الفوضى الخلاقة، وسياسة العم سام في التدمير والخراب الى الاصلاح والاعمار.
كا هو معلوم لا صداقة دائمة في السياسية، ولا حلفاء للابد، وانما مصالح في العلاقات بين الدول.والذي يتابع الاحداث الجارية منذ سنوات على الساحة الدولية، لابد للوهلة الاولى ان يقف ويتامل ويحلل ويستنتج بتفكيره الى قناعة، بان هناك فعلا فوضى خلاقة تعصف بتداعياتها منطقة الاشرق الاوسط بشكل عام والدول العربية بشكل خاص، ومخطط لها منذ سنوات واليوم تطبق بحذافيرها على الواقع، بعد ان حولت بعض الدول العربية في الوقت الراهن الى ساحات الاقتتال بلا افق، سوى المزيد من القتل والتدمير واستنزاف المال والاقتصاد لهذه الدول، و ايصالها الى الخراب والتخلف والهلاك، وبالتالي استيقاظ كل النعرات القومية والطائفية والمذهبية وحتى الدينية، والتي كانت نائمة لقرون، ولو لا دكتاتورية وشمولية بعض الانظمة الفاشية وفقرها الفكري لما وصلت دولهم وشعوبهم الى هذا الانحطاط والماسي..لنعود الى الماضي قليلا ونتذكر اعوام الثمانينات ، حينما وافق الكونكرس الامريكي، بالاجماع على مشروع صاغه المستشرق البريطاني الاصل
( برنارد لويس, اليهودي الديانه, اسرائيلي الانتماء, الامريكي الجنسية. هذا المشروع, والذي اطلق عليه اسم، حدود الدم. يهدف الى تقسيم و تفتيت الدول العربية الى دويلات على اساس ديني و مذهبي و طائفي). ان علاقة الادارة الامريكية في وقتها واليوم، باحزاب الاسلام السياسي ليست وليدة الساعة واليوم، فبعد الحرب العالمية الثانية قامت السياسة العم سام في الشرق الاوسط على ثلاثة ثوابت، احتواء النفوذ السوفيتي ، ضمان امن دولة اسرائيل وتفوقها العسكري وحماية المصالح العم سام في المنطقة ، لا بل انها بدات مع بدايات الحرب الباردة ، حين احتدم الصراع بين المعسكر الغربي الذي كانت تقوده الولايات المتحدة الامريكية، وبين المعسكر الشرقي الذي تقوده الاتحاد السوفيتي السابق.. ففي ذلك الصراع انشات امريكا او بالاحرى ساعدت على انشاء تنظيمات اسلامية كسد واق ضد المد الشيوعي الذي اتسع في انحاء العالم العربي. ربما يعتقد الكثيرون ان مصطلح الفوضى الخلاقة مصطلح جديد ظهر بعد التفرد العم سام بزعامة العالم بعد سقوط الاتحاد السوفييتي.ولكن الواقع ليس كذلك، لا بل ان المصطلح ظهر لاول مرة عام 1902م على يد مؤرخ امريكي يدعى
( تاير ماهان، وقد توسع الامريكي مايكل ليدين فاسماها الفوضى البناءة او التدمير البناء)، بمعنى اشاعة الفوضى، وتدمير كل ما هو قائم، ومن ثم اعادة البناء حسب المخطط الذي يخدم مصالح القوى المتنفذة،وبالتالي ايصال هذه الدول، الى اقصى درجات الفوضى المتمثلة في العنف الهائل واراقة الدماء، واشاعة اكبر قدر ممكن من الخوف لدى شعوبها ، فانه يصبح من الممكن بناؤها من جديد بهوية جديدة تخدم مصالح الجميع. في شهر أبريل من عام 2005 قامت
(كوندوليزا رايس بالتصريح لصحيفة الواشنطن بوست الامريكية بأن مبدأ الفوضى الخلاقة يتم تطبيقه بحذافيره في حرب أمريكا على الإرهاب، والمبدأ يعني إثارة النعرات والأقليات والأثنيات المختلفة في مناطق الصراع وإمدادها بالسلاح على اعتبار أن ذلك سيصل في النهاية للديموقراطية وطبعا لا ينطلي على عاقل أن هذا تخريب مُتعمد وليس فوضى خلاقة غرضه تأجيج الصراعات لإيجاد حُجة للتدخل والسيطرة على زمام الحكم واللعب بمقدرات الشعوب وتحقيق أهداف أقليمية ومحلية واستراتيجية). وان هذه الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي في البداية، هي من نوع الفوضى الخلاقة، التي ربما تنتج في النهاية وضعا افضل مما تعيشه منطقة الشرق الاوسط حاليا اذا صح استعمالها وتطبيقها بالصورة المطلوبة والمرجوة لخدمة الشعوب. الفوضى الخلاقة هو مصطلح في الماسونية و عقائد الالحاد والشرك انتشر هذا المصطلح ابان غزو العراق, ويقصد به احداث حالة اجتماعية و اقتصادية مريحة بعد احداث فوضى مقصودة. وبالتالي ما نود توضيحه في سياق هذا المقال، ان السياسة الادارة الامريكية المعلنة لم تتوقف