تغييرات في وجه وشكل يسوع قبل وبعد القيامة
كل أنسان خلقه الله بصورة واحدة وبجسد واحد ، فلا صورته تتغيَر، ولا جسده يتغيّرإلا بالحجم تدريجياً أثناء النمو . أما عندما يكبر الأنسان فيتغيَر شكل وجمال وجهه لكي يعطي ملامح الشيخوخة . لكن رغم ذلك يمكن التعرف عليه وتشخيصه .أما الرب يسوع فنبحث في شكله وهيئته في السنين الثلاثة الأخيرة فقط . ومن خلال هذه السنوات نلاحظ بأن يسوع يتخذ لصورته هيئات مختلفة لكي لا يعرفه الآخرين ، وذلك قبل وبعد موته وقيامته . فتغييره لهيئة وجهه المعروف في أيام التبشير وأعلان ملكوت الله ، أي قبل صلبه وموته كان له حكمة في التغيير مبنية على غايات يقصدها ، ومنها الأختفاء المفاجىء في وسط الجموع لغرض عدم معرفته والأمساك به أثناء غضبهم المفاجىء بسبب أقواله وتصريحاته وتحيده لشريعتهم ومقاومته بشدة لأفكارهم وعقائدهم ، فكانوا يثورون عليه ويهاجمونه بقوة وسرعة للنيل منه والتخلص من حركته المناوءة لأيمانهم وللتعليم الذي كانوا يستمدوه من قادتهم الدينيين . ففي الناصرة ثار عليه الشعب وأرادوا طرحه من قمة الجبل الذي كانت مدينتهم مبنية عليه . أما هو فكان رد فعله سريعاً ، يقول أنجيل لوقا (29:4) جاز في وسطهم ومضى . أي لم يستطيعوا تمييزه من بين الجموع بسبب تغيير هيئته وشكله وحتى ملابسه . كذلك في الهيكل أعلن لهم قائلاً : ( قبل أن يكون أبراهيم ، أنا كائن . فأخذوا حجارة ليرجموه ، فتوارى يسوع وخرج من الهيكل ) "يو 59:8" كيف توارى عنهم واختفى وهو يتحدث معهم في وسط الهيكل ويتحداهم ؟ علماً بأنهم كانوا يبحثون ويخططون للأمساك به وقتله ! الجواب ، لأنه غَيّرَ صورة وجهه وشكله فلم يستطيعوا معرفته من بين الجموع . ومن أسباب تغيير صورته وشكله حتى أمام تلاميذه كان لكي يختبر أيمانهم فنجد يسوع ماشياً على مياه البحيرة دون أن يغرق ، فأقترب من قارب الرسل لكنهم لم يعرفوه ، بل ظنوه شبحاً فخافوا وصرخوا ( مت 14: 25-27) هنا نقول أن لم يقدروا التعرف على شكل وجهه المبارك بسبب الليل ، فلماذا لم يميزوا شكل جسده المعروف لديهم ؟
كما نجد بأن منظر وجه المسيح المعروف لدى الرسل قد تغيَّر تغيُراً كبيراً وللحظة قصيرة فصار شكله عجائبياً منيراً مدهشاً على جبل التجلي . فتجلت هيئة وجهه وصارت ثيابه بيضاء تتلألأ كالبرق ( لو 29:9) من أسباب تغيير الرب يسوع صورة وجهه وشكله أمام اليهود كان لكي يغلق عيونهم من معرفته أثناء غضبهم لكي لا يقتلوه قبل أن يتم نشر رسالته ومجىء ساعته . وقد ادرك اليهود تلك الحقيقة لهذا ارادوا الأعتماد على أحد رسله للقبض عليه شخصياً . لهذا فيهودا الأسخريوطي الذي أختار هذه المهمة بملىء أرادته تقدم أمام الجموع المسلحة في بستان الزيتون لكي يصبح دليلاً لهم ويشخص لهم الرب بعلامة التقبيل . لكننا نقول ، لو لم تحن ساعة يسوع لجعل حتى يهودا لا يعرفه . لهذه الأسباب قال يسوع لرؤساء الكهنة وقواد حرس الهيكل والشيوخ الذين اقبلوا عليه ( أكما على لص خرجتم بالسيوف والعصي . عندما كنت معكم كل يوم في الهيكل ، لم تمدوا أيديكم عليَّ . ولكنَّ هذه الساعة لكم ، والسلطة الآن للظلام ! ) " لو 22: 47، 52 ،53 "
هكذا استطاع الرب يسوع أن يتصرف بشكله وجسده قبل الموت . أما بعد القيامة ، فلم يصعب عليه تغيير هيئته في جسده الممجد القائم من بين الأموات .
