من اغاني غجري لا يجيد الرقص : رؤية نفسية لمجموعة الاب باسيل عكولة االبرطلي القسم الاول


المحرر موضوع: من اغاني غجري لا يجيد الرقص : رؤية نفسية لمجموعة الاب باسيل عكولة االبرطلي القسم الاول  (زيارة 1246 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شوقي يوسف

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 16
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
شوقي يوسف بهنام
 





                  من أغاني غجري لا يجيد الرقص

                          رؤية نفسية في المنجز الشعري للاب باسيل عكوله













الاهداء ...
الى كل من يظن ان الارض لا يمكن ان  تسعه ابدا وان مشاعر الغربة تلاحقه اينما كان وحيثما وجد ....



                                            اهدي هذا الجهد المتواضع
                                                         شوقي







                                                 





                                            المقدمة
عندما يتقمص شاعر أو فنان أو فيلسوف شخصية ما ، يفترض ان يكون على مقربة روحية منها إن صح مثل هذا التعبير. بمعنى ان يجد تشابها بينه وبينها أو يتمنى ان يكون على منوالها ونموذجها فيحاول ان يحاكيها أو يقلدها في الفكر والسلوك وهذا ما يسميه العاملين في مجال التحليل النفسي بالتوحد أو التقمص أو التماهي وهي من آليات الدفاع  وهي على أنواع مختلفة . وصاحب هذه الأغاني موضوع قراءتنا الراهنة رجل دين قروي من بلدة (برطلة – الموصل)  أصبح فيما بعد أستاذا في الكوليج دي فرانس وهي الأكاديمية الفرنسية التي خرّجت عقولا كبيرة منها برجسون و باشلار وسارتر وغيرهم الكثير من العقول الممتازة في الفكر الفرنسي الحديث . الا يكفيه فخرا هذا القروي بهذا الشرف العلمي الرفيع ؟؟. انه الأب باسيل عكولة المتخصص في التاريخ والآثار وفي الاراميات والنبطيات على وجه الخصوص . ولا ننسى تأهليه في الفلسفة واللاهوت . له سيرة ذاتية عنونها ب" يوميات غجري لا يجيد الرقص " وقد صدرت في بيروت في مطلع السبعينيات (*) . تخللت هذه السيرة قطعا  نثرية يمكن ان تعد من شعر النثر ؛ عددها اثنا عشرة قطعة . وهي استمرار لليوميات ولكنها تميزت بجنسيتها الشعرية إلى حد ما  . فارتأينا استقطاعها لتكون بمثابة مجموعة شعرية مستقلة يمكن ان تسلط عليها الأضواء والقراءات بشكلها المتميز هذا . لا بأس من ان ننقل بحرفية ما كتبه الناشر على الغلاف الأخير لهذه اليوميات والتي قد تكون دليلا لنا في قراءتنا هذه . يقول الناشر :-
من عادة الغجر ان يجيدوا الرقص ،
فلماذا لا يجيده هذا الغجري
الذي حرص على ان يكتب لنا يومياته هذه
بأسلوب متنوع ناضج ففيه القصة والمقالة النقدية
والتأملية والاعترافية ؟
لا جواب على هذا السؤال
في تضاعيف الكتاب ،
بل نجد باسيل عكولة ، مؤلفه
يتقصد أن يتركنا في حيرة .
لكننا إذا شئنا ان نتكهن ، نجد أنفسنا
أمام اختيارين أو ثلاثة لا أكثر ،
نكتفي بذكر أقربها الى الحقيقة . وهو
ان صاحب هذه " اليوميات "
يلعب دورا في الحياة لا يجيده . ولعل في ذلك مبررا
لاستمرار بؤسه وشقائه من عهد الطفولة .
                                     ***************
ذلك إذن هو تعليق الناشر . وهو تعليق قد أصاب الحقيقة ولكن في إطارها العام . والجملة الأخيرة من التعليق تعد حكما استخلصه الناشر عن صاحب اليوميات هذه التي اخترناها لتكون موضوعا لتأملاتنا الراهنة . مجموعة باسيل عكولة الشعرية ، رغم صغر حجمها ، تعد وثيقة ذاتية عن الشاعر . فمن خلالها يسكب الشاعر أحزانه وهمومه ويقدم لنا تصوره للعالم والقيم والوجود على وجه الإجمال . وتلعب المرأة في مجموعة باسيل عكولة دورا كبيرا في هذه المجموعة . ولا نسرف في القول إذا قلنا ان المرأة هي الهم الشاغل للشاعر . وقد لا تكون هذه المرأة امرأة محددة بل هو يخاطب حواء  أو ما تسمى " بالأنثى الخالدة " في شكلها الاطلاقي . حواء قد تتخذ أدورا وأشكالا مختلفة في الحياة وعبر مسار التاريخ العام . ولكونه منقب آثار فهو يعشق الأسطورة ويعيش عوالمها العجيبة ويحاول ان يتقمص شخصياتها . لا ينسى في مجموعته هذه مقدساته الدينية ورموزها .وإذا كان في بعض المقاطع تتبدى لديه مظاهر التمرد عليها ولكن ليس بسببها بل بسبب الذين يقومون بترجمتها .


