ملصقات لساحة النهضة
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com الذين فجروا ساحة النهضة صباح الثلاثاء الماضي المزدحم بالمارة والكادحين والنساء الشعبيات والجنود والاطفال تحدروا من اكثر الصفحات عارا في التاريخ المكتوب، ومن اكثر الكهوف عتمة على الارض، ذلك لان القتل العشوائي الذي يتعامل مع الانسان كرقم مجرد لا ذكر له إلا في تلك الصفحات المشينة التي كتبتها اجناس متوحشة..اجناس مهووسة.. اغارت على البشرية في دورات تاريخية متباعدة، كما ان هذا القتل الذي صنع مهرجانا من الاشلاء والدماء في ساحة النهضة لا مثيل لهمجيته إلا تلك الاعمال التي ارتكبتها حيوان كهفية من مذابح مروعة، إرضاء لغريزة التنكيل البدائية، ولا تزال تثير التقزز حتى الآن.
انها عملية ستحسب، يوما، في عداد ردات التاريخ، حيث يجري إنزال الانسان الى مرتبة اكثر الحيوانات انفلاتا، ويجري تقريب عالم المدينة الى عالم الغابة، في وقت تضع العلوم والاكتشافات الجديدة نفسها في خدمة تحضير الجنس البشري والارتقاء به اكثر فاكثر.
انها انتكاسة في النوع، وفي دورة الحياة ونظم العقل، ومحاولة لاطفاء الانفتاح في قسمات المدنية الجديدة، وهي نموذج شرير للشعارات السياسية المتدينة، وهي استعارة ظلامية من عالم اخر، لا نعرفه،غير عالمنا.
أكاد اعرف من اين جاء هؤلاء الذين قتلوا انفسهم وقتلوا معهم عراقيين ابرياء في ساحة النهضة ، وروعوا عائلات وامهات وسكان احياء فقيرة كثيرة، ودكوا شبكات الكهرباء، ولغمّوا الطرق العامة، ونسفوا المواسير وقطعوا مياه الشرب عن مئات الالوف من المواطنين، وعاثوا في سبل وفرص معيشة الملايين، ومن أي أرض تحدروا، وأجزم انهم صلوا صلاة الفجر، وتبادلوا ايات العقاب، من غير عزم علي عمل الخير، ولا ارتداع عن الاجرام، قبل ان يأخذوا سياراتهم الملغومة بالغدر وصواريخهم المعبأة بالموت الي الهدف، حيث تناثرت هناك الجثث وتشابكت ايدي المارة بأرجل العاملين برؤوس النساء والاطفال، وحيث دفن بشر أحياء لا جريرة لهم إلا المصادفة في المكان تحت جحيم من الانقاض والطابون، وأجزم انهم قرأوا ادعية كثيرة مستعار من كتاب الله، وتمتموا باسمائه الحسنى ، قبل ان يبدأوا رحلة "المقاومة" الهمجية نحو معاقبة العراقيين وتدمير حياتهم وآمالهم المشروعة ليوم آمن ، ويبدو ان هذا بالتحديد هدف عملياتهم، وإن اتخذ من وجود القوات الاجنبية ذريعة، ومن هزيمة طالبان في افغانستان حجة، ومن الانتقام لسقوط صدام حسين شفاعة.
أجزم ان هذه "الجماعة" التي احترفت القتل غريبة عن العراقيين..غريبة عن لغاتهم ولهجاتهم واسمائهم.. وإن ولد بعضها بين ظهرانيهم، وإنها لو ولدت في مكان فانها ولدت في عتمة، واتحدت في محافل بعيدة لاتعرف النور وشحذت سكاكينها في آخر الليل .
في قصة لكاتب دانيماركي، تقول الفتاة لقاطع الطريق قبل ان يطلق عليها النار: لقد استقويت عليّ بالعتمة، فانت والعتمة شيء واحد.. شيء أمقته، وسيمقته العالم.
ــــــــــــــــــــــــــــــ
..وكلام مفيد
ـــــــــــــــــــــــــــ
" قل لي كيف يتعامل مع خصومه اخبرك من اي عصر جاء".
ماركيز[/size]