هنيئا لك د. روبين بيت شموئيل
بقلم: ميخائيل ممو ـ السويدإن كان النادي الثقافي الآثوري في بغداد وفرعه في السليمانية, أيام النضال السلبي في مجال السياسة والأدب، قد لمّ شمل مجموعة كبيرة من المثقفين الآشوريين والجامعيين, وعلى نحوٍ خاص ومتميز أصحاب المقدرة الأدبية والفنية, فاليوم يشهد التاريخ لما آل اليه الفكر الأدبي من إبداعات تمخضت عواقبه في أبناء ذلك الجيل الذي تحدى الصعوبات التي لا تنكر من أجل رفع راية الوجود القومي والإعلامي بكافة حقوله، وأكبر دليل على ذلك تلك المجلة التي توجت بتسمية "المثقف الآثوري" واحتضنت مداد أقلامهم منفردة بما يدبج فيها لسقي محتويات موضوعاتها التي كان يقطع السقي عنها في كل عدد من أيدي الرقابة السلطوية.
من فضائل ذلك المنتدى الأدبي في مرحلة السبعينيات أن يجمع بين أروقته وأفنية حديقته الغناء وفي أجواء مكتبته العامرة جُلّ المثقفين من حملة الشهادات العالية والأكاديمية بإختصاصات متفاوتة, إلى جانب المخضرمين من أبرز أدبائنا وشعرائنا الذين ارتقوا بمصاف أشهر المبدعين في حقل التأليف والكتابة الأدبية المرموقة، لتضاف أسمائهم كأعضاء فخريين في سجلات النادي بدلالة دعمهم للحركة الأدبية، وتميزهم بالمشاركات في الأمسيات والمهرجانات الشعرية والندوات والمحاضرات ودورات التعليم اللغوي, واليوم لم يبق منهم على قيد الحياة أقل من نصف أصابع اليد الواحدة، إن لم ينعموا جميعاً في الفردوس الأبدي. والأدهى من كل ذلك أن حصيلة مخزونهم الفكري كان من منابع أول مدرسة تأسست في مطلع العشرينيات من القرن الماضي على يد الآب الفاضل المرحوم يوسف قليتا في الموصل, وفي مقدمتهم المرحوم الشماس كيوركيس بيت بنيامين الذي أوفد الى الهند وهو في ريعان الشباب لتعليم أبناء الكنيسة الشرقية العلوم اللغوية والطقوس الدينية, وليرفد بعد عودته حركة الطباعة والنشر بالحروف المطبعية اليدوية التي جلبها معه ممهداً الطريق لعملية النشر المباشر, بدلالة ما يقارب الأربعين كتاباً من عصارة فكره.
أن ما انجبته مدرسة الأب قليتا, هو ذاته من الجانب النظري والتطبيقي في كنف النادي الثقافي كأمتداد لذات الحصيلة, لتسلح ما لا يحصى من الأعضاء بما كان يُملى عليهم في المناسبات القومية واللغوية والتراثية والثقافية والفنية بجهود المتضلعين من الأدباء والتربويين والأكاديميين وفق اختصاصاتهم المتنوعة. فكانت تلك الأيام بمثابة قوة دافعة لنبضات القلب, وفرصة سانحة للإغتراف من معين الفكر التقدمي للتواصل الدائم والإسترشاد بمنابع أمهات المصادر لعملية رصد التثقيف الذاتي وإستكمال حلقات تلك البوادر التي مهدت الطريق أمامهم, ليثبتوا بفخر وإعتزاز ما ابتغوه بعين الإعتبار.
بالأمس القريب ورغم الظروف القاسية التي ألمت بأبناء جلدتنا في الوطن الأم لم يتهاون أو يتقاعس خريجو النادي الثقافي في الإغتراف من مناهل العلم والمعرفة بتطوير تسلحهم المعرفي، ليتهافت كل واحد ممن ورث من ميزات ذلك المنتدى أن يشمر عن ساعديه لإستكمال ما اختمر في وعيه الثاقب بمواصلة الدراسة والبحث واستقصاء ما خفي عليهم ليؤكدوا عن كثب بأنهم لا زالوا أبناء أولئك الجهابذة الذين ارتقوا بمفاهيم الحضارة, وخلفوا امهات الألواح والرقم الطينية والوثائق التي سرت مضامينها في نفوس أبرز الباحثين واللغويين والآثاريين في أرجاء المعمورة, ليقوم البعض منهم على التبحر في تصويب وتشذيب ما ارتآه وتوصل اليه المستشرقون الغرباء في استكشافاتهم وتحقيقاتهم لعدة قرون, غير مكتفين بذلك ليتجاوز فضولهم وطموحهم في الأصول اللغوية أيضاً سواء من لدن الباحثين العرب أو من المستشرقين الأجانب رغم بعدهم عن مفاهيم تلك اللغة تفوهاً وتدويناً. فإضطر العديد من أبناء تلك اللغة بهمتهم العالية وحرصهم الشديد على مواصلة الدراسة في العديد من الجامعات ليضعوا النقاط على الحروف بشكلها الصحيح, رغم تولي الباحثون الغرباء مهمة الإشراف. لذا نجد بين فترة وأخرى يطرق سمعنا وفي عدة دول عن تخصص أبناء شعبنا في علم الآشوريات والتنقيب رغم قلتهم قياساً بالعدد الكلي الذي ينتمي تحت راية العلم الآشوري, ومن الحريصين على وجودهم القومي الزميل الشهم روبين