                             


                                                (1)
في القطعة الاولى يكتب الشاعر ما يلي :- 
1-
لم تأت
الشاطئ فقد زرقته
اصبح باهتا يذكرني بوجهي
                                          *****************
انه استبطان للذات بهاتة الوجه قد تكون إشارة الى الهزال العام الذي كان يعاني منه والى صورته البائسة عن ذاته من جهة أخرى . 
طيور البحر رحلت بعيدا
ستجيء غدا
او بعد غدا
ستجيء اكيدا مع الشروق
لئلا يتحول شاطئنا
الى صخور بلا مياه             
                                              (ص14)
                                        ******************
الرجل مغرق في الامل والرجاء . لا بد من مجيئها . سواء اكان اليوم أو غدا . بعد مجيئها تغير لون العالم واختلفت صورته لديه . الشحوب لازم وجهه منذ طفولته .. حتى ان هذه الملازمة قادته الى النسيان .. اليوم عندما رأى الشاطئ فاقدا لزرقته تذكر وجهه الشاحب . اصبح البحر مهجورا لأنها لم تأت بعد . ولكنه موقن بأنها سوف تأت بل ولا بد من ذلك . وبدون ذلك المجيئ سوف يتحول الشاطئ الى صخور جرداء .

                                                (2)
 لكن في القطعة التالية سوف يتخذ منها موقفا صارما .. لقد دب اليأس في ذاته  ها هو يقول :- 
2-
لن انظر بعد اليوم في جبينك
عيناك غروبان
جمرتان انطفأتا البارحة
أنت فقدت المفتاح الذي يقودنا الى جزيرة الورد
                                      *******************
في خطابه هذا يجد يأسا وحزنا لديها .. في كل جزء منها . في كل عضو من اعضائها , انه كتلة جاثمة من اليأس . ثمة مستقبل وردي  ينتظر الشاعر الا ان المفتاح لهذا المستقبل مفقود .. مفقود .. مفقود !!
فقدت الصباح الذي يضئ دربنا
لن اضع شفتي على شفتيك بعد الآن
واشعر بطعم الرماد على لساني
                                                ص 43
                                        ******************
اصبحت بينهما قطيعة كبيرة . كل الوصف الذي وصفه بها هو وصف ناتج من موقفه منها . عيناها صارتا غروبان . الغروب يعنى النهاية .. نهاية النهار والحياة . حتى نفهم رمزية الغروب والتي عرضها الباحث اللبناني صاحب معجم الرموز في رمزية الفجر . يقول هذا الباحث عن هذه الرمزية ما يلي :- "
في معظم الحضارات والثقافات ، يرمز الفجر ذو الانامل الوردية الى غبطة اليقظة مع الضوء المتفجر ..  يقول بودلير في قصيدة (الشفق) : الفجر المرتعش ، بثوب وردي واخضر .
1- يرمز الفجر ، شقيق الليل ، الى الشباب الدائم ، المتجدد دائما وأبدا ، بلا كهولة ولا موت . ويجري بقدر وحسبان ، ناظرا في تعاقب الاجيال ، رامزا الى كل الاحتمالات والوعود .
2- مع الفجر ، يبدأ عالم آخر ، جديد في ما يقدم للبشر . فالفجر بشارة التجدد ، والشباب بشارة الانسان . رمز الضوء والاكتمال الموعود ، وهو الامل الكامن في كل كائن .
3- النهار وليد الليل والفجر ، والفجر بكل غناه الرمزي يدل على قوة العلي القدير ، ويبشر بانتصاره على عالم الظلمات ، عالم الاشرار .
4- في الشعر الصوفي الاسلامي ، يرمز الفجر الى كون المتصوف مؤسسا وشاهدا للأحداث الاولى يحار بين القلب والوجه .
5- الفجر والآخرة صنوان . فهو يرمز الى حياة نورانية وخفية في آن " (1) .
اذا كانت تلك المعاني التي اوردها هذا الباحث هي للفجر فإننا ببساطة يمكن عكسها للتعرف على دلالات الغروب ومن ثم يمكن استثمار تلك الدلالات في قراء قصيدة الشاعر عكولة . لقد كانت تلك العينين جمرتين قد احرقت والهبت قلب الشاعر زمنا مفتوحا ولكنه اكتشف بانطفائها البارحة على حين غرة .. وعلى اثر ذلك الانطفاء فقد كليهما اشياء مهمة . فقدت هي المفتاح الذي يقودهما .. اعني هي والشاعر الى جزيرة الورد .. كما فقدت الصباح الذي يضيء الطريق أو الدرب الذي يؤدي الى تلك الجزيرة .. من هنا كان قراره هو وليس قرارها . انه هو الذي يختار مع من يكمل مسيرته .. الشاعر لا يريد ان يكون إمعة .. بل هو الربان وهو السفّان الذي يتحدى الرياح ولا يأبه بما ترتأي او ترغب ..   







