المنظور المغاير في (هوة في قمة الكلام) إسماعيل عبد الوهاب البرادعي قراءة في مجموعة الشاعر بهنام عطاالله


المحرر موضوع: المنظور المغاير في (هوة في قمة الكلام) إسماعيل عبد الوهاب البرادعي قراءة في مجموعة الشاعر بهنام عطاالله  (زيارة 1330 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل د. بهنام عطااالله

  • عضو مميز
  • ****
  • مشاركة: 1434
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
المنظور المغاير
في (هوة في قمة الكلام)


إسماعيل عبد الوهاب البرادعي
كاتب ومترجم
جامعة الموصل / كلية الآداب
حاليا محاضرا في جامعة جيهان / اربيل

(نشرت في جريدة الزمان الدولية الصادرة في لندن ونشرت أيضاً في كتابه الصادر في الموصل والموسوم بـ " دراسات أدبية").
ومجلة الإبداع السرياني، العدد 6، ايار 2009. ص86- 91.

هل يستطيع الإنسان اجتاز المسافات والحدود والأمكنة ؟ هل يستطيع أن يطلق أغنية الوجود الأبدية مطالباً بالعيش والسلم والحرية ؟ قد يختلف البعض حول هذا الأمر، إلا أن الشاعر يقيناً يستطيع أن يجسدها، لأنه هو الذي يسطر النور عبر كلماته رافضا الموت والضياع والتهميش ، فهو كان وما زال  وسيبقى ينشد بعقله النابض بالشعور للحرية والحياة.
الشاعر بهنام عطا الله عبر مجموعته الجديدة (هوة في قمة الكلام) والصادر في أثينا ، يجسد نظرياته ورؤيته الأدبية والحياتية ضمن هذا المسار ، ممسكاً بأدواته وصيغه ببلاغات أراد بها إيصال مشاعر إنسانية للمتلقي. فهو يتطرق إلى أمور حياتية ومعاشية تجسد الهم الإنساني والوطني بإطار يحمل آثار الترميز ، من خلال بصمته الشعرية ودلالاته الرمزية الخفية منها والمرئية.
البنية الدراماتيكية :
في نصوصه بناء درامي ما فوق الطبيعيExtraordinary  ، يتجاوز المخيلة بوصفه لأبعاد متعددة ، إذ يصف الريح بـ(المرارة)، أي الأحداث التي لا تسبب سوى الدمار، و(غبار الأسئلة) ، بالمشكلة المتراكمة من زمن ، والتي تُولد اليوم الموت والضحايا (مع التوابيت الندية / ممهورة بالدم)، قد يحكم أحدهم بأن هذه الأبيات القصيرة والكلمات المتنافرة غير المنسجمة ولدت صورة من العبث، غير أن الصحيح بأن الشاعر يبتدع هنا حواراً بمنظور أخر وقيمة زمنية ومكانية أخرى ، فيجئ بالريح مرة والتوابيت مرة أخرى مستخدما نظاماً للدمج والتركيب ، بطريقة معادلة كيميائية Chemical Equations والتي تنتج لدينا عنصراً آخر من تفاعل عناصر عديدة كان الشاعر يتعمدها، لتعطي عباراته رؤية جديدة وأبواباً للتفسير وغرقاً وتأملاً في واقع الحدث.
لذا راعى الشاعر وأدرك أن وصفه الشعري النابع مرة من أحداث التاريخ ومرة من مجالات شتى ممزوجة ببعضها قد يخلق نوعا ً من التعقيد لدى المتلقي ، بحيث تضيّع الفكرة الشعرية المتجسدة في القصيدة ، فيأخذ القارئ بذلك منحى آخر ، لذلك يحاول وبطريقة ذكية إضافة هوامش أسفل النص ليوضح فكرته بإطار التفسير والمحافظة على الصورة وعلى مكنونها الشعري المتجسد في المعني الإيحائي. 
عبق الحضارة .. عمق التاريخي
في قصيدة (نشيد سومر الثاني) يستعين الشاعر بخلفيته التاريخية المتراكمة فيقول:(عندما تنبت الغابات /برشاقة المطر والشمس / على ألواح المشاجب/ ودورات التعقل / صفوف الملائكة تبتل /بنواميس آنكي) .
ولعل عنوان القصيدة (نشيد سومر الثاني) وقصيدة (نشيد سومر الأول) هما برهانان على تمسك الشاعر بالاستعانة بالجذور التاريخية عبر المخيلة الأدبية لتضيف نمطاً آخراً لأسلوبه السردي Narrative style .مستمدا من عبق الحضارة وعمق التاريخ الرافديني.
 
