المسلمون في أوربا ... ومسؤوليتنا عنهم !
بقلم / الدكتورعبدالله قادري الأهــدل :
نشاط المنتسبين إلى الإسلام في أوروبا :
إذا رجعنا إلى الأصناف المنتسبة إلى الإسلام عدلت عن كلمة ( المسلمين ) إلى كلمة ( المنتسبين إلى الإسلام ) لأن بعض الجماعات التي تدعي الإسلام ليست من المسلمين كالقياديّين الذين أفتى علماء المسلمين بأنهم فرقة خارجة عن الإسلام .
التي وفدت إلى أوروبا أمكننا معرفة اتجاهاتها ، وهي تختلف اختلافا كثيرا ، ويمكن حصرهم التقريبي في الأصناف الآتية :
1 - الجاليات الإسلامية :
فالجاليات الإسلامية التي وفدت إلى الغرب، من أجل اكتساب لقمة العيش، كما مضى ، أغلب أفرادها جهلة غير ملتزمين بالإسلام،
ولهذا فهم أحوج إلى من يدعوهم إلى العودة دينهم والتمسك به ، وكثير منهم شوهوا صورة الإسلام ، بسبب تصرفاتهم المخالفة له وللأخلاق التي جاء بها وتواضع الناس على حسنها ، كالصدق والأمانة .. فتجد بعضهم يحتالون على القوانين الغربية ، بالكذب والغش ، يتمارضون بدون مرض، ويحاولون أن يرشوا الأطباء ليأخذوا منهم تقارير تثبت ذلك ، ليتخلصوا من القيام بأعمالهم الوظيفية ، وقد اشتهر ذلك عند الأوربيين وأصبحوا لا يثقون في كثير من المسلمين ، كما أنهم يتعاطون - مع زعمهم الإسلام - ما حرمه الله عليهم ، ويتركون ما أوجبه، فصاروا
بذلك فتنة للذين كفروا ، لأنهم رأوا فيهم قدوة سيئة،
بدلا من القدوة الحسنة ، وقد ذاب كثير من أبناء الجاليات الإسلامية في المجتمعات الغربية .
ولكن عدد الذين عادوا إلى الإسلام والتمسك به من أفراد الجاليات الإسلامية ، قد زاد في الفترة الخيرة ، بسبب وجود بعض المراكز الإسلامية النشطة وبعض الدعاة المتجولين والمستقرين . ويدخل في حكم الجاليات الإسلامية العاملة ، اللاجئون السياسيون والذين شردتهم الحروب في بلدانهم ، أو ظلم حكامهم ، إلا أن هؤلاء قد يوجد من بينهم مثقفون بحسب تخصصاتهم .
2 - الجماعات الحركية :
المقصود بالجماعات الحركية : الهيئات المنظمة ذات المناهج الشاملة ، الثقافية والتربوية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية ، مستقية ذلك من فهمها الشامل للإسلام بأنه منهج لحياة البشر كلها . وأبرز هذه الجماعات :
1- جماعة الإخوان المسلمين :
وهي التي أسسها الإمام الداعية / حسن البنا /
رحمه الله في مصر ، ثم انتشرت في كل أنحاء الأرض .
2 - الجماعة الإسلامية في پاكستان :
وهي التي أسسها الإمام / أبو الأعلى المودودي / رحمه الله في شبه القارة الهندية ، ولها فروع مستقلة من الناحية الإدارية والتنظيمية في الهند وبنغلادش وغيرهما .
وهاتان الجماعتان متقاربتان في الأفكار والمناهج في الجملة ، ومنتشرتان في أوروبا والبلدان الغربية كلها ، إلا أن جماعة الإخوان أكثر انتشارا ، وأتباعها من كل فئات المجتمع :
أي من حملة كل التخصصات ، ومن العمال والتجار وغيرهم ، وكثير من المسلمين يتعاطفون معها ويستفيدون من نشاطاتها
في المحافظة على دينهم وتربية أبنائهم ، ويشاركون في تلك النشاطات بما يقدرون عليه ، وإن لم ينخرطوا في سلكها
من الناحية التنظيمية .
