حوار الأديان جسرٌ أمينٌ للعيش المشترك -الحزء الأول-

المحرر موضوع: حوار الأديان جسرٌ أمينٌ للعيش المشترك -الحزء الأول-  (زيارة 447 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل لويس إقليمس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 120
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
حوار الأديان جسرٌ أمينٌ للعيش المشترك
-الحزء الأول-

لويس إقليمس
 لعلَّ أولى نقلة نوعيّة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية للحوار، كانت مع انبثاق "المجلس البابوي للحوار مع الأديان" في19 أيار 1964، بمبادرة من البابا الراحل بولس السادس الذي كان له الأثر الكبير في التأسيس للحوار، ليس مع غير الكاثوليك فحسب، بل مع غير المسيحيين أيضًا، ولاسيّما المسلمين. ذلك المشوار الطويل الذي كان بدأه سلفه البابا "الطيّب"، طيّبُ الذكر يوحنا الثالث والعشرون كأحد المحاور الرئيسية في المجمع المسكوني الفاتيكاني الثاني (1962-1965). وقد نُعت بولس السادس ب "بابا الحوار والمصالحة" بسبب انفتاحِه الجادّ على كنائس غير كاثوليكية وعلى غير المسيحيين، وإصدارِه الوثيقة المشهورة "في علاقات الكنيسة مع الديانات غير المسيحية، التي تطرّقت إلى حرّية الإنسان و "حقّ الشخص البشري بالحرّية الدينية".
ومن يومها، تناول العديد من النشطاء والمثقفون والمنفتحون، مِن مرجعيات دينية وشخصيات سياسية ومدنية وعلمانية على السواء، موضوع الحوار بين الأديان والثقافات والحضارات. كما شهدت أروقة الأمم المتحدة ودهاليز الدول والمنظمات لقاءات متعددة الأطراف لممثلي أديان ومذاهب على مراحل مختلفة مذ ذاك اليوم ولغاية الساعة. وجميعُها كانت تصبّ ضمن مساعي خلق حوارٍ بنّاء بين المختلفين في الدّين والثقافات لتقديم شهادات حيّة عن روحيّة الأديان التي تنتمي إليها جماعاتُهم المؤمنة والسعي لفتح آفاق جديدة منفتحة فيما بينهم من خلال تبادل الخبرات وعرض تلك الشهادات بروحيّة تقديم الحقيقة للآخر، وبلغة إيمانية بحتة وليس بفرض الرأي والدّين بروح متعصّبة ومنغلقة.
وفي العراق، تمّ في 15 آذار 2013، الإعلان عن تأسيس المجلس العراقي للحوار بين الأديان بمبادرة من مؤسسة الخوئيّ والآباء الدومنيكان. والمجلس المذكور، بمثابة نواة للحوار بين الأديان ومدّ الجسور بين الثقافات الثرية التي يحتضنُها هذا البلد الجريح المبتلى بنيران الطائفية والتطرّف والتشدّد الغريبة والدخيلة على أبنائِه ومجتمعاتِه المتآخية منذ قدم الدهر. نأمل أن تُنعش هذه المبادرة الآمالَ بإعادة لحمة المحبة والتسامح والتكاتف بين جميع مكوّنات الشعب العراقيّ بمختلف أديانٍه ومذاهبِه وأعراقِه، بعد أنْ تمزّقتْ بفعل التدخلات الخارجية في الشأن الوطنيّ وسطَ غيابٍ ملحوظ مأسوفٍ له للحسّ الوطنيّ لساسة البلد الذين هرولوا وراء مصالح حزبية وفئوية وشخصية ضيقة وآثروها على المصلحة العليا.

الحوار المسيحي-الإسلامي ضرورة حياتية
هنا يأتي موضوع الحوار المسيحي-الإسلامي على رأس هذه جميعًا، نظرًا لخصوصيته وللقواسم المشتركة القائمة بين الديانتين، إلى جانب الأثر الذي تركه المسيحيون في كلّ المجالات في جسد منطقة الشرق قبل وبعد ظهور الإسلام، وكانوا فيها خيرَ خميرة وأفضلَ ملحٍ طيّبَ المنطقة وأهلَها بعطرِ المحبة والإيمان الصادق والعشرة الإنسانية وما زالوا كذلك.