                                           (3)                 
3- لست ادري ما دهانا
ما الذي هد قوانا
ما الذي صيرنا نخشى الهوى
              واحاديث الهوى
وحكايات التلال
وابتهالات السواقي
واساطير الرمال
حلوتي
في عينيك لون الارز
قصة قلبينا اقرئيها
أو دعيني
أقرأ ما جاء فيها
                                          (ص ، 54)
                                       ***************
يتساءل الشاعر عن  سبب الفتور الذي اعترى تلك العلاقة الحميمة التي كانت بينهما . وهن السبب الذي جعل تلك الاهواء الجامحة التي كانت تتميز بالغليان في نفسيهما . ترى هو السبب ام هي التي بادرت بالجفاء . عكولة يتركنا في متاهة المجهول . والنتيجة هي الخوف من البوح والتعبير عن تلك الاهواء والانفعالات التي احرقت كليهما . يستذكر الشاعر كل تلك الجولات والسياحات التي غرقا بهما على شواطئ البحر في بيروت . يسميها اساطير الرمال . السواقي تبتهل من اجلهما والتلال تروي حكايتهما . في نهاية المقطع ثمة رجاء وتوسل وامل في مراجعة الذات حتى لا يموت حبهما . قصة حبهما خالدة لا يمكن ان تنتهي بجرة قلم او بزلة لسان انها محفورة في قلبيهما . كيف ما هو محفور في القلب ان يردم بحفنة تراب او حفنة كلمات .   
                                            ( 4 )
أتذكرين ايتها الجميلة
آثار قدميك
على التلال ؟
حيث تتعلق الشمس بأغصان الدالية
أتذكرين
القبل التي بللت شفتيك
ودروبنا
وحكايات العاشقين في حقلنا؟
أتذكرين الراعية
تلعب في الغدير بظلال شعرك
وعيني
واقدام العابرين وراء جنتنا
واطياف الملائكة
بين الاشواك؟
الصالبون
نزعوا الفيروزة من عنقك
سمروا طيفي أمام عينيك
واتلفوا اشواقنا
مزقوا رداءك والقمر
واحرقوا باقات القرنفل في نوافذنا
المتسولون
حطموا قيودنا
بلى ايتها الجميلة
سيزهر الحب والقبلات وعقود الخرز
على دروب قريتنا
في الربيع
                                      ( ص ، 55 -56)
                                 **********************
في القصيدة الرابعة سرد لرحلة الحب السرية بينهما . كانا محط انظار الاخرين . لا ادري هل ان عكوله ينتقل من رمال البحر .. اعني شاطئ البحر .. الى تلال القرية . القرية التي نشأ بها ايام طفولته ؟  . اعترافات الشاعر ، في هذا المقطع ، كانت حول حياته في القرية .. حول قريته بالذات وما كان يدور بها من احداث كان لها الاثر الكبير على شخصيته ونظرته عن ذاته وعن العالم . انه مشبع بالأمل ..  ان ذاكرته سجل لها .. سجل لكل مفردات حياتها . انه يراقبها عن كثب . عيناه لا تفارقها ابدا . انه الظل لها . بل هو هي ... لقد صارت الوجود في ذاته . بل محط انظار الآخرين .. الاخرون هم الجحيم . باسيل عكوله يغير من صورة الآخر ويعتبره متسول لا غير . انها استعارة من سارتر . لا ادري هل التقى باسيل به . زمكانيا .. ذلك أمر مرجح . لأنه عمل ، كما قلنا في الكولينج دي فرانس ، الاكاديمية الفرنسية العريقة . هذا وحده كفيل بأن يكون على مقربة من عمالقة فرنسا وفلاسفتها .اضف على ذلك انه يميل الى تبني فلسفتهم ونظرتهم للحياة . ها هو ، هنا ، يصف الآخرين بالمتسولين . اليس هذا تقاربا مع سارتر في نظرته للغير ؟؟!! . أنه يعاني ، هو وهي ، من مراقبة الغير وحسده بل هيمنته وسطوته وطاغوته . انه شعور اضطهادي إذا استخدمنا تعابير علم النفس والطب النفسي بحصر المعنى . ليس في العالم غير باسيل وهذه التي يراقبها ويتسلل الى دواخلها والآخرين . انهما في جنة ارضية تحرسها ملائكة يتوهمها باسيل . انه يصفهم بالصالبون . توظيف وتماهي مع المسيح في صليبه . غالبا ما سنجد مثل هذا التوظيف وهذا التماهي . لم يمنحوه فرصه لأن ينتهي بمطافه معها . الصالبون .. المتسولون .. الآخرون .. وقفوا حجر عثرة بينهما . سينقل باسيل كل تفاصيل عملية الصلب التي تمت وحدثت مع المسيح الى حوائه . نزع الفيروزة من عنقها . تمزيق الرداء . احراق باقات القرنفل .. كلها علامة من علامات تدخل الآخر بينهما وتدمير ما هو جميل وبراق بينهما .
المتسولون
حطموا قيودنا
                                         ****************
أنه قيد الانتماء . الانتماء قيد ، شئنا ذلك ام ابينا . الا يقولون رباط الزوجية المقدس .. القفص الزوجي مثلا ؟؟ . انه قيد وقفص ورباط . ذلك هو الانتماء الى الآخر .. المجتمع .. الدين .. المؤسسة .. طيف الآخر ذاته هو القيد بعينه ..  المتسولون جاءوا وافسدوا على باسيل حياته لأنهم حطموا قيودهما . دمروا هذه الروابط .. هذه الشراكة التي تحرسها اطياف الملائكة . الا انه ، كما قلنا مشبع بالأمل بعودة تلك القيود الى اقفالها !! .
لم يأبه باسيل بالمتسولين ابدا .. ابدا . راح مثل جلجامش يبحث عن سر الخلود . جلجامش عاد حزينا ..حاملا معه مرارة الفشل .. لم يجد غير اللاشيء . لم يجد شيئا على الاطلاق . لكن باسيل وجد ما لم يعثر عليه جلجامش . الا يستحق إذن ان يكون البطل الاول في التاريخ .. من آدم الى باسيل . آدم لم يدخل الجنة ولم ير الله كما قالها ادونيس مرة . باسيل وحده الذي وجد دواء الخلود . تعالوا معنا لكي نرى كيف وجد جلجامشنا الجديد .. هذا الدواء العجيب .









