رياضة روحية عبر النت لزمن الصوم للأب غدير الكرملي ( دير الكرمل في العراق أقليم باريس الكرملي )

المحرر موضوع: رياضة روحية عبر النت لزمن الصوم للأب غدير الكرملي ( دير الكرمل في العراق أقليم باريس الكرملي )  (زيارة 108 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

سلسلة رياضات روحية عبر النت، دير الكرمل في العراق (إقليم باريس الكرملي) (رياضة روحية رقم 6)

إن هذا العام 2015 هو عام اليوبيل المئوي الخامس على ولادة القديسة تريزا الأفيلية (تريزا ليسوع 1515 – 2015)، والرهبانية الكرملية في العالم تتحضر لهذا الإحتفال منذ 5 سنوات من خلال إعادة قراءة كتاباتها وعمل دراسات تعريفية عنها وعن كتاباتها الفريدة. لهذا ومن المنطقي أن تكون رياضتنا الروحية لزمن الصوم الكبير لهذه السنة برفقة هذه القديسة الكبيرة، أول امرأة تُعلَن "معلمة الكنيسة". عنوان رياضتنا هذه هو:

عندما يُحَوِّلُ الحُبُّ : خطوات صغيرة نحو حياة كبيرة
"لا يجب أن نخاف، بل أن نَأمُل )(كتاب السيرة 8: 5)

أربعاء الرماد: “أن نفتح مغارة قلبنا «
القديسة تريزا الأفيلية (تريزا ليسوع): حياتها
نحن أمام امرأة من القرن السادس عشر في أسبانيا، عاشت في مرحلة فاصلة بين حقبتين: الأولى تشمل القرون الوسطى بنظرتها التقليدية إلى الإنسان، أي التي تنظر إلى الإنسان كمركز العالم بينما الله هو في السماء. هذه كانت الحقبة الأولى، لكن هذه النظرة إلى الكون بدأت تتغير في وقت تريزا. فلم يعد الإنسان في المركز، ولا حتى الله أيضاً لم يعد في العلى؛ فالأرض تدور حول الشمس وهي ليست مسطحة كما كانوا يعتقدون قبلاً بل مدورة. أي بصورة عامة، بدأت النظرة إلى العالم والكون والإنسان وإلى الله تتغير. بدأ الإنسان يشكك في كل شيء وأخذ يتساءل فيما إذا كان للكون مركز، أي هل هو الله أم شيء آخر ... فالنظرة إلى العالم ومكانة الله بدأت تتزعزع وتتشوش.
شهدت هذه المرحلة أيضاًحصول شرخ أو انشقاق داخل الكنيسة نفسها بسبب الخلاف البروتستانتي.
وأخيراً، هناك حدث مهم جداً أثر كثيراً على تفاصيل الحياة آنذاك،ألا وهو اكتشاف العالم الجديد (أمريكا) ولموارده الغنية الكثيرة. فقد بدأ الذهب والفضة يُنقَلان من هناك إلى أسبانيا والبرتغال بمئات الأطنان. وبدأت أوربا تدخل في الحقبة الحديثة المتطورة والتي ستقودها إلى تطورات جوهرية.
أخوة تريزا نفسها كانوا من بين المغامرين الذين ذهبوا إلى أمريكا للبحث عن المال والغنى. لكن تريزا لم تذهب معهم، لأنها كانت عطشى جداً إلى كل ما هو أبدي: "إلى الأبد ، إلى الأبد" هي صرختها وهي طفلة، عندما خرجت معأحد إخوتهادون علم عائلتها، إلى حيث كانت هناك حرب بين الأسبان وجيش المسلمين، كي تموت شهيدة وتحقق بذلك عيشها مع الله إلى الأبد (السيرة 1: 4). كانت قد سمعت البعض من حولها يقول بأن من يموت في الدفاع عن بلده ضد المسلمين الذين جائوا يحتلون بلدهم سيصبح شهيداً ويعيش إلى الأبد مع الله. كان عمرها آنذاك سبع سنين وكانت منذ ذلك الحين تعرف كيف توصل شغفها واشتياقها للأبدية، بحيث أنها أقنعت أخيها، الذي كان يكبرها سنًّا، كي يرافقها في هذه المغامرة. بالطبع لم تنجح هذه المغامرة لأنها عمها التقى بهما في الطريق فأرجعهما إلى البيت.
لم يكن ذهب العالم الجديد ما يجتذبها، ولا امتلاك أراضي واسعة للزراعة ولا النفوذ. لكن بناء حياتها الروحية والتعرف على ذلك الذي يسكن داخلها هو ما كان يشغلها. هذا هو "العالم الجديد" الذي كانت تريزا ترغب وتتمنى اكتشافه والتنعم بغناه: أي باطنها المسكون من قبل الله.
"لا يجب أن نتصور بأننا فارغون في داخلنا... لأن هناك في أعماقنا، شيئًا آخر ثميناً جداً، ولا يمكن مقارنته بأي شيء آخر، مما نراه في الخارج." (طريق الكمال 28: 10).
ستكرس تريزا كل حياتها كي تصبح "صديقة" يسوع من خلال طريق الصلاة الصامتة. فبرفقة هذا الصديق، تريزا "ستفتح مغارة قلبها". وسينفتح أمامها مجال واسع وهائل للحب.
وُلِدَت القديسة تريزا في عائلة إسبانية، كان والدها "ألونزو" نبيل كريم وقريب جداً منها. بعد موت زوجته "كاتالينا" التي ولدت له طفلان، تزوج في 1509 من بياتريس أهومادا. كان عمره آنذاك 30 عاماً وبياتريس 15 عاماً فقط. ستهبه 10 أطفال: بعد ولدين، تولد تريزا في 28 آذار 1515 في مدينة آفيلاً في أسبانيا.

مدخل إلى النصوص الليتورجية لهذا اليوم
في القراءة الأولى والثانية من قداس اليوم، أربعاء الرماد، لدينا دعوة إلى التوبة.. إلى الإهتداء.. إلى الرجوع إلى الله (يوئيل2: 12-18؛ 2كورنتس5: 20-6:2). هذه التوبة والرجوع إلى الله تتجسد في الإنجيل (أنظر متى 6: 1-18) في فعل روحي للصوم، والصلاة والصدقة. فالصوم يفتح مجالاً للآخر في قلوبنا: إنه يساعدنا على أن نعي بأننا لا نعيش فقط من الأشياء المادية. والصلاة تجعلنا ننفتح على الله، فهي تُنَمِّي النفس وتُنضجها من خلال خلقها في داخلنا الرغبة اللامتناهية لأن نكون محبوبين.. لأن نُحَب (من قبل الله). أما الصدقة فهي تجعلنا ننفتح على القريب، من خلال المقاسمة، والشركة، وعطية الذات للآخر: فالمحبة المستَلَمَة أصلاً يجب مقاسمتها.

تأمل: إلى ماذا يجب علينا أن نتوب ونهتدي؟
لقد اكتشفت تريزا الأفيلية عَظَمَة كرامة النفس التي يقيم فيها الله. وهي تدعونا إلى نفعل نحن أيضاً بدورنا نفس الشيء، أي أن نلتفت نحو الله ونقيم فيه، من خلال الصلاة الصامتة. هنا نحن في قلب الصلاة. فالصلاة في الحقيقة ليست مجرد مجموعة من الكلمات علينا ترديدها، لكنها الرغبة والشوق إلى الإنفتاح نحو علاقة جوهرية مع الله وأن نتواصل معه.
إنها تتضمن في الحقيقة، أن نهتدي إلى حقيقة إنسانيتنا العميقة، تلك التي جاء يسوع نفسهكي يكشفها لنا. لكنها تتضمن أيضاً أن ننفتح نحو مجيء الله إلى أرض البشر، متخذاً جسدنا، ومنذ ولادته البشرية. فالإهتداء هو ليس ثمرة عمل إرادي، لكنه إنفتاح القلب نحو حب الله المُخَلِّص. إن التجربة الكبيرة الخاطئة التي يمكن أن يمر بها الإنسان هي أن يؤمن بأنه لكي يكون محبوباً، عليه أن يستحق ذلك، ويجب أن يُظهِر نفسه بأنه محبوب؛ وهو يظن أن هذا صحيح إن كان في علاقته مع الله ومع الآخرين أيضاً. بينما يسوع جاء يقول لنا بأن المحبة لا يمكن أن يُستَحوَذ عليها.. لا يمكن أن نحصل عليها بإرادتنا وقدراتنا وحدها، لأنها إنفتاح القلب تجاه عطية الله، في فعل اختياري حُر.
في زمن الصوم الكبير هذا، لنتعلم أن نطلبهذه النعمة من الله: أن نُشفى من كل خبرات عدم محبة الآخرين لنا، ومن جروحاتنا التي سببتها قلة محبة البعض لنا، ولازالت هذه الجروحات لم تندمل. لنتعلم أيضاً أن نطلب الغفران لأننا تبدورنا لم نعرف أن نُحِب الآخرين حقاً.تقول لنا القديسة تريزا، في هذا الطريق "لا يجب أن نخاف بل أن نأمل..". صحيح أن هناك جهوداً تقع على عاتقنا وعلينا القيام بها، لكن فيما يخص الخلاص، فهو لا نستلمه إلاّ من الله. فالخلاص ليس في متناول الإنسان، لأنه عطية ونعمة من الله. "نحن مُخَلَّصون بالنعمة"، يقول القديس بولس (أفسس2: 5)، وهو ما ستكتشفه تريزا الأفيلية شيئاً فشيئاً، عندما ستختبر قدرة النعمة العجيبة وتأثيرها في إنسانيتها الضعيفة.

الطريق الذي ستسير فيه رياضتنا الروحية: طريق الإهتداء إلى الحُب
خلال رياضتنا الروحية التي عشناها أثناء الصوم الكبير للعام 2013، ساعدتنا فيها أيضاً القديسة تريزا الأفيلية، لكننا عندها تبعنا تريزا الواصلة إلى قمة نضوجها الروحي. في رياضتنا لهذه السنة، سنسير مع تريزا وهي في طريق هدايتها الشخصية ورجوعها القوي إلى الله (1515 - 1556)، أي منذ طفولتها وإلى اكتشافها الكبير لُحب المسيح لها وهي في التاسعة والثلاثين من عمرها. ما يلي مراحل الرياضة الروحية مُحَدَّدة ومُقَسَّمة من خلال صراعات تريزا الروحية قبل أن تصل إلى قمة الحياة الروحية والإتحاد بالله:
1) أن نختار العيش: تريزا المراهقة في مواجهة موت والدتها.
2) الذهاب إلى ينبوع الحُب: تريزا سجينة حُب والدها المفرط والمُتَمَلِّك.
3) تحرير قدرتها على الحُب: تريزا واقعة في شباك الصداقات.
4) أن تُصبح متواضعة: تريزا مُحبَطَة بسبب ضعفها ونواقصها.
5) النظر إلى الغد بثقة: تدعونا تريزا إلى الثقة.
6) أن نسلم حياتنا لمحبة يسوع: كيف نعيش الأسبوع المقدس (من السعانين حتى عيد القيامة).

"لا يجب أن نخاف، لكن أن نأمل .. أن نشتاق.. أن نتمنى.. ".. في بداية زمن الصوم الكبير هذا، لنطلب إذن من الله أن يجعلنا حاضرين أمامه، هو الحاضر دوماً، وأن يُحَرِّرنا من أنفسنا، أي أن يُخلِّصنا. فهدف هذه الرياضة الروحية هو أن ندع الحُب يُحوِّل حياتنا، وأن يجعلنا ننظر نحو الغد بثقة ورجاء. ستستلمون عادة كل يوم سبت، من زمن الصوم الكبير هذا، ملفًا يحوي على تأمل وشهادة حول حياة الصلاة مع بعض النقاط المساعِدة على الصلاة اليومية.
أتمنى لكم رياضة روحية وزمن صوم مبارك.

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية

الخميس 19 شباط:
"نحن لسنا إلاّ خدامَ المحبة، هذا ما يجب أن نكونه، إذا قررنا أن نتبع في طريق صلاة السكوت هذا، ذاك الذي يحبنا إلى هذه الدرجة... لكننا بطيئون جداً في وهب ذواتنا تماماً لله." (السيرة11: 1).
"هاءنذا واقف على الباب أقرعه، فإن سمع أحد صوتي وفتح الباب، دخلت إليه وتعشيت معه وتعشى معي." (رؤيا 3: 21).

