يا لسخرية الزمن – لمن أشتكي
د. صباح قيّاتجاوزت مأساة شعبنا المسالم النصف عام . لم تتغير الأمور عن الواقع الأليم رغم الجهود المبذولة من جهات متعددة , سواء الجادة منها ’ ام ذات الأغراض الدعائية المرحلية ’ أو الأبعاد السياسية الآنية منها أو البعيدة المدى , وحتى العمليات العسكرية لم تحرز تقدما ملموساً يتوخى منه الأمل بنهاية قريبة للمسرحية التي صاغتها الحيتان وأخرجتها الثعالب ويؤدي دورها وحوش الغاب الكاسرة . لا بل تفاقمت المعاناة النفسية وساءت الآلام البدنية وتضاعفت العلل الجسدية بعد أن غرق حلم العودة وغاص في بحر القنوط العميق , وأضحت قوارب النجاة كأنها السراب ببصر تائه في صحراء قاحلة ...
كم أنت مسكين يا شعب نينوى ... سطا على دارك الجار بفضل حاملي راية العار , وسرقك الصديق , وغدر بك الرفيق , وصرت هائماً على وجهك تبحث عن طريق ... أنت هابيل بقبضة قابيل .. أنت يوسف بقسوة إخوانه ... أنت من حمل صليب المسيح بطمع يهوذا .. أنت هملت بطموح عمه ... أنت ضحية لعبة المصالح الدولية التي لا تأبه بدين او مذهب , ولا تكترث بالعجزة والأرامل وبالأطفال والثكالى , ولا تفرق بين مؤمن وكافر ... أنت كبش فداء الساسة الكبار ومشاريعهم المستقبلية والتي هي فوق كل اعتبار وليذهب من يذهب إلى حيث .
يقال عنها صناعة غربية ... ألماضي القريب يذكرنا بصناعة خاسرة ... أحداثها لا تزال في الأذهان عالقة ... إسألوا فيتنام ومعظم أفريقيا ؟ ... بل هي مصالح غربية ... كيف انكسر جيش المليون وتبعثرت آلياته ومعداته , وغابت طائراته , ودمرت مدافعه الثقيلة ودباباته , وقطعت أغلبية أفراده المسافة إلى البصرة مشياً على الأقدام ؟ ... ولولا مستلزمات اللعبة لسقط النظام حينها .. وعجباً ما حصل بعد كل ذلك الإذلال ... ظهر الحرس الخاص , وبغطاء مروحيات النظام , استطاع أن يسحق المعارضة في معظم محافظات الوطن .. وأعادها تحت جبروت سلطته مجدداً ... حصل كل الذي حصل والقيادة الغربية لم تتدخل إطلاقا ولم تتعرض للمروحيات بل تركتها تسرح وتمرح في ألأجواء لتمطر الناقمين بنيرانها ... ومن غرائب تلك اللعبة وأسرارها عودة شعب كردستان إلى مثواه بعد بضعة أيام فقط من فراره زاحفاً إلى دولة مجاورة .. وتمت عودته سالماً بحماية القيادة الغربية ... ليضع بعدها أسس الدولة المستقلة وبمباركة غربية أيضاً .
لن أغوص في بدعة أسلحة الدمار الشامل والجرح البليغ الذي أصاب البلد الغالي وسكانه الأبرياء بسببها ... فما قيل أعلاه يكفي لأسأل دهاقنة الغرب : هل حقاً لم تلمحوا عبور بضع آلاف من المحسوبين على البشر مع آلياتهم ومعداتهم نحو مدينة الموصل وأطرافها ؟ أم أن ذلك هو ما أعددتم له وبه ترغبون ؟ .. أشك أني سأحصل على الجواب ... يا لسخرية الزمن .. لمن أشتكي ؟ .
رباعيات شعرية – لمن أشتكي
د. صباح قيّا
ألقيت في الحفل التضامني الذي أقامته, برعاية أبرشية مار توما الرسول الكلدانية , إذاعة صوت الكلدان وبرنامج تبني عائلة مساء 24 تشرين الثاني 2014 في مشيكن (تحت شعار ) نحن معكم لأننا ن .
