عالم آخر
لماذا تتعثر مفاوضات الطوائف؟
سرمد الطائيعنكاوا كوم/جريدة المدىيتحفظ بعض قياديي الاحزاب الشيعية على منح المحافظات السنية صلاحيات لامركزية واسعة، ويشعرون بصدمة من مشروع الحرس الوطني مثلا. وهذا التحفظ مبني على خشية ان يتحول الحرس الوطني على ارض الواقع الى "بيشمركة سنية"، وخشية من ان يجري في هذا الاطار تقسيم البلاد، والتقسيم امر يخشاه معظم العراقيين بالطبع.
لكن القياديين الشيعة بحاجة الى الانتباه لحقيقة بالغة الحساسية: ان محاولة اجبار السنة على صيغ قانونية واجرائية تمرر بفرق بسيط في الاصوات داخل الحكومة، هو الذي سيدفع الاحزاب السنية الى التمسك اكثر بتأسيس اقاليمها، ليحصلوا على الحكم الذاتي او ما شابه. وحينئذ سيمكنهم داخل اقليمهم الخاص ان يقوموا بالغاء قوانين اجتثاث البعث، وان يحصلوا على كل ما منعتهم حكومة بغداد من الحصول عليه. وهذا ما سيمكن للمحافظات السنية ان تفعله بمجرد التخلص من انقساماتها، واستبعاد بعض ناقصي الحكمة الذين يخفقون في عرض مطالبهم ومظالمهم بنحو مناسب وبمنطق يفهمه العراقيون والعالم.
السؤال الابرز الذي تداوله المراقبون بعد جلسة الحكومة الثلاثاء هو: ان الغرض من تعديل اجراءات الاجتثاث هو ارضاء الجمهور السني. فلماذا قامت الاغلبية السياسية باقرار صيغة تعديل يرفضها السنة؟ ان الامر يشبه ان تتنازل لجارك عن طبق العشاء بهدف كسب وده، لكنك تختار طبخة يكرهها وتجبره على تناولها، فتنقض الغرض الذي كان يستهدف طلب الود والاخاء.
ولا يمكن ان نحكم بشكل متوازن بعد، على ما حصل في جلسة الحكومة مؤخرا، قبل ان نطلع على تفاصيل كافية في مسودة تعديلات قانون الاجتثاث، الذي لم يصل للبرلمان حتى ظهيرة الاربعاء، لكن من الواضح ان المفاوضات بين الطائفتين لم تبلغ درجة النجاح المطلوبة، رغم ان "الذئب واقف على الباب" على حد التعبير الشهير لباراك اوباما.
نحن نعلم ايضا ان المناخ الاجتماعي بين شرائح واسعة من الناس غير مهيأ كفاية لصلح كبير بين الطائفتين، فالاعصاب على اشدها، والاوراق مخلوطة، مهما قلنا ان الحرب على داعش واضحة، فالمقابر تزدحم بضحايا من كل الاطراف، والحدود بين الدول تنهدم، والعواطف تتعقد من يمن الحوثيين حتى دمشق بشار، وهي تحولات متسارعة تضعنا كدولة في اختبار عسير، وتختبر بقسوة ايضا، ما نريده كمكونات لهذا الشعب.
لكن نقص الخبرة السياسية لكثير من القيادات، وترددهم المبالغ فيه، وقائمة شكوكهم الطويلة، هي امور تتحمل مسؤولية عظمى في اخفاق مشاريع التسوية الداخلية.
كما اننا امام مشكلة تجعلني ارتاب باكثر من قضية، وهي ان الصف الاول من قادة الاحزاب لايديرون الحوار المباشر حول القضايا الحساسة والمصيرية، كما يظهر لي، بل يبعثون مندوبيهم الذين لم يتوصلوا الى مستوى التفاهم المقبول.
وسنرى قريبا كيف سيصل قانون الحرس الوطني وتعديلات الاجتثاث، الى البرلمان ليمنح فرصة استعراض متلفز لبعض النواب المحبين للصياح. فتنتقل ملفات التسوية من غرف الساسة الاكثر قدرة على الحسم، الى حلبة تلاعن بين بعض النواب الذين لا يتقنون سوى تبادل الشتائم غير المجدي.
انني اتذكر الان كيف التقى كبار القادة مرارا حين اصبح من الواضح ان نوري المالكي صار خطرا على الاستقرار، وقد انتجت اجتماعاتهم صيف ٢٠١٢ مناخ تفاهم انعكس على البرلمان نفسه وبلور شراكة مكنتنا من الحصول على قوانين جيدة وقرارات جيدة. واليوم تواجه البلاد تحديا وجوديا اكبر، وتحتاج صلحا عميقا مبنيا على نبذ العناد وصوغ تنازلات كبرى. لكن قادة الصف الاول لا يوحون لنا بانهم على تواصل بمستوى معقول لحسم امور لا يمكن حسمها دون ان يريدوا هم ذلك.
ان المفاوضات بين الطوائف لا تسير بنحو مطمئن، ولقاء "الكبار" الذي لم ينعقد، يطرح تساؤلات كثيرة، بينما يتواصل الحريق الوطني وتضيق المقابر بأحلى فتيان العراق.