دولة العراق الجديد وثقافة " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب "

المحرر موضوع: دولة العراق الجديد وثقافة " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب "  (زيارة 285 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

متصل خوشابا سولاقا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 958
    • مشاهدة الملف الشخصي
دولة العراق الجديد وثقافة " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب "
خوشابا سولاقا
مقدمة تعريفية
إن معيار مدى نجاح الدولة المؤسساتية الحديثة وسيادة القانون وتحقيق العدالة والمساواة فيها يَكمنْ في ضَمان " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " .
في جميع العصور عبر التاريخ الانساني سعَ علماء وفقهاء الفكر السياسي والاداري والأقتصادي الى بناء هياكل مؤسسة الدولة بالشكل الذي تكون ذات فعالية ديناميكية كفوءة لأنتاج مؤسسة دولة الخدمات الناجحة في تقديم الأفضل منها للمواطنين من جهة ، ولترسيخ في ذات الوقت اركان النظام السياسي للسلطة التي تديرها مهما كانت طبيعة ذلك النظام السياسي أيديولوجياً ، وبأية نظرية فكرية يسترشد في توجُهاته ومنطلقاته في إدارة شؤون الدولة والسلطة ، بين أن يكون ذلك النظام ، نظاماً ديمقراطياً ليبرالياً أو أن يكون نظاماً ديكتاتورياً فردياً واستبدادياً ، وبين أن يكون نظاماً برجوازياً رأسمالياً ، أو نظاماً اشتراكياً ديمقراطياً ، او نظاماً اشتراكياً شيوعياً شمولياً ، أو أن يكون نظاماً عنصرياً شوفينياً وشمولياً من جهة أخرى  .  لقد استند هؤلاء في سعيهم الحثيث لتحقيق هذا الهدف النبيل في بناء دولة المواطنة والخدمات الكفوءة في ادائها والنزيهة بعناصرها التي تدير شؤونها ، والتي تؤسس لدولة المؤسسات الدستورية وسيادة القانون والعدالة والمساواة بين مكونات الشعب المختلفة وحصر السلاح فيها بيدها دون سواها ، وليس التأسيس لدولة المكونات القومية والطائفية والميليشيات الحزبية المسلحة التي تنشر الفوضى والعبث في طول البلاد وعرضه الى مبدأ " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " . إن تطبيق هذا المبدأ يتطلب توفر في الشخص المسؤول المناسب ، عنصر الولاء الحقيقي للوطن ، عنصر الأخلاص في العمل ، عنصر النزاهة في الأداء ، وعنصر الحرص والأمانة على المال العام ، وعنصر الكفاءة والخبرة ، وعنصر التحصيل العلمي الأختصاصي  في المهام التي يتطلبها  الموقع المسؤول ، وعنصر حسن التعامل والأخذ والعطاء مع الرؤساء والمرؤوسين في العمل أي بمعنى حسن العلاقات العامة مع العاملين والعملاء ، ومن الضروري جداً أخذ بنظر الأعتبار عنصر العمر في هذا الجانب ، لأن العمر له دور في النضوج الفكري وتكامل البناء النفسي لكارزما الشخص المسؤول . نعتقد أن توفر هذه المواصفات تشكل الأرضية الصلبة المناسبة لأختيار الشخص المناسب للمكان المناسب في بناء الهياكل الكفوءة والفعالة في أدائها لبناء مؤسسات دولة المواطنة والخدمات الكفوءة في ادائها ، ومن غير ذلك لا يمكن أن تكون هناك ما تسمى بدولة الخدمات بكل أشكالها وأنواعها .