الجمعة20 شباط:
"في بحثنا عن محبة الله، نحن نريد الحفاظ على محبتنا ورغباتنا ولا نقدمها له، بل نحن لا يمكننا أصلاً أن نجعل رغباتنا ترتفع ولو قليلاً عن الأرض.
" إن الله لا يهبنا كنزه فوراً وبشكل كامل، لأننا لا نُسَلِّم له كل شيء في نفس الوقت، لا يهمني حتى لو وهبني الرب حبَّه قطرة فقطرة!" (السيرة11: 3).
"لأن هؤلاء كلهم ألقوا في الهبات من الفائض عن حاجاتهم، وأما هي فإنها من حاجتهاألقت جميع ما تملك لمعيشتها." (لوقا21: 4).
"
السبت21 شباط:
"نحن نظن بأننا وهبنا كل شيء لله، لكننا لا نعطي لله إلاّالفائض عن حاجاتنا، محتفظين لنا بالأصل والممتلكات. نحن ربما نقرر في أوقات كثيرة أن نصبح فقراء، لكننا وبسرعة نقلق، فنعمل كل شيء كي لا ينقصنا شيء، ليس فقط مما هو ضروري، لكن حتى من الفائض." (السيرة11: 2).
"أنظروا إلى طيور السماء كيف لا تزرع و لا تحصد ولا تخزن في الأهراء، وأبوكمالسماوي يرزقها. أفلستم أنتم أثمن منها كثيرا؟"(متى 6: 26).

مع محبة الأب غدير الكرملي

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي
قراءات زمن الصوم الكبير (السنة ب)
اليوم   القراءة الأولى   القراءة الثانية   الإنجيل
أربعاء الرماد    يوئيل 2: 12 - 18   2قورنتس5 :20 -6 :2    متى 6 :1-6، 16 -18
الخميس   الاشتراع 30 :15 -16– 18 أ 20      لوقا 9 : 22-25
الجمعة    إشعيا  58 : 1 -9       متى  9 :14 – 15
السبت    إشعيا  58 : 9 – 14       لوقا 5 :27 – 32
الأسبوعالأول
الأحد الأول   التكوين 9 : 8 - 15   1 بطرس 3 : 18- 22   مرقس 1: 12 - 15
الاثنين    الأحبار 19- 12 ، 11-18       متى 25 : 31-46
الثلاثاء    اشعيا 55 : 10 -11       متى 6: 7-15
الأربعاء   يونان 3: 1-10       لوقا 11: 29 -32
الخميس    ملوك الثالث 19 : 3-8       متى 7: 7-12
الجمعة    حزقيال 18 : 21-28       متى 5: 20 -26
السبت    الاشتراع 26 : 16 -19       متى 5: 43 -48
الأسبوع الثاني
الأحد الثاني    تكوين 22 : 1 -18    رومة 8: 31ب - 34   مرقس 9 :2 -10
الاثنين    حزقيال 34 :11 13، - 16      لوقا 6: 36 – 38
الثلاثاء    اشعيا 1: 16 -20       متى 23 : 1-12
الأربعاء   ارميا 18: 18 -20       متى 20 :17 -28
الخميس    ارميا 17 : 5 -10       لوقا 16 : 19 – 31
الجمعة    تكوين37: 3-4 ،12-13، 17-28       متى21 : 33 – 43،44– 46
السبت    ميخا 7: 14-15 ، 18 -20       لوقا 15 :1-3 ، 11 -32
الأسبوع الثالث
الأحد الثالث    الخروج 20: 1- 17   1قورنتس1: 22 - 25   يوحنا 2: 13 - 25
الاثنين    ملوك الرابع 5 : 1 -15         لوقا 4 : 24 -30
الثلاثاء    دانيال3: 25، 34-35، 37، 39-43      متى 18: 21 -35
الأربعاء   خروج 24 :12 -18       متى 5 : 17 -19
الخميس    ارميا 7 : 23 – 28       لوقا 11 : 14 – 23
الجمعة    هوشع 14 : 2-10       مرقس 12 :28-34
السبت    هوشع 6 :1 -6       لوقا  18 : 9-14

الأسبوع الرابع
الأحد الرابع   2أخبار الأيام 36: 14 – 16 . 19 - 23   أفسس 2: 4 - 10   يوحنا 3: 14 - 21
الاثنين    ملوك الثالث 17 : 8-16       يوحنا 4 : 43 -54
الثلاثاء    حزقيال  47 : 1-9 ،12       يوحنا 5 : 1-16
الأربعاء    اشعيا 49 : 8– 13       يوحنا 5 : 17- 30
الخميس    خروج 32 : 7 -13أ ،14       يوحنا 5 : 31 -47
الجمعة    الحكمة 2 : 1أ، 12 -22       يوحنا 7 : 1-2 ،10 ،25-30
السبت    ارميا 11: 18-20 أ ج       يوحنا 7 : 40 -53
الأسبوع الخامس
الأحد الخامس   إرميا 31: 31 – 34   عبرانيين 5: 7 - 9   يوحنا 12: 20 - 33
الاثنين    ميخا 7 : 7-9       يوحنا 8 : 12 – 20
الثلاثاء    العدد 21 : 4-9       يوحنا 8 : 21 -30
الأربعاء   دانيال 3 : 14 -20 ،91 -92 ،95       يوحنا 8 : 31 -42
الخميس    تكوين 17 : 3-5 ، 7 ،9        يوحنا 8 : 51-59
الجمعة    أرميا 20 : 10 -13       يوحنا 10 : 31 -42
السبت    حزقيال 37 : 23 -24 ، 25 -27       يوحنا 11 : 45 -57
الأسبوع المقدس
احد السعانين    إشعيا 50 : 4-7    فيلبي 2 : 6-11    لوقا 22 :14 -23 :56
أو 23: 1-49
الاثنين    إشعيا 42 : 1-7       يوحنا 12: 1-11
الثلاثاء    إشعيا 49 : 1-6       يوحنا 13 : 21-33 ،36-38
الأربعاء   إشعيا 50 : 4-9       متى 26 : 14-25
مع محبة الأب غدير الكرملي

