همومْ السفرّ بينَ الناس والبطريرك. بقلم سلوان ساكو
سال خلال الفترة القليلة الماضية حبر كثير عن السفر والهجرة واللجوء والاغتراب والهروب والهرب ، وكلها تأتي في سياق واحد هو الرحيل عن الوطن الأم اذا كان هنُاك وطنْ أصلاً . مما أدت في النهاية إلى هذا الوضع المهترئ والمحزن، والذي لا يبدو أن له نهاية قريبة .
وبعيداً عن التشنجات والمهاترات الكلامية التي لا تجدي نفعاً، وتجاوز القشرة الهشة لقضية أصبحت موضع جدل واسع ، ولعدم التوغل في تفاصيل من شأنها أن تُضيع جوهر القضية وتنفي أسُسه من الأصل ، وهذا ما نَحْنُ ليس في حاجة له الان . وفي هذا الوقت بالذات .
وهذا المقال لم أرد به دفاعا عن سيادة البطريرك مار لويس ساكو ، فهو كفيل أن يُدافع عن نفسه ، وله من قوة الكلمة وبيان اللغة وإلايمان الراسخ ، مما يجعله قادر على دحضَ كل ادعاء كاذب وتفنيد كل حجة بحجة اكبر منها ، كما انه شخص واقعي وصريح وصاحب قرار ومطلع على ادق تفاصيل ما يجري في خارج العراق وداخله . وإذا يوجد كلمة حق يجب أن تقال الأن ، لأن الذين يرددونها، لو كانوا أمناء مع أنفسهم حقاً، لقالوا لنا أيعقل ان سيادة البطريرك مار لويس ساكو يترك عمله ومشاغله وموجة النزوح الغير طبيعية التي تشهدها البلاد في الآونة الأخير بسبب داعش والارهاب ، ومشاكله الكنسية الداخلية والخارجية الكثيرة والكبيرة ، يترك كل هذا ويلاحق ملف عائلة قدمت اوراق طلب سفرها الى أمريكا او كندا او استراليا ليمنعها من السفر، أيعقل هذا ؟؟؟
حدث العاقل بما لا يعقل فان صدق فلا عقل له . والذي أراته من هذا المقال هو تحكيم العقل والتفكير بشكل منطقي ووضع الامور في نصابها الصحيح ويكفي تحميل البطريركية والبطريرك ما لا ذنب لهم به. نعم يوجد علاقة جدلية بين الكنيسة وبين موضوع الهجرة على أساس ان الكنيسة هي جماعة من المؤمنين وبدون هذه الجماعة تصبح الكنيسة حجر فقط ، دون حياة ، والشواهد على ذلك كثيرة ، فهذه كنائس تركيا مغلقة لا يدخلها أحد من عشرات السنين ، وهنُا في استراليا ملبورن تباع بعض الكنائس القديمة بسبب المصاريف ، وعدم تسديد الفواتير ، وتصار بعد ذلك الى بارات ليلية ونوادي . ودور رجل الدين هو ابقاء هؤلاء المؤمنين في إطار الكنيسة قدر المستطاع دون فرض الرأي او الفكرة . طبعا هذا شيء وأخذ قرار السفر والهجرة شيء آخر، فالهجرة موجودة من زمان ، والعراقي سافر الى الولايات المتحدة الأمريكيا من ثلاثينيات القرن المنصرم ، ويوجد من همّ من الجيل الثالث او الرابع هناك ، حيثُ كانت الناس تسافر على متن السفن والبواخر . ومنطقتنا العربية شهدت هجرة ونزوح كثيف خاصة مع بدية القرن العشرين ، والحربان العالميتان والتغيرات الدولية الكبيرة التي عصفتْ بالعالم مما دعا الى تغير ديمغرافي كبير بالسكان وتهجير قصري ،تبعاتها مستمرة الى حدْ الأن ، وشعوب هذه المنطقة مثل رمال الصحراء المتحركة طور في الشمال وطور أخر في الجنوب . حسبما ما تعصف بهم رياح الحرب القاسية .