ولما كانت هاتان الجماعتان-الإخوان المسلمون ، والجماعة الإسلامية - أنشط الجماعات الإسلامية ، وتدعوان إلى تطبيق الشريعة الإسلامية تطبيقا شاملا في حياة الأمة الإسلامية ، وتقوم مناهجهما
على التربية العملية في كل طبقات الأمة، وتدعوان إلى الإسلام بالطرق السلمية التي لا تستعمل العنف ، وتتغلغلان عن طريق
العمل السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي في الأمة ، فإن تأثيرهما قد انتشر في أقطار الأرض ، وأصبح أتباعهما في كل الشعوب الإسلامية وغيرهما في تنام مستمر ، وفي ذلك ما يجعل وصولهما إلى حكم الشعوب الإسلامية بالإسلام الذي حرمها منه محاربوه ، قريب المنال، لما كان الأمر كذلك بالنسبة لهاتين الجماعتين ، اشتد ت محاربتهما من قبل العلمانيين في الشعوب الإسلامية ، ومن قبل قادة الغرب على حد سواء ، وأعانهم
على ذلك ذوو الأهواء والذين ضاقت آفاق عقولهم من المنتسبين
إلى العلم عن مصالح الأمة العليا التي تحقق لهم العزة
والكرامة ، فرموهم جميعا عن قوس واحدة ، كل في مجاله ، ولكن الدعوة سائرة ، رغم كل العقبات ، ورغم تنوع محاربيها ! وقريب من هاتين الجماعتين - في الجملة - أعضاء حزب السلامة التركي، وأعضاء حزب ماشومي الإندونيسي ، أتباع الدكتور محمد ناصر( رحمه الله ) ولكن عددهم قليل نسبيا ، وكذلك حزب التحرير ، وهم قليلون أيضا .
وقد ذكرت نبذة عن كل من الأستاذ حسن البنا ، والأستاذ المودودي في كتاب الجهاد في سبيل الله - حقيقته وغايته - في مبحث :
نماذج يقتدي بها السائرون ، وذكرت معلومات واسعة عن الدكتور محمد ناصر في الكتاب الثالث من هذه السلسة ، وقد أخذت تلك المعلومات في لقاءات متكررة معه رحمه الله .
وغالب أعضاء الجماعات الحركية ، هم من الطلاب الذين تخرجوا
في جامعات الغرب وبقوا في الدول الأوربية ، أو الذين مازالوا طلاب وكونوا لهم اتحادات طلابية في الجامعات أو في مراكز
إسلامية ، ويوجد بينهم أعضاء من أفراد الجاليات الإسلامية
أيضا .. وتمتاز هذه الجماعات واتحاداتها بدقة التنظيم وقوة الانضباط والتعاون ، والقدرة على استيعاب الشباب بأنواع النشاطات التي تجذبهم ، كالمخيمات والنوادي الرياضية والثقافية والاجتماعية والإعلامية وغيرها .
مجالات نشاط الجماعات الحركية :
ويحاولون أن يقوموا بواجباتهم في الدعوة إلى الإسلام -
مع كثرة ارتباطاتهم وأعمالهم الوظيفية والدراسية والأسرية -
في ثلاثة مجالات :
المجال الأول : التوعية والتربية الداخلية ، أي في أسرهم وأعضاء جماعتهم ، في المراكز والمساجد والمخيمات والمساكن .
المجال الثاني : التوعية في صفوف الجاليات الإسلامية كذلك .
المجال الثالث : نشر مبادئ الإسلام بين غير المسلمين .
والذي ينقص هذه الجماعات أربعة أمور :
الأمر الأول : قلة العلماء وبخاصة المتفرغين لهم ،
وهذا يؤثر عليهم من وجهين :
الوجه الأول : ضعف تقدمهم في التفقه في الدين ، تفقها مبنيا على قواعد علمية .
الوجه الثاني : الجهد الذي يضطرون إلى بذله في القراءة بأنفسهم في بعض الكتب ليفهموا الإسلام ، ولكن كثيرا منهم أصبحوا عندهم معلومات جيدة بسبب الممارسة والاجتهاد ، وبسبب الدورات التي يقيمونها في أوقات مختلفة ، يقدم لهم فيها بعض العلماء الذين يستقدمونهم من البلدان العربية وغيرها ، دراسات قوية في العلوم الشرعية .
الأمر الثاني : قلة المراجع الإسلامية الميسرة المفيدة
التي تمكنهم من استيعاب مبادئ الإسلام، ويشكون من عدم تجاوب
بعض المؤسسات الإسلامية التي يطلبون منها مدهم
بالمراجع الإسلامية .