بحسب ما قرأنا عن الحرب الباردة بين القطبين العالميين ، القطب الرأسمالي الغربي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية وحليفاتها والقطب الأشتراكي الشيوعي الشرقي بقيادة الأتحاد السوفييتي وحليفاته اللذين ظهرا للوجود بعد أن وضعت الحرب العالمية الثانية اوزارها وظهور المعسكر الأشتراكي . قيل أن أحد المبادئ الأساسية الذي اعتمدوه المخططين الأستراتيجيين في صياغة استراتيجية المعسكر الرأسمالي الغربي لتدمير وتفكيك البنى التحتية للمعسكر الأشتراكي الشيوعي ، كان السعي الى نشر الفساد المالي والاداري في المؤسسات الرسمية لدول هذا المعسكر من خلال العمل على وضع مبدأ " وضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب " موضع التطبيق ، مستغلين في ذلك هشاشة البنى التحتية لهذا المعسكر ( المعسكر الأشتراكي ) من خلال استثمارهم لتدني مستوى المعيشة لشعوب بلدانه بسبب تدني مستوى رواتب العاملين فيه ، وعجز مؤسسات دوله في توفير الحاجات المادية والمعنوية والخدمية الأساسية ولو بمستوى الحد الأدنى لشعوبها . وعند اطلاعنا على كتاب الرئيس الروسي الأسبق ميخائيل غورباتشيف " البيريسترويكا " سوف نلاحظ هذا الأمر بوضوح وجلاء وكيف كان الفساد بكل أشكاله ينخر في جسد دول المعسكر الأشتراكي بسرعة مطردة من سنة لأخرى من جهة ، وتضخم ديون الدول الرأسمالية بذمة دوله وانهيار قيمة العُملات المحلية أمام العُملات الغربية فيها  بسبب غياب " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " من جهة أخرى ، كيف أسهم ذلك بشكل كبير وفعال في النهاية في أنهيار المعسكر الأشتراكي  وبالتالي في إنهيار النظام الشيوعي في أوروبا الشرقية بسرعة هائلة ، وأحسن ما في هذا الأنهيار أنه حصل من دون إراقة للدماء ، وذلك بسبب قناعة قادة الأنظمة الشمولية الحاكمة والشعوب في تلك البلدان بعدم جدوى من استمرار هذا النظام المتفسخ لأنه عجز عن تقديم ما وعد به الشعوب . هكذا قدمت البشرية من خلال أسباب سقوط وانهيار النظام الأشتراكي في الأتحاد السوفييتي ودول شرق أوروبا بعد تجربة دامت أكثر من سبعين عاماً من العمل الدؤوب خير نموذج لسوء عدم العمل بضرورة تطبيق مبدأ " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " ، وكيف أن عدم تطبيق هذا المبدأ يجعل المجال مفتوحاً أمام الفاشلين والفاسدين من المتنفذين في أحزاب السلطة للقفز على مواقع المسؤولية في مؤسسات الدولة الرسمية وينشرون فيها الفساد المالي مستغلين مناصبهم الرسمية في سرقة المال العام والعبث بممتلكات الدولة واستثمارها في خدمة مصالحهم الشخصية ومصالح اقربائهم والمقربين منهم من الأنتهازيين ومن ضعاف النفوس من الشرائح الاجتماعية الرثة التي لا تمتلك الوعي الوطني الناضج .

قراءةً في واقع العراق
في ضوء ما تقدم بخصوص ثقافة تطبيق مبدأ " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " في التجربة العراقية ، لو درسنا واقع العراق من حيث مدى تطبيق هذا المبدأ لوجدناه بشكل عام ومنذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة في سنة 1921 م ولحد هذا اليوم واقع بعيد كل البعد عن ما يقتضيه تطبيق هذا المبدأ في توزيع المهام والمسؤوليات الوظيفية في مؤسسات الدولة العراقية الفتية ، ولذلك لم نلاحظ صورة للدولة المؤسساتية المدنية الديمقراطية القوية التي يسود فيها القانون إلا بشكل نسبي يختلف مستواه من مرحلة الى اخرى .
