الموصل/ خالص جمعة المدى
الباب الوحيد الذي كان يتيح للموصليين الخروج من مدينتهم والعودة إليها عند الضرورة، قد أوصد بفعل تنظيم "داعش" بعدما قرر منع أكثر من مليون ونصف المليون شخص من مغادرة محافظة نينوى مهما كانت الأسباب.
التنظيم ابلغ شركات السفر بإيقاف تسيير الرحلات وإغلاق مكاتبها نهائيا، الأمر الذي زاد مخاوف السكان على مستقبلهم في ظل اشتداد القصف الجوي والحديث عن معركة برية قريبة.
هذا القرار لم يصدر مرة واحدة، إنما مهد له منذ بداية سيطرة "داعش" على الموصل، اذ لم تمض أسابيع فقط حتى وضعت شروط مشددة للراغبين بالسفر تحرم اي شخص من عبور حدود نينوى، الا بموافقة التنظيم، واستثنى من ذلك المرضى في وضع صحي حرج بعد حصولهم على تقارير طبية تؤيد حاجتهم للعلاج خارج المدينة، والطلبة الذين يؤدون امتحانات في الجامعات والمعاهد العراقية الأخرى، إضافة الى المتقاعدين لغرض تسلم رواتبهم من دائرة التقاعد العامة.
ايضا، هناك طرق أخرى وهي المجازفة كالتسلل على ظهور الشاحنات والصهاريج او تزوير كتب الأذن بالسفر.
احمد ذنون طالب دراسات عليا في إحدى جامعات بغداد، أراد السفر الى العاصمة من اجل مناقشة أطروحته، لذا اضطر الى الخروج على ظهر شاحنة تنقل الخضار وعندما يسألونه عن ترخيص السفر، يجيب بأنه مساعد السائق.
"الكذبة انطلت على مفارز التفتيش من الموصل حتى الرطبة، لكنني كنت خائفا جدا فقد أخفيت أوراقي ونسخة من أطروحتي بين أمتعتي" كما يقول ذنون.
اما الطبيب سعيد محمود، فقد اختار خدعة من نوع آخر وهي تزوير كتاب الأذن بالسفر وقد دفع لقاء ذلك 400 دولارا لأحد الأشخاص، لكن سائق التاكسي اسر له عندما أصبحوا بعيدين عن سلطان "دولة الخلافة"، بأن من زور الكتاب احد عناصر تنظيم داعش.
محمود انتظر نحو شهر ولم يحصل على أذن بالسفر، فخرج من الموصل ولم يعد إليها مرة اخرى، فقد كان يتحين الفرصة للفرار بسبب زيادة الضغط على الأطباء خاصة وان عشرات الجرحى من مقاتلي التنظيم يجلبون الى المشافي اسبوعيا.
تكاليف الرحلة التي استمرت نحو 33 ساعة تجاوزت ألف دولار، وخلالها اضطر الطبيب وعائلته وسائق التاكسي ان يبيتوا في جامع قرية نائية بالأنبار كما يفعل جميع المسافرين حاليا، لقد مروا بمناطق خطرة جدا، ولم يشعروا بالأمان حتى سمحت لهم بالمرور سيطرة للجيش العراقي تبعد 160 كم شرق قضاء الرطبة.
محمود وعائلته كانوا محظوظين لأن رحلتهم تمت بسلام، فبعد يوم واحد فقط من سفرهم قصفت طائرات التحالف الدولي قافلة سيارات مدنية متجهة الى بغداد أثناء مرورها على طريق بري جنوبي نينوى، حوادث القصف تكررت في الأيام العشرة الماضية وأودت بحياة عدد من المدنيين بينهم ثلاثة أفراد من عائلة واحدة.
يبدو ان زعماء "داعش" انتظروا الوقت المناسب لفرض حظر نهائي على سكان الموصل، ولن يجدوا انسب من هذه الفرصة، إضافة الى فضيحة تزوير أذونات السفر التي تورط فيها عناصر من التنظيم بالتعاون مع أصحاب مكاتب النقليات، حاولت صفحات موالية لـ"داعش" تبرير القرار بـ"السعي للحفاظ على أرواح المسلمين"!
منع السفر له تداعيات كثيرة، فهو يضيف رقما جديدا من العاطلين عن العمل ويرحم مئات المتقاعدين من الحصول على الراتب الذي يؤمن لهم العيش في مدينة أصيبت بشلل اقتصادي عام.
والجانب الأخطر في القصة كلها ما يذهب إليه الكثير من الموصليين بان تنظيم "داعش" بدأ يعد العدة لمعركة الموصل، تزامنا مع تزايد الحديث عنها على السن المسؤولين العراقيين والأمريكيين على السواء، هؤلاء الناس منذ خضوعهم لحكم "دولة الخلافة" يواجهون ظروفا أمنية واقتصادية واجتماعية غاية في الصعوبة، لكنها لا تقارن بحجم خشيتهم من آثار العمليات العسكرية عليهم، وها هو القرار الأخير يأتي ليزيد الطين بلة.
"داعش يريد ان يجعل منا دروعا بشرية" هذا أكثر التعليقات المتداولة بين الموصليين على منعهم من السفر، ويستشهدون بما يردده مقاتلو التنظيم على مسامع الناس المحاصرين: "لن نخرج من عندكم الا جثث هامدة".
اذن، فيما تستعد دول العالم التي تدعي محاربة الارهاب في العراق لمعركة تحرير الموصل سواء بالمشاركة على الارض او الاكتفاء بدعم ومساندة القوات العراقية، يتمترس جنود "دولة الخلافة" بدرع بشري مكون مما يزيد عن مليون ونصف المليون مدني غالبيتهم نساء وأطفال.
http://www.faceiraq.com/inews.php?id=3522212