الأمر الثالث : قلة وجود أماكن يستقرون فيها لمزاولة
نشاطهم ، فأغلب الجماعات تستأجر شققا صغيرة من أقوات أسرهم ،
ومع كون ذلك يجحف بهم من الناحية المادية ، فإنه يحول بينهم وبين الاستقرار ، إذ يضطرون إلى الانتقال من مكان إلى آخر ،
إما لقلة المال الذي يضطرهم إلى استئجار شقق أرخص في أماكن أبعد من المكان الأول ، وإما لضيق المكان وحصولهم على مكان أنسب منه ، وذلك يسبب لهم عدم الاستقرار .
وقد لا تتمكن بعض الجماعات من إيجاد مقر لنشاطها ، لغلاء الأماكن وقلة ذات اليد، وقد وجدت جمعية إسلامية أنشئت في عام 1987م في مدينة ( هلسنكي ) عاصمة ( فنلندا ) لا يوجد
لها مقر ، ولذلك تزاول نشاطها وتعقد اجتماعاتها في منازل أعضائها ، والمنازل هناك ضيقة ، أو في بعض المطاعم التي يديرها بعض المسلمين .
ومما يؤسف له ما بلغني من أن هذه الجماعة قد وجد بين أفرادها نزاع بعد عام واحد من إنشائها ، مع قلة المسلمين في هذا البلد وحاجتهم الماسة إلى تربية أولادهم الذين ذاب غالبهم
في المجتمع الكافر ، ولعل الله قد وقاهم شر الخلاف .
الأمر الرابع : قلة العاملين في حقل الدعوة والتربية الإسلامية ، وذلك يجعل العبء ثقيلا على أفراد ترهقهم الأعمال ، وتبدد نشاطهم وتضعفه ، وقد يصاب بعضهم بالملل والسآمة بسبب ذلك ، ولهذا تكون أبواب العمل مفتوحة أمامهم ، فلا يستطيعون سد استغلالها ، سواء فيما يتعلق بعملهم الداخلي ، أو بالعمل الخارجي ، وأغلب العاملين متطوعون من الطلاب أو من الموظفين،ومع ذلك ينفقون على نشاطهم من نفقاتهم الخاصة .
3 - جماعة التبليغ :
وهذه الجماعة منتشرة - أيضا - في كل أنحاء المعمورة ، وأعضاؤها أكثر صبرا وتحملا لمشقات السفر وشظف العيش ، وأذى الناس ، وهم متقشفون ينفقون على أنفسهم من جيوبهم مع فقر كثير منهم ، ويختلطون بالناس :
مسلمين وغير مسلمين ، يطرقون أبوابهم ليبلغوهم ما فهموه
من الإسلام ، و طرق أبواب المنازل لتبليغ أهلها الإسلام ،
قد يكون مستساغا في بعض البلدان ، وقد يكون مكروها غير مستساغ في بلدان أخرى ، فينبغي مراعاة ذلك، وهو يدخل
في معنى الحكمة في الدعوة ويتابعون فساق المسلمين في الأسواق والمقاهي والبارات ، محاولين انتشالهم من حمأة الفسوق والفجور والعصيان ، شعارهم الخروج في سبيل الله ،
وهو لا يعني مصطلح القرآن والسنة ، الذي تكرر بمعنى الخروج للجهاد في سبيل الله ، وإنما المقصود الخروج لدعوة الناس
إلى الإسلام والتمسك به ، والتجول في الأرض من أجل ذلك ،
مع المبيت في المساجد ... وهو نوع من الجهاد بمعناه
العام ، يسيحون في الأرض وينزلون في المساجد وفيها ينامون ، فإن لم يجدوا مساجد نزلوا في أي مكان تيسر لهم النزول فيه ، يقصدون المدن والقرى الصغيرة والبوادي ، وقد وجدتهم في كل بلد زرته في العالم ، ومن ذلك بعض البوادي النائية في جنوب كوريا الجنوبية، سنة 1406هـ - وفي بعض الغابات بين القبائل البدوية في كينيا ، سنة 1415هـ وغيرها. يتناولون ما تيسر
من الطعام ، ولهم تأثير طيب جدا في إصلاح أبناء المسلمين الذين يذوب أكثرهم في المجتمعات الغربية .