هذه مسألة ، أما المسألة الأخرى، التي لا بد من التطرق إليها والتوقف عندها بكل جدية ولكن بعيدا عن تحميل الكنيسة المسؤولة المباشرة التي يلجأ إليها البعض لتسويغ وتسويق أمور لا يمكن تسويغها أو تسويقها فمسألة السفر تبقى مسألة شخصية يتخذ اصحبها القرار وهم وحده يتحملون المسؤولة في تبعاتها الإيجابية والسلبية النجاح أو الفشل الوصول الى بر الأمان أو الغرق عند حافة البحر . لا تتحمل الكنيسة ولا البطريرك وزرَ أي احد أراد السفر ولم ينجح في الوصول الى المكان المنشود ، وهذه دول الجوار من تركيا الى الأردن الى سوريا ولبنان يوجد عشرات الآلاف من العراقيين ينتظرون الفرج . والمسيحين الذين هم في الخارج اكثر من هُمْ في الداخل بأضعاف ، والجاليات من الكلدان في أمريكا وأستراليا وكندا واوربا بلغت من العدد مما يستوجب أستحداث أبرشيات جديد لهم . فهل يعُقل التحدث عن عرقلة الكنيسة للسفر، ومن السذاجة في تحميل شخص البطريرك المسؤولية عن توقيف برنامج الهجرة واللجوء .
هناك أسباب كثيرة تحتاج إلى دراسة ومراجعة متعمقة ، حولة الهجرة ، وكيف اصبحْ السفر بعدَ عام ٢٠٠٣ أسرع وأسهل بكثير عما كان عليه قبل هذا العام ، فكان الواحد منا يمكث في عمان أو تركيا سنين طويلة الى أن توافق عليه دولة مثل استراليا وأمريكا ، وفي بعض الحالات تضطر العائلة الى الانتقال من دولة الى اخرى من كثرة الرفوضات التي جائتهم فتعمل على تغير الأسماء والعناوين على أمل ان يقبلوهم في برنامج التوطين.
حرب ٢٠٠٣ لم تبقي ولم تذر على شيء وسقوط بغداد لها اسبابها وأبعادها وما تركته من ظلال قوية على المواطن العراقي بصورة عامة والمسيحي بصورة خاصة ، وقد أدرك المسيحيون في الشرق الأوسط أنهم مجرد ورقة يلعب بها الغرب ولا احد ينكر ذلك طبعا ، ولكن هناك أيدي خفية وخبيثة تعمل في الخفاء لتفريغ العراق من مكون أساسي واصيل ، كان له الفضل في قيام ونشوء وتأسيس الدولة العراقية الاولى ووضع النوة الاولى ، والأسماء حاضرة الى حد الان في التاريخ المعاصر أمثال بيت خياط وبيت بطيْ وبيت فتح الله ، والأستاذة والأطباء والمهندسين من ذوي الكفاءات والاختصاص . وطبعا لا ننسى دور الكنيسة في المجتمع ، فكثير من المدارس كانت تدار من قبل الراهبات ، والتعليم بها على اعلى مستوى . وبيت الحكمة الذي كان الإسهام الأكبر في تأسيسه يعود للمسيحين .
يجب الاعتراف أن هذه الأيادي الخفية نجحت في ازاحة هذا المكون الأصيل من لوحة الفسيفساء العراقية ، ولم يتبقى سوى القليل الذين هم ينتظرون الفرصة المناسبة لشدّ الحقائب والسفر .
هل من الانصاف تحميل البطريرك تبعة ما جرى وما يجري ، أليسَ بالحريِ بِنَا أن نكتب ونقول ما يمليه الواقع والظرف والضمير فالتاريخ دروسه قاطعة لا ترحم .