عند حدود عدم الاعتراض على وصول احزاب الاسلام السياسي الى سدة الحكم، بل تعداه الى مرحلة الدعم والتاييد. وان الموقف الادارة الامريكية السابق والحالي المعلن والغير معلن هو موقف تكتيكي، وان وقوف جبروت الولايات المتحدة الامريكية العلني ضد وصول الاحزاب الاسلامية المتطرفة الى السلطة سيفسر من قبل الاسلاميون بانه موقف معادي للاسلام، وسيشكل خطورة على الامن القومي للولايات المتحدة. وان هناك احتمالات قيام هذه الاحزاب الاسلامية المتطرفة بشن عمليات انتقامية ضد مصالح الولايات المتحدة الامركية اينما وجدت، وان هذه الاحزاب الاسلامية المتطرفة تمتلك امكانيات التنفيذ كما اثبتت تجربة 11 سبتمبر وغيرها والى اليوم. وبالتالي ومن وجهة نظر الادارة الامريكية، تعتبر هذه الاحزاب المتطرفة الاسلامية في حقيقتها، لا تؤمن بالديمقراطية وتعتبر الديمقراطية وسيلة متاحة للوصول الى السلطة، لذا فانها وبالضرورة ستلجا الى التنكر لمبادىء الديمقراطية بعد وصولها للسلطة، مما يؤدي الى انقلاب الراي الشعبي عليها، ويجعل ليس فقط بسقوطها بل وبموتها، وهذا ما حدث في بعض الدول العربية اليوم. وان لا ننسى الاحزاب الاسلامية مغرية للمواطنين وهي عندما تكون خارج السلطة، ولكنها تصير ممقوتة ما ان تصل الى السلطة، ولهذا فان مساعدتها للوصول الى الحكم هو الحكم عليها بالموت.. فان حاجة الاستراتيجية الامريكية لاحزاب وتنظيمات اسلامية متطرفة لم تنتهي، لان المصالح الحيوية للعم سام المرتبطة عضويا بالوجود الدولة الاسرائيلية تقضي الى اضعاف الدول العربية، وعرقلة لحاقها بركب التقدم والتطور، وان خير من يساعد على تنفيذ هذا الهدف، هو الاحزاب الاسلامية المتطرفة وغيرها، فوصول هذه الاحزاب والتنظيمات الاسلامية الى السلطة في اي بلد سيقود بالضرورة الى اضعاف او انهيار ذلك البلد،وبالتالي خلق حالة من الخنق لجميع الحريات العامة والخاصة، وهذا ما جرى في مصر فترة سنة او اكثر من حكم الاخوان المسلمين، وايضا ما يحدث الان في بعض المناطق التي تسيطر عليها الدولة الاسلامية داعش في العراق وسوريا. هذه هي سياسة الاحزاب الدينية المتطرفة، والتي تحارب من خلال توجهاتها، كل ما هو ديمقراطي وعلماني وما يصب في خانة الحرية الانسانية وتقدمها،وفرض سلوكيات وقوانين محددة على المواطنين فيتحول البلد الى مقبرة للاحياء يغرد فيها الدعاة وحدهم مما، يدفع بالعقول العلمية والكفاءات الى الهجرة بعيدا عن جحيم هذا الحكم الاسلامي المتطرف الجاهلي. فتفرغ الاوطان من عقولها وكوادرها العلمية ، وتبقى هذه الدول تحت حكم الاسلام السياسي المتطرف، الى دول فاشلة تستحق الشفقة لانها ستدار باساليب القرن الجاهلي او اساليب دولة الخلافة، وبالتالي تكون مهددة بالتقسيم. ومن كل هذا وذاك اقول، ان دعم الادارة الامريكية لاحزاب الاسلام السياسي حسب وجهة نظرنا ، هي سياسة استراتيجية تهدف الى تخلف وتمزيق هذه الدول وتفتيتها.
(وكما يقال اذا اردت ان توقف الحياة ويتوقف التقدم وينعدم الاستقرار ويسود التخلف في اي بلد ، فما عليك الا ان تسلم السلطة للاحزاب الدينية عندها ستذهلك سرعة تدمير ذلك البلد وتقهقهر الى قرون السحيقة). بالتالي المشكلة الحقيقية التي تواجه تلك السياسة الامريكية الطموحة، تتمثل في كيفية تعاطيها مع المنتوجات الجانبية وغير المحسوبة لعملية التغير بعرض العالم وطوله، من خلال شن حروب هنا وهناك من اجل محاربة الارهاب، هذه المنتوجات التي لا يمكن توقعها او حسابها او اكتشاف النمط الذي تجري على وفقه. واخيرا نقول، فبالفوضى الخلاقة تدمر العراق عن بكرة ابيه وقوضت سبل نهوضه من بين ظهرانيه، وبالتالي وزع الى طوائف ومذاهب واحزاب تتناحر فيما بينها جزئيا او توشك على التناحر الشامل. علينا ان نتامل وننتظر من خلال هذه الفوضى كيف يتطور الفعل والعمل السياسي؟ ـ وكيف تكون مجتمعاتنا في الوقت الراهن والمستقبل؟ـ واين تصل الدول والشعوب المغلوبة على امرهامن هذه الفوضى؟.. والله يكون في عونها. والسلام
هنري سركيس