مسيحيو العراق على درب الصليب

المحرر موضوع: مسيحيو العراق على درب الصليب  (زيارة 212 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل عماد هرمز

  • اداري منتديات
  • عضو فعال جدا
  • *
  • مشاركة: 278
  • الجنس: ذكر
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
مسيحيو العراق على درب الصليب
عماد هرمز
ملبورن - استراليا


مسيحيو العراق يستعدون لإقامة شعائر عيد القيامة المجيد الذي سيصادف في يوم الأحد الخامس من شهر ابريل عام 2015. ومن هذه الشعائر الدينية التحضيرية لعيد القيامة هي الصوم الكبيرة وكذلك شعائر درب الصليب الأسبوعية التي ستبدأ في يوم الجمعة القادم ولمدة سبعة أسابيع لتنتهي بالجمعة العظيمة، جمعة موت الرب المسيح على الصليب، ثم يليها سبت النور وتختتم بيوم أحد القيامة الذي سيكون العيد الكبير لمسيحي العالم وبالطبع لمسيحي العراق.

مراحل درب الصليب الأربعة عشر تجسد طريق آلام المسيح من لحظة القبض عليه مرورا بالحكم عليه (المرحلة الأولى) إلى المرحلة الرابعة عشر التي يتأمل فيها الشعب المسيحي الرب المسيح وهو يوضع في القبر وهذه هي المرحلة الأخيرة لينتظر العالم المسيحي لمدة ثلاثة أيام، ليوم الأحد، يوم عيد القيامة المجيد. هذه الجمعة الاخيرة، الجمعة العظيمة، هي من أقدس أيام الجمع في العالم المسيحي حيث تقف الحياة التجارية فيها أطلاقا وتعتبر عطلة رسمية في الكثير من دول العالم. في هذه الجمعة تجري مراسيم كبيرة منها القداس الكبير الذي يمثل خطوات صلب المسيح على الصليب. وتقوم المؤسسات المسيحية والكنائس بتغطية كل الأيقونات وتماثيل المسيح وغيرها بالوشاح الأسود دلالة على حزن الشعب المسيحي على موت مخلصهم وفاديهم المسيح. بعدها ينتظر المسيحيون ثلاثة أيام إلى يوم الأحد، ليحتفلوا بعيد القيامة المجيد وهو اليوم الذي قام به المسيح من بين الأموات لينتصر على الموت والشيطان وليصعد إلى السماء حيث مكانه الأزلي بعد أن أكمل مهمته في الفداء من أجل شعبه لخلاصهم من خطيئة الموت الكبرى التي جلبها على الإنسانية آدم وحواء بخطيئتهم بعصيان امر الله بعدم الأكل من تفاح شجرة المعرفة فحل الموت على الأنسان وما كان من الرب إلا أن يتجسد ويفدينا بدمه ليقوم في اليوم الثالث ليعد لنا الطريق إلى الخلاص ولهذا نرى تعم الفرحة في الأوساط المسيحية في هذا اليوم.

اشبه معاناة ومأساة الشعب المسيحي في العراق بمعاناة المسيح وهو في مراحل التضحية الكبرى، التضحية بنفسه من أجل خلاص شعبه، درب الصليب. ويمكن القول بأن مسيحيو العراق يمرون في مراحل درب الصلب التي خطاها قبلهم ربهم وسيدهم يسوع المسيح. حيث يمر الشعب المسيحي في العراق بمعاناة كبيرة على أيدي المتطرفين والمتشددين والتكفيريين من المسلمين منذ عقود وأبشعها  بدأ بعد سقوط النظام الدكتاتوري السابق ليختمها العدوان الغاشم والإرهابي من قبل تنظيم الدولة الإسلامية الإرهابية ضد المسيحيين واقترافه أبشع الجرائم بحق هذا الشعب المسالم. مأساة هذه المرحلة قد توصل الشعب المسيحي على الصليب وقد ينتهي الأمر بصلبهم على الصليب لكن المعضلة الكبيرة التي سيعانيها الشعب المسيحي هو موته على صليب الإرهاب والتطرف من دون توقع القيامة في اليوم الثالث ولا في القرن الثالث وقد تكون هذه المأساة المسمار الأخير في نعش الوجود المسيحي في شمال العراق. وعندما يلفظ العراق أخر مسيحي من أرضه، وقتها يمكن القول بأن التهجير القسري والقتل والاغتصاب قد نال بالفعل من الوجود المسيحي في العراق.