أولاً :- في ظل مرحلة التكوين مرحلة النظام الملكي الدستوري من عام 1921 م الى عام 1958 م كان السعي لتطبيق هذا المبدأ أفضل بكثير مما صار عليه في المراحل اللاحقة ، حيث كان يتم اختيار الكوادر القيادية العليا في المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية وفق معايير ومواصفات الشخص المناسب للمكان المناسب التي ذكرناه في متن المقدمة التعريفية أعلاه ، أو بالأحرى فإن الأجراءات بهذا الشأن كانت تجري على وفق ما معتمد في انكلترا من المعايير والمواصفات بهذا الخصوص ، لذلك كانت استجابة مؤسسات الدولة في أدائها لمتطلبات مهامها في تقديم خدماتها للمواطن في كافة المجالات كانت أقرب الى المطلوب وشبه مقبولة من لدن المواطن العراقي ، وكان الفساد المالي وسرقة المال العام الذي نادراً ما سمعنا أو قرأنا عن حصوله في تلك المرحلة ، وكان شبه معدوم بالرغم من ضئالة امكانيات الدولة المالية مقارنة بالمراحل التي تلتها ، وكانت ثقافة التطبيق لهذا المبدأ هي السائدة على غيرها من الثقافات في هذه المرحلة من حياة الدولة العراقية الحديثة بحسب وجهة نظرنا بالرغم من كونها دون مستوى الطموح  .
ثانياً :- ثقافة التطبيق في ظل مرحلة النظام الجمهوري منذ 14 / تموز / 1958 م ولغاية 9 / نيسان / 2003 م ، حيث بدأ العد العكسي لتداعي وتراجع ثقافة تطبيق هذا المبدأ في عهد النظام الجمهوري عما كان عليه في عهد النظام الملكي الدستوري في كافة مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والمدنية ، حيث بدأت مرحلة عمليات حشر المقربين الحزبيين من أحزاب ورجالات السلطة الحاكمة وبحسب مبدأ المحسوبية والمنسوبية والأنتماء القبلي والعشائري أي بحسب مبدأ " الأقربون منهم أولى بالمعروف " في أجهزة الدولة ، ولكن بالرغم من سيادة وشيوع هذه الظاهرة في معظم أجهزة مؤسسات الدولة بشكل ملفت للنظر وبالأخص في المؤسسات العسكرية والأمنية ، إلا أن التعيين في كثير من المواقع المهمة والحساسة التي يتطلب توليها كفاءات اختصاصية مقتدرة لضمان نجاحها واستمرارها بقيت مثل هكذا تعيينات خاضعة الى معايير الكفاءة والأختصاص العلمي والخبرة والأقتدار والنزاهة والأخلاص ، وكان ذلك جلياً وواضحاً للعيان في عهد عبدالكريم قاسم وعهد الأخوين عبدالسلام وعبدالرحمن عارف وحتى في عهد حكومة البعث بالرغم من أن النظام البعثي كان يعطي الأولوية في التعيين للعناصر البعثية في الحالات التنافسية عند تكافوء المواصفات المعيارية الأخرى ، إلا أنه بقيت الكفاءة والخبرة والأختصاص والنزاهة هي ما يعول عليها الى حدٍ كبير في توزيع المهام والمسؤوليات وتولي المناصب الأدارية المهمة في أجهزة الدولة المدنية والعسكرية والأمنية .