لقد تناول جميع باباوات الفاتيكان أهمية الحوار بين الأديان على خلفية المسكوني الفاتيكاني الثاني ونتائجه ومسبّباته. فقد حدّد البابا بولس السادس في حينِها، نظرة الكنيسة إلى الإسلام من زاوية الاحترام لإيمانهم بالإله الواحد، خالق السماء والأرض، الذي يعبدونه ويسلّمون إليه أمرَهم، تمامًا كما سلّم إبراهيم أبو المؤمنين أمرَه إلى خالقه. كما دعا في وقتِها إلى الاتحاد بين أتباع الديانتين والعمل على المصالحة والسلام، تمامًا كما تأمرُ الد يانتان في الإنجيل والقرآن.
وجاء سلفُه البابا القديس يوحنا بولس الثاني ليكمل المشوار بإعادة تسمية المجلس الحبريّ وصياغتِه وفق أسس متجّددة في 28 حزيران 1988. فهو رأى في الحوار المسيحي-الإسلامي جزءًا من رسالة الكنيسة التي يستند إليها شهودُ المسيح في رسالتهم للعالم.
فيما يذهب البابا المتقاعد بندكتس السادس عشر إلى اعتبار الحوار بين الأديان والثقافات "ضرورةحياتية"، وهو يعدّ المسلمين إخوة للمسيحيين ويحثّ على التحاور معهم من أجل خلق رؤية مشتركة. ففي 26 أيلول 2006، قال البابا بندكتس في لقاءٍ خاص أمام دبلوماسيين مسلمين في الرباط: "في عالم تطبعُه النسبية وغالبا ما يلغي سموَّ كونيّةِ العقل، فإننا بحاجة ملحة لحوار   حقيقيٍّ بين الديانات والثقافات، حوارٍ يمكّنُنا سويًّا من تجاوزِ جميع الصعوبات بروحٍ منَ التفاهم المثمر". وأكد البابا في حينها، مواصلتَه الجهود التي قام بها سلفُه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني، معربًا عن أمله في "مواصلة علاقات الثقة التي ربطت بين المسلمين والمسيحيين منذ سنوات، بل وتطويرِها بروحٍ من الحوار الصادق القائم على الاحترام وعلى التعارف المتبادَل، حوارٍ يركز على القيم الدينية المشتركة، ويرمي بأمانة إلى احترام الاختلافات".
أمّا قداسة البابا فرنسيس الأول، بابا روما المالك سعيدًا، فقد دعا في 14 تشرين أول 2013، خلال لقائه المشاركينَ في الجمعية العامة للمجلس الحبري لتعزيز التبشير الجديد في الفاتيكان، الى الالتزام بالسعي للقاء الآخرين ومحاورةِ أتباعِ الأديان الأخرى منْ دونِ خوفٍ أو تردّد، موضحا "أنَّ التبشيرَ الجديد حركةٌ متجددة نحو أولئك الذين فقدوا إيمانَهم، والمعنى العميق للحياة". كما أشارَ قداستُه، إلى أنَّ "كلَّ مسيحيٍّ مدعوٌ للتواصل مع الآخرين، وإقامة الحوار مع أولئك الذين لايفكرون مثلنا، والذين يؤمنون بعقيدة مختلفة، أو الذين ليس لديهم إيمانٌ مطلقا". وأضاف: "علينا لقاءَ الكلّ، لأنَّنا جميعًا نشتركُ في حقيقة كوننا خُلقنا على صورة الله ومثاله". وخلصَ قداستُه الى القول: "بإمكاننا أن نخرجَ للقاء الجميع دونَ خوفٍ ودونَ التخلي عن أصولِنا"، مضيفًا: "آمل حقا أنْ تستمر علاقات الثقة، التي نمت بين المسيحيين والمسلمين، منذ سنوات طويلة، لا بل أن تنمو بروحِ الحوار الصادق والاحترام المتبادل، على أساسِ المعرفة المتبادلة والحقيقية، التي تقرُّ بفرحٍ بالقيم الدينية المشتركة بيننا والتي تحترمُ بصدق الاختلافات". وفي لقائهِ يوم 8 كانون ثاني 2014، مع وفد مِن جمعية سانت أجيديو الإيطالية، شدّدَ البابا فرنسيس على أنَّ"الحوار لابدَّ أن يكون في جميع الاوقات وليس في الازمات او الحروب" مذكِّرًا أنَّ"العالمَ سوف لا يرى السلام إلّا بالمحبة واحترام الرأي الاخر والحوار الديني والعلمي البناء".