بيت شموئيل الذي سعى جاهداً على مدى سنوات عديدة في مسيرة الإحياء اللغوي بالتدقيق والتمحيص متأهلاً درجة الدكتوراه في العلوم اللغوية الآشورية التي تكنى اليوم بالسريانية, علماً بأن اهتماماته بتأليف ونشر بعض البحوث والكتب تزامنت مع دراسته الأكاديمية, متنقلا من بلد لآخر ليصيب عين الحقيقة التي وضعها نصب عينيه. ولهذه المناسبة التي أهلته لدرجة الدكتوراه تعود بي الذاكرة القهقري بمخاطبته لي في رسالة خاصة بتاريخ 30 ايار 1998 بغية تزويده بمعلومات عن الشاعر الراحل سركون بولص بحكم العلاقة والمعرفة التي بيننا, وكوني أقرب المقربين له من خلال اللقاءات والإتصالات, وذلك لإستكمال باكورة مشروعه الأدبي بإصدار كتاب تحت عنوان " سركون بولص.. نشأته وحياته " ومن أجل تلبية طلبه وتثمين فكرته اسرعت في حينها مخاطبته هاتفياً, مثنياً الجهد الذي يبذله لشخصية سركون والمكانة التي تبوأها في عالم الشعر بالعربية والإنكليزية, مسلطاً الضوء على بعض المعلومات, ومُؤمّلاً أياه أن أكمل مسعاه بالكتابة خطياً. فكانت فرحته كبيرة لتلك المحادثة بدلالة ما نشره في مقدمة الكتاب الذي صدر عام 1998 باللغتين الآشورية والعربية حيث كتب قائلاً: " أعترف بأن تلك المحادثة الهاتفية غير المنتظرة كانت عوناً لي وإن لم تكن خطياً, قد شدت من عزمي وأغنت أفكاري. ولم يساورني تصوري بأن يكون الأستاذ ميخائيل هو المتحدث معي في ذلك اليوم الغير اعتيادي لدي. بصوت عال أقول بأني مدين لهذا الرجل الآشوري الممتلئ بروح المحبة والأيمان القومي بمده يد المساعدة من حديثه الشيق وإيضاحاته المجدية.....". كما وأني على يقين تام بأنه لم يستثني أحداً من الذين حاولوا دعمه لما كان يصبو اليه.
من هذا المحتوى يسعدني القول بأن الزميل روبين بإقدامه على ما تم تنفيذه كان الوحيد من بين أبناء شعبنا الذي خص المرحوم سركون بنتاجه المذكور بالرغم من عدم ملاقاته له، إلا من بعد شاءت الصدف أثناء تواجدهما في هولندا لمناسبة مشاركة سركون في مهرجان نوتردام الشعري قبل رحيله بعدة أشهر. ليحقق روبين حلمه الذي ساوره، متمماً فرحته وشوقه بملاقاته وجهاً لوجه. (راجع تفاصيل اللقاء من إعداد الزميل الأديب بولس آدم في الرابط المنشور أدناه).
أن ما ينبغيني القول هنا، ليس بالغريب أن يتسلح روبين بالعلوم الهندسية الأكاديمية ويحيد عن ذلك ليقتفي في مسيرة حياته دروب العمل الأدبي طالما تحفزه مشاعره وأحاسيسه المرهفة ووعيه من خلال اهتمامه وسعيه بغية التسلح بالمعارف الأدبية الآشورية، ليهندس بمقاييسه اللغوية الحقول الأدبية كتمهيد لإتحافه المكتبة الآشورية بمؤلفات صدرت تباعاً، مؤهلة أياه خوض تجربة الدراسات العليا في بغداد وهولندا ولبنان في الجامعة اللبنانية التي قلدته صولجان شهادة الدكتوراه في العلوم اللغوية الآشورية. لذا وبهذه المناسبة التي هي قمة الطموح الشخصي نشد على يده مهنئين أياه ومتأملين منه أن يتحفنا المزيد، وأن يتبوأ كرسي الأستاذية في الجامعات العالمية ذات الشأن بمجال اختصاصه.
بطبيعة الحال، وكما نوهنا عن مفخرة النادي الثقافي الآثوري ينبغي أن لا نتغافل ونتناسى بمن سبقوه في مجال تواصلهم لتوثيق جذورهم التاريخية وأصالة وجودهم من تشذيب ما حصده الغرباء بمفاهيم واستنتاجات لا تمت للحقيقة والواقع بصلة، نذكر منهم المدير العام لمديرية الآثار ودائرة المتحف العراقي المرحوم دوني شمعون، والدكتور عوديشو ملكو، والدكتورة هيلين ملكو في علم الآثار ومنهم من هم على سلّم التدرج أمثال الزميلين زكي جيري في علم الآشوريات ونينيب لاماسو في العلوم اللغوية وغيرهم ممن يواصلون دراستهم في العديد من جامعات العالم بإختصاصات متفاوتة. مع اعتذارنا لمن خانتنا الذاكرة الإشارة لأسمائهم.
أن عطاء الزميل روبين يثبت صورة واضحة المعالم عكس الذين لا يبذلون جهداً في تأطير ما اقتنوه من شهادات موشحة على جدران مكاتبهم وغرف مضايفهم، مزينة بحرف الدال (د.) بمنزلةِ دالة الدَلال كميزة الدّلال في صيحات مزاده العلني في سوق مريدي. فهنيئاً لك يا رفيق الدرب في الحقل الأدبي واللغوي دكتور روبين في مسعاك الذي بوأك وسام الدكتوراه، مع بالغ شكري وتقديري.