر أفق مخيف أما أنا فقد فضلت الوطن نعم ذلك الوطن الذي سياطه ألهبت ظهري وخناجره قطعت أوصالي أما سيوفه السمهرية جعلتني أشلاء التهمتها نيران التخلف والانحطاط..ودعت أسرة شاركتها كل همومي ومعاناتي وكنت احسب اليوم الذي لم التقيهم فيه ملغيا من حياتي فكيف الآن وهم هناك في بيروت الجحود والغلاء ..ودعت زنبقتين زرعتا في قلبي الأمل والصبح الجديد الذي محاه الوطن القاسي عبر مطبات كانت معاناتي خلالها جسيمة قوست ظهري واثنت قامتي..ودعت برعمين كانا أزهى وأعبق من كل أزهاري وجعلاني أرى الشوك والعوسج بان ولبلاب والجليد والرعد ربيعا وحبور..لقد تركوا العراق بلاد الزقورة والطاق..تركوه مضرجا بدمائه وسلوته الشحرور والحباري..دار حديث بيني وبين الدكتور رب الأسرة ونحن سائرين في الطريق إلى الدير من خيالي لرسم صورة قريبة لمعاناة الآلاف وهم في وطنهم غرباء مجهولين في الوقت الذي يحملون فيه هويته واسمه ويتقاسمون رغيفه اليابس وماءه المتكدر وليله المدلهم وهودجه المهشم وأسده المحطم وقلت له::أمهل قليلا لربما في الأمر بعض من الانفراج..قال الدكتور::كيف ذلك فاني أرى وطني جنينه منتهكة الاسراري..أرى المآقي وقد تخلت عن دمعها لاحتضاري..اتركني أتلوى في الغربة فهي اقل وطأة من بصقت الجار..قلت له أن الوطن مهموم ومجروح ونحن متفقان أننا لا شان لنا بجرحه وهمه وهو بحاجة إلينا حاجة الغريق لجذوة نار!!!!وكما تعرف أن المعنى في الخمر وليس في العنب..قال الدكتور::لقد ادلهمت الخُطوب واشتدت الكروب وكَثُرَتْ التأوهات والنحوب رغم أنني أقرا كلمات الإنجيل لتجلو عن قلبي صدا الوحدة واليأس والخوف..قلت نعم وأنا أؤكد وبحزم ما ذقناه وتلمسناه من وطننا من حَمَارَة القيظ وصبارة البرد وحلاوته المبطنة بالعلقم فإذا هي مظهر دون جوهر ومع هذا ارتمي بنفسي على أعتابه انهل من ينبوعه العذب الرقراق..جاوبني الدكتور والريق غصت في بلعومه وقال::لا تتصور أيها العم إنني أتغاضى العمق الذي احتله الوطن وبلدتي من قلبي ولكن في وطني لم الق غير القشور والسفاسف،وفيه يبدعون جملا فلسفية للفكر لكنهم لا يخلقون سلاما للنفس الحائرة والحائمة فوق بركان ثائر، وأنني في بلدتي أحببت المريض قبل علاجه وكنت امنح من ضعفي قوة له وبابي على مصراعيه مفتوحا للجميع وكانت عيادتي وصيدليتي التي تديرها عائلتي والتي كانت الأولى في كليتها شبه خاليتين من الزوار لارتيادهم إلى عيادات وصيدليات لا يحق لهم استقبال المريض ومع هذا يأتونني متى ما أتوا واستقبلهم لشعوري بالمهم..قلت له:ان من يغادر الوطن إلى المجهول متصورا انه سيلقى الأفضل كالمستجير من الرمضاء بالنار ووضع العَصّابة على عينيه تمنعه من رؤية الآخرين..قال وقد استعد للجواب::إنني وقبل توديعي لسماء الوطن بدا حنيني ينتفض كما تحن الوردة لقطرات الندى ولكن في وطني أحاسب على المضغة والجرعة والقومة والقعدة،وفي وطني يراك الرائي فيحسبك مغتبطا مسرورا لأنه يغتر بجمال وجهك ولمعان جبينك وصفاء أديمك ولو كشف له عن عالمك لرآه عالما خرابا وكونا يبابا لا تهب فيه ريح ولا يتحرك شجر ولا ينطق إنسان ولا يبغم حيوان..قلت:ما هذا يا دكتور؟يوم أمس لم تكن هكذا واني أرى فيك اليوم وقلبي يتقطر حزنا ولوعة واسى للحالة التي أنت بها،أنت في وطنك درة في تاج الملك و نيشانا على صدر قائد وقلادة



