في 23/4/2013 تم اختطاف المطرانين غريغوريوس يوحنا إبراهيم (مطران حلب للسريان الأرثوذكس) وبولس يازجي (مطران حلب للروم الأرثوذكس)، على يد عصابات إرهابية إسلامية (كتيبة نور الدين الزنكي) التي تضم إرهابيين شيشان، عند مدخل معبر باب الهوى المحاذي لحدود تركيا الذي يسيطر عليه المعارضة السورية، وكانا المطرانان يقومان بتقديم العطايا في قرية كفل داعل للعوائل المتضررة جراء خراب المدينة وبيوتها وقتل ذويها وتهجير ثلث سكان عاصمة الشمال حلب. منذ ذلك الوقت والمطرانين لا زالوا مخطوفين ولا أحد يحدد مكان تواجدهما من رؤساء الدول الغربية والعربية وزعمائها ومراجعها الدينية الإسلامية، برغم ادعاء منظمة التعاون الإسلامي أكثر من مرة الى إطلاق سراحهما وأخيراً أعرب أمينها العام (أكمل الدين أوغلي) في بيان له عن استياءه للحل. بفقدان حلب مطرانيها فقد فقدتهويتها التاريخية القائمة على التنوع والتمازج والالفة والتراحم وحالها حال المدن الأخرى في سوريا والعراق. الكنيسة الارثوذكسية تابعت ملف المطرانين عن كثب وعملت على الخط الدبلوماسي من خلال طلب مساعدة الدول النافذة والضالعة ومنها روسيا وامريكا وأروبا والأردن وقطر والسعودية وتركيا، لكن كلها لم تنجح في أي خطوة من شأنها وحتى عدم وجود براهين وقرائن جديّة حول مصيرهما. حاول اللواء عباس إبراهيم (مدير الامن العام اللبناني) باذلاً قصارى جهوده لهذا الملف الإنساني وأخيراً قال: ان ملف المطرانين معقد. وقام سفير المفوضية الدولية لحقوق الانسان في لبنان والشرق الأوسط (عباس عقيل خليل) انه سلم رسالة الى أمير قطر من البطريركية الارثوذكسية وتعهد أمير الشياطين بمتابعة القضية حتى الافراج عنهما. لكن لا آثار إيجابية على الملف ومصيرهما لا يزال مجهولاً. وعما يميز في هذا الملف عن العقدة التي سبق ان شهدها ملف الراهبات، المطرانين طيلة فترة خطفهما لا خبر يقين عنهما ولا ظهور لهما في وسائل الاعلام، وفي المقابل رأينا أكثر من مرة صوراً لراهبات معلولا أو فيديو بالصوت في ضرف ثلاث أشهر، إذاً أين حقيقة من يقف وراء الاختطاف. الملفت للنظر لعملية الاختطاف فقد صرح مفتي سوريا السيد أحمد حسون (كاشفاً الحقيقة) في مقابلة له مع شبكة (سي ان ان) ان المطرانين المخطوفين في قبضة جماعة شيشان وأن مجموعة حاولت التفاوض مع الخاطفين لكنهم امتنعوا عن الرد وانهم لن يفرجوا عن المطرانين إلاّ باتصال هاتفي من السعودية أو قطر أو تركيا. الجماعات الإرهابية اللاإنسانية يقومون بأعمالهم بحق الناس العزل والابرياء تحت راية الله أكبر وبدعم المادي اللوجستي من الكثير من القوى والدول الإقليمية والدولية وعلى رأسها دول الخليج وتركيا وإسرائيل التي لا ترى احترام الشعوب والأديان سبيلاً لها. أعمال هؤلاء العصابات لا تقتصر على منطقة معينة باستثناء إسرائيل التي تعالج في مشافيها جرحى الإرهابيين. حيث ضاعت القيم الدينية والإنسانية وكرامة الانسان. البطريرك افرام الثاني (سريان ارثوذكس) رأى خلال حضوره قداس عيد الميلاد قبل شهر وقال: (المساعي التي تدعي الدول الغربية يجب ان لا نأمل من الغرب بأن يكون عنصراً فاعلاً في حل الازمة فهو يعاملنا وفق مصالحه ويتخفى بقيم الديمقراطية وحقوق الانسان ويدعم اصدقاءه في المنطقة، كنا وطلبنا من الرئيس أوباما خلال لقاءه في البيت الأبيض في أيلول الماضي لتوحيد الجهود لمكافحة الإرهاب والفكر التكفيري المستشري) وأفصح قائلاً عن عدم توافر أي معلومات عن المطرانين. تأكد ان هناك توافقاً ضمنياً غير المعلن والفعلي بين الغرب وما يحدث من تهجير مسيحيو المشرق من المنطقة. طبعاً وكالعادة صرح الكثير من المسلمين، استنكروا هذه الاعمال التي تقوم بها الجماعات الإسلامية الإرهابية من جبهة النصرة والقاعدة وداعش(الفكر الوهابي) هذه الاستنكارات لا تخرج من القالب النظري التي لا ترى النور. ففي الحقيقة ان غالبيتهم هم ضمناً راضين عن الكثير من هذه الاعمال. فهذا الجامع الازهر وهو من أشهر الجوامع في العالم الإسلامي يرفض تكفير داعش. وهنا يجول في خاطر المرء الكثير من الاستفسارات منها: إذا كانت داعش واخواتها لا تمت بالإسلام بشيء فلماذا لا يكفرهم الازهر؟ ولماذا يتلقى الجماعات التكفيرية بالسلاح والمال من الدول الإسلامية؟ ولماذا جرحاهم يعالجون في مشافي إسرائيل؟ ولماذا لا تقوم الحكومات الإسلامية القبض على الدواعش عندما يعودون من سوريا والعراق؟ ولماذا لم نرى ولو مظاهرة واحدة في احدى الدول الإسلامية تستنكر التكفير هذه الجماعات الإرهابية؟ بل العكس من هذا رأينا كيف استقبلوا أهالي الأردن إخوانهم الدواعش بالهلاهيل وإطلاق النار ابتهاجا بهم، ثم لماذا المسلمين صامتين على شعار الدولة الإسلامية (الله رسول محمد) إذاً يخطأ من يضن ان داعش لا تمت بالإسلام بشيء. الرئيس المصري السيسي القى كلمة له بمناسبة المولد النبوي وقال: (ان من غير المعقول ان الفكر الذي نحمله مما هو أقدس ما لدينا، يمكن ان يسبب للعالم الإسلامي بأن يكون مصدر قلق وخطر لسائر العالم، ولا يمكن ان يَقتل مليار ونصف مسلم في الدنيا كلها التي يعيش فيها 7 مليار حتى يتمكنوا هم من العيش). كلمة السيسي فيها منطق العقل والفكر الحضري لأنه لا يقصد الدين وانما يعني الأفكار، وكونه يقصد الفكر فلا مانع من مراجعة ما يستحق المراجعة لأن الفكر انتاج بشري في النهاية هو ثمرة تفاعل العقل مع النص. اختتم السيسي كلامه (الأمة أصبحت ممزقة، مدمرة لقد آلت الى الضياع، وبأيدينا نحن). دعوة السيسي جاءت في الوقت المناسب بسبب الأفكار المتشددة والمتطرفة والفتاوى الشاذة وهو مستنداً لقول محمد: (ان الله يبعث لهذه الامة على رأسها كل مائة عام من يجدد لها دينها). وبحسب القاعدة الفقهية التي تقول: (لا يُنكر تغير الاحكام بتغير الأزمان). كلام السيسي اعتبر بنظر الكثير خروجاً من رحاب الحنيفين وثورة على التطرف والتخلف. العراقيون لا ينسون جريمة اختطاف ومقتل مثلث الرحمة المطران بولس فرج رحو (رئيس أساقفة الكنيسة الكاثوليكية في الموصل) والتمثيل بجثته وعثرت على جثته في حفرة بعد أسبوعين من اختطافه في 29/2/2013 المختطفون (القاعدة) طالبوا 3 مليون $، لكن المطران رفض دفع أية فديّة لأجل إطلاق سراحه لأنه كان يعتقد ان تلك الأموال سوف لن تدفع لعمل الخير وأنها ستستخدم للقتل والاعمال الشريرة الأخرى، قلوبنا مازالت تعتصر حزناً والماً وأساً على الجريمة البشعة، سبب قتله لأنه قال في عضة: لماذا؟ ولماذا قتلوا فلان وفلان ولماذا قتلوا الكنائس والمساجد وما هو السبب ونحن مسيحيين ليس لدينا أعداء لأن المسيح قال أحبوا اعدائكم وصلوا من اجلهم لكي يعطي الله الرحمة في قلوبهم، ودعونا نصلي من اجل بلدنا للعيش بأمان في المحبة والسلام يا رب اغفر لهم لأنهم لا يفهمون ما يعملون. واليوم بعد مرور قريب السنتين بأي ذنب ترتكب جريمة خطف المطرانين رسولا المحبة، ونحن صابرون في الضيق، مواظبون على الصلاة فرحون بالرجاء، نسأل الرب ببركته وبشفاعة ام النور العذراء الطاهرة مريم وكل القديسين ان يعودوا سالمين الى كنيستهم وشعبهم. الاسرة الدولية هي المسؤولة عن هذا الصمت وعلى الاسرة الدولية الصامتة ان تعلم بان نور السيد المسيح أقوى من الظلم، وان مسيحيو المشرق هم أصحاب الأرض وهذه رسالتنا لكل الدنيا وسنبقى في ارضنا متمسكين بحرفنا وقلمنا وحضارتنا وجذورنا الراسخة لا تتزعزع من أي توريد أيديولوجيات غريبة ودعم الفكر التكفيري الوهابي. لهذا ندعو الى وقفة كنيسية واحدة والى ضمائر الإنسانية الكريمة للعمل الجاد لأجل إطلاق سراح المطرانين والى إيقاف القتل والتهجير والاختطاف المخالفة للأعراف. لا ننسى ولا نسكت ولن نموت صامتين ولا نصدق ان لا أحد يعرف مكانهما. (طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة، من أجلى، كاذبين. متى/ الاصحاح الخامس).
الباحث/ ســــمير عســــكر