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

رياضة روحية لزمن الصوم الكبير 2015 (الآباء الكرمليين في العراق)
الأسبوع الأول من زمن الصوم الكبير: أن نختار العيش
مدخل إلى النصوص الليتورجية:
إن قوس قُزَح الذي نراه في القراءة الأولى هو علامة العهد الذي أقامه الله مع نوح. إنه يرمز خاصة إلى "الجسر" الحقيقي بين السماء والأرض: أي جسد يسوع، المائت والقائم من أجلنا (تكوين 9: 8-15). أمام هذه العطية الإلهية، جواب حُبّنا سيكون من خلال محاولة عيش عمادنا كما يجب وأن نتبع يسوع (1 بطرس 3: 18-22). هذا يبدأ في البرية مدة أربعين يوماً. فهناك هو المكان الرمزي لحياتنا التي نحن مدعوون فيها لاستقبال الملكوت. فملكوت الله أصبح قريباً منا جداً في يسوع (مرقس 1: 12-15)، كما أعلنته علامة قوس قزح. إننا مدعوون أيضاً لأن نستقبل يسوع الإنسان، كيما نستقبل (نَقبل) منه تأليهنا.. أي كي يجعلنا نشترك في حياته الإلهية. هذا هو خيار حياتنا.. فهذا الخيار ليس مفروضاً علينا لكنه اختيارٌ حُر.
تأمل الأسبوع
ما معنى أن نستقبل يسوع كإنسان، وكيف نعمل ذلك؟
أن نستقبل يسوع الإنسان يعني أن نستقبل منه إنسانيتنا .. أعني أن نكتشف من خلاله إنسانيتنا.. لكن إنسانيتنا الحقيقية، وليست تلك التي يسعى العالم إليها. إنه طريق للولادة الجديدة .. للتجسد، يدعونا إليه يسوع. إنه حَمَل إنسانيتنا بأكملها، وقبل ضعفها، حتى الإستهزاء والتعذيب، بل وحتى الموت، كيما يحولها بعد ذلك بفضل قوة القيامة والمحبة. فبتجسده، يأخذ يسوع حياتنا على عاتقه. فمنذ البدء، يحلم الإنسان: "ستكونون كالآلهة" يقول لنا الفصل الثاني من سفر التكوين. بينما الله، هو، "يحلم" بالإنسان في حقيقته التي يعرفها وخلقها هو. وإننا نؤمن بأن قدرة الله الكلية ستحررنا وتجعل منا مخلوقات سعيدة، حُرّة من أي ضغوطات. هكذا كان على يسوع أن يواجه "قدرة الإنسان" الوهمية (التي يظن الإنسان أنه يمتلكها)، هي التي لا تعرف ولا تفهم حقاً قدرة المحبة الأبدية. لأنه ليست هناك قدرة حقيقية إلاّ قدرة المحبة. إننا اليوم نركز أنظارنا على قدرات الإنسان ونظنها أبدية، كلية القدرة ولا تزول، وننزعج جداً من كلما يُظهِر ضُعفَ الإنسان. لهذا مثلاً، نحن نهاب الألم ونهرب منه مهما كلف الأمر.ونخاف من محدوديتنا وضعفنا ونحاول إخفاءهما حتى على أنفسنا مفكرين: "آهْ، لو رآني الناس الذين ألتقي بهم على حقيقتي، فسوف لن يحبونني!" ومع ذلك، فنحن لا نستطيع دوماً أن نكذب وأن نتغاضى عن حقيقتنا. فحقيقة إنسانيتنا لا بد لها أن تلحق بنا يوماً ما، وعندها ماذا سنعمل؟ كيف سنتمكن من عيش حياتنا عندها؟ القديسة تريزا تقترح علينا طريقاً يساعدنا على ذلك، ألا وهو طريق الصلاة الصامتة، من أجل الدخول في حوار مع المسيح وأن نصبح أصدقاءه.
صديق يشفينا
ينزعج الكثيرون منا عندما يسمعون عبارة "الصلاة الصامتة"، ويتساءلون مستغربين: "كيف يمكن أن نقضي نصف ساعة مثلاً في الصمت أمام الله؟" لكن قبل أن نحكم سلبًا على هذه العبارة التي لا نفهم معناها غالبًا، لنستمع إلى القديسة تريزا الأفيلية وهي تُعَرِّف لنا الصلاة الصامتة: "ما الصلاة الصامتة إلاّ حوارُ صداقةٍ نُجريه غالبًا على إنفراد، مع مّن نعرف أنه يُحبّنا" (السيرة).
إن لقاءنا بالقديسين من خلال ضعفهم البشري ومحدوديتهم يمكن أن يساعدنا في طريقنا وأن يهبنا الأمل. نحن للأسف لا نملك الكثير من التفاصيلبخصوص طفولة تريزا، وصراعاتها، خارج ما تركته لنا بنفسها في كتاباتها. لكن يمكننا مع ذلك أن نجد في هذا الخصوص مادة تُذَكِّرنا بخبراتنا نحن، وتجعلنا نسير مثلها خلف يسوع، وتقودنا محبته الرحومة.فالمحبة هي التي تساعدنا على تجاوز ضعفنا ومحدوديتنا، وتجعلنا ننهض من جديد ونسير مع إخوتنا وأخواتنا. إذا كان الله يأتي ويلتحق بنا في يسوع، وإذا كان قد جعل من نفسه قريباً منا جداً، فذلك لكي نتعلم كيف نستقبله. فلا يجب أن ننتظر أن نصبح قديسين أولاً كي نبدأ في الدخول معه في علاقة حُب، لأننا لن نصل إلى ذلك أبداً!
"أرى أن إلهنا هو إنسان أيضاً، فهو لا يستغرب أبداً من ضعفات البشر، ويفهم طبيعتنا البائسة، المُعَرَّضة للسقوط كثيراً، بسبب الخطيئة الأصلية التي جاء هو كي يُصلِحها ويزيلها عنا. فمع كونه السيد والرب، يمكنني أن أعامله كصديق، لأنه ليس مثل هؤلاء الذين يُعطى لهم، هنا على الأرض، لقب السيد."(السيرة).
إن قرب يسوع هذا هو الذي ساعد تريزا على أن تكبر وتنضج في الإيمان. فأن نترك انفسنا نُحَب تحت نظرة الله الحنونة: هذا هو طريق الشفاء بحد ذاته. وتريزا عاشت هذا أولاً وبشكل عملي في علاقتها مع والدتها.
كانت والدة تريزا امرأة حنونة وورعة، أعطت حياتها كلها لأطفالها. وقد حالف الحظ تريزا في أن تولد في عائلة، وهبتها الحُب، وقدمت لها أيضاً تعليمًاجيداً، وهو ما كان نادراً في ذلك الوقت بالنسبة للفتيات. لنصغي إلى ما تكتبه تريزا عن والدتها:
"كانت والدتي تحب كتب الفروسية ، دون أن تجعل من وقت الترفيه هذا شيئًا سلبياً مثلما كنت أنا أعمل، لأنها لم تكن تهمل عملها؛ كانت تسمح لنا أن نقرأ هذه الكتب، ربما كيتتمكن من نسيان آلامها وأوجاعها الكبيرة، كما أن ذلك كان ربما طريقة لشغل أطفالها بشيء ما وتُجنِّبهم التشتت. كان أبي يتعصب كثيراً من ذلك لدرجة أننا كنا نتجنبه لكي لا يرانا. بدأت أتعود على قراءة كتب الفروسية هذه وأحبها؛ وبدأ هذا العيب الصغير (أي التعلق بكتب الفروسية) يقلل ويجمد شيئاً فشيئاً من طموحاتي وبدأت أهمل كل الأشياء الأخرى؛ لم أكن أعتقد بأن هذا كان شيئًا سيئاً، مع أني كنت أضيع الكثير من الساعات، نهاراً وليلاً، في قراءة هذه الكتب التي لا جدوى منها، وفي الخفاء، دون علم أبي. كنت قد تعلقت بهذه الكتب كثيراً لدرجة أنني عندما لا يقع تحت يدي كتابًا جديداً، لم أكن أجد المتعة في أي شيء آخر."(السيرة).
في هذه السطور القليلة، يمكننا أن نلاحظ شيئاً من طبع تريزا، الشغوفة والمولعة بالقراءة، ربما مثل شباب اليوم المولعين والمتعلقين بكل ما يخص وسائل الإتصال والإنترنت... هذا الطبع الشغوف سينعكس بوضوح في حُبها لله وتكريسها له كل حياتها بعزم وقوة.
في مواجهة الموت
كل شيء كان يسير نحو الأفضل بالنسبة لتريزا الشابة التي كانت تحلم بقرءاة قصص الفروسية. لكن موت والدتها جاء ليكسر أحلام فترة المراهقة التي كانت تمر بها. فعلى الرغم من عون العديد من الخادمات، ستموت والدتها "بياتريس"بسبب الإجهاد والتعب في عمر يناهز الـ 33 عاماً. حافظت والدتها حتى بعد موتها على وجه هاديء جداً بحيث ظن أطفالها أنها نائمة. ولم تفهم تريزا حالاً هول مصيبتها، فهي كانت تجهل عندها الفراغ الكبير الذي يخلفه موت الشخص العزيز عند الأحياء. إليكم ما قالته تريزا عندما توفيت والدتها، وهي في عمر الـ 14 عاماً (وليس 12 كما تكتب هي):
"أذكر أنه عندما توفيت والدتي كان عمري في حدود الـ 12 عاماً. وعندما فهمت ما قد خسرتُه بوفاتها، ذهبت، وكلي ألم وحزن، أمام صورةٍ لأمنا العذراء مريم، متوسلةً إياها أن تكون هي أمي، وكانت دموعي تنزل بغزارة. يبدو لي بأني، وعلى الرغم من أن هذا كان تصرفًا ساذجاً يخرج من طفلة، لكنه كان عونًا كبيراً لي، لأنه ومن الواضح لي بأن هذه العذراء الحنونة كانت دوماً مصدر عون وسند كلما استنجدت بها، وها هي أخيراً تجذبني نحوها"(السيرة).
بفقدانها لوالدتها، فقدت تريزا في الحقيقة صديقةً ومثالاً ومعلمةً. وربما أصيبتتريزا ببعض الضياع: فهي بحاجة إلى أم كي تقودها في عالمها العائلي الذي كانت تَغْلُب عليه الذكورية، حيث كان عليها أن تجد دوماً مكانها فيه. ما الذي عليها ان تفعله عندما كل شيء تحتها بدء يهتز؟ كانت تجربة الإنغلاق على نفسها تهددها كل يوم. لكن ولحسن حظها، كان لدينا ينبوعًا تستقي منه، يبدو بسيطاً وساذجاً، لكنه ذو أهمية كبيرة. فقد انفتح أمامها طريق مليء بالثقة: أن تأخذ مريم أمًا لها. كان عليها فقط أن ترفع عينها نحو السماء لكي لا تجد نفسها وحيدة. إن هذه الحركة البسيطة التي الإيمان وحده يمكن أن يجعلها ممكنة، سمحت لها بأن تبقى في علاقة مع الحياة. إن هذا شيء حيوي ومهم جداً بالنسبة لها كما هوبالنسبة لنا نحن أيضاً. فقد كان من الممكن بالنسبة لتريزا في تلك اللحظة، أن تتوقف على النمو والنضوج داخلياً. لكنها اختارت أن تبقى حَيّة وهي تواجه الموت أمامها. لكن هذا بالطبع لم يمنعها من أن تختبر حرقة غياب والدتها الحبيبة وثقل الأيام لأشهر وسنين تلت ذلك الحدث المؤلم. وقد وصلت تريزا نفسها إلى حافة الموت، هي نفسها، بعمر الـ 24 عاماً، لكنها تخطت ذلك.
في لحظات خطيرة ومهمة كهذه، الخطر الذي يمكن أن يواجهنا، كما واجه تريزا، هو خطر الإنطواء على ذواتنا. خاصة وأن هذا الإنطواء يقود إلى خطر التصلب، ورفض الإنفتاحوالنمو الداخلي والنضوج ونُحاول أن نُجَمِّد أنفسنا عاطفيًا في تلك الفترة.إن هذا النوع من الخبرات يترك آثاراً سلبية، وربما جعل تريزا تفكر في معنى حياتها.
اختيار الحياة
اختارت تريزا أن تدع مريم العذراء تسندها في محنتحها. فباتخاذها لمريم أمًّا لها، تقرر تريزا الخروج من ذاتها ومن ألمها. يجب أن نتعلم نحن بدورنا الإستفادة من هذا الجهد في أوقات المحن.. أعني أن نمد يدنا إلى يد أخرى كي تساعدنا وقت الشدة، وهو عكس الإنغلاق على الذات والتقوقع الذي نقع فيه عادة. فصرختها للعذراء ومدها يدها إلى يد العذراء كي تستند عليها .. أي أن فعل رفع يدها من خلال الصلاة، وصرختها للآخر .. وتركها الآخر (هنا مريم)، يدخل قلبها وتسكب قلبها فيه، وعدم انطواءها على ألمها بل انفتاحها على حضور العذراء معها... إذن، إن صرختها للعذراء ومدها يدها إلى يد العذراء كي تستند عليها، هذا هو طريق الحياة الذي انفتح أمام تريزا. بعد ذلك قادتها مريم، شيئاً فشيئاً إلى اللقاء بابنها يسوع. وستكتشف تريزا عندها صداقة يسوع، أي الشخص الذي يمكنها التحدث معه بكل بساطة، بكل شيء.
"لم أكن أعلم كيف أصلي صلاة السكوت ولا كيف أختلي بالله... وبما أن الرب كان قد وهبني نعمة الدموع، وكنت أحب المطالعة، بدأت أبحث عن أوقات خلوة، وأتقدم لسر الإعتراف كثيراً، وألتزم في طريق الصلاة هذا، بمساعدة هذا الكتاب  الذي كان يقودني... كنت أحاول قدر إستطاعتي أن أعيش محافظة في داخلي على حضور يسوع المسيح، كنزنا وربنا؛ كانت هذه طريقة صلاتي"(السيرة).
إن طريق الإهتداء هذا ساعد تريزا على أن لا تنطوي على نفسهامعتمدة فقط على قواها كي تعيش، وكذلك على عدم إنغلاقها على ذاتهاداخل قوقعة. وإلاّ كان ذلك سيؤدي إلى الإنقطاع عن العالم والإلتجاء إلى عالم آخر وهمي. هكذا إذن يأتي الله إلى حياتنا كي يساعدنا على النهوض حتى نستطيع البقاء في الحياة بكامل قوانا. لكن علينا أولاً أن نقبل هذه الحياة.. أن نستقبلها! تريزا قبلت هذا الخَيار: فهي جاءت إلى الله كما هي، بضعفها ونواقصها، ولم تنتظر أن تصبح كاملة كي تأتي إليه، بل أتت إليه دون قيد أو شرط. والنتيجة كانت أنها دخلت في علاقة عفوية بين الله وبينها: في"حوار الصداقة"هذا بين الله وبينها. هذا هو العنصر الأول مما سيكون حياة الصلاة (صلاة السكوت) عندها: وهي لم تَكف أبدأ عن دعوتنا لكي نعمل نحن أيضاً، كما فعلت هي.
"أثناء اهتماماتنا وأعمالنا، ووقت الإضطهادات، والمحن، وعندما لا نعيش في السلام المعتاد، وفي ساعات اليبوسة، المسيح سيكون أفضل صديق نتخذه عندها، لأننا سنجد فيه الإنسان، سنرى ضعفه، ومِحَنه وصعوباته، وسيبقى معنا يرافقنا؛ إذا عَوَّدْنا انفسنا على ذلك، سيصبح من السهل جداً علينا أن نجده بالقرب منا متى ما نريد."(السيرة).
لنحاول خلال هذه الأسبوع أن "نتدرب" على العيش مع المسيح، في تفاصيل يومنا البسيطة، وفي خياراتنا اليومية البسيطة. وعندما تواجهنا تجربة أن نغلق قلبنا وننطوي على أنفسنا، لنقرر بسرعة الخروج من أنفسنا، والتوجه نحو العمق!
شهادة حول الصلاة: "الصلاة فتحت عيني"
عندما أصلي ، يتشتت تفكيري بسهولة كبيرة بسبب أشياء مختلفة، وكي أرجع إلى الصلاة، علي بانتظام إبعاد هذه الأفكار غير المرغوب فيها عني. وكي أتمكن من ذلك، أعتدت أن أبدأ بعد كل تشتت بصلاة قصيرة أو بعبارة تؤثر فيّ أوجهها لله. قبل أيام، وبينما كنت أصلي، تشتت فكري ورجعت في ذاكرتي إلى ما حدث في صباح ذلك اليوم مع أحد أصدقائي. كنت قد اكتشفت بالصدفة بأنه قد قام بعمل يعكس تقصيراً واضحاً في عمله الوظيفي. وبعدما واجهته بذلك، اعترف لي بتقصيره، فأنبته وطلبت منه أن لا يعود إلى مثل هذه التصرفات الخاطئة مستَقبَلاً.
لكني وبعد أن عدت إلى صلاتي بعد هذا التشتت بواسطة عبارة صغيرة موجهة لله ولعدة مرات، انفتحت عيناي على حقيقة لم تخطر ببالي. فمع صديقي هذا، لم أستفد من الفرصة التي أُتيحت لي كي أتصرف كمسيحي. فأنا عاتبته مُفَكِّراً فقط بخطئه الوظيفي وإساءته للشركة التي يعمل فيها، لكني نسيت خطأه وإساءته تجاه نفسه هو. أي أني كلمته كحاكم أو مفتش ربما، لكن ليس كصديق، أو كأخ. وصلاة السكوت هي التي فتحت عيني على هذه الحقيقة. أو ربما يمكنني القول، فتحت قلبي. والآن، أود أن أقول لصديقي هذا: انتبه لنفسك، فهناك أعمال تسبب الأذى لك أنت.. لذاتك، وتجرحك، وتُبقي في داخلك طعماً مرًّا.. أنتبه لأن قيمتك أكبر من ذلك بكثير.. أنت أثمن من ذلك بكثير في عيني الله.
غمرتني عندها محبة كبيرة لصديقي هذا. لأن الله أراد أن أحس بتضامن مع هذا الصديق، وربما أراد أيضاً أن أحس بضعفي وبأني من الممكن أن أقع أنا أيضاً في أي عمل سلبي على مثال صديقي هذا بل وأسوأ. صليت من أجله وسأحدثه عن ذلك في أول فرصة نلتقي فيها."

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية
الاثنين 23 شباط:
"كانت الرغبة في الإختلاء للصلاة لازالت في داخلي، وكذلك التحدث عن الله أثناء التقائي بالآخرين؛ وعندما يبدأ شخص ما بالتحدث عن الله أمامي أثناء هذه اللقاءات، كان ينتابني فرح كبير أكبر بكثير من كل الأحاديث الدنيوية الجميلة. وكنت أتناول القربان وأتقدم لسر الإعتراف أكثر بكثير مما كنت أتمناه." (السيرة).
"هاءنذا أستغويها، وآتي بها إلى البرية، وأخاطب قلبها. " (هوشع2: 14).
 