على صدر عذراء وأسوار في معصم جهبذة،إني لا أنكر وجود الفضيلة ولكني اجهل مكانها فقد عقد رياء الناس أمام عيني سحابة سوداء اظلم لها بصري حتى ما أجد في صفحة السماء نجما لامعا ولا كوكبا طالعا..كان بود الدكتور بتر الكلام ووضع حد له خوفا من التصادم بيننا لأننا أضحينا مناصرين لنظريتين متناقضتين كنظريتي المادية والمثالية لكنه أخيرا عدل عن رأيه وجاوب::الحرية شمس يجب أن تشرق في كل نفس فمن عاش محروما منها عاش في ظلمة قاتلة يتصل أولها بظلمة الرحم وآخرها بظلمة القبر..ليست الحرية في تاريخ الإنسان حادثا جديدا أو طارئا غريبا أو أمرا غير مقبولا وإنما هي فطرته التي فطر وجُبِّلَ عليها منذ كان وحشا يتسلق الصخور ويتعلق بأغصان الأشجار ويأكل اللحم الني ونحن الآن بعيدين عن الكهوف والمغارات وأسكنونا الشقق والموتيلات مخلوبة الروح والأناة لا نملك فيها الحرية في استهلال الضوء من إطفاءه،أيها العم اقترح أن القادم من الأيام سيكون خير حاكم بيننا بل اسمح لي بهذه الحكمة::كان هناك شخص استهزئ بقدرة الخالق وقال بسخرية وتهكم كيف خلق الله البطيخ من نبتة صغيرة والتمر من شجرة كبيرة،جاوبه الحكيم ساترك الجواب للأيام القادمة وهكذا وبعد أيام وبينما كان المستهزئ نائما تحت نخلة سقط عليه بسر ونهض وتعجب وقال:كم أنت عجيب أيها الخالق ماذا كان سيحصل لي  لو كان البطيخ هو الذي وقع على راسي..قلت له لا تحاول إقناعي..إنني من القلائل الذين لم يستفيدوا من الوطن في الوقت الذي قدمت له الكثير فقد اخترقت فيافيه وجباله واكتسحت ظلامه قبل ضياءه دفاعا عن حياضه ومحاولا سبر أغواره في عكاشات والدور والعظيم والعوسجي والحسينيات ورغم ذلك أفضل لسعاته ولدغاته من افعوانيات لاس فيغاس وأضواء باريس وحدائق أمستردام..كان الدكتور قد صمم وحزم على قراره وفي الوقت الذي حز في قلبي مغادرته أقف احتراما له لتصميمه وإرادته التي لا تلان فيما هو ماض إليه وأردف قائلا::لقد تألمت حتى نضب معين الألم،أنا مقتنع أن الوطن عزائي إذا ادلهمت الخطوب،ومنارتي إذا عصفت الأنواء،كما أرى جداول الماء تنساب بين أنوارها وإزهارها انسياب الأفاعي الرقطاء في الرمال البيضاء وارى أنامل النسائم تعبث بمنثورها الأوراق عبث الهوى بالباب العشاق واسمع ما بين صفير البلابل وخرير الجداول نغمات شجية تبلغ من نفس الإنسان ما لا تبلغ أوتار العيدان،إنني يا عمي أعي أن الوطن كنارة روحي وأيقونة وجداني لكن هل لي بسؤال إليك؟قلت له يمكنك ذلك،قال هل تعد نفسك سعيدا؟قلت نعم لأنني قانع برزقي مغتبط بعيشي,لا احزن على فائت الدهر ولا تذهب نفسي حسرة وراء مطمع,فمن أي باب يخلص الشقاء إلى قلبي؟فالوطن رغم رفضه لي معتبرا إياي دخيلا عليه أحبه لسبب واحد هو قطعي عهدا له بعدم خيانة ما بيننا من عشق وغرام وهيام وود وخبز وملح في الوقت الذي هو نكرني وخانني وجحدني واعترف بحبه لغيري..وقفت برهة وقررت إسدال الستار على المجادلة وقلت للدكتور::إن كانت السعادة لذة النفس وراحتها وكان الشقاء ألمها وعناءها فانا سعيد لأني لا أجد في طردي من بيتي في بعشيقة ونهب محلي ما يولد لي ألما وهما،اذهب وأتمنى لك السعادة والاستقرار السريع في بلد قد ترى ضالتك به ومستقبلك في جوانبه والديمقراطية والحرية في ضرائبه واتركني هنا  مثل الغربال من دقيق الخبز يمسك خشاره ويفلت لبابه أو الراووق من الخمر يحتفظ بعقاره ويستهين برحيقه اقبل على الخمرة احتسيها بشراهة كما يقبل الصادي على ماء جدول رقراق...................