                                             (5)
هذا ما نجده في المقطع الخامس من هذه المجموعة :-   
5-
وجدت دواء للخلود
قلبي قدح بلور
ترجفه نقرة سلك على حافته
يخاف من فقدانك
اكثر من صبي يخاف الرعد في اذار
                                         *******************
هنا نجد براءة الحب والمشاعر التي يجملها ويكشفها ويعبر عنها عكوله . انه نكوص Regression  نفسي بالمعنى النفسي للمفردة الى عوالم الطفولة التي لا تعرف الا الصدق في النظرة الى العالم . يأتي الآخر ويشوه هذه النظرة فيبدأ الطفل ويتعلم ان يكذب ويختلس النظر ويخدع ذاته والاخر ووو .. ليعيش !! . 
لم اجد خاتم ارخميدس
لا. لم ا جد خاتم ساحرات الالف ليلة وليلة
انا لم اعمل في اقبية الباحثين عن الاكسير
دواء الابدية وجدته في عيون البراهمة على ضفاف الكانج
سأسقيك عصير " السوما "
اقرأي الفيدا على ضوء شمعة من عسل
                                    *********************
هنا جولة في عوالم الاسطورة والخرافة . عكوله معجب ايما اعجاب بالتراث الهندي وفلسفته ونصوصه الدينية . سوف يسقيها اجمل العصائر في العالم انه الشراب الهندي الالهي " السوما " الخالد ..
لن تذوقي النعاس الاخير
لن يجرك ملاك الموت الى هاويته
سيقف اهريمان عاجزا . يا للأبله
لن يمسك سربيوس بذيل رداءك على مدخل الجحيم
وجدت دواء للخلود
في ارض التوابل والموت والالهة الذين لا يحصون
النسر وحده يعرف النبتة التي تعطي شراب السوما
سأسقيك عصير البراهمة مع الفجر
                                    **********************
بهذا الشراب لن تنعس النعاس الاخير .. اي لن تموت .. سوف تبقى حية .. خالدة .. ترفرف روحها وتجول ما بين السماء والارض . سوف تصبح مثل الملائكة إذن .
وارقد على الارض بلا وسادة
لقد بللت شفتيك بشراب اللاموت
من ينزع الحياة من جفنيك ؟
صدرك يتلألأ  في ضياء القمر عاريا . يا للإلهة !
وقطرات الندى تزين عنقك
لقد سقيتك قدحا من السوما بعد منتصف الليل
وعاد النسر الى اودية الهملايا التي لم تر غير الغيوم
يحمل في منقاره – ياللقدر- عصير الابدية قبل ان اضعه
                                                        في فمي
                                            (60ص-61)
                                      *****************
   لقد وجد دواءا للخلود . اليس هو إذن اعظم من جلجامش الذي لم يعثر على هذا الدواء العجيب .. اعني دواء الخلود . انه حساس جدا ورقيق جدا . هكذا يصف لنا باسيل عكولة ذاته وقلبه كأنه قدح بلور . انه تعبير عن رقة مشاعره ورهافة احاسيسه . في المقطع اعجاب بالفلسفات الهندية وافكارها واسرارها . انه مقارنة بين عظمة حضارة الهند مع حضارات العالم . المحصلة ان الحضارة الهندية هي الظافرة هي المنتصرة لأنها تمتلك دواء الذي وجده باسيل وسرقه من النسر الذي يعرف وحده تلك النبتة العجيبة التي يصنع منها شراب " السوما " . " انه الشراب المسكر المقدس ، توحد فيما بعد مع إله القمر ونال حق السيادة القمرية في الاشراف على نمو المحاصيل وصحة الاجنة . وسوما الشراب المقدس عند الهنود وفي الاساطير الهندية هو سبب خلود الآلهة ويستلزم إعداده طقوسا معقدة " (2) . هنا نجد جلجامشنا الجديد ، عكولة ، يحلق في الفضاء ويتسابق مع النسر الخالد لسرقة السوما مثلما فعل بروميثيوس عندما سرق النار من الآلهة ومنحها للبشر . باسيل هو الآخر سرق السوما ولكنه لم يمتطي جناحي النسر الالهي الخالد ولم يضع حتى ولا قطرة واحدة في فمه . انه لعن القدر . القدر دائما عدو الابطال والعباقرة والعمالقة من الرجال عبر التاريخ . ابطال الاساطير الهندية اقوى من " اهريمان" انه ذلك الابله كما يصفه عكولة . هذا البطل هو " إله الشر في الديانة الزرادشتية ، كان اسم انغرامانيا أو الروح الهدامة التي أدخلت الموت الى العالم وتقود قوى الظلام ضد سبينتامانيا أو الروح المقدسة التي ساعدت الاله الحكين الخير أهورامزدا . وأهريمان مسؤول  عن كل شرور العالم والامراض والغضب والموت " (3) . إذن أهريمان هو البطل الابله في نظر عكولة . عكولة يزدري بالموت والهه . لأن الهه إله حياة وخلود . " سربيروس "  Cerbere او سربار كما يطلق عليه حرب في معجمه وهو " ولد سربار من زواج وحشين هما تيفون وأخيدنا ، وله ثلاثة رؤوس وعنق ممتلئ بالأفاعي يسمح لأرواح الموتى بالعبور ولا يسمح لهم بالرجوع من العالم السفلي أو مغادرته . خدعه بعض الأشخاص بحلوى أو بموسيقى معينة ، وتغلب عليه هرقل وحمله الى مسينا لكنه سرعان ما عاد الى عالم الموتى " (4) . اذن حتى هذا الاله اللعين غير قادر على ان يمسك بردائها . مسك الرداء هو بحد ذاته رمز الى العوز والطلب والحاجة والاعاقة والتمسك . نتذكر كيف ان زوجة فوطيفار المصري امسكت برداء يوسف ولكن من الخلف دلالة على انها هي كانت المحرضة . وتلك كانت برهان على براءة يوسف . ونتذكر ايضا تمسك المرأة التي بها نزف بطرف رداء المسيح فشفيت في الحال . اله الموتى لن يستطيع ان يلمس طرف ثوب حواء باسيل . كم هي نادرة إذن حوائه ؟