وفي رسالة وجهها الى مسيحيي الشرق الاوسط في 23 كانون أول 2014، دعاهُم فيها الى الحوار مع الأديان الاخرى على الرغم من الصعوبات مؤكدًا أنّه " لاسبيل آخرَ من أجل تسوية المشاكل". وهذه الرسالة التي نشرت في حينِها بسبع لغات بينها العربية، ركّزتْ على قول البابا برغوليو (فرنسيس) من أنَّ "الحوار ما بينَ الأديان يكتسبُ أهميةً أكبر، بقدرِ ما تزدادُ الأوضاعُ صعوبةً. وليس من سبيل آخر، لكون الحوار المرتكز إلى مواقف الانفتاح في الحقيقة والمحبة، يشكّلُ أيضًا أفضلَ ترياقٍ لتجربةِ الأصولية الدينيّة التي تُهدّد مؤمني كلّ الديانات. والحوارُ هو في الآن معًا خدمةٌ للعدالة وشرطٌ أساسيٌّ للسلام المنشود". وكان البابا فرنسيس قد تحدّثَ بذات الرؤية، خلال مؤتمر صحفيٍّ جمعَهُ بالرئيس التركي "أردوغان" في القصر الرئاسي في انقرة في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، بدعوتِه لتركيا المسلمة الى"حوار بين الاديان" أمامَ التعصب الذي يعصفُ بالمنطقة، وكي تكون "جسرا طبيعيا بين قارتين وبين تجليّات ثقافية مختلفة"، موضحا أنَّ "مساهمةً مهمة يمكنُ أن تصدر عن الحوار الديني والثقافي بطريقة من شأنها منعَ كلِّ أشكالِ الأصوليّة والإرهاب".

الحوار يعني قبول الآخر المختلف
إنَّ أيَّ حوار لا يقوم على مبدأ قبول الآخر واحترام خصوصياتِه وخياراتِه يبقى في خانة حديث الطرشان، لأنّ أساس الحوار هو الإنصات للآخر، لهذا الغير المختلف، ربّما في الفكر والدين والعقيدة واللون والعرق واللغة، وما إلى ذلك. كما أنّ الحوار يُبنى على شيء اسمُه التفاهم كي يكون مثمرًا وقابلاً للتطبيق في الحياة اليومية. فهو دومًا، جسرٌ للتواصل وصمّامُ أمانٍ للمختلفين في كلّ هذه وتلك من الأمور والشؤون الخاصة والعامّة. وإنّه من دون وجود قاعدة بيّنة لهذا التفاهم حول الاختلافات الفكرية والعقائدية، لن يكون من الممكن مدُّ مثل هذه الجسور للتواصل المستمرّ كي يأتي بثمارِهِ. فالاختلاف في وجهات النظر أمرٌ مقبول مِن دون أن يؤدّي ذلك إلى تحوّله إلى خلافات وجدالات وصراعات عقيمة، لا تخدم أيّا من الأطراف المختلفة، أيّا كان نوع الاختلاف هذا. بل المنطق والعقل يوصيان بمدّ مثل هذه الجسور في الحياة العصرية المعقدة بتفاصيلها، حيث يسهم الحوار بشكل فاعل في اكتشاف الآخر والتعرّف إلى وجهات نظره، ربّما المختلفة عن محاوِرِهِ المتربّص أحيانًا. كما أنّه مفتاحُ الأمان لأسس الحياة المعقدة، في عالمٍ تسوده الأنانية والعولمة الاستكبارية والمفاهيم الاستعلائية والتهميش والإقصاء والنظرة الدونية للآخر. فهو إذن، مِن وجهة نظر المجتمعات المتعايشة سلميًّا، ذلك الطريق السليم للاطمئنان على سيادة الاحترام بين الثقافات المختلفة، حضاريًا ودينيًا وعقائديًا، ومنها سيادة العلاقات الصحيحة والمقبولة في أوساط المجتمع بكلّ اختلافاتها ومبرّراتها وهواجسها.