الوطن .. ضوء في الخاصرة
إن القراءة التفسيرية لـ (هوة في قمة الكلام)  ومن خلال قصائد عدة يلمح فيها الشاعر  إلى وطنه ، فقصيدة (ضوء في خاصرة النهار) يقول فيها :(لك تحت السموات وطن / مذ ولدت اتخذته شعراً..) أنه يستعين بالوطن، ويلجأ للشعر الذي إتخذه وطناً له وهو المأوى الدنيوي:(ليل عراقي دافئ/ يحتمي بالموت المفخخ بين العربات). لقد كان الوطن القديم (سومر) والحديث عبر إشارته للحاضر باستعمال كلمة (المفخخ) كدلالة للحاضر ، حيث أضاف سمة وطنية أخرى لأصالة هوية روح الشاعر الوطنية عبر التمسك بالماضي ، والاعتزاز بجذوره الأصيلة.
ديناميكيا النص
لقد أدرج الشاعر في هذه المجموعة نصوصا ً ديناميكية بشكل واضح من العنوان / النبأ، مروراً عبر التعليق أو النص . فالنماذج والاقتباسات عديدة وواضحة، منها ما يبرز الديناميكية مع الخيالي الأدبي Literary Imagination ، فيقول في قصيدة (هوة في قمة الكلام) :
(هم يلقون صورهم العتيقة /على مناضد الحساب الأخير /وأنا أزيح عنهم تراتيل الحزن/أشفط عنهم بقايا الكلام /ومن ذاكرة المشاوير/أرمم شفة الظهيرة/حيث المكائد سارعت /إلى ساحات الفواجع /نادمة ...) . هنا صورة ديناميكية خيالية ملتزمة بمعايرها الوصفية المتضمنة للزمان والمكان ، والاختيار النحوي حيث نجده يتمسك بالحاضر أولا ، ثم فجأة وبحركة دينامكية سريعة يتحول إلى الماضي ، وقد قمتُ بترقيم هذا المقتبس من شعره لشرحه وإظهار المنظور المغاير زماناً ومكاناً والذي هو المحور الرئيس في الدراسة وكالآتي:
1-   هم يلقون صورهم العتيقة : بداية ، أو مقدمة لمشهد درامي ديناميكي ، بإدراج كلمة (هم) دلالة على مجموعة مجهولة بصيغة النكرة ، لتكون أكثر تعميماً وشمولاً ، (يلقون صورهم العتيقة) هنا المشهد يظهر بأن هناك مجاميع ترتدي أقنعة Masks وتلبس أقنعة أخرى ، ومن الجدير ذكره بأن الزمن والمكان كانا غائبين هنا .. وأيضا يتعمّد الشاعر تغيب الظرف عادة لغرض الشمول والتعميم .
2-   على مناضد الحساب الأخير : هنا جلب الشاعر المكان ، لكن بصورة مغايرة عن البيت السابق ، فقد أدرج هذا النص بإطار مكاني ، وسلسلة من الأحداث الصامتة ، فجذب بذلك انتباه المرسل إليه addressee ... بصورة مكانية ، ليبدأ الشاعر هنا برسم هيكل الحدث. ويربط فيه البيت السابق بالبيت اللاحق ، أي بمعنى آخر كانت هذه العبارة حلقة الوصل بين السطر الأعلى(1) والأسفل(3) .