الثلاثاء 24 شباط:
"أرى أن إلهنا هو إنسان أيضاً، فهو لا يستغرب أبداً من ضعفاتنا... فمع كونه السيد والرب، يمكنني أن أعامله كصديق، إنه ليس مثل هؤلاء الذين يُعطى لهم هنا على الأرض لقب السيد." (السيرة).
"طلب التلميذان من يسوع: أين تقيم؟ فقال لهم: تعالاً فانظُرا!. فذهبا ونظرا...، وأقاما عنده." (يوحنا 1: 38 – 39).

الأربعاء 25 شباط:
"أنا لا أطلب  منكم إلاّ أن تنظروا إليه... فهو، لا يرفع عينه أبداً عنكم: إذن هل أنا أطلب حقاً الكثير منكم، عندما أطلب أن تُبعدوا أنظاركم عن الأشياء الخارجية كي تنظروا إليه فقط، هو، بين الحين والآخر؟" (طريق الكمال).
"دنا يسوع ولمسهم وقال لهم: "قوموا، لا تخافوا".فرفعوا أنظارهم، فلم يروا إلا يسوع وحده." (متى17:7-8).

الخميس 26 شباط:
"هؤلاء الذين لا يُصَلّون، أتوسل إليهم أن لا يحرموا أنفسهم من خيرٍ ثمين كهذا. ففي الصلاة، لا يوجد أي شيء نخاف منه، ويوجد كل شيء نتمناه. هناك نتعلم شيئاً فشيئاً كيف نتعرف على طريق السماء، إذا قبلنا أن نسير فيه باستمرار ومواظبة، وأن ننتظر كل شيء من رحمة الله:  فليس عبثًا أننا اخترناه صديقاً لنا." (السيرة).
"لا أدعوكم خَدمًا بعد اليوم، لأن الخادم لا يعلم ما يعمل سيده. لكني أدعوكم أصدقائي (...). أنا أخترتكم." (يوحنا 15: 15-16).

الجمعة 27 شباط:
"لا تظنوا أني سأطالبكم بالحفاظ على وصايا عديدة... بل أكتفي بطلب عيش ثلاث نقاط فقط (...). الأولى هي بخصوص المحبة التي علينا أن نكنها أحدنا للآخر؛ النقطة الثانية، التجرد  عن كل الخلائق؛ والثالثة هي التواضع الحقيقي، الذي على الرغم من أني أذكره في النهاية، فهو الأساسي لأنه يشمل كل الفضائل." (طريق الكمال).
"فحدق إليه يسوع فأحبه فقال له: "واحدة تنقصك: اذهب فَبِعْ ما تملك وأعطه للفقراء،فيكون لك كنز في السماء، وتعال فاتبعني." (مرقس10: 21).

السبت 28 شباط:
"لا تبحثوا عن تكونوا مفيدين للعالم بأكلمه، لكن على الأقل لهؤلاء الذين يعيشون حولكم... إن الله ينظر أكثر ليس إلى حجم وكبر أعمالنا، بل إلى المحبة التي نضعها في هذه الأعمال." (المنازل).
"جاء يسوع إلى الجليل يعلن بشارة الله، فيقول: " لقد اقترب ملكوت الله. فتوبوا. (مرقس 1: 14-15).
 
بعض الإرشادات المساعدة في الصلاة الصامتة
من المهم دوماً أن نُذَكِّرَ أنفسنا بأن هدف الصلاة الصامتة هو الإتحاد بالله. ولتحقيق هذا الهدف، لا توجد وصفة سحرية أو طريقة يكفي إتباعها كي نبلغ الهدف. لهذا في كل مرة ندخل فيها للصلاة، علينا بذل بعض الجهود لكي ندخل في علاقة الحُب هذه مع الله. عندما نلتقي بشخص ما، هناك بداية اللقاء ووسطه وخاتمة هذا اللقاء:

بداية الصلاة الصامتة
- آتي إلى الصلاة وكأني ذاهب إلى موعدٍ مع الحبيب، آتي بثقة. أتخذ موقفاً جسدياً ملائماً .. مريحاً، وثابتًا.. مستقراً. أعمل علامة الصليب ببطيء ووعي .. ممكن أرفع يَدَيَّ متضرعاً ومستقبلاً نعمة الله .. أو أغلق عينَيَّ، الخ...

- وفي الحال، أضع نفسي في حضور الله، الآب ، والابن ، والروح القدس: "أنت فِيَّ يا رب .. أنت تسكن في أعماق قلبي.. يا إلهي الثالوث .. عَلِّمني أن أعمل ما يُرضيك!" من الممكن أن أبدأ هنا الصلاة الربية...

- أطلب عون الروح كي يساعدني على الدخول في الصلاة .. صلاة الصمت. أحاول أن أدخل وألتحق في صلاته وكأنه هو مَن يتمتم في شَفَتَيَّ.

- أضع نفسي تحت تصرف الله .. أترك همومي وشواغلي .. وإذا لا أستطيع.. أقدمها لله. "أنا هنا يا رب، من أجلك أنت، من أجل أن تفرح أنت .... أريد ما تريده أنت يا رب".

- إن هذه البداية مهمة جداً. ويجب أن نأخذ الوقت الكافي لها. بل من الممكن حتى أن تصبح هي كل الصلاة.. أي أن تأخذ كل وقت الصلاة!
أثناء الصلاة
- بعد هذه البداية، كيف سأملأ وقت الصلاة (نصف ساعة مثلاً)؟

- أتأمل في نص من الكتاب المقدس (يُفَضَّل أن أختاره قبل  الدخول في الصلاة). أقرأه ببطيء، وأتوقف في الكثير من الأحيان عند أي شيء يؤثر فيَّ. أتأمل في كلمة مثلاً، أو في عبارة لمست قلبي. أكررها في قلبي. أترك كلام الله ينزل في قلبي.. إلى الأعماق. أحتفظ بكلام الله هذا لأطول وقت ممكن طالما كنت أجد فيه غذاءً. {عندما نقرر البدء في ممارسة الصلاةالصامتة، من المهم أن نستعين بنص من الكتاب المقدس. نحاول التأمل في كلام الله هذا الذي يرفع روحنا. كما أنه يساعدنا على تثبيت أو تركيز الإنتباه ويسمح لنا بالعودة إلى الله عندما يُبعدنا الشرود أو تشتت الأفكار. لاحقاً، بعد أن نتقدم قليلاً في طريق الصلاة الصامتة، سيصبح استخدام الكتاب المقدس أقل ضرورة أو فائدة (أثناء وقت الصلاة بالطبع وليس بصورة عامة في الحياة). وعندها، اللقاء مع يسوع .. مع الله الحاضر في قلبنا، سيكون هو الأساس والمهم. عندئذٍ، سنعيش الصلاة الصامتة وكأنها مقاسمة مع أفضل صديق لنا .. صديقنا المُفَضَّل. فعندما يكون هناك لقاء مرتَقَب بين حبيبين، فهل سيُحَضّران مسبقاً موضوع حديثهما أو حوارهما هذا؟}
- بين فترة وأخرى، أتكلم مع الله بما يهمه هو. أعبده..أُسَبِّحه.. أشكره.. أُحِبُّه. أفكر بما فعله يسوع. أستطيع أن أكلمه عن حياتي، أو ما يهمني، عن الصعوبات التي تواجهني،"يا رب، ارحمني. إفعل بي ما تشاء." وعندما أرى بأن نص الإنجيل الذي أتأمل فيه لم يعد يغذيني، أنتقل إلى نص آخر.

- أستقبل بفرح وبساطة ما يقوله لي الروح القدس. أحاول البقاء في صمت في الإيمان والمحبة. أن أكون هنا مع يسوع، هذا يكفي. أعطي للروح القدس الوقت لكي يطبع فِيَّ الشَبَه الإلهي، هذا هو الشيء الأساسي والجوهري في الصلاة.

- جسدي يبقى ساكناً، لا يتحرك، لكن روحي هي يقظة تماماً. إنْ حصل لي بعض الشرود، فهذا ليس مهماً؛ لكن لأحاول فوراً ودون إبطاء أن أعود من جديد إلى الله، في كل مرة .. مهما كانت المرات التي أشرد فيها، أعود إليه من جديد. ربما ترديد عبارة قصيرة أُحبّها سيساعدني على الرجوع .. أرددها لعدة مرات إلى أن أستعيد تركيزي فأصمت من جديد .. وأصغي بصمت.

- إذا لم أكن أحس بأي شيء، أو إذا كنت أشعر بالممل أو بالضجر في وقت الصلاة هذا.. أستَمِرُّ في البقاء مع الله، أستمر بالإهتمام به ولا أتركه. فأنا هنا من أجله، وليس من أجلي. لهذا، في الكثير من الأحيان، الصلاة هي كفاح.. نضال .. سَهَر.

ختام الصلاة الصامتة
- أشكر الله على كل النِعَم المعروفة وغير المعروفة التي وهبني إياها .. أي التي أحسست بها والتي لم أشعر بها أو لم أعي أنه وهبها لي .. لأني عندما أصلي، حتى لو لم أكن أحس بأي شيء، فالله يعمل فِيَّ ويُخلِّص العالم.

- ثم أَبحَثُ كيف سأعمل إرادة الله اليوم.  وأعهد إلى العذارء مريم أمي، الكنيسة وكل مَن أحِب.

- يمكنني أن أُنهي وقت الصلاة الصامتة هذا بصلاة أعرفها.

- أُسَلِّم لله زمن الصلاة هذا كما هو، دون أن أحكم عليه أو أُقَيِّمه (أي أفكر أنه كان إيجابياً ومفيداً أم لا.. ليس هذا مهماً). أبقى في سلام لبعض اللحظات. أغادر بدون طيبة خاطر، مثلما نترك حبيباً أو صديقاً عزيزاً، أي رغماً عنا! ولنتذكر، بأننا عندما نغادر ونذهب إلى مشاغل أخرى، فنحن دوماً مع الله.
مع محبة الأب غدير الكرملي

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي

الأسبوع الثاني من زمن الصوم الكبير:  الذهاب إلى ينبوع الحُب

قراءات قداس الأحد الثاني من زمن الصوم الكبير للسنة ب

تكوين 22: 1-18
وكان بعد هذه الأحداث أن الله امتحن إبراهيم فقال له: "يا إبراهيم". قال: "هاءنذا". قال: "خذ ابنك وحيدك الذي تحبه، إسحق، وآمض إلى أرض الموريا وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أريك". فبكر إبراهيم في الصباح وشد على حماره وأخذ معه آثنين من خدمه وإسحق ابنه وشقق حطبا للمحرقة، وقام ومضى إلى المكان الذي أراه الله إياه.وفي اليوم الثالث، رفع إبراهيم عينيه فرأى المكان من بعيد. فقال إبراهيم لخادميه: "أمكثا أنتما ههنا مع الحمار، وأنا والصبي نمضي إلى هناك فنسجد ونعود إليكما". وأخذ إبراهيم حطب المحرقة وجعله على إسحق آبنه، وأخذ بيده النار والسكين وذهبا كلاهما معا. فكلم إسحق إبراهيم أباه قال: "يا أبت". قال: "هاءنذا، يا بني". قال: "هذه النار والحطب، فأين الحمل للمحرقة؟" فقال إبراهيم: "الله يرى لنفسه الحمل للمحرقة، يا بني" ومضيا كلاهما معا. فلما وصلا إلى المكان الذي أراه الله إياه، بنى إبراهيم هناك المذبح ورتب الحطب وربط إسحق آبنه وجعله على المذبح فوق الحطب.ومد إبراهيم يده فأخذ السكين ليذبح آبنه.فناداه ملاك الرب من السماء قائلا: "إبراهيم إبراهيم!" قال: "هاءنذا". قال: "لا تمد يدك إلى الصبي ولا تفعل به شيئا، فإني الآن عرفت أنك متق لله، فلم تمسك عني آبنك وحيدك". فرفع إبراهيم عينيه ونظر، فإذا بكبش واحد عالق بقرنيه في دغل. فعمد إبراهيم إلى الكبش وأخذه وأصعده محرقة بدل ابنه.وسمى إبراهيم ذلك المكان "الرب يرى"، ولذلك يقال اليوم: "في الجبل، الرب يرى". ونادى ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء. وقال: "بنفسي حلفت، يقول الرب، بما أنك فعلت هذا الأمر ولم تمسك عني آبنك وحيدك، لأباركنك وأكثرن نسلك كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك مدن أعدائه،ويتبارك بنسلك جميع أمم الأرض، لأنك سمعت قولي".


