الاخ لوسيان لا يرغب تقسيم ابناء الشعب الى الاشرار وغيرهم بمعنى عكسهم الاخيار، ولكن في الكتاب المقدس مزمور 64(63) الذي يتكلم عن أن الله يُحطّم ألسنة السوء يقول "أسترني من مؤامرة الأشرار ومن عجيج الذين يفعلون الإثمَ، يُسّنون ألسنتهم كالسيف ويُسدّدون سهامهم كلاماً مُرّاً، ليرموا البريء من مكامنهم، يرمونه بٌغتةً ولا يخافون، يُشجّعون أنفسهم على الشرِّ، ............".
سؤال الى الأخ لوسيان ماذا تُصنّف من امثال هؤلاء وأين تضعهم؟ مع الشكر مقدماً.
ارجو قبول احترامي وتحياتي.
الاخ مسعود النوفلي تحية
بالطبع انا لن اقبل بذلك وليس فقط لا اقبل وانما ساعارض ذلك ايضا.
هناك فرق يمتد بين الارض والشمس في ان تنتقد اسلوب شخص في مكان ولحظة زمنية وبين ان تنتقد شخصية الانسان وتصفها وتلعنها بانها شريرة الى الابد.
الطبيعة البشرية تتغير مع الزمن, وهناك ايضا من امتلك الشجاعة ليقول بانه كان تاثير الثقافة الديكتاتورية والاعلام الدكتاتوري اللذي لم يسمح برؤية شئ اخر. الانسان يتغير مع تغير الظروف ويتغير مع اكتسابه معرفة جديدة , يتغير مع الزمن , يتغير لانه قرر تغيير اراءه او لانه تاثر بافكار معينة او اشياء معينة. طبيعة الانسان ليست ثابتة حتى تطلق عليها صفات معينة لتصفها بالشريرة. انا استطيع ان اسمي اسلوب معين يخص موضوع معين بانه اسلوب شرير وبانه اسلوب خاطئ, ولكني لن اسمي الانسان بانه شرير.
وليس هناك اي معنى في الانجيل يشير بجواز تقسيم البشر بين اخيار واشرار, بل العكس الانجيل يمنع ذلك. يمنع اعتبار بشر اعداء واعتبارهم اشرار.
انا قرات وتعمقت فلسفيا في تاريخ الكرة الارضية كلها من هذه الناحية. هناك من يقول بان عدم وجود الاديان كان سيكون افضل, هذا لانه يقول بان الاديان تقوم بتقسيم البشر وتجعلهم يتمسكون باشياء مجهولة ويشجعون على العنف وكره الحياة على الارض. ولكن اقرب رؤية للحياة من جانب عدم وجود الاديان كانت الثقافة اليابانية ضمن ديانتها الشرعية وهي ديانة الشنتو التي تهتم فقط بالحياة على الارض ولا تتحدث عن اي حياة خارج الارض ولا عن جنة وجهنم الخ. هذه الديانة كانت السبب في انتشار ثقافة الانتحار بين اليابانين, حيث لا معنى للحياة على الارض لانها زائلة حتما ولا قيمة لها فيما اذا تموت اليوم او بعد عشرة ايام. ومنها نتجت العمليات الانتحارية كالطيارين الانتحارين, وبعدها شكلوا هؤلاء الجيش الاحمر الياباني ونقلوا الثقافة اليابانية عن طريق عقيدة شيوعية الحادية لينفذوا اول عملية انتحارية في اسرائيل في مطار اللد في تل أبيب عام 1972 ومنها انتشرت العمليات الانتحارية في المنطقة عندما تبناه الاسلام اللذي نفسه يامر بالقتل.
كل الايدولوجيات التي قسمت البشر الى مجموعتين لتعتبر احدى المجموعات مجموعة داخل والمجموعة الثانية مجموعة خارج توجهت الى الديكتاتورية والقتل ومن بعد ذلك تحطمت. مجموعة داخل ومجوعة خارج مثل: الالمان والاعداء اليهود...الامة العربية واعداء الامة العربية...المسلمين والكفار... الطبقة العاملة واعدائها...