ولكن أكثر هذه الجماعة غير متعلمين ، وعندهم منهج معين ، يكرره أفرادهم - غالبا - على الناس ، وهو ما يسمى بالبيان ،
وقد يتوسع بعضهم - أحيانا - في شرحه ، بحسب ما عند المتكلم من معلومات ، وقد يوجد مع كل مجموعة منهم من عنده شيء من العلم الذي يفيد مجموعته به ، فيدر سهم كتاب رياض الصالحين للإمام النووي ، ويملى عليهم ما تيسر من حياة الصحابة العبا دية والسلوكية ، ويعلمهم بعض الأذكار ويحثهم على كثرة
التطوع - صلاة وصياما وإنفاقا - ولا شك أن في ذلك
أثرا طيبا في حياتهم .
والفائدة التي تعود إلى الناس الذين يتأثرون بهم تكمن في محبة الله ومحبة عبادته ومحبة رسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة الإسلام ،
والشعور بالمسئولية أمام الله في إنقاذ الناس من الضلال
والتواضع .. ما الذي يؤخذ على جماعة التبليغ ؟
والذي يؤخذ عليهم ، أنهم مع انتشار هم في الأرض ، ووصول دعوتهم إلى أكبر عدد من الناس ، وكثرة جموعهم في المؤتمرات التي يعقدونها . وقد يصل عددهم في بعض مؤتمراتهم التي يعقدونها في الأرض الفضاء ، إلى أكثر من مليون شخص، وقد رأيت ذلك
في بنغلادش سنة : 1400هـ ، عندما حضرت مخيما أقامته الندوة العالمية للشباب الإسلامي ، كان المشرف عليه الأستاذ
محمد عاكف مندوبا من الندوة في الرياض ، حيث اضطر رئيس الجمهورية ( ضياء الرحمن الذي اغتيل فيما بعد ) إلى ترك الطريق المؤدي إلى مخيمنا لاختتام أعمال المخيم لعدم وجود ممرلسيارته بسبب اجتماع هذه الجماعة في تلك المنطقة ، وحوَّل موكبه إلى طريق آخر أبعد مسافة ، ولذلك تأخر أكثر من ساعتين عن الموعد المحدد .
ويقرؤون في تلك المؤتمرات بعض الأحاديث ، وشيئا من القرآن الكريم ، وشيئا من سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم ، مع بعض المدائح التي قد يكون في بعضها شيء من الغلو ، وبعض سير الصحابة ، أقول : الذي يؤخذ عليهم مع ذلك ، أنهم يحصرون دعوتهم في موضوعات معينة من الإسلام ، لا يخرجون منها إلى سواها ، مما هو من مقتضيات ( لا إله إلا الله ) من الشمول لكل نشاط الإنسان ، إضافة إلى تحاشيهم الصدع بالحق في كثير
من قضايا الإسلام المحددة التي لا يجوز التهاون فيها ، فلا يتعرضون لها إلا بالتعميمات في الغالب ، كالحث على الإخلاص
الذي لو فصل الكلام فيه لشمل أمورا عملية كثيرة في العقيدة كالنهي عن الاستغاثة بغير الله التي يتعاطاها كثير من الجهلة
أو الغلاة ، وكذلك لا يجهرون بالنهي عن كثير من المنكرات ، حرصا منهم - حسب زعمهم - على عدم إثارة الخلاف، واعتمادا
على أن الشخص إذا استجاب للعمل بمنهاجهم سيدع تلك الأمور المنكرة من ذات نفسه .
والذي يظهر لي أن من أهم أسباب حصر نشاطهم
على ما ذكر ثلاثة أمور :
الأمر الأول : أنهم ربوا أساسا على ذلك .
الأمر الثاني : أن معلومات كثير منهم لا تؤهلهم للدخول في حوار مع الناس في غير ما دربوا عليه، وفاقد الشيء لا يعطيه .
الأمر الثالث : إيثار السلامة مما يتعرض له الدعاة الآخرون الذين يدعون إلى تطبيق منهج الإسلام الشامل لحياة البشر ، من أذى وتضييق وعدم تمكينهم من النشاط الدعوي في كثير من البلدان .