إنّ القرآن يتطرّق بصورة خاصة إلى أتباع الديانتين اليهودية والمسيحية (النصرانية) التي سبقت انتشار الإسلام، بمودّة وحسن معاملة ووعدٍ بالخلاص بسبب كونهم أهلَ الكتاب " ولا تجادلوا أهلَ الكتاب إلاّ بالتي هي أحسن" (العنكبوت 29:46)، في إشارة إلى خصائص إيمانية مشتركة بإله واحد. وقد وردت آياتٌ عديدة في هذا السياق، ولاسيّما في الحقبة "المدنية" لنزول الوحي التي اتسمت بتوجيه خطابٍ مباشرٍ لأتباع الديانتين السابقتين للإسلام: " إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئيّين مَن آمنَ باللّه واليوم الآخر وعملَ صالحًا فلهُم أجرُهم عندَ ربّهم ولا خوفٌ عليهم ولا هُمْ يحزنون" (البقرة 2:62).
من هذا المنطلق وبعيدًا عمّا ذهب إليه الدّينُ الجديد آنذاك بعد استقوائه وضمّه قبائل وعشائر إليه بوسائل متعدّدة، ترغيبية وترهيبية، وفي ضوء ما يشهدُه العالم اليوم من صحوة سلبية أصولية متطرفة، رأت الكنيسة، أنَّ الحوارَ هو أفضلُ خيارٍ لتقريب وجهات النظر ومحاولة فهم الآخر بهدف السّير في طريق آمنٍ تشترك فيه الديانتان مع غيرِهما في عبادة نفس الإله وتؤمن بذات الخلاص الموعود، وإنْ اختلفت الصورة والشكل والوسيلة! والتاريخ يحدّثُنا عن حوارات جادّة بين أتباع الطرفين من منظور احترام كلِّ طرفٍ لعقيدة الآخر، تمامًا كما حصل في غابر الأزمان من حوارات مثمرة، ومنها تلك المحاورة المشهودة بين الخليفة المهدي والجاثاليق المشرقي طيمثاوس في القرن الثامن الميلادي، والتي جرت في جوٍّ من المودّة والمحبة والتفاهم والانفتاح من غير مجاملات ولا مداهنات ومن دون أن يفرض طرفٌ نفسَه وفكرَه وعقيدتَه على الطرف الآخر. فقد كانت بحق، تقليدًا حضاريًا جديرًا بالتكرار وفعلاً ثقافيًا رفيعًا في مستواهُ وكذا في السؤال وفي تلقّي الرّدود المقنعة. كما يذكر التاريخ حوارات مهمّة أخرى على عهد رسول الإسلام والخلافة الراشدية والأموية والعباسيّة، حيث كان الاعتماد على العلماء من المسيحيين (النصارى) في دواوينِهم وطبابتِهم وأمانتِهم لبيت المال وتراجمِهم ونقلِهم لعلوم شعوبٍ وأممٍ متقدّمة آنذاك، طلبًا للعلم والثقافة.
  لعلَّ من سمات الجانبِ المتحاوِر، الاتّسامُ بالحكمة والنية الحسنة والعلمِ الوفير في بسط الأمور وتفهّمِها بحسب معايير لا تفتقر إلى الفطنة والبصيرة ومبدأ القبول بالرأي الآخر، حتى لو اختلف الجانبان فكرًا ورؤيةً وعقيدةً. وهكذا، يبقى الحوارُ أفضلَ السبل لتحاشي التوترات وحقن الدماء ووأد العنف المتزايد بسبب سوء فهمٍ في تفسير الكتب السماوية وقصورٍ في تمييز الحلال عن الحرام والمعروف عن المنكر، بحسب الاجتهادات والأهواء. كما لا ينبغي أن تتحول الاختلافات الّلاهوتية والعقائدية والأخلاقية إلى شكل نزاعات، مادامَ الفرق في مقياس الله ورؤيته هو الإيمانُ والأعمال وحسنُ السيرة وليس الهويّة الدينية.