                                                (6)
الفصل السادس
هذا ما نجد تفاصيله في المقطع التالي :-
6-   
انت نادرة
اندر من غيمة صيف في الصحراء
انت اثمن من آلهة بلا رداء
                                       **************
تلك إذن هي حواء باسيل . انها نادرة بالفعل . ندرتها ليست وهما او تخيلا . هل نجد غيمة صيف في الصحراء ؟ تعبير دقيق على ندرة الاشياء بل عدمها . هل ننتظر ان نجد في  الصحراء ماء . قد يقول قائل ما . نعم نجد ذلك في الواحة . الواحة امل جميل .. رجاء عظيم للسائر في الصحراء . وكيف بصحراء بلا واحة . اليست صحراء قاحلة جرداء . تجوب فيها الثعابين والعقارب وكل ما هو وحشي من الكائنات . هل يمكن القول ، انطلاقا من عبارة باسيل نفسه . ان حياته هي شبيهة بتلك الصحراء . وجاءت هذه الغيمة الصيفية عليها فأغرقتها مياه ومياه ؟ جعلت منها واحة فيها نخيل وبرتقال وليمون وزيتون . انها اثمن من آلهة بلا رداء . هنا عودة الى الرداء مرة اخرى . الرداء هو اول شيئ صنعه الانسان عندما  ُطرد من الجنة . فخرج الى العراء فاتخذ من ورق التين رداءا ليخفي سوءته . وعندما ترتدي الالهة الرداء فهذا يعني انها تخفي شيئا ما !! . انها اثمن من تلك الالهة حتى وهي عارية !! .
                                       ******************   
الثوب هنا هو الليمون . ما اجمله من ثوب . ما ارقه . الليمون .. الحامض الجميل . نتذكر هنا عبارة شاعرنا دحبور : لا يشرب الجن الا بالليمون . لون الليمون لون يثير الرغبة . اللون البرتقالي والاحمر يرمزان  الى النار (5) .
                                         *******************