لمن أشتكي والموصلُ صليبُها ينزفُ
وكنائسُ المسيحِ بقنابلٍ تُقذفُ
وشعبنا بلا مأوىً ولا ماءٍ يرتشفُ
والله أكبر في ذبحه يغلو ويسرفُ لمن أشتكي
أيُّ ربٍ يفتحُ مبغىً ويدعوه بجنه
يجني أثمانَ الدخولٍ من إباداتٍ ومحنه
يحلمُ المؤمنُ فيها وطءَ أجسادٍ مِجنّه
لا يبالي من يضاجعْ حسنٌ كان أم فتنه لمن أشتكي
لمن أشتكي والسيفُ بالأعناقِ معلّقُ
تدخلُ الإسلامَ أم جزية مما تُسترزقُ
أو الرحيلََ عدا ما الجبينُ له يعرقُ
والموتُ لمن يعصي الشروطَ حتماً محققُ لمن أشتكي
لمن أشتكي والأمُّ من ثديها لا تُرضعُ
سرقوا الطفولةِ وعويلُها لا ينفعُ
وعلى الثرى أبٌ من جرحهِ يتوجّعُ
وفي الحيّ غريبٌ بعذابهم يستمتعُ لمن أشتكي
لمن أشتكي وتلكيفُ تُسقى دمعَ أهليها
وبغديدا تبصرُ غزواتِ تكريت ماضيها
وتلّسقفْ شهدتْ أقفاصاً مات من فيها
وباقوفة تحكي ضربَ من صدَّ دينَ غازيها لمن أشتكي
لمن أشتكي ونبعُ الإيمانِ كاد أن يُخرقْ
تلك ألقوشُ نجاها اللهُ غزوةَ الفُسّقْ
أبى من أبنائها إلا أن يحرس كالبيدقْ
وجموعُها الأخرى بأهلِ دهوكْ تتخندقْ لمن أشتكي
لمن أشتكي وفي قرانا يسرحُ الألمُ
لا بناءٌ لا ديارٌ لا وجوه تبتسمُ
كلُّ من تلقاه جراحُهُ ليس تلتئمُ
متى الحلولُ والأشهرُ تمضي تتقدمُ لمن أشتكي
لمن أشتكي واللعبةُ أسرارٌ وخفايا
بضعً آلافِ دخيلٍ يغنمُ كلَّ السرايا
لم يخضْ جيشٌ قتالاً نكثَ عهدَ الوصايا
فرَّ مذعوراً كفأرٍ يحتمي جحرَ الزوايا لمن أشتكي
لمن أشتكي وشكوايَ لن تلقَ اهتماما
هو عصرُ المصالحِ ليس للمرءِ احتراما
عند صنّاع القرارِ يفقدُ الرأيُ التزاما
يقلبُ الأبيضَ أسودْ ثمَّ يرمينا اتهاما لمن أشتكي
هوذا العالمُ منهوكٌ بأنواع المهازلْ
دولٌ تنعمُ جاهاً ودويلاتٌ تقاتلْ
لعبةُ الساسة آثامٌ بأقوال فضائلْ
تدّعي الحقَّ جهاراً ثمَّ تنحرهُ بباطلْ لمن أشتكي
يا تُرى من ذا الذي يرسمُ للكون طريقا
كلُّ شبرٍ في ربوع الشرق يلتظُّ حريقا
غرق العدلُ وغاص في المحيطات عميقا
كتم الأنفاسَ باليأس زفيراً وشهيقا لمن أشتكي
أيها الغربُ لماذا في الموازين تحابي
تنصرُ من ترتأيه حتى لو كان مرابي
هل تظن الحكمَ حكراً نتسى أيام الحسابِ
كلُّ من بالأرض حيٌ سوف يمضي للترابِ لمن أشتكي
أنا لا أنكرُ عيشي في ثناياك كريما
لا تفرّقْ بين شكاكٍ بربٍ أو قويما
سلطةُ القانونِ تقتصُ سفيهاً أو حكيما
