معذرة.. لا أثق بكم ايها الاخوة
عبدالمنعم الاعسم
aalassam@hotmail.com بصراحة متناهية، لا اثق بالسياسيين..وبالاخص منهم اولئك الاخوة الذين صاروا ينطّون الينا من شاشة الى شاشة، مبسملين، معّوذين، ويغيرون علينا من محفل الى محفل، ومن تكية الى غيرها، ومن تابعية الى اخرى، وعذرهم ان الفرص السانحة للوجاهة لن تتكرر، وان الجمهور قد ينفض، وان محذور المساءلة قد يحل، ولن ينفع الندم.. ولات ساعة مندم.
انهم يطلبون منا الصبر وهم مستعجلون، يدفعوننا الى التضحية وهم محصنون، يدعوننا الى ولائم ارقام معلومة كل صباح، ثم يتركوننا مساء الى مصائر مجهولة.
وتعالوا لنرَ، كيف انهى السياسيون الجمعية الوطنية التي انتظرناها، بالهجير والصلوات، الى جثة تنام على الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم وتستيقظ على(موافج) وكيف حوّلوا النواب الذين انتخبناهم، مخاطرين بحياتنا، الى اشباح ينامون على تبريرات منظومة ويستيقضون على (نقطة نظام) .
انهم يطالبوننا، نحن المسكونين بفقر الدم، ان نزوّد السوق باللحم والعافية، وببيض من الذهب، ولسان حالنا يقول ما قاله الاسكندر لرسول فورس ملك الهند الذي طلب منه مائة بيضة من الذهب لقاء انعاش الهدنة بينهما "ان الدجاجة التي كانت تبيض ذلك البيض ماتت" فقد فرغت احشاؤنا من الثقة لكثرة ما سمعنا من وعود، وفاضت جروحنا من الشكوى قدر ما توجعنا، وجفت عيوننا من الدمع فرط ما بكينا.
لا أثق فيهم، ولي في ذلك ذرائع وموجبات وتجارب وشكوك وملاحظات وظنون ومواجع وادلة وبراهين واسئلة ورهانات ومشاهد ووقائع موصولة بما حدث وما يحدث، بالصوت والصورة، بالطول والعرض، متصلة بالحاجة الى قادة يمتلكون بعضا من صفاتنا، لا صفات الملائكة، وبعضا اقل من صفات المخلوقات الاخرى، أوردها مؤلف كتاب(رقائق الحلل في دقائق الحيل) هكذا: شجاعة الديك، وجرأة الاسد، وحملة الخنزير، وحراسة الكركي، وحذر الغراب، وغارة الذئب، وروغان الثعلب، وصبر الجمل.
وقد يقول قائل: النظر من الخارج لا يمس تفاصيل الاشياء، ولا يلمس عمق الحال، وان الماء البعيد –يقول المثل الصيني-لاينفع في اخماد الحريق.
وقد يردد آخر ما قاله الامام الغزالي "ليس المشكل في النصيحة..المشكل قبولها" وان مَن نصح من غير تأويل ولا تطييب كمن لم ينصح.
وقد يذهب ثالث الى القول، ان البعض من السياسيين عُرفوا بالحمكة والكارازمية، وان لديهم سجل في رجاحة العقل والوطنية، وانه لا مفر من الانتظارعما يأتي به المخاض العسير.
وقد يتساءل البعض عما يمكن اقتراحه من علاج او مرجع او قاموس استرشادا الى مفاتيح الحل، وان الحرية متاحة للقول، مكفولة لترشيد الرأي والسياسة والمناهج.
عندي، ان الجميع يمتلكون نصف الحق ونصف الوجاهة ونصف الرهان، لكن الحلول لن تتحقق تماما بالاهابات، ولا بالتدليس، ولا بحسن الظن ولا بالنصيحة، ولن نجدها كاملة في بطون الكتب، ولا في ترهات الكراريس، ويومها اوصى محمد علي الكبير حكام مصر ان يستدلوا في ادارتهم للدولة بتجربة (الامير) السياسية المسجلة في كتاب ميكافيللي، وقد شرع المترجمون بتعريب الكتاب فيما يتابع الباشا فصوله اولا بأول، لكنه بعد قراءة فصلين منه أمر بوقف الترجمة، فقد اكتشف ان العرب والاتراك والفرس والكرد وحكام الشرق وساسته يعرفون من الحيل اكثر مما يعرفه ذلك الامير الاوربي، بل ان امبراطور المانيا فريدريك الثاني لم يجد غضاضة في ان يتوجه الى ساسة الشرق كي يتتلمذ على ايديهم.
الامر الذي افقدني الثقة بساستنا هو نفس الامر الذي دفع العم يروشكا في قصة القوزاق لتولستوي الى ان يصعد الى اعلى شجرة في قريته مناديا: ايها الاخوان إن المختار يخذلنا والحارس يبيعنا واصحاب الهمة ساكتون، وبالنسبة لي سالقي بنفسي من هذه الشجرة الى الموت لأني لم اعد اصدق ذلك.