لكنّ المرحلة المظلمة حصلت مع فترة الحروب الصليبية التي كانت نتائجُها كارثية على مسيحيّي المنطقة بسبب تركها آثارًا سلبية في عقلية الإسلام الأصوليّ المتشدّد الذي جابه "الجهاد الغربيّ" غيرَ المبرّر بجهادٍ متزمّتٍ أوسع وأشدّ ومدمّر، بالرغم من وقوف المسيحيّين بمختلف فرقهم ومذاهبهم إلى جانب إخوتهم العرب في الدفاع عن أوطانهم وأراضيهم من الغازي الغريب. فماتزال تلك الفترة تشكّلُ وصمةً سوداء لدى الكثيرين من حيث نسبُ كلّ ما يتعلّق بمسيحيّي الشرق اليوم إلى الغرب "الكافر" وتبعيتهم له، رغم أنّ مثل هذه الأفكار ليست سوى هراء ولا تعكس الحقيقة. وقد آن الأوان، إنْ لم يفت، أنْ يكفّ حاملو مثل هذه الأفكار المتزمّتة عن هذه الترّهات ويعودوا إلى رشدهم وجوهر عقيدتهم الإسلامية واليقين بوجود آياتٍ خلافيّة ناقضة وناسخة لبعضها قد وردت في حينها بهدف معالجة قضايا آنيّة، وهي اليوم غير ممكنة التطبيق ولا تصلح في عصرالعولمة والعلم وعجلة التقدّم الجارفة. فما صَلُحَ وجازَ وكانَ مقبولاً بالأمس وقبل أربعة عشر قرنًا، لم يعدْ مقبولاً في عصر الحداثة والتقدّم ونحنُ في الألفية الثالثة!!!

أهمية التعايش السلمي بين الشعوب والأمم
إنّ أيَّ حوار اليومَ، كما سبق الإشارة إليه، ينبغي أن يجري بقلب رحبٍ وبنيّة صافية وإرادة صالحة، بعيدًاعن التعصّب، أيّا كان شكلُه أو نوعُه أو غرضُه، إذا أُريدَ له خلقُ أجواءٍ طيّبة للتعايش السلميّ وتنمية المجتمع على أسسٍ رصينة عادلة ومعتدلة في آنٍ معًا. هنا، لابدّ للطرفين المتحاورين أن يخرجا أولاً عن خانة الأحكام المسبقة الواحد ضدّ الآخر وأن يعتمدا نظرةً منفتحة في أسلوب فهم الآخر ونواياه، من دون مجاملة أو رياء على حساب عقيدة أيّ من الطرفين. فالهدف هو فهم الآخر ومحاولة القبول به كما هو في اختلاف عقيدته ورؤيته الّلاهوتية والعقائدية والمذهبية، وليس بالجدال العقيم المتعصّب الذي يسعى لفرض الرأي والاستعلاء والاستكبار بالأفضلية على الآخر المختلف. حينه يمكن للطرفين أن يعمّقا المعرفة ببعضهما البعض ويختبرا عقيدة بعضهما البعض بالرغم من اختلافها. فمعرفة الآخر المختلف تبقى أفضل رهانٍ لفهم الآخر والقبول به كما هو، بدل الانغلاق والانكفاء على الذات والتعصّب التي لا تجلب جميعُها غيرَ اليأس والبؤس والعنف والخلاف الذي يمكن أنْ يولّد بدوره صراعات ونزاعات مدمّرة، كما يحصل اليوم.