كلَّ من خالف في فعله عرفاً مستقيما لمن أشتكي
جلُّ خوفي من صنيعٍ باسم أركان الحضاره
يفتح الباب لقومٍ جبُلَ الغدرَ خياره
ينشرُ الفتنةَ جهراً يكره حتى الحجاره
إحذروا القادمَ كالنعجة من تلك القذاره لمن أشتكي
أيها الغربُ متى عن غيّك تصحو وتفيقْ
وخلايا الحقد في المساجدِ تختطُّ الطريقْ
يومها في دورِ سباتٍ لغدٍ دامٍ محيقْ
عندها لن يجدِ نفعاً ندمٌ أو لوم صديقْ لمن أشتكي
أيها الغربُ أتعلمْ إنه دينُ الخيانه
تدعو آياتُهُ قتلاً مائةٌ غير الإهانه
كلُّ من صار خليفه زال بالغدر كيانه
طعنةُ الخنجرِ تُدمي بعد إعلان الأذانه لمن اشتكي
كم تمنيتُ زماناً أن اعود لدياري
فهيَ كالوردة عبقٌ رغم أشواك البراري
مرُّها حلوُ المذاقِ وسواها لا أجاري
متعةُ العاشقِ أن يُكوى بجمرٍ أو بنارِ لمن أشتكي
أنا في المهجرِ ضيعتُ مفاتيح المفاخرْ
صرت كالمهزوم في دنيا القمارِ لا يقامرْ
أحنو على بلدٍ ضاق بي كي منه أهاجرْ
أرمق في العلياءِ بشوقٍ جنح َ كلّ طائرْ لمن أشتكي
كيف تنسوني حبيباً أعشقُ حتى الثماله
فالعراقيُ جذورٌ يرتوي ماءَ الأصاله
نفسي تشتدُّ حنيناً في الشتاتِ مهما طاله
هيَ جيناتٌ ورثناها تباعاً من سلاله لمن اشتكي
أنا إبنُ الرافدينْ دجلةُُ والفراتُ مائي
هربت بالأمسِ ممن يحجمَ اليوم إيوائي
لا أمانٌ لا وئامٌ مسخَ معنى الإخاءِ
يشتري الجاهلَ كي يقصي ََ أصحابَ الذكاءِ لمن أشتكي
أتظلُّ يا فؤادي للعذاباتِ مشتاقا
كفاك خفقاً على من كان بالأمسِ عراقا
وهو اليومُ مخاضٌ لغدٍ يولدُ عاقا
ودموعٌ تلسعُ الخدَّ لهيباً واحتراقا لمن أشتكي
أنا مهدُ الحضاراتِ بابلُ أصلي وفصلي
غدر الفرسُ بها مزجوا الدماءَ بوحلِ
لاح في الأفقِ صليبٌ هرع الجمعُُ يصلّي
بشّرَ الناس على الأرضِ سلاماً لا بقتلِ لمن أشتكي
أنا أتباعُ المسيحِ هذا فخري واعتزازي
أيُّ دينٍ يطلبُ العفوَ لبطّاشٍ وغازي
غير من قال بحقٍ لغريمٍٍ لا تجازي
خدك الأيمنُ بالصفعِ لثانيه موازي لمن أشتكي
لمن أشتكي وصراخي صدىً لن يلقى مجيبْ
ذنبي من دينٍ ينادي حبَّ عدوٍ كالقريبْ
أغدو شهيداً بأرضٍ كي في السماءِ لي نصيبْ
كم نظلُّ ندفع الأثمانَ طوعاً دون حسيبْ لمن أشتكي
أتركُ الأمرَ لربٍ إنه مجدُ الأعالي
ليست المرةُ الأولى أن نهددْ بالزوالِ
هو من يفرجُ ضيقاً يقلبُ حالاً بحالِ
منه نرتجي خلاصاً لهُ أبغي بسؤالي لمن أشتكي