في الدول الشوعية مثلا كانت وصية الانجيل "احبوا اعدائكم" عبارة عن شوكة في عيونهم. تصور ايدولوجية قائمة فقط على وجود اعداء للطبقة العاملة وياتي الانجيل ليقول احبوا اعدائكم. واحد اسباب تخلي العالم عن الشيوعية والاشتراكية هي معرفتهم بان تطبيقها سيؤدي في كل مرة الى الديكتاتورية وهذه نتيجة حتمية لها. وذلك لان من المستحيل ان يتمتع قسم من المجتمع بالحقوق والكرامة والقسم الاخر يتم اعتباره اعداء ويتم محاربتهم والاعتداء عليهم. لهذا فان الديمقراطية كانت ممكنة فقط ضمن ثقافة مسيحية حيث لا يكون هناك تقسيم بين البشر ولا يكون هناك اعداء. فعندما تقوم بتقسيم البشر بين خيرين واشرار فانت هنا تنشر ثقافة تسمح بان يقوم اي شخص بوصف المقابل بالشرير وهذا سيمنحه طبعا الحق في استخدام صفات بذيئة ضده طالما هو يعتبره شرير. وهذه سيكون من نتائجها اتهامات عشوائية والتي اذا انتشرت فانها ستبصح حتما ثقافة مقبولة وعندها ستجد سرعان من سيستخدمها ضدي وضدك ولن استطيع لا انا ولا انت بان نرفضها لاننا نكون عندها من دعم هذه الثقافة في ان تنتشر ونكون من سمحنا بها ولم نرفضها. القوميين العرب عندما وصفوا كل من يعاديهم بالاشرار والمجندين والخونة والعملاء تحول مجتمعهم كله الى خونة واشرار. بحيث ان هناك الان ملايين من تم الاعتداء عليهم بحجة انهم كانوا خونة واشرار وقتلهم كان مقبول ثقافيا. المسلمين يعانون من نفس النتيجة حيث يعتبر كل مسلم بانه انسان خير وكل الاخرين يعتبرهم كفار. فتحولت التكفير كنتيجة حتمية الى رياضة شعبية بين المسلمين , واليوم اعداد المسلمين اللذين تم الاعتداء عليهم من قبل المسلمين يعد بالملايين. الدين الاسلامي هو عبارة عن اضحوكة ولا مستقبل له سوى بزواله وهذا ما تقوله الرياضبات ذات النتائج الحتمية .
وحتى الاخطاء التي حدثت في التاريخ استطاعت البلدان ذات الثقافة المسيحية ان تتعامل مع ماضيها لتعترف بالاخطاء وتمنع وقوعها ثانية. هذا ليس ناتج من فراغ ولا يمكن ان يتولد في اية ثقافة ايا كانت. المجتمع المسيحي منذ قرون طويلة تعلم اسرار الاعتراف بالخطيئة والتوبة واصلاح الذات وهذه عليها ملايين من المناقشات عبر عدة قرون ترسبت وتراكمت وامتصتها الشعوب ودخلت في عروقهم ودمائهم والتي جعلها ايضا في يومنا هذا تتحدث عنها. النظريات السياسية التي تهتم بمعالجة الماضي, الاعتراف بالحقائق ومواجهة الحقائق وتذكر الضحايا والاهم محاولة عدم تكرار اخطاء الماضي هذه كلها تمتلك جذور تمتد في عمق تاريخ المسيحية وتعاليمها.
الانجيل يقول ايضا "من كان منكم بلا خطيئة فليرجمها بحجر" فلسفيا هذه تعني الكثير, فهي وصية تطالب بالابتعاد عن الاتهامات المسبقة العشوائية والتوجه بدلا عنها الى ثقافة المسؤولية. مصطلح المسؤولية نفسه عبارة عن مصطلح مسيحي.
فاذا قام شخص بنشر مقالات التي من شأنها ان تؤدي الى ثقافة سيئة, فهناك فرق كبير جدا بين ان تطلب من البشر بان يعتبروه كلهم بانه انسان شرير, وبين ان تقول للبشر ارفضوا هذه الثقافة وانشروا ثقافة اخرى جيدة. وعلى هذا الاساس ترى بانني اصف مثلا المسيحين المنتمين الى ابرشية معينة بانهم الوحيدين اللذين كلهم يتحملون مسؤولية الثقافة التي يتم الدعوة اليها او استخدامها, هم يبقون مسؤولين سواء شاركوا فيها او لم يشاركوا اي بقوا لا يفعلون اي شئ لايقافها بمعنى سمحوا بها.
اما الاشخاص فانا لن اقوم بوصفهم بالاشرار لكل الاسباب اعلاه وفي نفس الوقت انا لا اعتبر نفسي افضل من كل اللذين انتقدتهم. نحن في النهاية نستطيع فقط انتقاد اساليب معينة ونرفض ثقافة معينة وندعوا الى ثقافة بديلة ولا نملك اكثر من ذلك, ولان هذه تحتاج الى مسؤولية الجميع فهي اخيرا مسؤولية كل فرد.
ملاحظة على شكل سؤال: الم ترى بانني بالرغم من انني اقف ضد اي تقسيم سواء بوصف الاخرين بالاعداء او وجود حقد او وصفهم بالاشرار الخ وبالرغم من انني ارفض الاتهامات واطالب بثقافة المسؤولية الخ الم ترى بان مداخلاتي تحرق اعصاب البعض اكثر من اية مداخلات اخرى؟ بدرجة ان وجودي اصبح عندهم عقدة فحالما اكتب مداخلة يصبح البعض مثل لزكة يلتصق بمداخلاتي ومن ثم يقوم بسبي وشتمي وادعاء اكاذيب لا يستطيع اي واحد منهم من ان يثبتها باي اقتباسات مني؟ الم ترى بانهم يبتعدون عن اي نقاش جدي معي لكونهم يعرفون النتيجة الحتمية في انهم سيخسرون لا محالة؟
تحياتي