الأخوة الأعزاء المؤتمرون المهجرون والنازحون قسرا المحترمين
السادة رعاة الهيئة التحضيرية للمؤتمر المحترمون ...
تحية ورسالة من أعماق معاناتنا والتي طال أمدها ... تحية لكل محب للسلام ولبسمة الأبرياء من الأطفال .. تحية لنا ولكم جميعا...وطوبى لمَن جاهدَ الجهادَ الحسن من دون منّة أو مكابرة أو تباهٍ فارغٍ. من حقنا أن ننتظر إكليلَ الظفر والانتصار على قوى الشرّ والتكفير. نصرٌ تحققُه أياديّ ذوي الإرادة الصالحة وأصحاب الروح المثابرة والتفاني الذي لا ينتظرُ المجازاة الفارغة من أيّ أحد أو أية جهة، لأنّ كلَّ جهدٍ يصبُّ في تفنيد الباطل وإحقاق العدل والاقتصاص ممّن كان السبب بأي شكلٍ من الأشكال في إحداث المأساة وفي إدامتِها والمتاجرة بها، سيكافئئُهُ عليها الباري حين سكوت عويل الأشقياء والبؤساء والمتألمين من أبناء شعبنا العراقي الجريح، ونحن المسيحيين جزءٌ فاعلٌ فيه.
كلّنا نعلم أن اليد التي حرّكت هذه الشلة من العصابات الإجرامية وأحدثت هذه الوقائع المأساوية، هي القوة الغاشمة ذات القطب الواحد التي تتحكم بمقدّرات العالم والدول وتقرّر مصائرَ الشعوب المستضعفة. ونحن أبناء الأقليات دون استثناء، قد تمّ زجّنا في أتون الصراعات الدينية والمذهبية والطائفية ضمن صراعٍ دوليّ واسع الأهداف. وقد بدت ملامحُه تطلع علينا من خلال تسريبات وتصريحات ظالمة، سواءً من هذه القوة العظمى أو من أدواتِها،سواءً من زعامات دول إقليمية أو من داخل الوطن كتحصيل حاصل.
لم تعد هذه المكونات الأصيلة تشكل عمق حضارة العراق وثقافته.. لقد أراد لها أعداءُ الإنسانية ومَن لم يبنوا دولتَهم العظمى على حجارة وبأسس حضارية كالتي كانت لنا بالأمس وقبل أكثر من سبعة آلاف سنة، أراد هؤلاء الظلَمة ذوو القلوب القاسية أن يقتلعونا من جذورنا، ويستأصلونا من أرضنا، لأنّنا الأفضل والأكفأ والأكثر تمسكًا بالأرض والوطن والأرفع رغبةً في تنميتِه وازدهارِه.
ما ينفعنا في هذه المرحلة الحرجة من مصيرِنا الذي على المحك، صوتٌ صارخٌ في البرّية يقول: كفى للبطش والتهميش والاستغلال والمتاجرة بحالِنا ومالِنا ومستقبلِنا وكفا ذرفا لدموع التماسيح علينا .
رصّ الصفوف خيرُ خطوة وقرارٍ وإجراءٍ نتخذه من هنا، من عاصمة العراق الصيفية، من كردستان التي تؤمن بالديمقراطية وتسعى لتحقيقها، ليسَ في الإقليم فحسب، بل في عموم أرض الوطن الجريح. قرابة 12 عشر عامًا من الانتظار والمآسي والإشكالية في تأمين حقوقنا كمواطنين، مازلنا واقعين بين مطرق الحكومة المركزية بفسادها وتهميشها وصراعاتِها وبين حكومة الإقليم التي تبني وفقا لرؤى واضحة المعالم والتي استغلت كل الطاقات الخلاقة لبناء الاقليم والذي أضحى وجهة العالم بذلك حتى وان كان ضمن واقع فرضته الأوضاع السابقة والحالية ، نامل يكون دائما مع المكونات الصغيرة ، ومنح الحرية والقرار المستقل لتلك المكونات بسبب من واقع ثقافتنا وأصولنا السريانية ومواطنيتِنا التي لا شائبةَ فيها.
إزاء المشكلة الكبيرة القائمة بعد طرد الأقليات من مناطقها ومنها اضطرار أكثر من 120 ألف مسيحي لترك بيوتهم ومناطقهم الأصلية، وحدَها الكنيسة، هي الجهة المثابرة التي قدّمت العون للجميع دون استثناء وتمييز في الدين والطائفة والقومية. وحدَها الكنيسة شمّرت عن سواعد رجالاتِها وأديرتها وشبابها، فأثبتتْ بحقّ فاعليتَها وقدرتَها على احتواء شيء كبيرٍ من مشاكل النازحين والمهجّرين. فيما أطرافٌ حكومية وغيرُها ومعها منظماتٌ محلية ودولية، كانت نيتُها المساعدة ظاهريًا والمتاجرة بمشكلات هؤلاء في الباطن. ونحن متيقنون من هذا الوصف!