البسي ثوبك الذي بلون الليمون
وعلى كتفيك
شالا من حرير الصين
واغرزي في شعرك قصيدتي
                                     *******************
انها دعوة للتجمل . الشال الحريري الاتي من الصين طالما تغنت به بطلة نزار وهي رهينة الانتظار وهي لا تدري انها تمضي وراء الوهم . ان مقومات جمال المرأة لا تكتمل ، على ما يبدو الا بالشال الحريري . انه رمز من رموز وقارها . دعوة أخرى هي قبولها لقصائده . انه لا يكتب الا لها . لو لم تكن لما كتب حرفا واحدا مما كتبه . هي المثير وهو الاستجابة . العنصران الاساسيان في عملية التلقي كما تقول نظريتها .
                                   ********************
في المقطع التالي سوف يدعوها الى ترك العالم ونبذ نداءاته حوله . لقد قيل الكثير عنه . لقد ملأ الدنيا وشغل الناس . كثرت الثرثرات والهمسات والغمزات عليه . صارت حائرة بينه وبين الناس . ايهما تختار ؟ . من هنا دعوته هذه :-
لا تسألي رجلا عن صومعتي
ولا امرأة على الشاطئ عن رائحة قميصي
                                     ******************
نعم لا تسألي احدا . كوني انت صاحبة القرار وانت التي من يختار . لا  تسألي رجلا عن صومعتي . كل الرجال كاذبون الا انا . الصومعة  صارت سجنا مثل سجن ابي العلاء . صرت رهينا له . كيف تتوقعين ان تكون رائحة قميصي . وكيف يتوقع ان تكون رائحة سجين وقميصه وهو رهين به منذ اعوام ؟؟!! . انه ولا شك .... !! . يخيرها باسيل بين الوقوف عند باب صومعته وما بين الوقوف على حدود غابة الارز. والاشهر كما يقول صاحب معجم الرموز " هو ارز لبنان ، راية المجد والعظمة ، رمز الشرف والمنعة والخلود ، وآية ما لا يطاله الفساد والدثور . ورد ذكره في نشيد الانشاد ، لا يفنى الارز ، ومن يصنع بيته من الارز يصون نفسه من الفساد .
1- رمز الخلود ، الابدية والازلية
                               
