حقيقة المعجزات الطبية في التطويبات الكنسية – ألجزء الرابع
د. صباح قيّالا يعترف الفاتيكان بالشفاء كمعجزة عندما يتجنب المريض العلاجات الطبية التقليدية ويركن فقط للإيمان . وأيضاً لا يقرّ بها لمن يدعي أن شفاءه حصل بسبب الصلاة ومن دون المشورة الطبية أو المعالجة القياسية المطلوبة . وهذا ما يؤكد أن المقر البابوي يعتمد استخدام أحدث الوسائل العلمية المتيسرة وتسخير كافة الطاقات الطبية والصحية المتاحة واستنفاذها قبل الإقرار بأن شفاعة المريض ومعافاته تنسب فعلاً لمعجزة . وبهذا يرفض وهم من يدعي او يلهم السذج بين آونة وأخرى , وخير دليل على ذلك ما يشاع من هنا وهنالك عن ظهورات العذراء المتكررة , وما ينتج عنها من أعاجيب مصطنعة أو مفبركة تتناغم مع غايات مؤلفيها ومقاصد المروجين لها . ألفاتيكان لا يعوّل عليها إطلاقاً .
أبدى ويبدي الطب رأيه في معظم المعجزات المعتمدة لأغراض التطويب . وسجلت في العديد من الحالات شهادة أكثر من طبيب لمعجزة واحدة , وأقصى حد وصل إلى 19 طبيب عام 1926 . ولا يستوجب على الطبيب أن يكون مؤمناً بالمعجزات , وأيضاً لا يشترط أن يكون كاثوليكياً ولا حتى مسيحياًً , بل مشهوداً له بالكفاءة والإلمام بتفاصيل المستجدات الطبية وأحدثها . وبالفعل , سبق أن شهد أطباء من المسلمين في معجزات قديسي لبنان , كما شهد أطباء من اليهود في معجزات أخرى , بالإضافة إلى دعوة وقبول شهادة من يتيع ديناً أخر , ومن ينكر الأديان وخالقها .
يستوجب على الطبيب بيان حكمين أساسيين وهما : ألتركيز على عامل اليأس من شفاء المرض رغم استخدام أنجع الوسائل الممكنة والتي سبق وأن أجريت وحصل عليها المريض . أما الحكم الثاني فيتمثل في إبداء الطبيب دهشته وتعجبه لما حدث وإقراره بعدم علاقة الإجراءت الطبية العلاجية القياسية والحديثة منها والممتازة بالشفاء . لا يطلب من الطبيب أن يصرح بأنها معجزة , بل عند اقتناعه , أن يثبت رأيه فقط معبراً عنه بهذه الكلمات
" ليس لي تفسير علمي لذلك " . وبعدها يعلن الفاتيكان عن المعجزة .
رغم كل تلك التحوطات والسعي لإستحصال القرار الصحيح من أهل الخبرة والإختصاص , يبرز البعض من بين عائلة الاطباء ممن يتجاوز حدود اللياقة وآداب المهنة , أو ممن يفتقد إلى الحجة العلمية المقنعة , فيعبر عن نكران ما حصل بجمل وتعابير عامة , وأحياناً تهكمية وساخرة , وحتى نقدية لاذعة وقاسية . كالقول مثلاً : ألعملية فشلت لكن المريض عاش .. ويتغاضى عن تفسير كيف قدّر للمريض ان يعيش . أو كمن يعبّر بأسلوب آخر : أنا لا أعرف شيئاً على الإطلاق عن المريض \ المريضة , ولا أعلم شيئاً عن ما يسمى سبب الشفاء ( ويقصد عن ما يسمى بالمعجزة ) , أستطيع فقط أن أكرر أنه \ أنها حالياً بصحة جيدة . وهناك من يدعي بأنه لم يتابع الحالة المرضبة منذ عدة سنوات , ولم يلتزم المريض بمشورته , ويضبف : ربما , مشيراً إلى نفسه , يعرف الكاهن المحلي خبرته وموقعه , ولكنه يشك بتأييد الكاهن لذلك . وهو بذلك يقصّر المريض من جهة , ويشكك بالكاهن من جهة أخرى ظلماً أو عدلاً ؟ الله أعلم . وقد يذهب نفر من البعض أبعد من ذلك مبررين موقفهم بالعمليات الإحصائية واستدلالاتها , وفاتهم أنه عندما تكون الدلائل المتوفرة للحدث صلبة ومتينة , فاستخدام الإحصاء كحجة لدحضه هو شكل من أشكال التجافي على الحقيقة في ظروف إستثنائية وخاصة .
في دراسة فريدة من نوعها , أجرتها طبيبة كندية إختصاصية بأمراض الدم , وحالياً أستاذة جامعية في مجال تلريخ الطب , ونشرتها تفصيلياً في كتاب سأشير إليه بعدئذ ضمن مصادر أجزاء المقال . أروع ما في الدراسة أن صاحبتها شهدت لحالة مرضية مستعصية , سآتي على ذكرها لاحقاً , وتم تقديس من نسبت إليها المعجزة .. والأروع من ذلك , أنها شخصياً متزوجة من يهودي , وتقر بكونها غير مؤمنة . ورغم ذلك لم تستطع إلا أن تسطر قناعتها بشجاعة متميزة وتحد واضح , إكراماً لمن شهدت لها , وإجلالاً لما لمسته من مجهود غزير وشاهدته من حقائق دامغة خلال مراجعتها المستفيضة لمكنونات الكمّ الهائل من خزين ملفات التطويب في مكتبة الفاتيكان أو أرشيفها الخاص ,
تضمنت الدراسة 1400 معجزة حصلت خلال 400 سنة , من عام 1588 - 1999 , والتي تمثل فقط ثلث إلى نصف المعجزات المودعة في آرشيف الفاتيكان منذ سنة 1588 لغرض التطويب . شملت 145 مباركاً و 229 طوباوياً ( قديساً ) , تتراوح مواليدهم بين 928 – 1922 , مما يدل على استحالة وجود أسماء وهمية بينهم , كما سبق وروجت لذلك الحركات الكنسية الإنشقاقية في القرن السادس عشر , بالنسبة لقديسي العصور المسيحية الأولى ( راجع الجزء الأول ) . أظهرت الدراسة بأن 95% تقريباً من المعجزات تخص الشفاء من أمراض جسدية , وأن شهادة الأطباء مسجلة ومثبتة في معظمها . كما بينت تغير أنواع وتصنيف الأمراض مع مرور الوقت . فبعد أن ساد الشلل والعمى في البدء , ظهر التدرن في القرن التاسع عشر , ثم برزت الأمراض السرطانية وعلل الأعصاب وإصابات القلب في العصر الحديث . وما ذكر يؤكد ما هو معروف وثابت في المفهوم الطبي عن إختفاء أمراض متعددة كالطاعون والجدري , وانحسار أخرى ً كالتدرن وشلل الأطفال , وحصول التطور النوعي في معالجة قسم ثالث كمرض السكري ومسببات الإلتهابات المختلفة , ومن ثم إدخال تسميات جديدة لم تكن متداولة سابقاً , وازدياد ما يسمى بأمراض العصر الحالي المنوه عنها أعلاه .
يتبع الجزء الخامس لاحقاً ......جوانب من المحاضرة المقدمة ضمن نشاط الصالون الثقافي الكلداني لشهر كانون الثاني 2015 في وندزر- كندارابط الجزء الأول
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771274.0.htmرابط الجزء الثاني
http://www.ankawa.com/forum/index.php/topic,771369.0.htmlرابط الجزء الثالث
http://www.ankawa.com/forum/index.php?topic=771583.0