ثالثاً :- ثقافة التطبيق في ظل المرحلة الحالية ، أي منذ سقوط النظام السابق في التاسع من نيسان من عام 2003 م ولغاية اليوم ، أي مرحلة نظام المحاصصة الطائفية والأثنية السياسية التي بات الكذب والرياء السياسي فيها سِمةٌ تلازم سيرة وسلوك أغلب السياسيين والمسؤولين في مؤسسات الدولة المختلفة كسياق عمل لهم . حيث تميزت هذه المرحلة من تاريخ العراق الحديث في شؤون إدارة الدولة بسقوط الدولة ذاتها بمفهومها القانوني والاجتماعي المتعارف عليه ، وغياب القانون والضوابط والتعليمات الادارية التي تتحكم بسلوك المواطنين والسيطرة عليهم ، وحلت محل دولة المواطنة والقانون دويلات المكونات الطائفية والأثنية والقبائل والعشائر ، وحل محل القانون الفوضى وسيادة قانون صاحب السلاح الأقوى في الشارع ، وتحولت وزارات الدولة ومؤسساتها الرسمية ودوائرها الى أشبه ما تكون بالأمارات والأقطاعيات في زمن نظام المجتمع الأقطاعي ، امارات لأشخاص بعينهم أو لأحزاب سياسية بعينها يتم التصرف بمقدراتها بحسب ما تقتضيه المصالح الشخصية أو الحزبية للشخص المسؤول ، حيث يتم التعيين في مختلف مواقع المسؤولية في تلك الوزارات – الأمارات – الأقطاعيات بحسب مزاجات وقناعات القائمين عليها في رأس الهرم خلافاً للضوابط والتعليمات والسياقات والمعايير الوظيفية المهنية التي كانت معتمدة ولو بأدنى مستوياتها في المراحل السابقة من تاريخ الدولة العراقية . هكذا أصبح كل سياق عمل معتمد اليوم يشكل سياقاً خارج إطار القانون والضوابط الأدارية والمالية والقانونية الصحيحة للدولة المدنية الديمقراطية العصرية الحديثة ، وبمعنى أكثر شمولاً أصبح حتى السلوك الأجتماعي للمواطن سلوكاً منفلتاً أنانياً غير مسؤولاً وغير متحضراً اتجاه الممتلكات العامة للدولة بشكل خاص واتجاه قيم وتقاليد وطقوس المجتمع بشكل عام بسبب غياب قوة الدولة وهيبتها من خلال تطبيق القانون بعدالة . كذلك غابت المواصفات الفنية الرصينة في تعاملات مؤسسات الدولة في استيراد المعدات والأجهزة والمواد الغذائية والدوائية وغيرها من الأحتياجات الأخرى التي يتم استيرادها من خارخ العراق وفي تنفيذ أعمال المشاريع العامة في خضم سيادة الفساد المالي والرشاوي التي يتقاضاها المسؤولين من الشركات المجهزة للمواد والمنفذة للأعمال مقابل قبولهم للبضائع الفاسدة المجهزة لمؤسسات الدولة واستلامهم للأعمال المنفذة المخالفة للمواصفات الفنية المطلوبة في ظل الغياب التام للرقابة النوعية الوطنية على المستوردات والأعمال المنفذة ، وهنا لهيئة النزاهة ومكاتب المفتشين العموميين في وزارات ومؤسسات الدولة دوراً كبيراً في التستر على حيتان الفساد المالي المستشري في أجهزة الدولة ، هذه الأجهزة الرقابية باتت بدلاً من ان تكون أجهزة رقابية تتابع وتلاحق الفاسدين والمفسدين من منتسبي الدولة بكافة درجاتهم الوظيفية في مؤسسات الدولة وتحيلهم إلى القضاء لينالوا جزائهم تقوم بغالبية كوادرها بدور الحماة للفاسدين والمفسدين والتستر عليهم ويساومونهم مقابل ما تجود به أياديهم من المقسوم .