ومما يؤخذ عليهم حرمان بعض طلاب الجامعات من مواصلة دراستهم ، عندما يتأثرون بدعوتهم ، حيث تغلبهم عاطفتهم ، فيخرجون معهم ويدعون دراستهم ، وقد يندمون على ذلك بعد فترة من الزمن ، لعدم وجود الجديد الذي يشبع رغبتهم الفكرية والعلمية
في منهج الجماعة ، وفي ذلك حرمان للمسلمين من الطاقات المؤهلة التي تسهم في تحقيق مصالحهم في هذا العصر ، وكان ينبغي أن ينتشلوا الفاسق من فسقه مع حثه على مواصلة دراسته بدلا من تركها الذي قد يكون سببا في تحسره وتندمه عندما
يفيق ، على ضياع جهده الذي كان يستطيع أن ينفع نفسه وينفع المسلمين بتخصصه فيه ، وكذلك قد يخرجون معهم – لمدة طويلة -
من يترك أهله بدون عائل ، وفي هذا ما فيه من ضياع الأسر .
مع العلم أن تأثير هذه الجماعة في الناس ملموس في كل مكان .
ولست هنا في مقام المدح أو الجرح ، ولكن في مقام الإرشاد
والنصح ، والذي دعاني إلى التصريح بهذه المؤاخذة أنني سمعت
من بعض أئمتهم في بعض البلدان الأوربية قوله :
إن الدعوة الصحيحة هي دعوتهم ، وأن كل ما عداها من الدعوات قاصرة، وأهداف أهلها أهداف دنيوية .
والواجب أن تعرف كل جماعة - مهما كانت أعمالها ونشاطها وإخلاصها ومناهجها مرضية لها -
أنها إحدى جماعات المسلمين القائمة بالدعوة إلى الله ، وأنه يوجد عند غيرها من موضوعات الإسلام الواجبة التبليغ مالا يوجد عندها ، وأنه ينبغي أن تستفيد كل جماعة من تجارب وإيجابيات غيرها ، وأن تتلافى ما عندها من سلبيات، بدلا من دعاوى الكمال لنفسها والتجريح لغيرها الذي لا تكون نتيجته إلا زيادة الخلاف والشقاق بين المسلمين .
وأقول - من باب الإنصاف - أن ما ذكر وما لم يذكر من سلبيات ، قد توجد في هذه الجماعة، ليس شاملا لكل أفرادها ، بل هم يختلفون من بلد إلى آخر ، فكل بلد يتأثر أفراده فيه بعلمائه غالبا ، وإن كان أسلوبهم في الدعوة والممارسة متقاربا
في الغالب .. ويحتاج الناس الذين يستفيدون من منهج هذه الجماعة ويهتدون على أيديهم ، إلى من يتابعهم من الدعاة
ذوي المنهج الشامل ، لزيادة تفقيههم وتوعيتهم حتى يفهموا الإسلام فهما شاملا ، ويتعلموا بعض أساليب الدعوة التي
تفقدها هذه الجماعة .
4 - المتفرغون للدعوة برواتب حكومية أو مؤسسات خيرية.
وهذا الصنف ليس أفراده كلهم أعضاء في جماعة معينة من الجماعات، بل قد لا يكون عضوا في جماعة البتة ، وإنما يعمل مستقلا بمفرده ، وقد يكون متأثرا في فكره بمنهج بعض الجماعات متعاطفا معها ، وبعضهم قد يكون عضوا في بعض الجماعات أيضا .
وإنما يجمعهم كلهم أنهم متفرغون للدعوة إلى الله ، هيأ الله لهم من يكفيهم مؤونة العمل من أجل كسب الرزق المعيشي ، من قبل مؤسسات حكومية أو مؤسسات خيرية شعبية، بصرف رواتب تعينهم
على التفرغ للدعوة ، وإن كانت تلك الرواتب غير كافية لهم
في بعض البلدان التي ترتفع فيها كلف المعيشة ، كبعض بلدان أوروبا واليابان وغيرها .
وأكثر هؤلاء هم من الذين درسوا في بعض الجامعات أو المعاهد الإسلامية، في المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية ،
وبعض البلدان الأخرى ، كالهند وپاكستان والكويت وليبيا والسودان والمغرب … .