فمسيحيو العراق على مر التاريخ قد مرو، لحد الأن، بالمراحل العشرة من درب صلبهم وإذا استمر الموال بهذا الشكل فأن مسيحيو العراق قد ينتهي بهم الأمر الموت على الصليب من دون رجعة أو قيامة. مسيحيو العراق قد تخطوا المرحلة الأولى في الحكم عليهم بالموت من قبل المتطرفين والعنصريين من العراقيين سواء كانوا الأكراد أو العرب أو المتطرفين المسلمين عبر التاريخ وكذلك مروا بالمرحلة الثانية عندما حملوا صليبهم وجاءت الكوارث على رؤوسهم فوقعوا تحت صليبهم الثقيل عدة مرات واحدثها كانت مجزة سميل وصوريا وسيدة النجاة. وفي مرحلة زمنية معينة وصل مسيحيو العراق إلى المرحلة الرابعة عندما التقوا بأمهم العراقية الشريفة الحزينة على مصيرهم ومعاناتهم ومروا بالشرفاء من العراقيين ليعاونوهم والذين كانوا مثل سمعان القيرواني الذي ساند المسيح، فساند الكثير من العراقيين اخوتهم المسيحيين في مرحلته الصعبة ليتمتع المسيحيين بنوع من الحرية والحماية في احدى الحقب السياسية.  لكن التاريخ عكس مرة أخرى ضد المسيحيين ليشعروا بثقل وجودهم في العراق فوقعوا تحت الصليب للمرة الثانية في مجزة صوريا في مرحلتهم السادسة من درب الصليب. لكن معاناة مسيحيو العراق استمرت على أيدي الحكومات المتوالية ليقعوا وللمرة الثالثة وقعة أليمة شبه قاتلة تحت ثقل الصليب الذي حمله عليهم تنظيم داعش الإرهابي بإجبارهم على الخروج من الموصل ويلجوا إلى كردستان العراق.

ويبدوا بأننا في المراحل الأخيرة من هذا الدرب وقد نكون قد عبرنا المرحلة العاشرة التي فيها عرّي المسيح من ثيابه، كما عرّي مسيحيو العراق من ممتلكاتهم ومقتنياتهم من قبل الإرهابيين في تنظيم داعش الإرهابي عندما طردوا المسيحيين والإيزيديين من ديارهم وجردوهم من كل ما يملكون. وباعتقادي فأن مسيحيو العراق في الوقت الراهن قد يكونون في مرحلتهم الحادية عشر، حيث في هذه المرحلة يتأمل مسيحيو العراق المسيح وهو متسمرا َ على الصليب.   نعم المسيح تم صلبه وترك على الصليب ليموت ويمكن القول بأن الوضع الراهن لمسيحيي العراق وهم يعانون في معيشتهم من حيث المسكن والملبس والمأكل وفي فصل الشتاء القارس يبدوا وكأنهم قد تركوا يعانون على الصليب. مسيحيو العراق مصلوبون كما صلب المسيح وهم يعانون كما عانى المسيح وهم صبورون كما كان المسيح صبورا على صليبه، ينتظرون الفرج من الرب من محنتهم. الفرج من الرب بالنسبة للمسيح كان في موته على الصليب لأنه كان يجب أن يكمل هذا المشوار ليقوم مرة أخرى من بين الأموات بعد ثلاث أيام ويصعد إلى مكانه الأزلي. بينما الفرج لمسيحي العراق ليس في موتهم بل في موت داعش وتنظيمه الإرهابي لكي يعودوا إلى ديارهم آمنين سالمين يعيشون حياتهم الطبيعية. 