رومة 8: 31-34
فماذا نضيف إلى ذلك؟ إذا كان الله معنا، فمن يكون علينا؟إن الذي لم يضن بابنه نفسه، بل أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعا، كيف لا يهب لنا معه كل شيء؟فمن يتهم الذين اختارهم الله؟ الله هو الذي يبرر! ومن الذي يدين؟ المسيح يسوع الذي مات، بل قام، وهو الذي عن يمين الله والذي يشفع لنا؟

مرقس 9: 2-10
في ذلك الزمان، مضى يسوع ببطرس ويعقوب ويوحنا فانفرد بهم وحدهم على جبل عال، وتجلى بمرأى منهم. فتلألأت ثيابه ناصعةالبياض، حتى ليعجز أي قصار في الأرض أن يأتي بمثل بياضها. وتراءى لهم إيليا مع موسى، وكانا يكلما نيسوع. فخاطب بطرس يسوع قال: "رابي،حسن أن نكون ههنا. فلو نصبنا ثلاث خيم، واحدة لك، وواحدة لموسى، وواحدة لإيليا." فلم يكن يدري ماذا يقول، لمااستولى عليهم من الخوف. وظهر غمام فظللهم، وانطلق صوت من الغمام يقول: "هذا هو ابني الحبيب، فله اسمعوا." فأجالوا الطرف فورا في ما حولهم، فلم يروا معهم إلا يسوع وحده. وبينما هم نازلون من الجبل أوصاهم ألا يخبروا أحدا بما رأوا، إلا متى قام ابن الإنسان من بين الأموات.

مدخل إلى النصوص الليتورجية:
أن القديس بولس يضعنا في مركز السِر المسيحي: الله يهب ذاته إلينا في ابنه، وهكذا يهبنا كل شيء من خلال مجيء يسوع؛ فمَن يفصلنا إذن عن محبته؟ (رومة 8: 31-34). لهذا يدعونا الرب يسوع لأن نهب ذاتنا نحن أيضاً بالمقابل (تكوين 22: 1-18). نَعَم، إن الله حَيّ وقد وهب لنا ابنه.. كلمته ذاتها لكي نصغي إليه (مرقس 9: 2-10). هكذا سنستطيع السير دون خوف نحو ينبوع الحُب: إنه يستنير على جبل طابور.
تأمل الأسبوع
عندما يُقَيّدنا الحُب ...
إن الله محبة.. وبما أنه محبة، نجده موجوداً في قلب كل علاقة ويختبئ فيها. لكن في بعض الأحيان، تكون علاقاتنا متمركزة على أنفسنا بحيث نجد فيها أنفسنا مُقَيَّدين.. مُكَبَّلين، وكذلك نقيِّد الآخرين ونُكَبِّلهم. في هذه الحالة، لا يمكننا أن نُسمي الحُب علاقة، بل يصبح مُجَرَّد تَمَلُّكًا من قِبَلنا للآخر.. نَتمَلّك الآخر. هنا،ليس الآخر هو مَن نحبه، بل بالأحرى نحن نحب أنفسنا من خلاله. وأين الحُرية هنا؟ أين حق الآخر في أن يعيش حياته، وأن يختار هو أيضاً مَن يُحب؟ إن علاقةً كهذه، لا يمكنها أن تكبر بل بالعكس، هناك خطر كبير أن تصبح علاقة مُدَمِّرة: فنحن هنا نَعْبُر من الحرية إلى العبودية. يمكننا ملاحظة هذه المشكلة في علاقة تريزا مع أبيها. فبعد أن فقدت تريزا أمها وهي صغيرة، تعلقت جداً بأبيها وبشكل مفرط. أبوها، من جهته، فقد زوجته التي يحبها، وبقي له الآن أطفاله الذين بدأ يتعلق بهم، خاصة تريزا التي كانت شابة ومليئة بالحيوية والجمال. وكانت تريزا واعية بتعلق أبيها الكبير بها.
"كنتُ المُفَضَّلة عند أبي."  .. "كان أبي يكن لي حُبًّا مُفرَطًا.." ... "كنت أقرأ رسائل القديس جرميوس، وكانت تٌقويني لدرجة أني قررت أن أفصح لأبي عن كل شيء (عن رغبتها في تكريس حياتها في الكرمل). كان أبي يُحبني بشدة لدرجة أني كنت أعرف بأني لن أستطيع الحصول منه على الموافقة، ولم ينجح الأشخاص الذين طلبت منهم أن يكلموه بإقناعه برغبتي هذه. كل ما حصلت عليه منه كان موافقته على أن أعمل ما أريد، لكن بعد وفاته..." (السيرة).
كانت تريزا أيضاً تحب والدها بشدة ومتعلقة به بإفراط. لكن أليس هذا النوع من الحُب المفرَط، هو نوع من الرغبة غير الواعية لدينا لتَمَلُّك الآخر، كي نُطَمئِنَ أنفسنا، خوفاً من أن يتركنا الآخر ويبتعد عنا؟ إن شدة العلاقة بين تريزا وأبيها تفاقمت أكثر عندما اتخذت تريزا قرارها الشجاع بالدخول إلى دير الكرمل وهي في العشرين من عمرها ودون إذن من أبيها لأنه كان يرفض ذلك وبشدة.
"أَذكُر أني، وأعتقد بأن تلك كانت الحقيقة، عندما خرجت من بيت أبي (للدخول إلى دير الكرمل) تألمت بشدة بحيث أعتقدت بأن ذلك لن يكون أسوأ من ألم الموت؛ يمكنني القول بأن كل عَظْمَة من عظامي انفصلت عن الأخريات؛ وبما أني لم أكن أمتلك بعد حُب الله هذا الذي يجعلني قادرة على عدم التعلق بأبي وبالأقرباء، كان ذلك يسبب لي ألماً شديداً لدرجة لو أن الله لم يساعدني، لما تَمَكَّنْتُ من الذهاب نحو الأمام وتكريس حياتي له. لقد وهبني الشجاعة كي أُقنِع نفسي، مما سمح لي بترك البيت والقيام بما قمت به." (السيرة).
لدينا هنا مثالاً واضحاً لشدة الصراع الذي كان يحصل داخلها كي تتمكن من أن تذهب حيث كان الله يدعوها. بالنسبة لتريزا دعاها الله للحياة الرهبانية .. وبالنسبة لآخرين، سيكون الإلتزام والأمانة في الحياة الزوجية التي تفرض أيضاً إنفصالاً عن الأهل. كان على تريزا أن تمتلك قوة إرادة كبيرة جداً كي تتمكن من السيطرة على نفسها وأن تكسر قيودها وأن تقرر أن تترك بيت أبيها. كان هذا قراراً كلفها الكثير، لأنها، كما كتبت بنفسها، لم تكن تحس في قلبها الحُب الكافيوالمرتكز على الله. إن الله يعمل في حياتنا، لكن ليس بدوننا!
   
