نقول مع العالم عاشت فرنسا
فوزي الاتروشي
وكيل وزارة الثقافةتوحدت فرنسا كلها وتوحد العالم خلفها في لحظة حاسمة للقول بصوت واحد وقلب واحد وكلمة واحدة لا للارهاب الاعمى الذي لا يستثني احدا ً ولا يبقي ولا يذر. ويريد تحويل الارض والحضارة والتراث الانساني الى خرائب وحرائق لا تنتهي, ونقولها للمرة الالف ان الارهاب لا دين له ولا هوية ولا اخلاق له، ومشروعه الوحيد هو تصدير الموت والدمار الى كل مكان مقابل المشروع الحياتي الذي نعمل عليه في الادب والفن ومواكبة الحضارة.
ولكن على نفسها جنت براقش, فباريس النور والضوء والفن والعطور انتصرت على هدف الارهاب واحتشد نحو مليون شخص في باريس والمدن الاخرى في لقاء قمة جماهيري هو لقاء نظرأ لحضور الكثير من رؤساء الدول في العالم الى مقدمة المظاهرة ومن بينهم وفد من اقليم كردستان العراق. واجمل ما في المظاهرة ان الحكمة الفرنسية ونهج التعقل هو الذي ساد فقد منعت مجاميع اليمين الفرنسية المعادية للاجانب من المشاركة في المظاهرة درءا ً لأية شكوك تعلق بأذهان الجالية الاسلامية في هذا البلد الحضاري. ودعت الشعارات الى توحيد صفوف المجتمع الفرنسي بما في الجالية المسلمة ضد هذا الشر المستطير كما برأت الشعارات الاسلام وكل الاديان من جرائم طغمة ظلامية لم تتمتع بالنور حتى في عاصمة الاناقة و النور باريس.
أثبتت الاحداث في الايام الماضية ان فرنسا ومبادئ الثورة الفرنسية عصية على الخنوع فهي بلد (مونتسكيو) بلد المفكرين المؤسسين (جان جاك روسو) و(فولتير) وهي بلد المقولة الفلسفية الشهيرة التي تنص (انا اختلف معك في الرأي ولكني مستعد أن اضحي بحياتي من اجل ان تبقى انت على رأيك).
والبلد الذي ربط درجة تقدم المجتمع بمدى تقديره لدور المرأة وبلد الفيلسوف الوجودي الكبير "جان بول سارتر" الذي حين رحل عن الحياة وقف البرلمان الفرنسي دقيقة حداد صمتا تقديرا له واشتهرت في حينها مقولة مفادها " لقد مات سارتر فماتت فرنسا" .
ان فرنسا اذ تعلن بأناقتها المعهودة استنكارها لهذه الجريمة الشنيعة فانها تقدم نموذجاً للتواضع وللحكمة في حل الامور صح السبل وفي حفظ التوازن المجتمعي الذي اراد الارهابيون ان يختل امعانا في ايجاد شرخ بين دين ودين وفئة وفئة وعرقية واخرى, لكنهم فشلوا فحمامات السلام التي رسمها ذات يوم فنان فرنسا العظيم بيكاسو مازالت طليقة في شوارع وساحات باريس, وقصائد الشاعر الكبير (ارغون) وهو يتغنى بحبيبته (اليزا) الى حد انه كتب اغزر واجمل قصائده لعيونها مازالت وستبقى تصدح في الازقة والطرقات.
لذلك نضم صوتنا جمعياً في العراق وفي اقليم كردستان العراق الى صوت الرئيس الامريكي اوباما حين سجل في دفتر الحضور في السفارة الفرنسية عبارة "عاشت فرنسا " .
ان العراق يقف الان في واجهة الدول ويقاتل نيابة عن العالم بنسائه ورجاله وشبابه ضد ارهاب داعش الوحشي يعلن بصوت عال ان لا حياد امام الارهاب وان الكل يجب ان يقف على خط النار لان النار التي تلتهم بغداد وطوز خورماتو والانبار وديالى وسنجار وكوباني مرشحة للتحول الى عواصم ومدن اخرى, وهذا بالضبط ما يحدث الان, لذلك فما تقدمنه النساء المقاتلات في كوباني من ملاحم المقاومة والبطولة ستدخل التاريخ كعهد جديد للمرأة في العالم تلغي والى الابد الصورة النمطية التي رسمها الرجل لها مدى قرون من الزمن, وما يحدث في كوباني دعوة تحريض وحث لكل نساء العالم لتمزيق حجب الظلام وتهديم جبل العادات البالية والانطلاق الى الحياة والبناء والعمران في شراكة فعلية مع الرجل.
ان العنوان الاساسي الذي نلتجئ اليه في هذه اللحظات هو كيفية تناغم العالم كله ولا سيما الساحات الملتهبة مثل العراق على حزمة اتفاقيات وتعاون وتفاهم استخباراتي امني فكري اعلامي جماهيري و ثقافي لدحر الارهاب وتجفيف منابعه المالية وبهذه المناسبة فالمطلوب من كل رجال الدين سماع نداء العقل وترك اي هوية ضيقة دينية او طائفية او عرقية او حزبية لصالح الهوية الاصدق ذات البعد الانساني وبمقارنة تجربة فرنسا في مواجهة الارهاب وتوحيد الصف مع النسخة العراقية, سنجد الفارق كبيرا ً رغم ان ضحايا العراق منذ عام 2003 بلغت ارقاما ً فلكية الا ان الخطاب الاعلامي العراقي ما زال متوزعا ً على الطوائف وليس على الاصطفاف الوطني الموحد, في حين التجربة الفرنسية قدمت خلال 3 ايام زادا ً معرفيا وفكريا يمكن لدول العالم الاستفادة منه ومنها العراق، فشعارات المتظاهرين الغت كل الفواصل والمسافات بين العرقيات والاديان والطوائف في فرنسا وهذا قدم درسا وعبرة للارهابيين وفي نفس الوقت قدم نموذجاً لكل الدول المبتلية بالارهاب لكي تقتدي به .
14/1/2015