اليوم تتجه أنظار الأحزاب التي تدّعي الاهتمام بشؤون الأقليات، للتهافت على مراكز تدريب المتطوعين للظهور بصورة الراعي والمسؤول وصاحب الحق بها، ومنهم مَن يريد إعادة ذات الخطأ بتسليم مهمّة هذه التشكيلات لعودتِها إلى ما فشلت به فيما مضى .أملنا ان تتحد الجهود ضمن مظلة واحدة لتهيئة ما بعد العودة انشاألله لنا ذلك..؟ هل وضعُ المسيحيّين اللبنانيين والآخرون من المكونات الأخرى كان أفضلَ منّا عندما دافعوا عن بلداتهم ودينهم وطوائفِهم في فترة الحرب الأهلية؟
قصارى مقترحاتنا:
1. إقامة أقامة مجلسٍ سياسيّ مسيحيّ يضع حدّا لتجاوز وصراعات أحزاب شعبنا، التي بمجملِها لا استقلاليةَ لديها، بل هي تابعٌ خنوعٌ لتنفيذ أجندات الإقليم وغيرِه، رغمَ أننا نقدّرُ عاليًا جهودَ الإقليم في إرساء الاستقرار والديمقراطية في شمال الوطن. ولكن نأمل أن يكون موقفُهم الإيجابي من مشاكلِنا يصبُّ في مصلحتنا الوطنية عامة وليسَ ذاتَ نفَسٍ قصير البعد. فالوطن ومصلحة الوطن والانتساب للوطن الموحد الواحد، هو سبيلُنا لصيانة مناطقِنا وتمتعِنا بحقوقنا المواطنية كاملةً، ليسَ منّةً مِن أحد، بل لأن وجودَنا الحضاريّ والوطني وكذا واجبُ الدولة الأخلاقي يقتضي ذلك.
إن المجلس السياسيّ الذي تعهّد رئيس الكنسية العراقية، غبطة البطريرك لويس ساكو بتشكيلِه ووعد النشطاء والمثقفين بإخراجِه إلى الوجود، هو الكفيل بحلّ إشكاليات أحزابنا وتقاطع حقوقنا، شريطة أن تبقى عينُ الكنيسة ساهرة وبمثابة الجهة الاستشارية، تاركةً قيادةَ مسيرتِه للعلمانيين من ذوي الخبرة والكفاءة والنية الحسنة والغيرة، ومن دون تدخلٍ للأحزاب مشكوكة الولاءات. عذرًا على كشف ما تراه النخبة من أفكار. ومنكم ولكم الخير في اتخاذ خطوات جادّة وغير تقليدية، مستقلّة في القرار والرؤية والرأي، حتى يبان الخيطُ الأبيض من الخيط الأسود. ففجر النصر قادمٌ، لو بلغنا منصة هذه الحيادية والاستقلالية والتضحية من أجلِ أرض الآباء والأجداد. وذاتُ الأفكار قد تنطبقُ على مكوّنات من أقلياتٍ أخرى ومنها اخوتنا الايزيدين الذين ذاقوا الامرين التهجير القسري وانتهاك الحرمات وهذه ليست خافية عنكم وكذلك اخوتنا من المكون الشبكي والصابئي.
2. أنّ الهجرة ليست الحلّ الأمثل ومَن يطالب بالهجرة الجماعية، فعَن ضيقٍ وحسرةٍ وألمٍ تعتصرُ قلبَه ونفسَه، لشعورِه بفقدان كلّ شيء. الكلُّ متيقّن أن الحلّ والربط بيد الأمريكان والقوى الكبرى التي وافقت على تعديل خارطة المنطقة، دون اهتمام وتقدير لحالة الاستئصال والقلع من الجذور لشعوبٍ موغلة في القدم. فهل استطاعت الزيارات المكوكية لرجالات الكنيسة والمسؤولين والمنظمات الناشطة أن تحصل على قرار، وليس وعدًا بالنجاة قريبًا من المأساة؟ أخشى ذلك. فالوعود، وما أكثرَها، لم تعد تكفي ولا تفي. وحدة صفنا واللوبي الذي نتطلّع إلى تشكيلِه، هو الكفيل بترسيخ وجودنا وتثبيت حقوقنا وتقدير كفاءتنا وتنمية مناطقنا، وإلاّ خسرنا بلداتنا وإلى الأبد وضاعَ تراثُنا واختفت آثارُنا، ولن يبقى لنا ما نبكي عليه ونفخرُ به ونقارع من أجلهِ.
3. على الدولة المركزية وحكومة الاقليم ان تعي مشاكل النازحين وخاصة في وضعهم الحال لابل معالجة سريعة بعد العودة لاستكمال البنى التحتية النزرة اصلا والمدمرة بعد اجتياح داعش ، والاستعداد القانوني والمؤسساتي وبالتعاون مع كل من لديه خبرة في هذا المجال لمعالجة اوضاع النازحين لما بعد العودة والعائدين منهم وكذلم الذين اختاروا اللجوء الى دول الشتات وتعويضهم ضمن الية يتفق عليها على ان يخصص صندوق خاص للتعويضات تساهم فيه كل الجهات المانحة ومنها الحكومة الاتحادية لانها الولي الاول عليهم ، والدول الاخرى والمنظمات الانسانية .
4. الدعوة إلى معالجة كل المواد الدستورية والقانونية التي ورفض وإدانة أية تشريعات لقانون الأحوال الشخصية على أساس المذهب والدين والتوجه الى تشريع قانون موحد يضمن حقول الجميع من مختلف الديانات وفقا للمعاير الدولية السائدة .
5. رفض كل إشكال المحاصصة المقيتة التي أرجعت البلد الجريح العراق إلى القرون الوسطى ،والدعوة إلى اجتثاث الفساد الإداري والمالي في كل مؤسسات الدولة العراقية.
وأخيرا نأمل ومن كل الخيرين في العالم ومن دعاة السلام إن يقوموا بواجباتهم بإرجاع المهجرين قسرا الى بيوتهم وإرجاع حقوقهم المسلوبة وضمانها ضمن الدستور او أية ضمانات أخرى.
ودعائنا للباري عز وجل ان يوفقنا جميعا لعبور هذه الأزمة التي لم يرى التاريخ البشري الحديث مثلها وبحجم مأساتها
ودمتم
الحقوقي
د. يوسف فرنسيس متي
استاذ جامعي /ناشط مدني في مجال حقوق الانسان 5/2/2015