... أن نُدخِل بعضَ "الهواء النَقي" في علاقاتنا
هناك بُعدان في الحُب. أولاً بُعدٌ "غير فعال"، وأعني به الحُب المُسْتَلَم، أي أن نكون محبوبين من قبل الآخر.. الحُب الذي يُحَرِّك القلب. ثم هناك البعد "الفعّال" للحُب، أي المرتبط بالإرادة الملتزمة. هذا ما تعيشه تريزا هنا. فهي تلاحظ بأننا نحتاج إلى عون الله كي نتمكن من التَحَرُّر من العلاقات أو الصِلات غير المُتَّزنة وأن نكون قادرين على القيام بخيارات حُرّة. لكن هذا يحدث من خلال المرور بخبرات مؤلمة، فيها تضحيات وتخليات شخصية مؤلمة والتي تمس أعماق كياننا. على هذا الصعيد فقط،تقول تريزا، سنتمكن حقاً من العيش "في الحَق"، وبأن خياراتنا تُعمَل بحرية، والتزاماتنا تتحقق وتثبت وتستمر، وكذلك حياتنا تمد جذورها وتنضج. نحن عادة لدينا رغبة عميقة بأن نكون محبوبون دوماً وإلى الأبد. فصداقاتنا، وعلاقات الحُب التي نمر بها تأتي لتُغذي هذا المجال في أعماقتنا، لكن دون أن تتمكن من إرضاءنا تماماً. هنا نحن نلامس شيئاً من الأبدية. فإذا كنا قد خُلِقنا على صورة الله، فذلك لأن هناك حَيِّزاً داخلنا، مرتبطًا بما هو إلهي. إنه أعمق نقطة في قلبنا. وَعَظَمَة كياننا تَظهر هناك من خلال الدخول في علاقة حُب مع الله، مع هذا الجمال المطلق.
نحن بالطبع لا نقول هنا بأن علينا التخلي عن صداقاتنا وعلاقاتنا الحميمة مع الآخرين أوأن ننقطع عنها وأن لا نحب من بعد. فتريزا لم تتخلَ عن أبيها، ولم تُدِر له ظهرها. لكن وبشكل يبدو كأنه مفارقة، بأخذها بعض المسافة عنه، أي من خلال وضعها مسافة في علاقتها بأبيها الذي كان يريد أن يسيطر ويستحوذ على حياتها ويتحكم بها بسبب حُبه المفرط بهاوتعلقه الكبير بها، إذن من خلال ذلك، ستتمكن من جعله ينضج في علاقته بها ويختبر حقًا كيف أننا خُلقنا كي نُحِب وأن نُحَب لكن بشكل متزن ودون استعباد. هكذا إذن علينا أن نُدخِل بعض "الهواء النقي" في علاقاتنا كي ندعها تعيش، وتكبر، وكي نترك للآخر حريته. فما يُخَرِّب علاقاتنا في الكثير من الأحيان ، هو خوفنا من الوحدة، من أن نبقى وحدنا، وأن نحس بأننا متروكون.. وأن الآخر قد هجرنا أو أن الآخر لا يحبنا: إن هذا الخوف أو القلق يُوَلِّد داخلنا الكثير من التصرفات وردود الأفعال الخاطئة.
التقدم بخطوة نحو ينبوع الحياة
"كنت أحُب أبي جدًا لدرجة أني كنت أتمنى له كل الخير الذي كنت أعتقد أني أحصل عليه من خلال فعل الصلاة الذي أقوم به (تقصد هنا صلاة السكوت التي كانت تقوم بها كل يوم).فلا شيء في هذه الحياة كان يبدو لي أهم من صلاة السكوت؛ لهذا كنت أقوم بكل ما أستطيع من "الحجج"، كي أقود أبي إلى هذه الإلتزام بالصلاة.(السيرة).
إن القلب، بانفتاحه على الحياة الإلهية المنسكبة في أعماقه، يصبح بفضل صلاة السكوت أكثر قدرة على المحبة، لأنه هنا، يستقي من ينبوع الحُب نفسه. يكفي أن يكون القلبان متجهان إلى نفس الإتجاه. وتريزا ستبدأ وبعزم بإقناع أبيها في السير في هذا الإتجاه. وهي ستنجح كثيراً في ذلك لدرجة أن أبيها سيختبر بدوره أهمية الحُرية الشخصية  في العلاقات وعدم الرغبة في تملك الآخر والحد من حريته. كان أبوها يحبها جداً ومتعلق بها وهي كذلك من جهتها: لم يكن هذا خطأً، لكن علاقة الأب بابنته هذه كانت تحتاج إلى تنقية. كان عليهما في الحقيقة أن يكتشفا بأن هذا الحب الأبوي والبنوي لا يأتي منهما هما، أي ليسا هما مصدره، لكنه ياتي منالله وبأنه يجب أن يقود إلى حُبٍّ أعظم من مجرد علاقة الحُب العائلي الموجودة بينهما. وهذا ينطبق علينا نحن أيضاً: فنحن مدعوون إلى نكتشف نفس هذه الحقيقية كي نتمكن من أن نُحب في الحَق.
"كان أبي، بسبب تقديره ومحبتة لي، يُصَدِّق ويثق بكل ما كنت أقوله له. وكان يود التحادث معي بل وكان حتى يلومني لأني بدأت أهجر صلاة السكوت. وكان قد وصل إلى مرحلة متقدمة جداً في الصلاة بحيث أنه كان يقلل من وقت بقاءه معي، فما أن يراني قليلا، أراه يذهب كي يصلي، حتى لا يضيع وقته، كما كان يقول لي." (السيرة).
إن هذا التصرف ليس له علاقة بعدم الإحساس أو بالفظاظة أو بعدم احترام الآخر: فالقلب يستمر في الحُب حتى لو كان الآخر بعيداً. فمن خلال القيام بصلاة السكوت، اكتشف والد تريزا حرية قلبه. لقد اختبر القرب من المسيح، وقدرة قيامته. واستطاع أن يوسع حاجته لأن يحب وأن يكون محبوباً من قبل الآخر. كان حُبُّه بحاجة إلى التحول، قبل أن يتمكن من أن يتذوق عَظَمَة السلام والحرية التي مصدرهما الحُب الحقيقي وحده.
"في تلك الحُقبة، أُصيب أبي بالمرض الذي سَبَّب وفاته بعد أيام قليلة. كنت أذهب للإعتناء به، وكانت نفسي أكثر مرضاً وتألماً مما كان هو في جسده (...). كان مرضه بالنسبة لي محنة كبيرة؛ وساعدتني خبرات مرضي الشخصية السابقة وما عانيته من آلام خلالها، في إسناده والوقوف بجنبه. وعلى الرغم من كوني كنت أنا نفسي مريضة جداً، كنت أتجاوز ذاتي وأتحامل على نفسي، لأني كنت أعرف بأني لو فقدته، سأفقد كل ما عندي وكل سعادتي، لأن أبي كان كل ذلك بالنسبة لي، لهذا كنت أتحلى بالشجاعة حتى لا أُظهِر له ألمي ومعاناتي، وكنت أبدو طبيعية جداً إلى وقت وفاته، على الرغم من أني كنت أحس، وأنا أراه ينطفيء أمامي شيئاً فشيئاً، بأن نفسي تُنتَزَع مني من كثرة حبي له وتعلقي به."(السيرة).
كيف نتعامل مع حاجتنا الماسة إلى الحب؟
لا يمكننا أن نمتنع عن الدخول في علاقات محبة مع الآخرين، لأننا خُلقنا للحُب.. لكن وفي نفس الوقت، لا يمكننا كذلك أن نتجنب الألم الناتج عن فشل هذه العلاقات. فالحياة خليط من الأثنين. في بعض الأحيان يكون الأمر صعبًا جداً بالنسبة لنا، ربما لأن محبة الله ليست مترسخة في قلبنا بما فيه الكفاية، كما تردد تريزا في الكثير من الأحيان. رد فعلنا الأول عادة هو أن ننغلق عن المحبة وعن التعامل مع الآخرين ونقسي قلبنا. لكن بدل أن نتصرف هكذا، لماذا لا نفعل كما فعل والد تريزا. أي بدل من أن ننغلق على ذواتنا ونغلق قلبنا، علينا أن نقوم بالأحرى بتسليم مخاوفنا ووحدتنا إلى رحمة الله اللامتناهية، وإلى حضوره الدائم والحنون معنا؟ هكذا بالنسبة لتريزا، صلاة السكوت هي طريقها المفضل لتنقية وتوجيه حُبها المنفتح نحو الآخرين. فبفضل صلاة السكوت التي ساعدتها على الدخول في علاقة حميمة مع الله، ومع أنها بقيت حساسة دائماً تجاه محيطها، فلم تعد سجينةً أو تابعةً لمحبة الآخرين. فانفتاح قلب تريزا تجاه عمل الله استطاع ايضاً أن يشفيها من خوفها لأن تُترَك وتُهمَل من قبل الآخرين أو أن لا تُحب كما تتمنى من قبل الآخرين. إن خبرة أن يهجرها الآخرون والتي عاشتها بألم بسبب وفاة والدتها، لابد أنها تركت آثاراً عميقة جداً في قلبها. هنا أيضاً تلعب صلاة السكوت دوراً أساسيًا في التئام جراحاتنا. "في يسوع، وهبنا الله كل شيء، مَن يفصلنا عن محبته؟" إن تأكيد القديس بولس هذا، يجب أن يجعلنا لا أن نفكر فقط في علاقتنا مع الله ونراجع تصرفاتنا فيها، لكنه يُقَوينا خاصة. لكن مع ذلك، لا يجب أن نخدع أنفسنا: إن الجروحات المرتبطة بأحداث مهمة في حياتنا، لا تلتئم في لحظة. بما أن هذه المناطق الجريحة تكون عادة مختبئة في أعماق ذاكرتنا، وتحتاج إلى وقت كي تُشفى، أي إلى الصبر والرجاء. لكنها تحتاج خاصةإلى تدخل من الله. 
واثقين من وعود الله وأمانته تجاهنا، لنحاول هذا الأسبوع أن نتقدم خطوة إلى الأمام في طريق تعلم المحبة الحقيقية. لنركز على حبنا نحن للآخر، وأن لا يكون ذلك مشروطاً بحب الآخر لنا. لِنَسِرْ إذن نحو الينبوع الذي وحده يمكنه أن يروي عطش حُبنا.
شهادة حول الصلاة: صلاة السكوت هي صراع وسَنَد
أرى أن الإلتزام في الصلاة لدرجة أن تصبح عادة عندنا، وبمرور الزمن، سيبني علاقة حقيقية مع المسيح. الشيء الصعب والذي يشبه الصراع المستمر هو أن نجد الوقت كل يوم لصلاة السكوت هذه. لاحظت أيضًا أنني عندما أصلي كل يوم في نفس التوقيت، هذا ما يجعل هذا الصراع أسهل. إنه بالفعل صراع .. صراعٌ ضد تعبي أولاً، لكن ضد كسلي أيضاً. لاحظت أيضاً، أن صلاة السكوت لا تأخذني إلى السماء السابعة كما يظن البعض، لكنها تبدأ في الكثير من الأحيان من السرداب.. من أوطئ طابق!
لكن عندما كان لدي الوقت لكي أستمر في الصلاة وقتاً أكثر، كنت ألاحظ بأن الدقائق الأخيرة هي الأفضل، وبأني أخيراً استطعت أن أبتعد عن همومي ومشاغلي وعن ذاتي أصلاً، وأركز أكثر على الله الحاضر أمامي وفيّ. هذا ما يسمح لي أن أغادر الصلاة في سلام. وبمرور الوقت، أصبح طريق الصلاة هذا سنداً حقيقياً.

الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 2 آذار:
"عندما تركت بيت أبي كي أدخل الدير، تألمت كثيراً جداً... وبما أني لم أكن أمتلك بعد حُب الله هذا الذي يجعلني قادرة على عدم التعلق بأبي وبالأقرباء، كان ذلك يسبب لي ألماً شديداً لدرجة لو أن الله لم يساعدني، لما تمكنت من الذهاب نحو الأمام وتكريس حياتي له." (السيرة).
"وقال الرب لأبرام: انطلق من أرضك وعشيرتك وبيت أبيك، إلى الأرض التي أريك. وأنا أجعلك أمة كبيرة وأباركك وأعظم اسمك، وتكون بركة. فانطلق أبرام كما قال له الرب." (تكوين 12: 1-4).
الثلاثاء 3آذار:
"لا يجب أن تَدَعُوا قلبكم يكون عبداً لكائنٍ مَنْ كان، إلاّ للمسيح الذي افتدانا بدمه؛ بهذا ستجدون أنفسكم، ودون أن تعرفوا كيف، مرتبطين به إلى درجة أنكم لن تستطيعوا بعد الإبتعاد عنه." (طريق الكمال).
"أنتم لم تتلقوا روحًا يجعلكم عبيداً، بل روحًا يجعل منكم أبناء." (رومة 8: 15).
الأربعاء 4 آذار:
"من الضروري أن نعهد بأنفسنا بين فترة وأخرى إلى رجالٍ روحانيين فاهمين... فأن نحصل على توجيهات منيرة كي نتمكن من عيش شريعة الله، هذا هو خيرنا الأعظم. وهكذا ستُبنى صلاة السكوت التي نعيشها كل يوم، على أسس متينة." (طريق الكمال).
"جاء نيقوديمس إلى يسوع ليلا لكي يسأله."(يوحنا 3: 2).

الخميس 5 آذار:
"ما أنصح به بقوة وباستمرار، هو أن لا تتركوا صلاة السكوت أبداً؛ عندها ستعرف النفس ما الذي تعمله، وسيهبها الله الندامة والقوة على النهوض دوماً." (السيرة).
"وكان هناك عند بركة بيت ذاتا رجل عليل منذ ثمان وثلاثين سنة.فرآه يسوع مضجعا، فقال له: أتريد أن تشفى؟ (...) فقال له يسوع: قم فاحمل فراشك وامش." (يوحنا 5: 5-8).
الجمعة 6 آذار:
"عندما نقبل أن يُعَلِّمنا ربنا، وأن ننفتح حَقًا لتعليمه لنا أثناء صلاة السكوت، عندها سنتمكن من أن نُحب بشكل مختلف عن الآخرين... فحتى لو كنا لا نزال نفرح بأن نكون محبوبين من قبل الآخرين، ما أن نرجع إلى أنفسنا في الداخل سنرىكم أن ذلك حماقة. وكم سنكون عميانًا إن تَعَلَقْنا ورَغِبنا كثيراً في أن يحبنا الناس." (طريق الكمال).
"إذا كان الله معنا، فمن يكون علينا؟فمن يَتَّهِم الذين اختارهم الله؟ إن الله هو الذي يبرر، وقد وهب ابنه من أجلنا." (رومة 8: 31-33).
السبت 7 آذار:
"لازالت عندي الرغبة في الإختلاء، وفي اللقاءات التي نتكلم خلالها عن الله... كنت أبتعد بشدة عن إهانة الله... لقد كانت علامات أحترامي لله ومحبته، تأتيني مع صلاة الصمت." (السيرة).
" يا رب، إلى من نذهب وكلام الحياة الأبدية عندك؟(يوحنا6: 68).

مع محبة الأب غدير الكرملي

غير متصل ماري ايشوع

  • عضو مميز جدا
  • *****
  • مشاركة: 2016
    • مشاهدة الملف الشخصي
الأسبوع الثالث من زمن الصوم الكبير: تحرير قدرتنا على الحُب

قراءات قداس الأحد الثالث من زمن الصوم الكبير للسنة ب (2015)