في ظل هذا الواقع المزري الذي الفساد المالي سيده ، وسرقة المال العام سمته وهدف المسؤولين فيه ، فَقدَ الأختصاص والشهادة والخبرة والأخلاص والنزاهة والكفاءة والأقتدار والأستقامة والأمانة الوظيفية والولاء الوطني قيمتها ومكانتها ودورها في اختيار الأفضل والأحسن والأنسب لوضعه في المكان المناسب . لذلك نلاحظ أن اغلب المسؤولين القياديين والكوادر القيادية في مؤسسات دولة العراق الجديد أن اختصاصاتهم بموجب شهاداتهم لا علاقة لها بمهام وطبيعة عمل واختصاص مناصبهم ، وأن خبرتهم العملية لا تؤهلهم لتولي تلك المناصب الكبيرة بالمسؤولية بموجب مبدأ " وضع الشخص المناسب في المكان المناسب " ، ولكن عبثية فلسفة نظام المحاصصة أو فلسفة الديمقراطية التوافقية كما يحلو لهم تسميتها لغرض تلميع وتجميل وجه المحاصصة الطائفية والأثنية القبيح يبيح ويبرر لهم كل شيء ، كأن يتم تعيين على  سبيل المثال وليس الحصر مهندس في منصب وزيرالداخلية ، وأن يتم تعيين طبيب في منصب وزير الخارجية ، وأن يتم تعيين طبيب في منصب وزير المالية وهكذا دواليك مع بقية الوزارات من دون مراعاة لتوافق الأختصاص الأكاديمي للمسؤول مع طبيعة ومهام واختصاص المنصب ، لأن فلسفة ومنطق نظام المحاصصة يقتضي اعتماد هذا السياق الأهوج لخلق ما يسمى بالتوازن بين المكونات العراقية حتى وإن كان ذلك يتعارض مع منطق العلم والعقل للادارة الرشيدة لدولة الخدمات ، بينما الضرورة من أجل ضمان الأداء الأفضل للموقع تقتضي تحقيق توافق مهني بين اختصاص المسؤول وطبيعة مهام المنصب ، إضافة على ذلك أن وجود هذا التوافق يحصن  المسؤول بالخبرة والفطنة على اكتشاف بؤر الفساد المالي والفاسدين ويُحَجّم من دورهم في تمرير ما يريدون الفاسدين تمريره عليه مستغلين نقاط ضعفة في انعدام المعلومات الأختصاصية وقلة الخبرة العملية . وليكُنْ الله في عون الشعب العراقي للخروج من هذه المحنة .

    خوشـــابا ســــولاقا
20 / شباط / 2015 – بغداد


غير متصل هنري سـركيس

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 274
    • مشاهدة الملف الشخصي
الاستاذ والكاتب والمفكر القدير خوشابا سولاقا المحترم
تحية طيبة
ما تفضلت به في مقالكم القيم يعتبر خطوة منكم من اجل الغوص في هذه الاشكاليات التي اصبحت نقمة على شعبنا وفي مؤسسات الوطن، بصراحة نحن ما نكون احوج الى مثل هذه الكتابات وفي هذه الظروف التي نمر بها. صح قلمك وفكرك، لانك اصبت الهدف ووضعت النقاط على الحروف وفيت وكفيت، وبارك الله في جهودك. استاذ العزيز. جمع الباحثون والمختصون على ان الوضع الاقتصادي لاي بلد على ان من اهم اسباب الفساد وفشل النظام الاقتصادي هو عدم وضع الشخص المناسب في المكان المناسب.  ان سياسة وضع الشخص المناسب في المكان المناسب تعني انتقاء وتصنيف الاشخاص وفق اسس علمية ومعايير ومحددات ومواصفات معدة مسبقا للاشخاص المتقدمين لشغل المناصب او المهن او الوظائف او الاعمال المختلفة وصولا الى الشخص المناسب في المكان المناسب الذي يتناسب ومؤهلاته الشخصية وقدراته العقلية.. وبالتالي اقول: ـ لن يكون في العراق الجديد، الرجل المناسب في المكان المناسب، الا اذا كان خلفه شعب محاسب،اما اذا تعود الشعب على التجاهل والتغاضي والتملق والتحلق والمداراة والمجاراة فليس ثمة امل في الصلاح والاصلاح. لابد من شجب الاخطاء ونقد الاشياء وايصال الصوت القوي من كافة اطراف الشعب الى القيادات، احتجاجا على عدم وجود الكفاءات وعلى انعدام الخطط والموازنات .