وكثير منهم عندهم معلومات إسلامية جيدة، مع تفاوت في سعة
الاطلاع على المراجع الإسلامية، والأفكار المعاصرة ،
والمذاهب الهدامة ، والشبهات التي يوردها أعداء
الإسلام عليه وما يدحضها . ويمكن تقسيم هذا الصنف قسمين :
القسم الأول : لم يسبق له أن مارس الدعوة عمليا ، قبل أن يندب للقيام بها في بلدان أوروبا ، بل هو حديث عهد بهذا الميدان ، وإن كان بعضهم قد درس مادة الدعوة من الناحية النظرية وأدى امتحانها ونجح بتفوق ، فنجاح الحبر على الورق غير نجاح الداعية بين البشر .
وهذا القسم يحتاج إلى فترة طويلة يتمرن فيها ويفهم عادات الناس الذين يمارس الدعوة بينهم ونفسيا تهم ، وما يقبلونه وما ينفرون منه .. وقد يجد هذا القسم بعض الجاليات الإسلامية
من أبناء وطنه ، فينسجم معهم بسبب الاشتراك في اللغة والتناسب في العادات ، فينزوي بينهم ويدع من سواهم ،
وقد يكون بين بعض الجاليات من جنسية واحدة أو من جنسيات متعددة خلافات ، فينحاز هو إلى إحدى الطائفتين ،
أو يكون قد بعث أساسا للعمل مع طائفة معينة ، فتحاول التحكم في نشاطه وتصرفاته كما تريد ، لأن إقامته تكون على كفالتها ،
فإذا لم ينفذ رغبتها عادته وهددته بالطرد ، فيضطر وهو في حاجة إليها إلى مجاراتها ، فتحرم من الاستفادة منه الجماعات الأخر ، بل قد تلزمه الجماعة التي كفلته بنشاط معين فتحد
بذلك فائدته وتهدر طاقته ، وقد لا يجيد إلا لغة إحدى الجماعات ، فلا يستطيع أن يتحرك بدعوته إلا بين أعضائها .
ويتنافس بعض الجاليات الإسلامية في الحصول أئمة لاتخاذهم وسيلة للسيطرة على الآخرين ، لحاجتهم إليهم في الإمامة أو في تعليم أولادهم ، أوفي عقود الزواج، أو غسل الموتى وتكفينهم ، وقلما يستفيد الأوربيون مسلمين أو غير مسلمين من أمثال هؤلاء .
القسم الثاني : - من الدعاة المتفرغين - من ينتسبون إلى جماعات معينة من الجماعات الإسلامية ، فيذهبون إليهم ويكون نشاطهم مقصورا على جماعتهم، لتعليم أبنائهم وإمامتهم في الصلاة ، وتوعيتهم، وهؤلاء يفيدون جماعتهم كثيرا ، وقد يفيدون غيرها من الجماعات ، إذا سنحت لهم الفرص وكانت عندهم رغبة في تعميم فائدة الدعوة على الجماعات كلها ، ولكن جماعته قد تعارضه في ذلك فيضطر إلى التقليل من الاتصال بالآخرين ، وهذا القسم قد يكون أكثر اطلاعا على السنة وأكثر تمسكا بها ، ولكن وعيهم بأحوال الناس والأفكار المعاصرة عندهم ، أقل من اتحادات الطلاب الذين يكون تأثيرهم في الناس أعمق وأشمل .. ويوجد عدد - قليل - من هذا القسم ضعيف الإيمان ، لم يأخذ حظا كافيا من التربية الإسلامية الربانية ، فتجده يحاول أن يعيش على التفريق بين الجماعات وإثارة الفتن
والنزاع والعداوات ، ويمارس بينهم النميمة والتجسس لبعض الجهات على بعض ، من أجل أن ينال شيئا من حطام الدنيا ، وهؤلاء هم أسوأ من يحشر نفسه في زمرة الدعاة .
5 - غلاة الطرق الصوفية:
وهم دعاة البدع والخرافات ، الذين قد تصل خرافاتهم إلى
الشرك بالله ، من الدعاء والاستغاثة بغير الله ، فيما لا يدعى
ولا يستغاث فيه إلا بالله ، بل بلغ بهم الأمر إلى الاعتقاد بأن محمدا عليه الصلاة والسلام ليس بشرا وأن من اعتقد أنه بشر فقد كفر ، وهم يعادون كل من يخالفهم في معتقدهم هذا أو ينصحهم . ومن أمثلة هذا القسم جماعة البرلويين الهندية .
