تشكيل القوات المسلحة لشعبنا "الكلداني السرياني الآشوري"
بين النزعة الحزبية والمصلحة القومية
============================================
أبرم شبيرا
الأحزاب وتشكيل القوات المسلحة:
==================أعلن أكثر من حزب من أحزابنا السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية" تشكيل قوات مسلحة لغرض "تحرير" وحماية الأراضي التي أحتلتها المنظمة الإرهابية (داعش) وهجرت شعبنا منها إلى المناطق الشمالية الأكثر أمنا. ويظهر على الساحة السياسية القومية بأن الأحزاب الرئسية كالحركة الديموقراطية الآشورية (زوعا) والحزب الوطني الآشوري (أترنايا) والتحالف القائم بين إتحاد بيت نهرين الوطني وحزب بيت نهرين الديموقراطي (تحالف) وكل على حد وبدون تنسيق بينهم شكلوا قواتهم الخاصة بهم ودعا كل جانب منهم أبناء شعبنا إلى التطوع فيها. هذا من جانب الأحزاب السياسية أما من جانب شعبنا فإن العديد من كتابنا ومثقفيها أبدوا خشية وقلقاً وتخوفاً من تشكيل هذه القوات بسبب إفتقارها إلى المقومات الضرورية والمطلوبة للقيام بواجباتها العسكرية كمصادر التسليح والتمويل والتدريب والمعلومات الإستخباراتية. وذهب البعض الآخر إلى إتهام هذه الأحزاب بإستخدام موضوع تشكيل القوات المسلحة لأغراض الإستهلاك السياسي والدعاية الحزبية وإعتباره كرد فعل للشلل الذي تعانية وإنعدام قدرتها على المواجهة الحقيقية للتحديات الماحقة التي تحيط بأبناء شعبنا، لا بل كان تخوف البعض الآخر أكثر بكثير حيث ذهب أبعد من هذا إلى وضع أحتمال المواجهة المسلحة بين هذه القوات أو تورطها في صدامات جانبية سيؤدي ذلك إلى تعميق الجروح وتعظيم الكارثة التي يواجهها شعبنا حالياً خاصة وأن هناك تجاذبات سياسية نحو القوى السياسية والحزبية والحكومية (بغداد وأربيل) المهيمنة على الساحة السياسية أو محاول تأطيرها ضمن الأطار الحكومي أو الحزبي سواء أكان ذلك في المركز أو في الإقليم. على أن هذا لا ينفي وجود بعض من كتابنا ومثقفينا المنتمين لهذه الأحزاب أو الموالين لها في تأييد مبادرة تشكيل القوات المسلحة الخاصة بشعبنا كسبيل لأثبات وجودنا في العملية العسكرية الهادفة إلى تحرير أراض شعبنا من المنظمة الإرهابية وتوفير الحماية الأمنية اللازمة لها بعد تحريرها.
دعوات للتنسيق العسكري:
===============من الملاحظ، رغم الصفة الحزبية لكل تشكيل عسكري التي شكتلها أحزابنا السياسية، فإن كل واحد منهم دعا في نفس الوقت أو أظهر "إستعداده الكامل للتنسيق والتعاون مع الجميع لتوحيد الصفوف من أجل ضم جميع القوات العسكرية وتأسيس قوة عسكرية موحدة خاصة بأبناء شعبنا ضمن السياقات القانونية"، وهذا ما جاء في بيان قيادة قوات سهل نينوى التابعة للتحالف الصادر بتاريخ 14 كانون الثاني 2015.. وزوعا أيضا لم يخفي " إستعداده للتنسيق مع القوات العسكرية المتواجدة في سهل نينوى والتعاون من أجل تحرير هذه المناطق وعودة أهلنا المشردين إلى مساكنهم وأراضيهم وإعادة الحياة إليها، بما يضمن توليهم مسؤولية الإدارة الذاتية ..." (أعلان تشكيل وحدات حماية سهل نينوى الصادر من قبل لجنة الجهد العسكري التابعة للحركة الديموقراطية الآشورية 25 تشرين الثاني 2014). والحال أيضا لم يختلف مع أترانايا، الذي كان أول من بادر إلى تشكيل قوات مسلحة، فيما يخص دعوته للتنسيق والتعاون مع غيره من القوات المسلحة التي شكلتها الأحزاب السياسية. ثم جاء صديقنا المخضرم الكاتب الكبير خوشابا ومن منطلق قومي شامل لا تحزبي في مقالته المعنونة "دويخ نوشي والواجب القومي لتنظيمات أمتنا لتحرير الأرض والإنسان" ليلمل