ان وجود الشخص‏ غير المناسب لا يمكن ان يستمر لو في عمل كبير او صغير. اما في القطاع العام لمختلف مناحيه يكون تاثير الاشخاص  المسوؤلين اكثر اهمية لان الصلاحيات المعطاة لهم كبيرة وواسعة، اننا نعاني من الاجواء والاعتبارات التي تسيطر على عمليات التعيين في المراكز القيادية والادارية  ومؤسسات الدولة. من اجل بناء المؤسسات الديمقراطية الفعالة  في الدولة العراقية.لابد ان تتوفر لها شروط ومتطلبات اساسية، فمن دونها فقد تكون هناك دولة ديمقراطية ولكنها غير فعالة، وفي هذه الحالة فان الديمقراطية تفقد اهم مبررات وجودها. وبالتالي ان الشروط والمتطلبات في ايجاد التوازن المطلوب بين الديمقراطية، اي المشاركة الواسعة والكفاءة، اي القدرة على اتخاذ القرارات وحل المشاكل وتحقيق الانجازات. فاذا ما تم التركيز على المشاركة فقط، فانه من الممكن جدا ان تكون مؤسسات الدولة ديمقراطية، ولكنها قد لا تكون فعالة. وفي نفس الوقت، اذا ما تم التركيز فقط على الكفاءة فقد تكون مؤسسات الدولة فعالة ولكنها غير ديمقراطية. وفي كلا الحالتين فان ذلك امر غير فابل للاستمرار مما يعرض وضعنا الاقتصادي للاهتزازات، وعدم الاستقرار السياسي، وفعلا هذا ما يحدث في العراق الجديد ولا يزال. ومن اجل ان يكون العراق الذي نتمناه الجديد مستقر وقابل للاستمرار، فان على الجميع ان يناقش ويتواصل للتوازن المطلوب بين الديمقراطية والكفاءة في مؤسسات الدولة الجديدة والذي نحن بصددها. ان اعداد و تاهيل و اختيار القيادات السياسية الحالية و المستقبلية يجب ان يكون وفقا للاسس و المبادئ و الاعراف الديمقراطية، حتى يمكن ضمان ديمقراطية مؤسسات الدولة. و لذلك ان المواصفات و المهارات المطلوبة لمن سيتولى اي قيادة سياسية او ادارية، يجب ان تكون متوافقة مع متطلبات الديمقراطية. فالقيادات السياسية الديمقراطية، لا بد و ان تتمتع بقدر معقول من القبول الشعبي. و كذلك فان اعداد و تاهيل و اختيارات المسؤلية الادارية و المستقبلية يجب ان يرتكز على الخبرات الفنية و المهارات، فبدون ذلك فان الاعتبارات السياسية قد تتغلب على الاعتبارات الفنية والكفاءة ، مما قد يتسبب في فشل مؤسسات الدولة الديمقراطية. و من اجل ايجاد تفاعل بين القيادات السياسية و الادارية، فانه لا بد من تنظيم العلاقة بين الجانبين. فحتى تكون السياسيات و التوجهات و الاجراءات التي يقترحها السياسيون، و يسعون الى اقرارها و قبولها من قبل الراي الشعبي قابلة للتطبيق ومرضية، فانها لا بد وان تعتمد على مدى امكانية القيادات الادارية على تنفيذها، و خصوصا تلك التي تكون ضرورة لنجاح و فعالية السياسيات الاخرى. كل ذلك يتطلب ان تكون اليات التفاعل بين الطرفين ملبية لكل من الديمقراطية و الكفاءة. ولانه لا يمكن ان تنجح عملية الاصلاح الشاملة التي نعيشها اذا لم نطبق تلك‏ الشعارات ونحترمها في كل مؤسساتنا واداراتنا. اننا نناشد جميع ابناء شعبنا العراقي، الوقوف خلف مسيرة الاصلاح والتطوير، بغية اعادة التوازن‏ المطلوبة، على اسس علمية، بحيث لا يعين ولا يبقي في‏ المراكز القيادية، الا من تثبت جدارته العلمية وقدرته على املاء مثل هذه المراكز‏ وابقاء شبح البيروقراطية الرهيب الذي تسلل الى الكثير من مؤسسات الدولة ومواقعها الادارية،‏ فاصبحت تلك الادارات بفعل المتسللين اليها عاجزة عن مواكبة عملية التطور‏ والتقدم والاصلاح في وطننا .