وهذا هو دور النشطاء والمعتدلين والمتفتّحين والمثقفين اليوم، والذين عليهم تقع مسؤولية خلق هكذا حوارات متحضّرة ناضجة تضعُ الأسسَ الحضارية للنقاش المثمر بهدف خلق مجتمعات متعايشة سلميًا، بالرغم من تعقيدات الحياة المعاصرة وتجاذباتها وحيثياتها. فالسلمُ الأهلي، أصبحَ اليومَ، قابَ قوسين أو أدنى من تعرّضه لتمزّق اجتماعيّ قاسٍ، قد يخلُّ بنظام العيش المشترك ويطيح بكلّ آمال المجتمعات الساعية للتعاون والتكاتف وتلك الطامحة لبناء جسور من الألفة والتسامح والمحبة بين أتباع الديانات والمذاهب والمعتقدات والثقافات المختلفة التي يُفترض أن يجمعها حبُّ الله والإنسانية وتنمية مواردها البشرية وتطوير قواعدها الاجتماعية لتتلاقى وتنسجمَ مع تطور الحياة المتواصل، بدل خلق صراعات كارثية. فما يجمعُ الأطراف كافة أكثرُ ممّا يفرّق!
لقد نبَّهَ المرجعُ الدّينيّ العراقيّ علي السيستاني بدورِهِ، إلى "عدم اعتبار الحوارِ حالةً وقتية أو حينما تحدثُ مشاكل، بل أرادَ للحوار أن يصيرَ جزءًا مهمًّا في الحياة الانسانية الحقيقية، ولايوجد مشكلة للقاء الانسان مع الاخر بما أنَّه تربطنا دياناتُ السماء. والإسلامُ والمسيحية هما من ديانات السماء". كما أكَّدَ لوفد منظمة سلام الإيطالية في 9 كانون ثاني 2014 في النجف، على "ضرورة الحوار والتواصل السليم والاحترام بين الأديان الذي من شأنِه أن يعزّز أطرَ الثقة بينهم ويصل إلى قلوب الناس بما يعزّز مفهوم السلام". وهذا الحديث ينمُّ عن حكمة نطق بها شيخٌ له رؤية إنسانية شاملة تبحث عن الاحترام المتبادل بين أتباع الديانات وعلى التعاون والتعاضد والتعايش الذي تكفلُه عقائد الديانات على اختلافِها.
إنّي أعتقد أنَّ من بين السبل الكفيلة بتعزيز التعايش بين المجتمعات، يكون بالسعي الجادّ من الجميع لتضافر الجهود العالمية بخلق قاعدة واسعة تكفل قبول الآخر المختلف وتضع مبادئ أساسية في التلقين والتعليم والخطاب الموجّه كي تكون هذه جميعًا بمستوى الطموح الإنساني الذي توصي به الديانات السماوية وتعزّزه مختلف الصكوك والقوانين والتشريعات الدولية التي توصي جميعًا خيرًا بالإنسان والإنسانية. إنّ الجهود التي تُبذل في هذا المجال كثيرة وكبيرة، ولكنّها تبقى في حدود التمنيات الطوباوية. فالمبادرات العديدة الصادرة من مراجع دينية بخاصّة -لكونِ الأخيرة هي عقدة القضية-، وكذا من نشطاء ومنظمات دولية مهتمة، جميعُها تسعى لخلق عالمٍ منفتح يقبل بخيارات الآخر وحرّيتهِ في عيش معتقدِه ودينِه بحسب خيارِه الفرديّ من دون تأثير خارجيّ أو ضغوطٍ جانبية أو تهديدات، مهما كان نوعُها أو مصدرُها. وهذا يتطلب جملةً من ترتيبات تعاون وتنسيق بين جهاتٍ مختلفة يمكن أن تضطلعَ بدورٍ رياديّ وحاسم في تعميق مفهوم السلم الأهلي الصادق والعيش المشترك المتكافل بين مختلف الشرائح القائمة المتحاورة. فاحترامُ خيارِ الآخر والإيمانُ بفاعلية التنوعهي السبيل الأمثللمواجهةالتطرف والأيديولوجيات المريضة التي ظهرت تباعًا.
