العالم بين النقد والموسيقى والرواية


المحرر موضوع: العالم بين النقد والموسيقى والرواية  (زيارة 1584 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أدب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 295
    • مشاهدة الملف الشخصي

العالم بين النقد والموسيقى والرواية

د. وسام الداودي*

بعد ان استمع الموسيقار العظيم هايدن بالمعجب بنابليون بيتهوفن قبيل صممه يقود موسيقاه الصاخبة سألوه عن رأيه فيها فقال: لقد وضع بيتهوفن شخصيته في موسيقاه، ذلك جديد تماما، منذ اليوم كل شيء لن يكون كما في السابق... ذلك بالضبط ما يبدعه المعجب ببوتين الروائي برهان الخطيب بأعماله الروائية، بكلماته الصاعدة محكمة البناء، إذ يدخل فيها بل يمحورها حول سيرته الشخصية الغنية كشاهد على عصره، كدليل صادق إلى متغيرات كبرى يعيشها العالم اليوم عارضا وجهي الواقع من جانبيه الظاهر والخفي، ذلك ما نراه في روايته الجديدة تحت الطبع "الحكاية من الداخل" التي تنشر بعض مواقع على النت كموقع عينكاوة حلقات وأجزاء منها حاليا.

ذلك ليس عن مصادفة تاريخية بحت طبعا بقدر ما هو حاصل محصل في حساب دقيق لروائي، من غير تدقيق بكل مفاصل روايته تضيع بين يديه، يعني هناك أواصر تشابه عديدة في المقارنة الاستثنائية بين شخصيات بيتهوفن والخطيب نابليون وبوتين المتعرضة لصيرورة الأحداث من الخارج، من قدر، من قوة محورية مفترضة أو حقيقية لها ذات الجوهر في أكثر من لون، أو صيرورة تاريخية لو التاريخ يصير مؤمما بالكامل، حتمية تاريخية لو نصدق أحلام الشيوعيين، في مسعى لسحب ما تراه عن عقلنة للتاريخ أدبيا فلسفيا إلى مسار التاريخ ذاته المتحرك حاليا خطوة إلى أمام خطوتين إلى الخلف مدفوعا من مصالح واقتصادات وسياسات لا تعبأ للأخلاق العامة منذ العقد الأخير، كذلك ينسحب التشابه على طبيعة العصرين المختلفين وراء تلك الشخصيات، بما يوحي لها، بما يتسم من انقلابات مصيرية، إلى جانب توفر ناقد كبير يحدد مبكرا مسار الآتي، هايدن في حالة بيتهوفن، في حالة الخطيب علي جواد الطاهر يعلن منذ أواخر الستينات حزيران 1968 بمجلة ألف باء كذلك انظر كتابه "من حديث القصة والمسرحية" 1987 عن تفرد برهان الخطيب، وزميله محمد خضير، في الرؤية إلى التاريخ والأدب بين أقرانهما عموما.

تلك فكرة من مشهد عام، ومن مشهد خاص نرى تلك المقارنة مرتبطة بشخصية الروائي برهان الخطيب ارتباطا وثيقا فهو منذ صباه شغوف بالموسيقى الكلاسيكية، وبعد تخليه عن مهنته مهندسا بديوان رئيس مهندسي وزارة الإصلاح والتحاقه بمعهد الأدب العالمي في موسكو، يعتزل في غرفته بالقسم الداخلي كل سنوات الدراسة أغلب الوقت يستمع للموسيقى الكلاسيكية يضع رواياته الجسور الزجاجية، بابل الفيحاء، يدرس الأدب العالمي، في سعيه لاصطياد التاريخ وتحويله إلى إبداع روائي، ذلك يتبدى واضحا فيهما، في الروايات التالية، في آخر رواياته الصادرة اليوم من القاهرة بعنوان "غراميات بائع متجول"..

لكن إذا كان أمل بيتهوفن يخيب في نابليون بعد تنصيب نفسه إمبراطورا وتحوله إلى طاغية مرفوض من بيتهوفن ونابليون نفسه سابقا فإن برهان الخطيب يبقى على إعجابه بالقائد الروسي بوتين قبل وبعد النيل من النظام في روسيا تسفيرا بداية عام 1986 والحرب العراقية في ذروة أوارها؛ إذ نراه في روايته المذكورة، وهي عن الحياة الروسية أول البريسترويكا، يعلن صراحة تمجيده لبوتين، خذ ذلك المقطع من الرواية المنشور على مواقع عديدة من النت الذي يحقق قراءات وافرة كأغلب مواضيع الخطيب:

"الرؤوس متباعدة متقاربة مع اهتزاز العربة، طقطقة بلا نهاية متعبة، ثابتة الإيقاع متغيرة المعنى، وجوه مندفعة أحيانا في ذات الاتجاه فجأة، متطلعة لهدف يحققه منقذ مُنتظر، بوتين خفي، له أغنية أخرى في رؤوس الحالمين، فضة ذهب تتوالى على وجوه من أقمار وشموس، فوانيس المحطات عند اجتياز القطار هاربة، صور ضبابية تأخذ أصلان بعيدا عن هيلينا، يتشبث بها بنظرته العائدة، معادل المنفى امرأة واعدة، نقيض غربة مرعدة، تغيب تقترب الذات إلى الجوهر، هي معه أيضا لأسباب قد تُقهر، أطياف زاهية قاتمة تتلاشى في عدم، في عمق عينيها الجميلتين السحيق في وجهها مبدد الليل الرهيب..

يسأل أصلان جارته العجوز: كم توقّف إلى محطة ألكساندروف يا عمّة؟ تجيب محملقة في ارتياب:

- وأنت أعمى لا تدري.. واجبي أنا أن أعرف؟!.. ثلاث محطات إلى مهجومك الملعون! "

هل برهان الخطيب على صواب أم على خطأ في رؤيته؟ ذلك يعتمد كيف تريد أو تنظر إلى التأريخ، تريده دولة واحدة، هو على خطأ. تريده متعدد الأقطاب هو على صواب. فهو ينظر إلى بوتين منقذا لروسيا ومعها العالم، نظرة يتبناها اليوم حتى غورباتشوف أصل البلاء هناك في اعتقاد أغلبية الروس. إنما الأهم من ذلك أي على صعيد الفن هل ينجح برهان الخطيب في صياغة رؤاه على مستوى فني مقبول كما فعل بيتهوفن موسيقيا أو لا ينجح؟ الرد على ذلك عند الناقد، الأدق عند القارئ. فالناقد يصير مسيَّرا جزءا من التاريخ المسيَّر المسيِّر خلاف القارئ والروائي المتفرجين الشاهدين عليه، إنما المؤكد برهان لا يكتفي بدور المتفرج والشاهد بل ويسعى ليكون مساهما في صياغة التأريخ بما يقدم من رؤى وتصورات فنية تلامس كل الخطوط الحمراء وتتجاوزها أحيانا.

* أكاديمي عراقي في جامعة بطرسبورغ.