‏ وايضا لابد علينا جميعا، ان نسلط الضوء الكاشف على مواطن الخطا، وعلى مواقع المخطئين، ان الموقع او المركز‏ مسؤولية وليس امتيازا ومن يفهم الامر غير ذلك يجب ان يتحمل المسؤولية كاملة‏ وان يحاسب الحساب العسير الذي يستحقه ان وضع الرجل المناسب في المكان المناسب‏ وفقا لمعايير الكفاءة والمقدرة والنزاهة وتحمل المسؤولية بعيدا عن اية‏ اعتبارات شخصية او عشائرية او اية محسوبية هو المقدمة الضرورية واللازمة لا‏ نجاح واستمرار مسيرة الاصلاح والتطوير التي نعيشها ونطمح بانجاز اهدافها‏ وغاياتها‏ .لذلك اذا ما اردنا تجنب المشاكل والابعاد عن الاوضاع الاقتصادية والسياسية المتدهورة والمزرية في الوطن وهي ما شاء الله كثيرة ولا تحصى، لابد ان يسعى الجميع نحو بناء اقتصاد سليم ينمو بوتيرة متصاعدة، وبخطى واضحة ومحددة، لابد من نشر ثقافة وضع الشخص المناسب في المكان المناسب بحذافيرها وجوهرها العلمين بهدف خلق الارضية الصحيحة والسليمة، وصولا الى تاسيس مؤسسة علمية ترقى ولو بالشيء اليسير الى المستوى الذي وصلت اليه دول العالم المتقدم، في هذا المجال من حيث وضع المعيير العلمية والتوظيف المؤسساتي في دولها.. اذ ان نجاح اي دولة او حكومة بشكل عام ،ونجاح اي مؤسسة بشكل خاص ،يعتمد على مدى كفاءة منتسبي هذه المؤسسات، فكلما كان انتقاء الاشخاص العاملين مدروسا بعناية ودقة وعلى وفق معايير مسبقة معترف بها شعبيا ازداد نجاح تلك المؤسسات. وانطلاقا مما سبق، ان الحل لاي مشكلة هو تجنب الوقوع بها، وليس البحث عن مخارج بعد الوقوع بها .. وتقبوا مروري ولكم مني كل الود وخالص امتناني
اخوكم وصديقكم
هنري سركيس

متصل خوشابا سولاقا

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 958
    • مشاهدة الملف الشخصي
الى الأخ والصديق العزيز الكاتب السياسي المتألق الأستاذ هنري سركيس المحترم
تقبلوا خالص تحياتنا المعطرة ومحبتنا الدائمة
نشكر مروركم الكريم على مقالنا ونعتز بتقييمكم لما عرضناه ، كماونشكركم على ما أضفتموه من أبعاد فكرية أغفلناها أو قد فاتنا ذكرها وبذلك تكون قد أغنيتم الموضوع بخير ما ينقصه . صديقنا العزيز  نقولها  بثقة عالية وعن قناعة تامة ، بأن السبب الرئيسي الذي يعول إليه تقدم البلدان قي كل المجالات والتي نصفها بحسب كل المعايير والقياسات والمواصفات العالمية بدول متقدمة التي نريد أن نقتدي بها وبتجربتها هو  تطبيقها لمبدأ "وضع الشخص المناسب قي المكان المناسب " . لأن بتطبيقها لهذا المبدأ تكون الكفاءات النزيهة والمخلصة والمقتدرة بالتالي هي من تقود البلاد وتخطط لمستقبله وفق برامج علمية تعطي فيها الأولويات للأهم قبل المهم وتوزع التخصيصات المالية في الموازنات السنوية العامة وفقاً لذلك ، وأن تخلفنا وكل بلدان العالم الثالث يعود الى " وضع الشخص غير المناسب في المكان غير المناسب " ، ودمتم والعائلة الكريمة بخير وسلام .
                     محبكم من القلب أخوكم وصديقكم : خوشابا سولاقا - بغداد