هناك جانبٌ آخر شديد الأهمية. فالخطابُ الدينيّ، في المعابد والجوامع والكنائس ينبغي أن يهدفَ، هو الآخر، لبناء الأوطان ولوحدة الصفّ التي من شأنِها تأمين مناخٍ يقدّس ثقافة الحياة ويبشّر بعظمة المحبة والرجاء والتسامح التي على ضوئِها أوجدَنا الخالقُ محبُّ البشر. فقد أودَعَنا فردوسَه الأرضيّ وثرواتِه الكثيرة، كي نقدّسَ نعمتَه فيها ونبجّلَ اسمَهُ القدوس عليها ونكبّرَه آناءَ الليل وأطراف النهار بسببها، وليس من أجل ممارسة العنف والقتل واحتقار الغير وتهميش الآخر والانتقاص من قيمتِه البشرية ومن دينِه ومعتقدِه وخياراتِه. فالدّين، أيًّا كان مصدرُه، لا ينبغي أن يتحوّل إلى أيديولوجية سياسية تقتلُ وتسبي وتكفّرُ وتهجّر وتهدّد باسمِه، لاسيّما ونحنُ في الألفية الثالثة، عصر التنمية والتقدّم والتطوّر. فهل الدهرُ يعودُ بنا إلى الوراء، إلى زمن التخلّف وركوب الجمال وعبادة الأصنام وغزوات القبائل ووأد البنات ورجم الزناة وما إليها؟ فاليوم، أصبحنا ندرك أنّه ليسَ من حقّ أيٍّ كانَ من خلائق الله الكثيرة على وجه البسيطة، أن يعمدَ إلى فرض دينٍ معيّن أو شريعةٍ ما على غيرِه من الكائنات. فكلٌّ يعبدُ على طريقتِه ووفقَ خياراتِه التي منحه إياها الخالق في عيشِها وتقويمِها وتأييدِها ونشرِها، شريطة عدم التجاوز على غيرِه من الكائنات أو بفرضِ ما لا يتوافقُ مع هذه الخيارات المقدسة.
هناكَ مسألةٌ أخرى، ينبغي التقيّد بها احترامًا لقدسية الخليقة وطبيعة الأديان القائمة التي تدعو جميعًا إلى الألفة والمحبة والتسامح. فكلّ ديانة تدّعي هذه السمة السمحة في تعاليمِها. فأينَ المشكلة إذن؟ إن كانت في قراءة النصوص، كما وردت في أساسِها وفي زمنِها وفي مكانِها، في غابر الأزمان، فهذه لم تعد تنفع في عصر العولمة والتقدّم وتطور الشعوب وأساليب حيالتِها الوضعية القائمة. بل الضرورة تقتضي فكرًا مستنيرًا متطورًا في التفسير والتأويل والبسط والنشر والخطاب يتناسب مع تطوّر الزمن والتكنلوجيا وآلتِها الجديدة دائمة التطور والتجديد والتغيير. وهذا واجب القائمين على المنابر وفي وضع المناهج الدراسية العامة والخاصة في مختلف المراحل، مع آلية جديدة متطورة لوضع حدود للمناهج الخاصة التي تدعو للتكفير والتشدّد والتطرّف في جزئياتِها وفي نقلِها غيرِ الموفق للنصوص الدينية، لاسيّما المتناقضة فيما بينها وفي التفاسير التي لم تعد تنسجمُ اليومَ مع تطوّرِ الحياة وتنوّر الفكر وتقدّم العلوم والرغبة بالتحرّر المعتدل الذي يحترم حياة البشر، مهما كان دينُه أو عرقُه أو جنسُه أو لونُه أو خيارُه الشخصيّ.
في كلمتِه التي أُلقيت بالإنابة عنه في المؤتمر العراقي لإدارة التنوع، الذي أقامهُ المركز الوطني للتقريب الديني، بمناسبة اليوم العالمي للأديانللأيام 19 و20 كانون ثاني 2015، في فندق فلسطين ميريديان، ذكّرَ البطريك الكلداني ورئيس كنيسة العراق روفائيل الأول ساكو المؤتمرين بالقول: "التهديد الأكبر ليس إرهاب داعش، وإنما منظرو الفكر التكفيري ودعاتُه ومروّجوه وكذلك بعض القوى المتنافسة على السلطة التي توظفّ الدين". وهذه تأتي ضمن دعواتِه المتواترة للسياسيّين والعقلاء والمعتدلين والزعماء الروحيين والدينيين، وعبر مبادراتِه الفكرية المتجدّدة بضرورة تجاوز الشحن الطائفي والابتعاد عن لغة التكفير واعتماد مشروع مشترك لتفكيك هذه الأيدولوجية التكفيرية وأيةٍ أخرى تحمل ذات الفكر المريض. فالأيديولوجيات المريضة، دينية كانت أو سياسية أو اجتماعية، ولاسيّما المتعصّبة والمتشدّدة والأنانية منها، لا تخلق أجواءً طيبةً للتسامح والتعايش المشترك الآمن. كما أنها تفتقر إلى روحية المحبة والسلام ولا تساهم في زرع الأمان والاستقرار في صفوف الشعوب وبين الأمم والدول.
