رفقا بأبنائنا أيها الشركاء
توما خوشابامرة أخرى نقول إن المعني بحديثنا هو ليس الشارع الكوردي بالتأكيد.. بل الجهة أو الطرف القائم بالفعل، والذي حدى بنا أن نرصده ونؤشره ونوضح موقفنا منه بشكل شفاف وواضح بغية الإصلاح ووضع الأمور في نصابها الصحيح.
كـُنا قد تناولنا في مقال سابق قبل نحو شهرين.. موضوع شراكة شعبنا الحقيقية في إقليم كوردستان، وكيف هي النظرة السلبية لبعض الساسة الكورد إزاء مفهوم تلك الشراكة، وأعطينا مثالا تجسد على الأرض حينها وهو الكيفية التي تم بها إقصائنا مؤخرا من مفوضية الانتخابات في الإقليم.
وفي مقالنا هذا نطرح موضوعا آخر يجسد أيضا شكلا من أشكال الشراكة التي يتمتع بها شعبنا في الإقليم، ونخص هنا شريحة طلبتنا الأحبة في التعليم السرياني. فمن المعلوم إن التعليم بلغة الأم بالنسبة لأي مكون عرقي أو أثني يعكس نتائج إيجابية ويعطي ثمار عديدة منها إحياء وتطوير تلك اللغة، وتنشئة جيل يحمل ثقافة ذلك المكون بلغته، والأهم هو خلق الوعي القومي جيلا بعد جيل من خلال الاطلاع على تاريخه وتراثه ورموزه القومية والدينية.. وبالتالي اعتزازه بانتمائه وتمسكه بتلك المقومات التي هي أركان أساسية لديمومة وجود تلك القومية أو ذلك العرق.
والتعليم السرياني هو تجربة في ذات المنحى.. والمبتغى منها، بالإضافة إلى الجانب العلمي، تحقيق تلك الغايات التي أشرنا إليها أعلاه. غير أن الذي يحصل للأسف عكس ذلك تماما، حيث ليس فقط لا يُدرّس تاريخ شعبنا ورموزه وتراثه.. وإنما يُفرض على طلبتنا كمنهاج مقرر.. أن يدرسوا تاريخ شخصيات أساءت إلى رموزنا الدينية والقومية مثل (المجرم سمكو شكاك) قاتل الرمز الخالد الشهيد البطريرك مار بنيامين (منهاج مرحلة الصف الثاني عشر). لتُصوَر هذه الشخصية لأبنائنا كرمز.. عليهم أن يقفوا خشوعا وإجلالا لها.. دون أية مراعاة واحترام لمشاعر طلبتنا. ومن جهة أخرى فإذا اطلعنا على مادة التاريخ (في مرحلة الصفين التاسع والثاني عشر الأدبي) نراها مليئة بسرد الأحداث والمواقف لثورات ونضالات الشعب الكوردي وأحزابه، وهذا من حق الكورد.. أن يفتخروا بتاريخهم وبطولاتهم وثوراتهم، ولكن ماذا بالنسبة لنضالات شعبنا وتضحياته ورموزه الخالدة والاضطهادات التي عانى منها على مر التاريخ بدءا من مذابح سيفو مرورا بسميل وصورية والأنفال وسيدة النجاة.. وأخيرا الهجمة الإرهابية لداعش وما أسفرت عنه من تهجير ونزوح لأبناء شعبنا ومن ثم المعاناة الإنسانية والنفسية الناجمة عن ذلك!!، تلك المذابح والاضطهادات التي بسببها خسر شعبنا تعداده وأرضه وبات أقلية قومية!!، ناهيك عن تاريخ شعبنا القديم الذي يمتد لأكثر من ستة آلاف سنة.
إن هذا النهج التربوي يأخذ باعتقادنا بُعدين، الأول هو شرعنة أحداث وشخصيات تاريخية ووضعها ضمن الإطار التربوي المقرر.. وإلزام الطلبة بدراسته، وبذلك يتم قولبة الموضوع في إطار قانوني.
أما البعد الثاني فهو أدلجة طلبتنا بوقائع وأحداث تاريخية وذلك عبر الإلزام كما ذكرنا.. وبالتالي فهي عملية مشوهة تهدف إلى تلقين التاريخ وفق منظور شمولي الهدف منه هو ترسيخه في ذهن الطالب المتلقي، وبالنتيجة.. هو استهداف الآخر.
نعم.. هذه هي إحدى صور شراكتنا في العملية الديمقراطية في الإقليم والتي لطالما يشير إليها البعض بالبنان وتحديدا عند الاستشهاد بموضوع عملية التعليم السرياني كحق مكتسب وكثمرة الأجواء الديمقراطية التي يتمتع بها الإقليم.
إننا لا ننكر بأن هناك مكاسب معينة نالها شعبنا في الإقليم.. لكن بالمقابل فإن هناك مثل هذه الصور أيضا وفي العديد من مناحي حياتنا اليومية، لذلك فإننا عندما نطالب بالشراكة الحقيقية.. نعني تجسيد ذاتنا القومية.. سواءً في التعليم أو في باقي المجالات والاختصاصات ضمن مختلف مؤسسات الإقليم.. وصولا إلى تثقيف الشارع الكوردستاني بتلك الشراكة.. كي يتولد لدى كل مكونات المجتمع الكوردستاني قناعة مفادها بأننا مجتمع ذو هويات قومية متعددة ومحترمة.. ليس بالشعارات وإنما يتجسيدها على أرض الواقع ((وكما يفعل ويطالب الساسة الكورد عند تفاوضهم مع العرب.. وهذا حقهم الطبيعي)).
ولا يتحقق ذلك برأينا إلا من خلال إبراز تاريخ وتراث ورموزنا القومية من قبل أرفع المستويات في الإقليم سواءً على صعيد الشخصيات أو المؤسسات الرسمية المختلفة.
أخيرا.. ندعو الأخوة المسؤولين القائمين والمشرفين على المناهج الدراسية إلى إلغاء كل ما يدعو إلى التعصب، وليس فقط المثال الذي سقناه، كما والدعوة أيضا موجهة إلى المثقفين الكورد لأخذ دورهم في تثقيف الشارع الكوردستاني نحو ترسيخ مبدأ الشراكة الحقيقية والتآخي بعيدا عن الاستئثار وإلغاء الآخر في شتى المجالات، والدعوة موصولة أيضا إلى مثقفي شعبنا ومؤسساته المختلفة بما فيها الكنسية والقائمين على التعليم السرياني بالمطالبة الجادة بما ذكرناه وأداء دورهم الفعال لا الهامشي.. لضمان تنشئة أبنائنا نشأة تفتخر بها الأجيال القادمة.