عنكاوا رئة المسيحيين، فيها تختبر النوايا والمباديْ
توطئةلعنكاوا تاريخ عريق وجذور تضرب عميقا في الارض، فيها كان صمود السورايي وحفاظهم على خصوصيتهم ( لغتهم وتراثهم وتقاليدهم وقيمهم ودينهم) في مواجهة موجات بربرية عديدة عبر قرون طويلة. ومن المعروف تاريخيا، ان ذلك الصمود، كان سلميا مبنيا على التمسك بالحق والهوية والحكمة والسعي الدائم لتعزيز أواصر الاخوة والتعايش واحترام الاختلاف وخصوصيات الآخر.
طبعا، رغم بقاء عنكاوا حية مستقرة صامدة، تعرضت كما أبناء شعبنا في مناطقه التاريخية الاخرى، عبر التاريخ، الى الكثير من الويلات والمظالم والاعتداءات والتهديدات، ستبقى صفحات تاريخية قاتمة سوداء في سجل السلطات والمتنفذين وقطاع الطرق في المنطقة.
غير ان عنكاوا الصامدة برزت بلدة متميزة وأنموذجية في التاريخ المعاصر للعراق الحديث. تميزت بأراضيها الخصبة وأنتاجها الزراعي الوفير، وبتطلع أبنائها للتعلم والبحث عن المعرفة والتفوق في الدراسة، لتقدم في خدمة الوطن جيشا من المعلمين والموظفين والمهندسيين والاطباء والفنيين والمثقفين الذين ذاع صيتهم لأخلاصهم وتفانيهم ومهاراتهم وابداعاتهم. وتميزت عنكاوا فضلا عن كل ذلك بتعلق ابنائها بالوطن والعدالة الاجتماعية والتطور والتعايش الاخوي بين كل مكونات العراق، وانخراط الكثيرون منهم بالحركة السياسية الوطنية، مبكرا، لتقدم في خضم نضال الشعب العراقي والحركة الكردية ومن اجل الحرية والعدالة والديمقراطية ارواح كوكبة باسلة خالدة من ابنائها. فعنكاوا كانت، والى اليوم، واحة للسلام والمحبة والانفتاح والتفاعل والانتاج الثقافي والمعرفي، وباتت بلدة معروفة ليس في المنطقة فحسب بل وعالميا.
آثار التغييروللأسف تميزت عنكاوا مرة أخرى، بعد سقوط النظام الدكتاتوري العنصري في بغداد عام 2003، حيث كانت حصتها، من آثار الاحتلال وأنهيار وتفكك الدولة وسيادة الفوضى والارهاب والحرب الطائفية والفساد وأستهداف المسيحيين والاقليات الاخرى وحملات التغيير الديمغرافي، حصة كبيرة وثقيلة.
لقد توسعت عنكاوا كثيرا وباتت مدينة كبيرة مزدحمة متخمة بالعمارات والفنادق والمحلات والصالونات والبارات ونوادي مفتوحة، الامر الذي يعتبره البعض منجزات تحققت للبلدة وأهلها المسالمين. الا ان ذلك حدث في الواقع وكما هو معروف، بتخبط وفوضى ومن دون تخطيط، ومن خلال تشويه معالم البلدة الهادئة المتجانسة، وجرى ذلك من خلال الاستيلاء بكل الطرق الشرعية والغير شرعية على افضل الاراضي الزراعية والتجاوز على حقوق أبنائها وتعريض تركيبتها الاجتماعية والثقافية والديموغرافية الى تشويه لم تشهده البلدة منذ قرون.
لقد فتحت عنكاوا، كما فعلت دائما، قلبها وأحضانها لأبناء شعبنا وغيره من الاشقاء من الاقليات الدينية والقومية ضحايا التعصب الديني والقومي والارهاب المنفلت، وباتت، بعد أجتياح داعش بسهولة ومن دون مقاومة الموصل وأطرافها ومناطق واسعة من العراق، بيتا جامعا لآلاف العوائل التي خسرت كل شيْ. فأصبحت عنكاوا اليوم أكبر بلدة مسيحية، ملاذا آمنا يعيش فيها ابناء الشعب الواحد من الكلدان الاشوريين السريان يجمعهم المصير الواحد، بأخوة ومحبة مع الايزيديين والارمن والصابئة المندائيين والاكراد والعرب ومجموعات كبيرة من الاجانب من مختلف الجنسيات.
مطالبات ومناشداتلقد طالب أهل عنكاوا السلطات في أقليم كردستان، منذ سنوات طويلة، وبوسائل متحضرة تعكس حرصهم ووعيهم ومسؤوليتهم تجاه مستقبلهم ومستقبل الأقليم وعلى مباديء وأسس التعايش الاخوي، طالبوا بالالتفات الى مظالمهم والاستماع الى أرائهم وأحقاق حقوقهم التي هي جزء من حقوق كل السورايي. ولقد ناشدوا في مناسبات عدة المسؤولين على أعلى المستويات لوضع حد للفساد والمحسوبية والتجاوز على معالم وهوية وأمن وحرية الفرد والتقاليد والخصوصية. وكانت هذه المطالبات تتصاعد مع تصاعد الفوضى والانفلات في الشوارع وتفشي الفساد الاداري والاستيلاء على المزيد من الاراضي وبناءالمزيد من البارات واجتياح البلدة بالسيارات القادمة من اربيل والمتسكعين المسلحين في اغلب الحالات. ولكن وللأسف لم تؤدي كل تلك المناشدات والمطالب الى نتائج تتناسب مع تطلع الناس في البلدة وحجم المسؤوليات التي تقع على عاتقهم وهم يستقبلون عشرات الالاف من العوائل النازحة والمنكوبة.