-يتبع-




متصل Ashur Rafidean

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 585
    • مشاهدة الملف الشخصي
اخى هذا الموضوع شيق جدا لكن لحد الان بعض الجهات الإسلامية التي لها ثقلها السياسي لم تصدر فتاوى ضد الجماعات الإرهابية داعش .وسيظل موضوع الهوية والانتماء الوطني أمراً غير قابل للحسم لأجيال مقبلة وجعل الإسلام حق الحياة قاعدة أساسية تنبني عليها الكثير من الأحكام وجعل الاعتداء على هذا الحق بالقتل أو الاعتداء عليه جريمة شدد العقوبة عليها ولكن لازالت هناك غموض في وجهات نظر علماء الإسلام الدينيين وشكرا

غير متصل white

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 141
    • مشاهدة الملف الشخصي
السيد لويس اقليمس المحترم
"كما دعا في وقتِها إلى الاتحاد بين أتباع الديانتين والعمل على المصالحة والسلام، تمامًا كما تأمرُ الديانتان في الإنجيل والقرآن."
عن اي سلام في القران تتحدث ؟ واين ستذهب باية وهم صاغرون؟ وكيف ستمسح اية واعدوا؟
كفى خداع للنفس ... فكذبة حوار الاديان ما هي الا محاولة للصلح بين الذئب والحمل.
هل نسيت الملايين من الشهداء الابرار وطبعا هم من مسيحيي الشرق الاوسط ثم يأت مسيحيي الغرب ليبدأوا  هذا الحوار متناسين شهدائنا الذين ذهبوا ضحية هذا الفكر المميت.
لا يتم بدأ هذا الحوار الا بعد الشروط التالية
1- اعتذار المسلمين عن الجرائم والمذابح بحق المسيحيين واليهود في الشرق الاوسط.
2- ازالة القوانين الظالمة بحق المسيحيين وبقية الاقليات الاخرى.
3- ازالة قانون منع التبشير المسيحي في البلدان ذات الاغلبية المسلمة.
4- ازالة الايات القرأنية التي تحث على العداء للمسيحيين واليهود.

واخيرا تخليهم عن مبدا التقية وهو كذب شرعي
وعندئذ لن يكون هناك داع للحوار اصلا لان المسيحيين من الجهة الاخرى لم يتسببوا باذية المسلمين فلما الحوار ؟

غير متصل sajed

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1228
  • الجنس: ذكر
    • MSN مسنجر - Sajedkakki@yahoo.com
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
اي حوار تتحدثون عنه ومع من?
اعن الحوار المسيحي الاسلامي... وكيف يكون هكذا حوار وماذا يتناول هل يستطيع المسلمون الغاء او عدم العمل في ما يامرهم قرانهم بكيفية التعامل مع المسيحيين بانهم كفرة او مشركيين عدا عن احاديث محمدهم.

ام عن فبول المختلف معهم   واي قبول احسن مما تعرض له المسيحيين وغيرهم المختلفين معهم بنهب اموالهم وقراهم وحتى نساءهم بعد تهجيرهم من مدنهم و قراهم... واخرها عدم الاستماع الى كلمة الباطريرك مار لويس وترك الرؤساء الثلاثة للقاعة فبل بدء كلمة غبطته . هل هناك فبول احسن من هذا.....
اما بالنسبة للعيش السلمي بين البشر جميعا لا ارى احد يختلف عليه عدا اتباع محمد.....
Sajed Ibraheem Kakki
USA   SanDiego