هذه الدعوات ويختصرها في تأكيده على ضرورة عدم ربط القوة العسكرية بهوية حزبية سياسية لكيان سياسي بعينه أو هوية مذهبية لمذهب معين لأي مكون ، بل أن تكون هويتها قومية خالصة... ويكون ذلك معياراً في اختبار مدى مصداقية وجدية نوايا ومقاصد أحزابنا السياسية التي شكلت مثل هذه القوات". هكذا وعلى نفس المنوال جاءت دعوات بعض كتابنا ومفكرينا في ضرورة "قومنة" هذه الإجزاء المسلحة في وحدة قومية واحدة وكوسيلة لإكتساب تشكيل هذه القوات مصداقية وثقة لدى أبناء شعبنا. وجاء ت مثل هذه الوحدة الشاملة للقوات المسلحة في البلاغ الصادر من قيادة كيان أبناء النهرين بتاريخ 9 كانون الثاني الذي دعا إلى "الإسراع بتشكيل هيئة سياسية عليا تضم ممثلين عن أكبر عدد ممكن من أحزاب وفعاليات شعبنا السياسية العاملة في الوطن، تتولى مسؤولية تأسيس مجلس عسكري من الاختصاصيين يكلف بمهمة تشكيل قوات عسكرية نظامية من أبناء شعبنا للمشاركة في تحرير ومن ثم حماية قرى وقصبات شعبنا في سهل نينوى بالتعاون والتنسيق مع القيادة العسكرية الموجودة في المنطقة، ولمسك الأرض فيما بعد. ... وبغير ذلك فإن أية صيغة أخرى لهكذا قوات لن تعدو أن تكون إلا أداة لمشاريع حزبية تنافسية على الصعيد الداخلي، وأداة لتنفيذ أجندات ومصالح من خارج الإطار القومي، مع إمكانية تحولها لأداة مضافة في مصادرة قرارنا المستقل والاستمرار في إفقاد شعبنا الثقة بضمان حقوقه واحترام إرادته الحرة القائمة على قاعدة الاحترام المتبادل وتحقيق المصالح المشتركة بين المكونات".
وقبل أن نعلق على هذه الدعوات التوحيدية، أولاً وقبل كل شيء على القارئ اللبيب أن يلاحظ بأن إشارتنا إلى أحزابنا السياسية "الكلدانية السريانية الآشورية" هي إشارة بصغة الجمع والتملك المربوطة بـ (نا) بعد كلمة الأحزاب للدلالة والتأكيد على أعتبار هذه الأحزاب هي أحزابنا، أحزاب أمتنا، مهما كان موقفنا معها ومهما كان فشلها ونجاحها فإن واجبنا القومي يفرض علينا تقديرها وإحترامها ليس بالتملق والمديح الأعمى لها بل بتقييمها موضوعياً والبحث عن سلبياتها وإيجابياتها وبيان ما هو الأصلح لها لأن مثل هذا التقيم لايضر أحزابنا السياسية بل سييسر مهمتها الشاقة وبالتالي يسهل عليها السير وبخطوات ثابتة وراسخة نحو تحقيق أهداف أمتنا. من هذا المنطلق سيأتي تقييمنا لدعوات أحزابنا السياسية نحو التنسيق والتعاون بين القوات العسكرية التي شكلتها أو نحو تشكيل مجلس عسكري قومي لجميع التشكيلات العسكرية الحزبية أو نحو أبعاد صفتها الحزبية وتضمينها في إطار قومي بعيداً عن التحزب ومن ثم معرفة مدى قدرتها على توفير حد أدنى من المصداقية لدى أبناء شعبنا لتكون قوات عسكرية قومية مقبولة ومدعومة من قبل الجميع. وحتى نعرف هذه حقيقة ومصداقية هذه الدعوات ومدى جديتها وواقعيتها، اي القابلية على تطبيقها على أرض الواقع، علينا أن لا نغفل واقع وحقيقة أحزابنا السياسية من حيث عملها القومي والتعاون أو التنسيق القائم بينهم خارج نطاق التعاون والتنسيق العسكري. فهذا الواقع لا يبشر أمره بالخير، فالإشارة إليه يعد من باب الأطناب والتكرار لأنه معروف تقريباً لجميع أبناء شعبنا المهتمين بشؤونه القومية أو غيرهم ولكن مع هذا أوكد وأقول بأن الواقع يبين وبكل وضوح بأنه من الصعب جداً أن لم نقل المستحيل أن نجد تعاون وتنسيق مثمر وجاد بين أحزابنا السياسية في الأمور الإعتيادية والبسيطة جداً فكيف نتصور أن يكون هناك تعاون وتنسيق، ولا نقول توحيد، في الأمور العسكرية الأكثر حساسية والأكثر تعقيداً وإرتباطاً بمصير ومستقبل شعبنا المطرود من أرضه.