تنظم في عنكاوا اليوم حملة جماهيرية واسعة تأييدا للمطالب التي قدمت الى رئيس برلمان أقليم كردستان والتي هي الان على طاولة رئاسة الحكومة. ولقد توسعت هذه الحملة بتضامن وتأييد العديد من مؤسسات شعبنا في مقدمتها الكنيسة وابناء شعبنا في المهجر.
رئة المسيحيين ومختبر لأختبار الحكمةان التعامل مع عنكاوا ومطالب أهلها بحكمة وأنصاف ومسؤولية، في هذه المرحلة العصيبة والمعقدة التي تعيشها المنطقة عموما والأقليم بشكل خاصل، يشكل عامودا من أعمدة بناء مستقبل آمن ومستقر ومشرق للأقليم وتجربته الديمقراطية الرائدة. فعنكاوا هي اليوم رئة المسيحيين وهي بمثابة مختبر يمكن فيها أختبار النوايا والمواقف والسياسات والقيم والمباديْ، وكل ما يتعلق بوجود ومصير ومستقبل الكلدان الاشوريين السريان المسحيين وأشقائهم من الديانات والقوميات الأخرى.
فالشعب الكردي الذي كان ضحية للشوفينية والتعصب القومي والدكتاتورية و الذي يكافح من أجل الحرية والاستقلالية وبناء دولته القومية، مطالب ان يعزز اواصر التعايش المتكافيْ مع كل الاقليات الاثنية والدينية في الاقليم التي تضرب جذورها عميقا في الارض. فلا يمكن بناء السلام والامن ووطن مشترك ونظام ديمقراطي مستقر من دون ضمان كامل حقوق الجميع دستوريا.
أن أحترام خصوصية هذه الاقليات وضمان حقوقها وأستقلاليتها السياسية وتوفير البيئة الامنة الصحية لتطورها، هو قوة كبيرة هائلة يكتسبها الأقليم في مواجهة المخاطر الجدية لصعود التعصب القومي والديني والتطرف والارهاب والحروب. وللتاريخ شواهد وعبر تشهد على أخلاص هذه الاقليات ووفائها وتمسكها بالتعايش والبناء والمشاركة الشجاعة في النضال بكل أشكاله. وفي عنكاوا بالذات خير دليل على ما قدمه شعبنا الكلداني الاشوري السرياني من تضحيات ومساهمات في سوح مقارعة الدكتاتورية والكفاح المسلح ونشر الفكر الانساني والثقافة التقدمية وقيم السلام والمحبة والتسامح.
طريق الحرية والمستقبلأن التحديات التي تواجه الشعب الكردي وحركته التحررية القومية وسلطات الاقليم كبيرة ومصيرية، وفي الواقع ان الخيارات ليست عديدة. فألشعوب التي تحلم بالحرية وتضحي من اجل الكرامة والانعتاق، تختار دائما طريق التاخي والتعايش واقرار حقوق الاخرين وتماسك الجبهة الداخلية والتعويل على النزاهة والصدق والمخلصيين المجربين والغير منغمسين في وحل الخيانة والفساد والتعصب والكراهية.
وفي الحقيقة، وكما يعرف أشقائنا الاكراد من تجاربهم التاريخية الغزيرة مع شعبنا، فأنهم سيجدون في ابناء شعبنا، في حالة أحترام أرادتهم وخصوصياتهم وحقوقهم المشروعة التي تضمن لهم البقاء ونبذ الهروب والهجرة المقيتة، سيجدون فيهم الاستعداد الكامل للثبات والبناء معا، كما سيجدون فيهم ابناء واخوة شجعان في خندق الكفاح والصمود المشترك لمواجهة كل الاحتمالات والشر بكل اشكاله.
لقد أثبتت التجارب، للشعب الكردي كما لشعوبنا، أن التعويل على الدكاكين السياسية الصغيرة والموالين المداحين الانتهازيين ليمثلوا الشعوب، ومنها شعبنا المنكوب، وعلى تشتيت الصفوف من جهة، والنظر بالشك والريبة لمن ينتقد ويطالب بحقوقه ويناشد بأخلاص وجرأة من جهة أخرى، هو أمر بعيد عن الحكمة والمسؤولية، وأنما هو تعويل فاشل لن يثمر ولن يعطي الا الخيبات والمزيد من الاشكالات والتعقيدات التي تعيق أنجاح التجربة الديمقراطية والاستقرار وتحقيق الاهداف النبيلة.