قفي على حدود غابة الارز
ستتعب الكواكب من السهر
وينام الليل في كل مكان
                                          *****************
. يخيرها باسيل بين الوقوف عند باب صومعته وما بين الوقوف على حدود غابة الارز. والاشهر كما يقول صاحب معجم الرموز " هو ارز لبنان ، راية المجد والعظمة ، رمز الشرف والمنعة والخلود ، وآية ما لا يطاله الفساد والدثور . ورد ذكره في نشيد الانشاد ، لا يفنى الارز ، ومن يصنع بيته من الارز يصون نفسه من الفساد .
1- رمز الخلود ، الابدية والازلية ، صنع منه المصريون القدامى مراكبهم وتوابيتهم وتماثيلهم ؛ وفي عهد سليمان ، صنع من الارز محراب الهيكل في القدس . ومن خشبه صنع  اليونان والرومان تماثيل ، واتخذوا من صمغه مادة عطرية .
2- لتخليد الآلهة والاجداد ، جرى نقش صورهم في خشب الارز المقدس . صمغه العطري يعادل الذهب ، ويدل على الرفعة . احيانا ، جرى تمثيل المسيح في قلب أرزة (أرزة الرب) (6) . 
                                 ************************
باسيل عكوله اذن هو غابة الارز بكل تجلياتها ورموزها . انه الارز نفسه . يقارن باسيل بين صومعته ورائحة قميصه كما يراها المتسولون وبين غابة الارز التي تقف وراء ذلك . يا لها من مقارنة جميلة تلك التي يقوم بها باسيل . دواخله كما يراها هو نفسه وبين ما يراه الآخر منها . انه يعيش محنة الخارج . هو والخارج لا يلتقيان . يدعوها لتقترب من محرابه . الصمت والسكوت يعم الوجود كله ويملأ كل ابعاده .  هو الهيكل إذن  . يقول باسيل :-   
انزعي حذائك برفق لئلا تستيقظ الملائكة
لئلا يستيقظ الفجر على صوت قدميك
انت نادرة ، ثمينة ، رائعة ، الهية ومتلألئة
لا توقظي الساحرات على دربك
سيري على اطراف قدميك في حقول بلا شوك
لئلا تغار الالهة من عينيك
                                        ****************
إذن ارض عكوله ارض مقدسة . انها الوادي المقدس الذي لم يجرأ انسان ما ان يطئه . حتى موسى الذي تكلم مع الله . خلع حذائه ودخل . المكان كله مملوء بالملائكة . اليست مكان سكن الله ؟ . الملائكة اذن هم الحراس . الا انهم في نظر عكوله نائمين . الفجر في سبات ازلي . لو سمع طقطقات حذائها لاستفاق دهشة وخوفا وعجبا . انها صورة الهية هي التي يرسمها  لنا باسيل في هذا المقطع . دربها تحرسه الساحرات . هن ايضا نائمات . في الليل تعمل الساحرات . الا انهن تعبن وغلب عليهن النوم . اتركيهن يغطن في نومهن وسيري بدربك . الكل نائم .. حتى الله نائم !! . اذا استيقظت الالهة فستغار من عينيك . انها لباسيل فقط دون غيره . سيري على اطراف قدميك في حقول هي معدة لك .. انها حقول بلا شوك . يواصل باسيل دعوته بان لا تهاب شيئا فيقول :-
اركضي . اركضي
ليتطاير شالك مع الريح
فيصبغ البرد شفتيك بلون القرمز
سأنتظرك على باب صومعتي
بعيدا عن الابالسة
بعيدا عن الالهة والبشر
                                      *********************