وحتى نكون أكثر واقعية وإثباتاً لما ذهبنا إليه في أعلاه، فنظرة واحدة إلى واقع ووجود ونشاط تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآشورية (تجمع) قد يكفي لأثبات ذلك. فالكيانات التي شكلت قوات مسلحة (زوعا وأترنايا والتحالف) هم أعضاء رئيسيين في التجمع والجميع يعرف مدى عجز هذا التجمع من التحرك خطوة إيجابية واحدة غير إصدار بلاغات أو بيانات وحتى هذه، رغم بساطتها وعدم قدرتها على تجاوز حدود الكلمات إلى الفعل الواقعي، فأنها في معظم الحالات تفتقر إلى الإجماع أو التفاهم أو الحد الإدنى من الإتفاق، لا بل وأكثر من هذا ففي معظم الأحيان تقريباً نرى رفض حضور عضو من أعضاء التجمع للإجتماع أو خروجه من الإجتماع وهو "زعلان" ولا يطفي حرارة موقفه هذا إلا بإصدار بيان توضيحي أو بلاغ يبرر عدم حضوره للإجتماع أو رفضه للبيان أو البلاغ الصادر من التجمع. وحتى بالنسبة للبلاغ الصادر من كيان أبناء النهرين ودعوته إلى تشكيل مجلس عسكري وقوات نظامية لجميع أبناء شعبنا من دون إرتباطها بحزب معين، فعلى الرغم من كونه أكثر منطقياً ومقبولا لكون الكيان لم يشكل قوات عسكرية خاصة به مثل بقية الأحزاب، فإن منطقية هذا البلاغ أو صدقيته أو حسن نيته سوف يصطدم بالواقع المرير لأحزابنا السياسية ولا يستطيع تجاوزه نحو التطبيق أو الإستجابة لهذه الدعوة خاصة ونحن نعرف بأن زوعا، احدى الأحزاب الرئيسية المشكلة للقوات المسلحة، لا تريد أن تسمع أسم هذا الكيان ولا تعترف به وفي السابق رفضت كل دعوات ردع الصدع في تنظيمها فكيف نتصور أن تستجيب لدعوه غاية في الحساسة والتعقيد والخطورة، خاصة ونحن والجميع يعرف بأن الثقة معدومة تقريباً بين أحزابنا السياسية بشكل عام وليس بين زوعا والكيان فحسب. أن أمر هذه الدعوات في "قومنة" القوات المسلحة تشبه كثيرا الشخص الذي يدعو إلى إقامة مشروع ضخم وهو "مفلس" لا يملك التمويل الذي هو أساس كل مشروع وأنها تشبه أيضاً من يريد أن يشيد بناية ضخمة من دون أساسات. إذا فالأساس لإنجاح هذه الدعوات وتأسيس المجلس العسكري أو القيادة العسكرية القومية الشاملة لجميع الأحزاب وبالتالي ضمان المصداقية والثقة والدعم من قبل أبناء شعبنا هو قبل كل شيء أن تجلس هذه الأحزاب مع البعض من دون شروط مسبقة وخالية تماماً من النزعة التحزبية، حينذاك يمكن النظر في مثل هذه الدعوات ومدى مصداقيتها أو قدرتها للتطبيق على الواقع العملي.