ويجب التنبيه - هنا - على أن كثيرا من أفراد هذه الطائفة جهلة ، وإذا بين لهم الحق رجع بعضهم عن تلك المعتقدات الفاسدة إلى الصواب ، والذين يعاندون ويصدون عن الحق
على علم به ، هم علماؤهم الذين يتحملون وزرهم ووزر
أتباعهم ، بسبب إضلالهم .
وهم جادون في نشر معتقداتهم ويحاولون أن يؤثروا بها
في غير جماعتهم ، ويجدون لنشاطهم وانحرافهم دعما من بعض الدول الأوربية ، كما جرت عادة هذه الدول في دعم الجماعات المنحرفة عن خط الإسلام الصحيح، كالقاديانية وغلاة الصوفية وغيرهم ، رغبة في التقليل من تأثيره في نفوس المسلمين المقيمين في أوروبا ، أومن دخل في الإسلام من الأوربيين أنفسهم .. وهكذا يفعل أعداء تطبيق الشريعة الإسلامية في البلدان الإسلامية ( العلمانيون ) يشجعون الجماعات التي تحصر الإسلام في طقوس معينة ، كالطرق الصوفية التي تهتم بالطواف بالقبور والتمسح بها ودعاء أهلها والاستغاثة بهم ، وضرب الطبول والزمر والرقص والتمايل عند الذكر ، والاحتفالات بموالد من يسمون بالأولياء ، وهم مع تشجيعهم لأمثالهؤلاء ، يضايقون من يدعو إلى تحكيم شرع الله في حياة البشر في أعمالهم ومعيشتهم وأسرهم ، بل قد يصل بهم الأمر إلى استحلال دمائهم بغير حق .
6 – طائفة الشيعة :
وهم الذين يتزعمهم الآن الإيرانيون غالبا، ولهم نشاط
في كل مكان ينشرون به أفكارهم ومعتقداتهم ، بكل وسيلة
ممكنة ، ولكن الاستجابة لهم بين الجماعات الإسلامية قلت
كثيرا ، وأكثر من يستجيب لهم أفراد يجهلون حقيقة مذهبهم ،
(( أو من يريد الاستفادة المادية منهم )) ! .
وأخطر وسيلة يؤثرون بها في الشباب المسلم الجاهل بمعتقداتهم ، المنح الدراسية في الجامعات الإيرانية ، وبخاصة الدينية ،
أو في الجامعات الغربية ، لأن حاجة الطالب إليهم تجعله يحتك بهم كثيرا ويقرأ بعض كتبهم وقد يتأثر بها .
وتأثيرهم في أوروبا موجود ، ولكنه في إفريقيا وأمريكا الجنوبية وجنوب شرق آسيا أكثر ، وإذا لم يسرع أهل السنة
إلى نشر عقيدتهم بكل وسيلة ممكنة ويبينوا للناس عقيدة الرفض التي من أسوئها سب الصحابة ، بل تكفير أكثرهم ، فإن خطرهم سيستفحل ويتفاقم .
7 - طائفة القاديانية :
وهذه الطائفة ليست من الفرق إسلامية كما أفتى بذلك علماء
الإسلام في باكستان وغيرها ، وإنما ذكرتها هنا ، بسبب نشاطها القوي وزعمها أنها تدعو إلى الإسلام .
ونشاط هذه الطائفة قوي جدا ، وإمكاناتهم واسعة، من المرافق والأموال والأئمة ، ولهم كتب مترجمة بلغات البلدان الأوربية كلها تقريبا ، تنشر فكرهم ومعتقداتهم وتدعو إليهما ،
ولهم نشاط إعلامي وتعليمي واقتصادي وسياسي ، ويجدون دعما ماديا ومعنويا من الدول الأوربية ، وبخاصة بريطانيا التي صُنِعُوا على عينها ، ولديهم إمكانات يساعدون بها من يلجأ إليهم مضطرا من المسلمين الأوربيين وغيرهم ، ممن تسوء ظروفهم المادية ويجدون ضيقا في حياتهم في أوروبا ، وهم يستغلون ذلك لنشر معتقداتهم ، كما يفعل النصارى مع المسلمين الجهال المحتاجين في بعض البلدان .