انه يصور حركتها بصورة رومانسية في غاية الجمال . فتاة تغار من عيونها الالهة وتمشي في غابة الارز وعلى كتفيها شال حريري من الصين وفي دربها ملايين الساحرات . واذا كان باسيل في المقطع السابق قد ادخل الملائكة فهو هنا يدخل الابالسة ايضا . الصورة مكتملة . الهة .. ساحرات .. ملائكة .. ابالسة .. اخيرا البشر . وحده يبقى باسيل على الطرف الاخر من غابة الارز التي يمتلكها .. جالس على باب صومعته .. ينتظرها . تأتي اليه راكضة والشال يتطاير على كتفيها مع الريح . مرة باغت ادونيس صوتا سماويا يسأله عن اخباره فقال له :-
( ــــ سلام ألك رفيق يؤنسك
ـــــ نعم
أين هو ؟
ــــ" أمامي وخلفي ، عن يميني وشمالي .
ــــ ومن أين تأكل ؟
ــــ " حين أحتاج الى الطعام ، أسمع فوف رأسي صلصلة
أنظر فأرى كأسا تتدلى
وشخصا يناولني رغيفا .
ـــــ " ومن يزورك ويخدمك ؟
__ " الدنيا . تجيء الي في شكل امرأة ضيقة الخاصرة .
هل ترافقني ؟
" اذا رأيتني مرة ثانية ، لا تكلمني ")  (7) .
                                      *******************
ليست الصومعة غريبة على عكوله فهما وممارسة . فهو نشأ على سيكولوجيتها إن صح التعبير . لقد نشأ راهبا فكاهنا حتى عندما هجرهما الى الابد . فهو بهذا المعنى ابن الصومعة . حتى عندما هجرها ممارسة بقيت في ذاكرته ووعيه فكرا ولهذا كان ولعه بها كما نراها في هذه الصورة الشعرية هنا . اوردنا هذا المقطع لأدونيس لكي نتلمس التقارب النفسي والروحي بينهما . اعني بين ادونيس و عكوله . كلاهما يصلي لألهته في صومعته . ادونيس الدنيا تأتي اليه بكل جلالها لتخدمه مثل امرأة ضيقة الخصر . عكوله يعيش في صومعته على حافة غابة الارز وينتظر حواءه لتأتي اليه راكضة وشالها يتطاير على كتفيها مع الريح . الصورة لا تختلف والفكرة ذاتها في الصورتين . ما نريد ان نلح عليه هو النفَس النرجسي لديهما . كلاهما يعتبر نفسه القطب والمحور والمركز والاشياء كلها تدور في فلكه . بمعنى ان الاشياء هي التي تذهب اليه مرغمة شاءت في ذلك ام ابت . ترى لماذا هذا الاستقطاب . يقول عكولة :-   
لأشعل خدي بلهاثك
فوق ارض لم تطأها اقدام انسانة منذ البدء
واعلق سبحتي بشالك
وفي شعرك الذي طيبته الغابات وصمغ الصنوبر
اريح راسي وازرع صلاتي
وبأصابعي التي تبحث عن الخلود في طيات ثوبك
اوقظ بجنون ، الفجر والبلابل
وانشد لك نشيد القيامة
                                         (ص67-68)
                                    ******************
تلك إذن هي غايته من تلك الدعوة . انه لقاء الرغبات وعناق الحاجات . ولا احدد  ماهيتهما . نحن هنا بإزاء ظاهرة انسانية واحدة . ظاهرة الحب بأجلى صورها واشمل معناها . بهذا الحب ينفجر البركان الذي يحترق ويثور في دواخل عكوله . سوف ينتشر الفرح في كل ارجاء تلك الغابة الارزية الحزينة التي يقطنها عكوله .. الى فجر جديد .. فجر اللقاء والتلاقح  والتواصل بين الذوات . عفوا بين ذاته وبين ذات حواء على وجه الحصر . ليس في الكون الا غيرهما إذن . سوف ينشد لها نشيد القيامة الكبرى .