3-   وأنا أزيح عنهم تراتيل الحزن :  هذا البيت هو مد لسلسلة البيت (2) فقد كان بمثابة نتيجة للبيت الشعري (1) ، لان البيت الشعري (2) هو بمثابة إشارة مكانية لتوصيل (1) بـ (3) ، أما الذي يحتوي على حركة واضحة بصيغة الفعل المضارع بكلمة (أزيح) مع توكيد واضح بالبدل وبعبارة (أنا) المكررة ضمنيا في الفعل (أزيح + فاعل مستتر أنا) ... فقد أظهر هنا لنا شخصية حوارية في الإطار الشعري المتحرك .
4-   أشفط عنهم بقايا الكلام:  لم يكتف الشاعر بالحركة السابقة في البيت رقم (3) لانشغاله بإظهار الفاعل والتأكيد عليه ، فهنا في هذا البيت يتمم الشاعر حركته الشعرية أيضاً بزمنٍ مضارع بكلمة (أشفط) وهي فعل متحرك Dynamic verb .. وأيضا هنا ظرف أدرجه الشاعر بصيغة الجار والمجرور (عن + هم) لتكتمل الصورة المسرحية ، وهذا البيت (4) جملة خبرية تامة المعنى والتراكيب ، فقد رسم الشاعر لوحته الشعرية فيها التي بدأت من (1) وانتهت في (4) .
5-   ومن ذاكرة المشاوير : يقوم الشاعر هنا برسم المشهد الثاني ، فعبر هذا البيت تبدأ حياكة جديدة للأحداث ، أو نقطة انطلاق أخرى . والملاحظ هنا أنه أختار هذه المرة التركيبية الزمنية الماضية (الفعل الماضي) .
6-   أرمم شفة الظهيرة : هنا بدأت الحركة الأولى في هذا المشهد ، بصيغة الفعل المضارع المرتبط بصيغة الماضي المسبوقة في البيت (5) والفعل (أرمم) نحويا هو فعل مضارع ، لكن دلاليا  ، هو فعل مضارع ذو إشارة ماضية.
7-    حيث المكائد سارعت : هنا إشارة لظرف الزمان باستعمال (حيث) + الفعل الماضي (سارع + ت التأنيث الساكنة ) ، فهذا البيت يظهر صواب تفسير البيت رقم (6) والتأكيد على أن الفعل (أرمم) في البيت أعلاه ، كان فعلاً مضارعاً واقعاً في زمنٍ ماضٍ .. فهذا البيت جزء من البيت رقم (6) .
8-   إلى ساحات الفواجع : هنا يسحب الشاعر القارئ نحو مكان آخر ، بإدخال ظرف مكاني (ساحات الفواجع) . يشكل هذا البيت طفرة حركية باستعمال حرف الجر (إلى) ... فقد كان حر الجر هذا حلقة وصل فجائية ستقوم بربطه بالبيت رقم (9) .
9-    نادمة: وأخيراً ختم الشاعر هنا صورته هذه بأدراج صفة (نادمة) ، والتي تعد كخاتمة مبسطة جداً.
إن الشاعر بهنام عطاالله في مجموعته الأخيرة هذه ، أظهر شخصيته الشعرية وأدواته التركيبية في الأطر التي أختارها لتوصله وتوصل قاربه الشعري إلى مرساة ذوق القارئ ، مستخدماً صيغاً جديدة محكمة ، يظهر من خلالها بصمته الخاصة في حيزٍ معمول به  مبتعدا عن الشذوذ اللامنطقي بسرد الكلمات والعبث الصوري  ... واضعاً نصب أعينه ما كتبه في غلاف المجموعة (فالكلمةُ أن ُتكتبَ لا ُتكتبُ من أجلِ الترفيهِ) .

إشارات :

1-   بهنام عطا الله ، هوة في قمة الكلام ، نصوص ، اليونان ، 2008 م .
2-   يوئيل عزيز ، النحو المقارن ، جامعة الموصل ، مطبعة جامعة الموصل ، 1983 م .