الخروج 20: 1 – 17
تكلم الله بهذا الكلام كله قائلا: "أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر، من دار العبودية.لا يكن لك آلهة أخرى تجاهي.لا تصنع لك منحوتا ولا صورة شيء مما في السماء من فوق، ولا مما في الأرض من أسفل، ولا مما في المياه من تحت الأرض.لا تسجد لها ولا تعبدها، لإني أنا الرب إلهك إله غيور، أعاقب إثم الآباء في البنين، إلى الجيل الثالث والرابع، من مبغضي،وأصنع رحمة إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي.لا تلفظ آسم الرب إلهك باطلا، لأن الرب لا يبرئ الذي يلفظ آسمه باطلا.أذكر يوم السبت لتقدسه.في ستة الأم تعمل وتصنع أعمالك كلها.واليوم السابع سبت للرب إلهك، فلا تصنع فيه عملا أنت وآبنك وآبنتك وخادمك وخادمتك وبهيمتك ونزيلك الذي في داخل أبوابك،لأن الرب في ستة الأم خلق السموات والأرض والبحر وكل ما فيها، وفي اليوم السابع آستراح، ولذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه.أكرم أباك وأمك، لكي تطول الأمك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك إياها.لاتقتللاتزن، لا تسرق، لا تشهد على قريبك شهادة زور، لا تشته بيت قريبك: لا تشته آمرأة قريبك ولا خادمه ولا خادمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئا مما لقريبك."
1قورنتس 1 : 22 – 25
لما كان اليهود يطلبون الآيات، واليونانيون يبحثون عن الحكمة،فإننا نبشر بمسيح مصلوب، عثار لليهود وحماقة للوثنيين،وأما للمدعوين، يهودا كانوا أم يونانيين، فهو مسيح، قدرة الله وحكمة الله،لأن ألحماقة من الله أكثر حكمة من الناس، والضعف من الله أوفر قوة من الناس.
يوحنا 2: 13 – 25
وكان فصح اليهود قريبا، فصعد يسوع إلى أورشليم،فوجد في الهيكل باعة البقر والغنم والحمام والصيارفة جالسين.فصنع مجلدا من حبال، وطردهم جميعا من الهيكل مع الغنم والبقر، ونثر دراهم الصيارفة وقلب طاولاتهم،وقال لباعة الحمام: "ارفعوا هذا من ههنا، ولا تجعلوا من بيت أبي بيت تجارة".
فتذكر تلاميذه أنه مكتوب: "الغيرة على بيتك ستأكلنين".
فأجابه اليهود: "أي آية ترينا حتى تعمل هذه الأعمال؟" أجابهم يسوع: "انقضوا هذا الهيكل أقمه في ثلاثة أيام!" فقال اليهود: "بني هذا الهيكل في ست وأربعين سنة، أوأنت تقيمه في ثلاثة أيام ؟" أما هو فكان يعني هيكل جسده.
فلما قام من بين الأموات، تذكر تلاميذه أنه قال ذلك، فآمنوا بالكتاب وبالكلمة التي قالها يسوع.
ولما كان في أورشليم مدة عيد الفصح، آمن باسمه كثير من الناس، لما رأوا الآيات التي أتى بها.غير أن يسوع لم يطمئن إليهم، لأنه كان يعرفهم كلهم. ولا يحتاج إلى من يشهد له في شأن الإنسان، فقد كان يعلم ما في الإنسان.
مدخل إلى النصوص الليتورجية:
محبة الله والقريب (خروج 20: 1-17): هذه هي كلمات العهد من أجل العيش على الأرض في حضور الله وفي علاقة صداقة مع البشر. لكن يسوع يدفع هذا الحُب إلى أبعد حد.. إلى حد الموت على الصليب، والذي يقول عنه القديس بولس أنه أُعتُبِر حماقة أو جنون، جاعلاً كل واحدٍ منا قريبه! (1قورنتس 1: 22 – 25) في ابنه الذي جاء يسكن بيننا وسيُطهِّر بفضل حضوره معنا كل ما يحتاج إلى التطهير (يوحنا 2: 13 – 25). نحن مدعوون كذلك إلى أن نفتح قلوبنا إلى ما يجب أن يأخذ المكانة الأولى لدينا، أي إلى محبة الله. إن الله يحبنا ويتمنى أن نبادله هذا الحُب، وكي نستطيع عيش علاقاتنا كلها في محبته، وبحرية كاملة. إن قدرتنا على الحُب يجب أن تتحرر بواسطة المسيح.
تأمل الأسبوع
كانوا يُحبونني كثيراً ....
كان للقديسة تريزا الأفيلية إرادة قوية جداً، ممزوجة بالكثير من الفخر والإعتداد بالنفس؛ ساعدها ذلك على اجتياز الكثير من الأوقات الصعبة، وعلى التقدم في الحياة. لكنها كانت أيضاً عاطفية جداً. وبفضل هباتها الطبيعية وجمالها وذكاءها، كانت تعرف كيف تجذب الصداقات، وتضع نفسها في المركز. تتحدث بنفسها عن ذلك وهي تذكر عيشها لفترة في دير الراهبات الأوغسطينيات حيث تنشأت مع بنات أخريات:
"كان قلقي كبير جداً، لكني في ظرف ثمانية أيام، وربما أقل، كنت سعيدة أكثر بكثير مما كنت في بيت أبي. كل رفيقاتي كُن أقل سعادة مني، لأن الرب أعطاني هذه النعمة؛ ففي كل مكان كنت فيه، كنت أُفرِح وأُرضي الجميع، لهذا كانوا يحبونني كثيراً."(السيرة).
كان لديها، كما تقول، الحاجة لجذب محبة الآخرين لها، وهذا ما سيلاحقها لسنين طويلة، دون أن تتمكن من السيطرة على هذه الرغبة عندها:
"كنت أهتم بإرضاء رغباتي وغروري أكثر من الإهتمام بما كانت نفسي تحتاج إليه بالفعل".(السيرة).
إن تريزا هي مثلنا: فهي تبحث عن السعادة، وعن جذب إعجاب الآخرين، وعن الحُب.

تَعَلُّم الحُب .. أن نتعلم كيف نُحب ...
إن الله جاء يسكن بيننا كيما نجعل، نحن بدورنا، مقامنا عنده ... نسكن فيه. بفعله هذا، هو لم يأتِ كي يُحدد أو يلغي علاقاتنا الأخرى، لكن لكي يعطيها معنىً وعمقاً أكثر. فبمجيئه إلى قلبنا، يأتي الله في الحقيقة، كي يحرر قدرتنا على الحُب. إن طريق الحرية هذا يتحقق تدريجياً. فعلى مثال ما حصل لتريزا، علينا نحن أيضاً أن نتعلم السيطرة على رغباتنا في جذب الآخرين وان نكون نحن المركز، من أجل أن نكتشف الحُب الحقيقي.
فبرفقة يسوع، علينا الذهاب أبعد من ذلك، دون أن نلغي حاجتنا لأن نكون محبوبين.. لأن نُحَب. الهدف الصعب الذي علينا بلوغه هو أن نتعلم أن نُحِب الآخر من أجله هو وليس من أجلنا نحن.. أي أن يكون هو المركز وليس نحن. هذا هو الشرط الأساسي كي نتمكن من النمو في الحب وأن نسمح لقلبنا أن يكبر ويتنفس من الأبدية التي خُلقَ أصلاً لها. وهذا يتطلب طريقاً طويلاً من النضوج العاطفي.
إن العالم في الحقيقة يجذبنا، ورغبتنا في أن يحبنا الآخرون تضعنا في بعض الأحيان في مواقف حرجة: فإنها تقيدنا أكثر مما تحررنا. وتريزا الشابة كانت بحاجة إلى أن تكون قاسية على نفسها في الكثير من الأحيان كيما تصحح أو تُقَوّم علاقة حبها لأبيها وعلاقتها بالآخرين. لكنها كانت بحاجة إلى وقت أكثر كي تصل إلى تحرير قلبها في مستوى أكثر عمقاً، في علاقتها مع الله وكذلك مع البشر.