بالطبع لا نريد أن يكمّل مسيحو العراق درب صليبهم لأن المرحلة القادمة تعني موتهم على الصليب وفي هذه المرحلة، الثانية عشر، يتأمل مسيحيو العالم يسوع وهم يُنزل من الصليب، وهذا يعني سيتأمل مسيحيو العالم موت مسيحيو العراق على الصليب. يحاول العالم وفي مقدمتهم كنيستنا وشعبنا الدفاع من أجل بقاء شعبنا في ارض أجدادهم، من أجل بقاءه في الوجود من أجل بقاءه في النسيج العراقي كأحد أهم وأقدم مكوناته وخيوطه. لكن الوقت وسيفه لا يرحم فكلما مر الوقت زادت جروح المسيحيين المهجرين ونزيفه المتمثل في الهجرة الذي لازال ينضب وليس من مخرج لوقفه وإذا استمر ذلك فأن جسد العراق سيخسر عضوه المسيحي في الشمال وإلى الأبد.

ومن جانبها تكافح الكنيسة الكلدانية في العراق من أجل إقناع الأسر المسيحية بعدم مغادرة المنطقة بحسب ما جاء في تصريح أسقف أربيل المطران الموقر بشار وردة في حديث له مع إذاعة بي بي سي البريطانية. حيث دع الأسقف، وهو ناشد للسلام في داخله وبالرغم من أن دينه يدعوه إلى السلام والمحبة والـتأخي، لكنه مجبر لإنقاذ شعب فما كان منه إلا أن يناشد المجتمع الدولي إلى انقاذ مسيحيو العراق من خلال شن حرب برية على تنظيم داعش الإرهابي، بعد أن استنفذوا كل الطرق السلمية لمناشدة هذا التنظيم الإرهابي إلى العودة إلى كهوفهم المعفنة التي طلعوا منها. لم يصبح أمام العالم طريقة أخرى غير القتال البري لكي يهزموا هذا التنظيم الفتاك اللاإنساني واللاأخلاقي وغير الديني ليعود مسيحيو العراق إلى أراضيهم وبيوتهم وحياتهم ونحمي الوجود المسيحي في شمال العراق الذي يعتبر من أقدم الشعوب التي استوطنت هذه الأرض المقدسة.

وبحسب ما جاء في موقع بي بي سي البريطانية فأن أسقف أربيل قال لجمع من الأساقفة والقساوسة في بريطانيا وأعضاء لجمع من الأساقفة والقساوسة في بريطانيا وأعضاء مجلس العموم إن المسيحيين في العراق "لم يعد أمامهم وقت طويل" إن لم يتخذ إجراء عسكري على الأرض. وجاء في الموقع أيضا بأن الأسقف، الذي يمثل الكنيسة الكلدانية الكاثوليكية - خلال زيارته للندن – أبلغ تجمعا في وستمنستر أن الطائفة المسيحية العراقية تناقصت بطريقة "مفجعة" في العقد الماضي، من 1.4 مليون نسمة كما كان في فترة حكم صدام حسين. كما عبر عن قلقه في قوله بحسب ما جاء في الموقع بأنه " فر عشرات الآلاف من العراقيين المسيحيين والأيزيديين من منازلهم في صيف 2014 في أعقاب تحذيرات مسلحي تنظيم الدولة الإسلامية الذين طلبوا منهم التخلي عن عقيدتهم وإلا واجهوا القتل".


المسيح صُلب على يد اليهود قبل ألفي عام والأن يُصلب مسيحيو العراق على أيدي إرهابيو داعش. فهل من منقذ لمسيحيي العراق فأن الوقت لم يفت بعد وأنه يمكن انقاذهم من مصير الموت في العراق. نتمنى أن يرجع أهالي الموصل وسهلها إلى قراهم ويقومون من وقعتهم هذه ويختارون طريق غير طريق الجلجلة ليستمر التعايش السلمي والأخوي بين مكونات الشعب العراقي إلى الأبد.  كل عام والجميع بخير وصيامكم مقبول مقدما. ونتمنى أن يتحلى أبناء الموصل المهجرين بالصبر اللازم لكي يظلوا في أرض الرافدين لحين يتم دحر قوى الظلام والإرهاب ويحل السلام في ربوع العراق.