هذه الأمور البديهية في عالم السياسة من المفروض أن تكون واضحة ومعلومة ولها قوة إلزامية وإخلاقية لقادة أحزابنا السياسية لأنها تتعلق بمصير الأمة ومستقبلها خاصة في الظروف المميتة التي تحيطة بأبنا أمتنا في هذه الأيام، ولكن من المؤسف له أن مثل هذه البديهية غائبة كلياً عن أفكار وممارسات قادة أحزابنا السياسية... لماذا؟:
1. هيمنة النزعة الحزبية تماماً على الأفكار والممارسات وغلبتها على المصلحة القومية والسعي الحثيث والركض الملهث نحو منصة تزيد من علوية الحزب ووزنه في الإستقطاب السياسي الفارض سطوته على الساحة السياسية العراقية والفاعل فعله على أحزابنا السياسية أو بالأصح على بعض من قادتها.
2. غياب الحد الأدنى للمصلحة القومية من الأجندات العملية لأحزابنا والمطلوب للجلوس معاً وبناء الثقة والعمل سوية.
3. الإفتقار الكلي لمعظم أحزابنا السياسية لأساليب العمل الحزبي المشترك خاصة ما يتعلق بكيفية المباشرة والدعوة للدخول في تحالف أو جبهة. فليس، وفق النزعة الحزبية المهيمنة على العقول والممارسات، أن يقبل حزب دعوة حزب آخر للدخول أو الإشتراك في عمل سياسي مشترك أو جبهة أو الإنضمام إلى القوة العسكرية، موضوع بحثنا هذا، وسبق لهذا الحزب أن شكلها أو أسسها. فمثل هذه الدعوة و القبول لا ينظر إليه إلا من باب الإهانة والخضوع لهذا الحزب.
4. شحة المعرفة السياسية والثقافة الحزبية لمعظم قادة أحزابنا السياسية وهو أمر قد ينطبق على الكثير من قادة الأحزاب السياسية الأخرى وقادة الدول ولكن أمرهم يختلف حيث أن الكثير من قادة أحزابنا يعتبرون أنفسهم فلاسفة وعباقرة في عالم السياسة ولا يحتاجون إلى مشورة أحد من أبناء أمتنا العارفين بهذه الحقول في حين نرى على العكس من هذا فإن معظم الأحزاب السياسية في العالم المتقدم يعتمدون على مراكز بحوث ومثقفين ورجال فكر مضطلعين بالأمور السياسية تكون مصدر معلومات قادة هذه الأحزاب في عملها السياسي... بالله علكم... هل سمعتم يوما ما بأن قادة حزب من أحزابنا السياسية قد دعت أحد مفكري ومثقفي أمتنا سبق وأن كتب مقترحات وقدم أفكار مفيدة لأحزابنا السياسية للتباحث معه عن مقترحاته وأفكاره المطروحة لتطوير الحزب ؟؟؟؟ شخصياً قدمت الكثير من هذه المقترحات والأفكار ولم أتلقى بالمقابل غير التخوين والتجريح والإهانة وفي بعض الأحيان فتور أو إنقطاع علاقة الصداقة التي تربطني ببعض من قادة هذه الأحزاب... الله يكون في عون هذه الأمة!!!
على العموم وإنطلاقاً من هذا الغياب في المعرفة السياسية خاصة في مسألة الأحزاب السياسية وتشكيلها للقوات المسلحة سنحاول بقدر الإمكان البحث في نظرية من النظريات أو فلسفة من الفلسفات التي قد تفيد جوانب منها في إعطاء صورة أوضح لهذه المسألة.