الحاجة إلى أن يُعجَب بنا الآخرون
تَدْخُل تريزا دير الكرمل لأن الله جذبها من الداخل.. في أعماقها، لكن أيضاً لأغراض أخرى علينا التأمل فيها. فكما تكتب بنفسها في سيرتها بخصوص هذا القرار، كانت متأثرة من الخوف من جهنم. علينا بالطبع أن نضع خوفها هذا في سياقه: ففي ذلك الوقت (نحن مع الأسف لازلنا إلى الآن، في بعض الأماكن نقدم موضوع الخلاص بهذه الطريقة الخاطئة!)، كان الخلاص يُقَدَّم بطريقة مخيفة مع إله يوصَف بأنه حاكم متطلب جداً ودَيّان مخيف. هكذا لم تكن تريزا في البداية متجهة نحو الله لكن نحو ذاتها، نحو خوفها هي.
لكن مع ذلك، إذا كانت تريزا قد تركت العالم بدخولها دير الكرمل، فالعالم لحق بها بهمومه، وأفراحه وآلامه. فقد كان الكثير من الأشخاص يأتون إلى دير التجسد للتحدث معها. كانوا يتحدثون معها في خصوصياتهم وأسرارهم، وكانت تستقبلهم وتصغي إليهم من كل قلبها. مع خصوصياتهم، كانت تريزا تستعيد كل أفراح وآلام قلب الإنسان، وكل البشرية. كانت بهذه الطريقة تُعزي هؤلاء الناس وأيضاً وبشكل غير مباشر تتعزى هي. هذه التعزية كان لها دوراً مهماً في تقدمها الروحي، لكنها تتطلب أيضاً تغيير الذات.
نحن أيضاً على مثال تريزا، وهناك سؤال يُطرَح علينا: لماذا أو لِمَن نحن نعمل، عندما نبحث عن فعل الخير؟
كان لتريزا عطش عميق إلى الصداقات وربما إلى أن توجد هي في مركز هذه الصداقات. إن تريزا، الطفلة، والشابة المحبوبة من قبل أبيها، احتفظت في الحقيقة بهذه الحاجة لأن تكون محبوبة وأن تجذب اهتمام وحُب الآخرين وإعجابهم. وهو بالطبع شيء إنساني تماماً لكن علينا توجيهه وتقويمه بشكل إنجيلي أكثر.
"في الطريق إلى منزل شقيقتي، كان يسكن عمُّ لي ... وكان يريد أن يبقيني عنده بضعة أيام. كان يقضي وقته بمطالعة كتبٍ صالحةٍ، وكان حديثه يدور، أكثر ما يدور على الله وعلى بطلان العالم. كان يطلب إليّ أن أقرأ له، ومع أن كتبه ما كانت تروقني، كنت أبين له العكس؛ فقد كنتُ أبالِغ في إرضاء الآخرين وإن كان ما أعمله لهذه الغاية يشقّ عليّ؛ حتى إن الإحتمال، وهو يُعتَبر لدى الآخرين فضيلةً، صار لديّ خطأً كبيراً لأنني كثيراً ما كنتُ أُمارسه دون تمييز." (السيرة).
إن هذه الحاجة لأن ترضي الآخرين سترافقها لمدة طويلة وستقودها إلى علاقات أخرى.
"كان بي نقيصةُ جسيمةٌ سبّبتْ لي أضراراً بالغة. فعندما كنتُ أشعرُ بأن شخصاً يكنّ لي المودَّةَ، ويروقُني أمرُه، أتعلُّقُ به حتى تصيرَ ذاكرتي أسيرةَ التفكير فيه، ولو لم يكن في نيّتي إغاظةُ الله، إلاّ أني كنت أرتاحُ إلى رؤيتِه، والتفكير فيه وفي الصفاتِ الحسنة التي أجدُها فيه. لقد كان هذا الأمر وخيماً بحيث ضَلَّلَ نفسي تضليلاً. وبعد أن شاهدتُ جمالَ الرب الفائق ما عدتُ رأيتُ أحداً بإزائه حسنًا ولا جديراً بأن يَشغلني وأتعلق به أكثر من تعلقي بالله ... كان يكفيني أن أعود فأتذكّر قليلاً هذا الربَّ حتى أستعيدَ حرِّيَّتي. " (السيرة).
في الواقع لم يكن هناك أي شيء غير نزيه في هذه التعلقات التي تتكلم عنها تريزا بخصوص علاقاتها. لكن مع ذلك، ميلها هذا يكشف عن تعلق عاطفي غير منظور كما فهمته لاحقاً. ومن الضروري أن يمس الشفاء والتحرر، الذي تتكلم عنه تريزا، أعماق قلبها، كي تستطيع أن تكتشف مجالاً لم تعرفه من قبل من الحرية والإثمار. هذه ستكون نعمة الطريق الذي سيُفتَح فيها بفضل صلاة السكوت: فهناك، في طريق الصلاة هذا، ستختبر تريزا صداقة عميقة مع المسيح وستتذوق ثمارها.
صلاة الصمت تُوَسِّع القلب
كيف اكتشفت تريزا صلاة السكوت (أو صلاة الصمت)؟
"لم أكن أعرف كيف أصلي صلاة الصمت ولا كيف أختلي مع نفسي. فأخذت أبحث عن أوقات الخلوة، وأُكثر من الإعتراف، وأتبع طريق الصلاة هذا، معتمدةً على كتاب، كمُعلِّمٍ لي. كنتُ أبحث بكل ما أوتي إلي من قوة على أن أتأمل يسوع المسيح، خيرِنا وربِّنا، حاضراً فيّ: تلك كانت طريقتي في عيش صلاة السكوت."(السيرة).
إن الله رافقها في هذا الطريق كي يشجعها، لأنها كانت ضائعة قليلاً بسبب تعلقاتها العاطفية. لقد عاشت عشرين عاماً مُمَزِّقة ومُشَتَّتة إلى أن وصَلَت إلى لحظة حاسمة:
"كانت نفسي تَعِبَةً تصبو إلى الراحة، إلاّ أن عاداتها البائسة كانت تَحُول دون تَنَعُّمِها بالسكينة. وحدث أني كنت أدخل المصلّى ذات يوم فشاهدت تمثالاً جيءَ به للإحتفال بعيدٍ في الدير، وقد حُفِظَ هناك إلى حينه. كان تمثال المسيح مثخنًا جراحًا ويثير في النفس مشاعرَ التقوى، بحيث إني، حين شاهدتُه، إضطربتُ بكُلِّيتي لرؤيتي إياه على هذه الحال، لأنه يُمثِّل تمثيلاً دقيقاً ما احتملَه لأجلنا. فاعتراني غمُّ شديد لسوءِ تشكري تلك الجروح حتى خِلْتُ قلبي يتفطّر، فانطرحتُ قربه وأنا أذرف دمعاً مدرارًا، وأتوسّل إليه أن يقوّيني نهائياً فلا أعود أُهينه." (السيرة).
في نفس هذه الفترة، قرأت تريزا كتاب "الإعترافات" للقديس أغسطينوس الذي يتحدث فيه عن قصة إهتداءه. فبعد صراع داخلي طويل، يأتي الله ويلمس أعمق نقطة في قلبه ليحرره من ضياعه واضطرابه. تريزا تتأثر بقصة اهتداء هذا القديس الكبير وتفهمها تماماً لأنها اختبرت شيئاً مقاربًا جداً لهذا الإهتداء، وتعرض لنا بشكل غير مباشر صراعها الداخلي الخاص بها وكيف أنها غير قادرة على مواجهة هذا الصراع وحدها، أي دون عون وسند من الله. لكن مع ذلك سيستمر هذا الصراع ولن ينتهي قريباً. وكي تقاوم تريزا تعلقها ببعض الأشخاص وهو ما كان يشتتها ويبعدها عن صلاتها، كانت تجبر نفسها على المواظبة والأستمرار في الصلاة الصامتة .. أي أن الصلاة ستكون سلاحها الذي تستخدمه لمواجهة كل مصاعبها وصراعاتها. وعلى مثال القديس أغسطينوس، ستحتاج إلى تدخل المسيح الذي يقول لها: "لا أريدكِ بعدُ أن تُحادِثي الناسَ ..." (السيرة). ومنذ تلك اللحظة تغيرت الأمور بالفعل بالنسبة لها: ستتمكن أخيراً من عيش علاقاتها مع الآخرين بشكل متوازن وصحي وليس بطريقة كانت تعيقها في طريقها نحو الله. يجب أن ننتبه هنا بخصوص موضوع العلاقات مع الآخرين. فتريزا تريدنا أن نفهم بأن العلاقات مع الآخرين هي مهمة جداً بشرط أن لا تستعبدنا أو تعيقنا في طريقنا نحو الله، أي أن عبارة يسوع هذه يجب وضعها في سياقها، لأن الله لا يريدنا أن نمتنع من الدخول في علاقة مع الآخرين لكن كما ذكرنا قبل قليل، العلاقة مع الآخر يجب أن تتغذى من علاقتنا مع الله وليس أن تكون هي الأساس وتبعدنا عن الله.
إن عدم قدرة تريزا على التحرر من تعلقاتها كان الطريق الضروري نحو إهتداءها الجذري إلى حُب الله الأساسي. ووهبها كلام يسوع الحاسم طاقة جديدة لا تنضب. "منذ ذلك اليوم، صار لي من الإقدام والشجاعة ما جعلَني أتركُ كل شيء حُبًّا بالله".(السيرة). إن كلام الله يحقق ما يقوله: إنه يهب القوة والسلام.
"وتم هذا على أكمل وجه، فلم أستَطِعْ، من بعدُ، أن أتَعَلَّقَ بصداقة، أو أحصُلَ على تعزيةٍ، أو أشعرَ بحبٍ خاص إلاّ نحو أشخاصٍ أعرفُ أنهم يُحِبُّون الله حبًّا خاصًا ويسعَون إلى خدمته. لقد استحالَ علي ذلك، ولا يهمُّني أكانَ هؤلاء أقرباء أو أصدقاء."(السيرة).
تسند تريزا وبوضوح سبب هذا التغيير العاطفي الذي حصل لها إلى تدخل الله وعمله في صلاة السكوت:
"إن الله عَلَّمني طريقة في صلاة السكوت جعلتني أتقدم أكثر، وتجعلني لا أتعلق أبداً باشياء هذه الحياة، وتعطيني شجاعة أكثر وحرية أكبر."
هكذا أصبحت تريزا أخيراً حُرة كي تحب. احتاجت إلى وقت طويل كي تتمكن من الوصول إلى هنا، وهذا يمكن أن يكون مصدر تعزية لنا وسبب رجاء في حياتنا. فبإعطاء قلبنا لله، نحن لا نفقده أو نخسره، بل سنجده أو سنسترجعه لكن متغيرًا ومتحولاً. هذا ما توضحه عبارات القديس أغسطينوس التالية: "إن الله بجعلنا ننتظره، يوسع رغباتنا؛ وبجعلنا نرغب برؤيته ولقياه، فهو يوسع النفس؛ وبتوسيعه للنفس، يجعلها قادرة على أن تستقبل. لتكن عندنا إذن يا إخوتي هذه الرغبة لأننا يجب أن نكون ممتلئين." لنطب من الله أبينا أن يهبنا في هذا الأسبوع الثالث من زمن الصوم أن نفهم هذه الحقيقة كي نواظب ونستمر في طريق صلاتنا.
شهادة حول الصلاة: "منذ ذلك الحين لم أتركها أبداً"
منذ طفولتي، جذبني الله، لكن معرفتي له عندها كانت مقصورة فقط على الصورة التي كانت الكنيسة تعطيني إياها عنه، من خلال حياة القديسين والتعليم المسيحي والقداس والإعتراف. كنت أحب خاصة الأوقات الليتورجية الخاصة بالأعياد الكبيرة التي كانت تختلف عن القداديس الإعتيادية. أود هنا أن أكلمكم عن أهمية الإيمان الذي ينقله أهلنا لنا. فلولا شهادة الأهل الذين يُصَلون أمامنا ويذهبون باستمرار إلى القداس ويشهدون لإيمانهم كل يوم، لا تنضج بسرعة بذرة الإيمان في قلوب أطفالهم عميق، إلاّ ما ندر. من المهم جداً إذن على الأهل أن يعرفوا أهمية نقل إيمانهم العميق وليس مجرد الأشياء السطحية إلى أطفالهم وهي مسوؤلية كبيرة يُسألون عنها يوماً ما. فكيف يتعلم الطفل الصلاة إذا لم يرَ أحد والديه على الأقل يصلي باستمرار وبورع. وكما ذكرنا، ليس مجرد ترديد صلاة ما، فالصلاة هي أكبر من ذلك بكثير، لأنها الدخول في علاقة حميمة مع الله. هناك شيء آخر مهم وهو توفير الجو المناسب في البيت وكذلك توفير مكتبة حتى لو صغيرة تحوي بعض الكتب الروحية الأساسية التي تغذي الإيمان وتجيبعن بعض تساؤلات المؤمن. عندما نقرأ حياة قديس ما، مثل تريزا الأفيلية أو تعاليمها، لابد أن يؤثر هذا فينا أو على الأقل يجعلنا نتساءل عن حياتنا نحن وعما نفعله كجواب عن حُب الله لنا. لكن لنكن واقعيين، بالنسبة للكثير منا، مجرد أن يسمع كلمة "صلاة"، أو "صلاة الصمت"، كأنهم يسمعون كلمة تعني "الصعوبة" أو "الملل"! والأسباب واضحة وكثيرة، لكن ربما لأنهم لم يعرفوا حقاً معنى الكلمة الحقيقي وكذلك لأن خبرتهم التي عاشوها مع الصلاة (إن كانوا عاشوا هكذا خبرة) كانت مزعجة ومملة، وكانت بالطبع مجرد ترديد عباراة ربما لا يفهموها أو طويلة ولا تؤثر فيهم.ستضل الصلاة ربما غير معروفة حقاً بالنسبة لنا ما لم نقبل أن نخصص كل يوم بعض الوقت (على الأقل ربع ساعة كبداية)، نكرسه للدخول في علاقة حب وصداقة وثقة وتسليم مع الله أبينا. صلاة السكوت هي أن نضع أنفسنا بين يدي الله وتحت أنظاره الحنونة، دون أن نقلق بخصوص كيفية قضاء الوقت معه، بل لنسمح للروح القدس أن يصلي هو بنفسه فينا. أذكر أن يوم اكتشافي لصلاة السكوت وفهمي لها، على الرغم من أني كنت أصليها قبل ذلك، كان يوم فرح كبير ونعمة ثمينة لحياتي بأكملها لأنه أثر ولايزال يؤثر عليها، لأني منذ ذلك الحين لم أترك الصلاة أبداً، أو ربما علي القول بالأحرى، أن الصلاة لم تتركني أبداً بما أن الروح القدس هو من يجعلنا نستمر فيها. أطلب من الله أن يكتشف كل واحد منكم هذه النعمة والهبة الثمينة، التي بدونها، ربما ستفقد حياتنا الكثير من عمقها ومعناها.


الصلاة كل يوم من أيام الأسبوع مع تريزا الأفيلية:

الاثنين 9 آذار:
"أَسألُ، حُبًّا بالرب، تلك النفوسَ التي خصَّها، جلّ جلاله، بهذه النعمة العُظمى (نعمة الإختلاء وصلاة الصمت)، أن تعرف ذاتها، وتُقدِّرَها أي تقديرٍ باعتزازٍ متواضعٍ قُدسيٍّ حتى لا تعودَ إلى قدور مصر (أي إلى العبودية القديمة)... كما حصل لي." (السيرة).
"أستمر في عَدْوي، لَعَلّي أقبض على المسيح، فقد قبض علي يسوع المسيح. إنما يهمني أمر واحد وهو أن أنسى ما ورائي وأتمطى إلى الأمام، فأسعى إلى الغاية، للحصول على الجائزة التي يدعونا الله إليها من عَلُ لننالها في المسيح يسوع." (فيلبي 3: 13 - 14).

الثلاثاء 10آذار:
"قبل أن أعرف كيف أساعد نفسي بنفسي، كانت لي رغبةٌ كبرى تدفعني لإفادة الآخرين وهي تجربةٌ عادية جداً تحدث للمبتدئين وإنْ أصبتُ فيها نجاحاً." (السيرة).
"كل شيء ممكن، ولكن ليس كل شيء بنافع. كل شيء ممكن، ولكن ليس كل شيء يبني.لا يَسْعَيَنَّ أحد إلى منفعته، بل إلى منفعة غيره." (1 قورنتس 10: 23).

الأربعاء 11 آذار:
"إن عدم إعتبارهم إيايَّ سيئة يعود، إلى حدٍّ كبير، إلى أنهم كانوا يرونني، مع كوني فَتيَّةً، كنت أختلي مرارًا لأصلي وأُطالع، وأُكثِرُ من الحديث عن الله، وأهوى رسم صوة السيد المسيح في مواضع عدة، وأنَّ لي مصلّى أجعل فيه ما يثير روحَ التقوى، ولا أنطِقُ بالسوء؛ كما كانوا يرون فيَّ أموراً أخرى لها ظاهرُ الفضيلة. أما أنا، لغروري، فكنت أعرف أن أُقدِّر ذاتي في الأمور التي إعتاد العالم أن يُقدرها." (السيرة).
" أمجانا يتقي أيوب الله؟." (أيوب 1: 9).(وأنا.. أمجانًّا أحب الله وأتقيه؟)

الخميس 12 آذار:
"قال الرب لي: واأسفاه، يا ابنتي! ما أقلّ الذين يُحبُّونني حبًّا حقيقيًا! ... أتعرفين ما معنى حُبي حُبًّا حقيقيًا؟ معناه أن كُلَّ ما لا يَسُرُّني كَذِبٌ. ستفهمين بوضوح ما لا تُدركينَه الآن، من التقدُّم الذي تُحقِّقُهُ نفسُك." (السيرة).
"روح الحق، سيرشدكم إلى الحق كله لأنه لن يتكلم من عنده بل يتكلم بما يسمع ويخبركم بما سيحدث؛ هو سيمجدني."(يوحنا 16: 13).

الجمعة 13 آذار:
تتكلم هنا عن الأشخاص المتقدمين في الحياة الروحية) "بالنسبة لهؤلاء، لا يعود يَهُمُّهم إذا صاروا محبوبين أو غير محبوبين... الحُبُ هو الشغف بالعمل على أن تُحب النفسُ الله وتكونُ جديرة بحُبِّه، ولا حُب آخر غير هذا ممكن أن يدوم." (طريق الكمال). "إجذبني. فنجري سوية." (نشيد الأناشيد 1: 4).

السبت 14 آذار:
"ذات يوم، وبينما كنت أدخل المصلّى، شاهدت تمثالاً جيءَ به للإحتفال بعيدٍ في الدير، وقد حُفِظَ هناك إلى حينه. كان تمثال المسيح مثخنًا جراحًا ويثير في النفس مشاعرَ التقوى، بحيث إني، حين شاهدتُه، إضطربتُ بكُلِّيتي لرؤيتي إياه على هذه الحال، لأنه يُمثِّل تمثيلاً دقيقاً ما احتملَه الرب لأجلنا." (السيرة).
"إعلموا بأنكم لم تُفتدوا بالفاني من الفضة أو الذهب من سيرتكم الباطلة التي ورثتموها عن آبائكم،
بل بدم كريم، دم الحمل الذي لا عيب فيه ولا دنس ، دم المسيح.وكان قد اصطفى من قبل إنشاء العالم، ثم كُشِف من أجلكم في آخر الأزمنة".(1 بطرس 1: 18 - 20).

مع محبة الأب غدير الكرملي