في مرات عديدة فتح يسوع أعيُن رسله والمؤمنين لكي يعرفوا مباشرةً سيدهم القائم من القبر ، فالنسوة اللواتي لاقاهن عند القبر قال لهن : ( سلام ! فتقدمتا وامسكتا بقدميه ، وسجدتا له . ) " مت 9:28" . وأيضاً : فلما رأوه الرسل سجدوا له لكن بعضهم شكوا . لماذا ؟ لأنه قد غيّرَ شكل وجهه عما كان قبل القيامة . ( وتراءى آخر الأمر للأحدى عشر أنفسهم ، وهم على الطعام فوبخهم بعدم أيمانهم وقساوة قلوبهم ، لأنهم لم يصدقوا الذين شاهدوه بعدَ ما قام ) " مر 14:16" فعبارة ( رأوه قد قام ) إذ من المحال أن يروا روحاً ، بل جسداً . لا يستطيع أحد التعرف عليه إلا برضاه فيتعرفون عليه بعد أن يفتح عيونهم فيعرفوه بسبب حركة منه ككسر الخبز أمام تلميذي عمواي . أو عندما أراهم يديه وجنبه المجروحة ، ففرح التلاميذ أذ أبصروا الرب " لو 31:24" وهكذا لم يعرفوا يسوع على بحيرة طبرية عندما قال لهم ( يا فتيان أ أما عندكم سمك ؟ فأجابوه : لا ! ( فقال لهم : ألقوا الشبكة الى يمين القارب ، تجدوا ! . ) ... فقال التلميذ الذي كان يسوع يحبه ( أي يوحنا ) أنه الرب ! لكن الشكوك استمرت حتى بعد نزولهم من القارب ولقائهم بالرب لأن صورته قد تغيَّرَت على ما رأوه في المرتين السابقة بعد القيامة ، لهذا يقول الكتاب ( لم يجرؤ أحد من التلاميذ أن يسأله : من أنت ؟ علماً بأنهم عرفوا أنه الرب ) " يو 19:20" .
ختاماً نقول : الأسباب النفسية للأنسان تختلق فيه الشك الذي يطغي على الأيمان ، فرغم تعليم الرب زالآيات العظيمة التي أجراها أمام تلاميذه وأقواله الواضحة في أيامه الأخيرة بأنه سيموت ويقوم في اليوم الثالث . لم يصدقوا أقواله ، ولم يصدقوا أقوال النساء بأن المسيح قد قام وألتقى بهن وأن القبر الآن فارغ . وكذلك توما لم يصدق كل الرسل ، بل أراد أن يتحقق بالأمر بنفسه . أضافة الى أن الرب يسوع أحياناً كان يحجب أعينهم من معرفته كتلميذي عمواس في طول الطريق . هكذا اليوم أيضاً الرب يسوع يفتح عيون الكثيرين من البشر المنتمين الى أديان ومعتقدات مختلفة لكي يؤمنوا به ويعلنوا أيمانهم بدون خوف أو شك ويشهدوا له . فمن يريد أن يرى نور الرب من العائشين في الظلام ، فليصلي الى الرب ليقتح بصيرته فيتجلى له نور الرب في حياته لكي يعترف بالحق والحق يحرره من تلك الظلمات فيصبح فوق جبل الخلاص تاركاً الظلام خلفه ، فلهؤلاء يقول الرب ( ... طوبى للذين يؤمنون دون أن يروا ) " يو 28:20" .
بقلم
وردا أسحاق عيسى
وندزور - كندا