تأطير فكري لتشكيل القوات المسلحة:
======================سعياً للإختصار وإبتعاداً عن التفاصيل في النظريات والفلسفات التي تعالج مثل هذا الموضوع والتي قد تكون مملة للبعض، أبدأ وأقول بأن كل مجتمع من مجتمعات العالم يقوم على بنى إجتماعية وهذه البنى تنقسم إلى بنية تحتية وبنية فوقية. كان كارل ماركس أول من تطور فلسفة البنى الإجتماعية في نظريته عن المادية التاريخية ثم جاء المفكر أنطونيو غرامشي، مؤسس الحزب الشيوعي الإيطالي، فأضاف إليها مفاهيم جديدة وتطورها بشكل تتلائم مع الظروف المستجدة للمجتمع. المجتمع المدني عند ماركس كان يتطابق مع البنية التحتية (قوى الإنتاج وعلاقات الإنتاج) والتي أعتبرها مسرح التاريخ ولها الدور الفاعل في المجتمع. جاء غرامشي وبعد دراسة مستفيضة للظروف الإجتماعية في البلدان الأوربية، فلم يختلف عن ماركس في إعطاء الدور الفاعل للمجتمع المدني إلا أنه قسم البنية الفوقية إلى مستويين أثنين من مستويات البناء الفوقي. الأول "المجتمع المدني" الذي يشمل جميع الأجهزة الإيديولوجية من أحزاب ومنظمات سياسية وحقوقية ومعاهد فكر ومدارس والمؤسسات الثقافية المختلفة. والثاني هو "المجتمع السياسي" والذي يشمل على الجهاز القمعي المتمثل في الجيش والشرطة والأمن والسجون، أي بعبارة أخرى كل ما يتعلق بالقوة المسلحة.
وعلى الرغم من شمول البنية الفوقية للمستويين: المجتمع المدني والمجتمع السياسي، إلا إن هذين المستويين لا يختلطان مع البعض رغم وجودهم ضمن إطار البنية الفوقية بل تبقى هناك حدود تفصلهما وتميزهما بعضهما عن البعض. مثلاً الإشارة إلى الأجهزة الأيديولوجية للمجتمع المدني هي بصيغة الجمع، أي هناك عدد معين من هذه الأجهزة في حين الإشارة إلى جهاز القمع للمجتمع السياسي هو بصيغة المفرد أي هناك جهاز واحد فقط. تتصف الأجهزة الأيديولوجية بنوع من الإستقلالية بعضها عن البعض وبحرية معينة في التحرك والنشاط ضمن إطار وطني قومي يعرف بالمصلحة القومية العليا. في حين يتصف الجهاز القمعي بالصرامة والحزم ويتحرك في إطار محدود ومغلق. من هذا المنطلق نقول بأن كل مجتمع من مجتمعات العالم المستقرة والمتطورة سياسياً يكون لها عدد من الإجهزة الإيديولوجية (المجتمع المدني) مع جهاز قمعي واحد (المجتمع السياسي). من هذا المنطلق يبقى الجيش والقوات المسلحة لمثل هذه المجتمعات بعيداً عن السياسة ولا يتدخل فيها ولا ينتمي منتسبيها إلى الأحزاب السياسية وإذا أنتمى أو تدخل في العمل السياسي عليه الإستقالة من القوات المسلحة. وهذا هو حال معظم الدول الديموقراطية. أما في المجتمعات التي يكون فيها أكثر من جهاز قمع (الجيش والقوات المسلحة) فهذا ليس إلا دليلاً على عدم إستقرار مثل هذه المجتمعات وسيادة الفوضى والإضطرابات والحروب فيها. والعراق الحالي نموذج جيد في هذا السياق.
ومن المعلوم بأن القوات المسلحة أو الجيش في الدول الديموقراطية والمستقرة ليس بتابع إلى أي حزب أو جهة إلا للحكومة بأعتبارها ممثلة الشعب، ولكن عندما تتعرض المصلحة القومية العليا إلى خطر داهم، خاصة أثناء الحروب، فإن المجتمع المدني بكل أجهزته الأيديولوجية من أحزاب ومنظمات يتكثف وجودها في وحدة صغيرة مكثفة تلعب دوراً رئيساً في تحريك المجتمع السياسي (القوات المسلحة) نحو ضمان المصلحة القومية العليا وحمايتها من المخاطر الناجمة عن الحرب. أما في المجتمعات المتخلفة سياسياً والتي يتحكم في سلطتها وفي مجتمعها السياسي (القوات المسلحة) حزب سياسي واحد أو فرد دكتاتوري فإنه في وقت الأزمات والحروب تهتز لا بل تتلاشى المصلحة القومية العليا وذلك بسبب عدم قدرة الحزب المهيمن على السلطة أو الدكتاتور للتعاون والتضامن مع الأحزاب السياسية وتضمينها في عملية صنع القرارات التي تخص المجتمع السياسي (القوات المسلحة)، لهذا تظهر معارضة الأحزاب السياسية للسلطة أو للحرب وتشتد أكثر وقد تلجاً إلى التعاون من الطرف الآخر للحرب. وهناك أمثلة كثير في في هذا السياق ولكلا الحالتين. أثناء الحرب العالمية الثانية كان حزب المحافظين البريطاني في السلطة ولكن أشرك جميع الأحزاب المعارضة البريطانية معه في تشكيل "غرفة حرب" لتكون القيادة الموجهة للقوات المسلحة البريطانية ولا زالت هذه الغرفة موجودة في مقر الحكومة كرمز للوحدة الوطنية في مواجهة الأخطار. في حين نرى بأن الحزب النازي ألماني أنفرد بقيادة الجيش فواجه معارضة من غيره من الأحزاب السياسية وبالتالي خسرت ألمانيا الحرب.
ولو حاولنا تطبيق هذه المفاهيم على مجتمعنا "الكلداني السرياني الاشوري" نقول إذا قبلنا ظاهرة تعدد الأجهزة الأيديولوجية (الأحزاب السياسية والمنظمات القومية) كوسائل لممارسة السياسة الديموقراطية فإن أمر وجود تعدد في الجهاز القمعي، أي القوات المسلحة، أمر غير مقبول وشاذ يعبر عن عدم إستقرار المجتمع وسيادة الفوضى فيه ومرد ذلك يعود إلى عدم توفر لأحزابنا السياسية الحد الأدنى للمصلحة القومية العليا لتكون قاعدة للتعاون بينهم. فإذا كانت هذه الأحزاب تتحرك ضمن الحد الأدنى من إطار المصلحة القومية وبشكل ديموقراطي واضعين هذه المصلحة في أولويات أجندتهم العملية فأنه بالنتيجة مثل هذا التحرك يطرح جهاز قمعي (قوات مسلحة) واحد فقط يكون معبراً عن إستقرار المجتمع . غير أن الأمر يظهر عكس ذلك فالواقع الفكري والعملي المزري لأحزابنا السياسية وإفتقارهم إلى الحد الأدنى من المصلحة القومية هو الذي يعكس وجود قوات مسلحة عديدة، أو بالأحرى مليشيات أو عصابات مسلحة، وهو الأمر الذي يعرض المجتمع إلى مخاطر قد لا تحمد عواقبها ولا يستطيع مجتمعنا تحملها في مثل هذه الظروف الصعبة التي يمر بها.
وحتى نكون أكثر واقعية وأيضا وحتى لا يتهمنا البعض بأننا "نتفلسف" ونحن قابعون في "قصور" الرفاهية في المهجر نقول بأن لدينا على الساحة القومية في الوطن تجمع التنظيمات السياسية الكلدانية السريانية الآِشورية (تجمع) رغم كل عيوبه وفشله في تحقيق خطوة نحو الأمام إلا أنه نقول: هذا الموجود... وأحسن من لا شي... فأنه من الممكن أن يكون الإطار المراد لتشكيل مثل المجلس العسكري الذي دعا إليه كيان أبناء النهرين ويسعى هذا المجلس إلى توحيد شرذمات القوات المسلحة التابعة للأحزاب، خاصة ونحن نعرف بأن الأحزاب (زوعا وأترنايا والتحالف) التي شكلت هذه القوات هم أعضاء فاعلين في هذا التجمع ولهم مكانة على الساحة السياسية القومية. أنه عمل بسيط جداً لو وضعت أحزابنا السياسية مصالحها الحزبية الضيقة جنباً وتبنت المصلحة القومية، حينذاك فأن هذه المصلحة ستسهل كل الأمور لهم وتعبد طريق هذه الأحزاب إلى قلوب أبناء مجتمعنا، حينذاك سنتوقف عن "التفلسف" ونغلق أفواهنا ونبدأ بتشييد تماثيل لهم وتسجيل أسماؤهم في سجل المناضلين الشرفاء. أمر بسيط جداً حتى الطفل البريء يدرك فائدته لمجتمعنا فكيف بالنسبة لقادة أحزابنا في عدم الإدراك والعمل على إفادة هذا الشعب البسيط المنهك تحت وطأة ظلم الزمان والإنسان.