الدكتور صباح تحية
انا كنت قد قرات مواضيعك وقراتها الان مرة اخرى وفي وقتها لم اكتب مداخلة لانني لم املك اعتراض عليها فهي بالفعل مجهود وبحث ممتاز. ولكن اذا كنت ترغب بان تقراء راي فانا استطيع ان اقوله لك. انت تعرف بانني دائما اقول لا تستمعوا للمنظرين او المثقفين وليبحث كل شخص بنفسه ليقتنع بالحقائق التي تتوضح امامه بنفسه. هذا الشئ بالذات افعله انا مع العلم لانني لا اصدق كل شئ تبيعه ما تسمى بالمؤوسسة العلمية. وضمن بحثي الفردي في شكوكي بالمؤوسسة العلمية قرات ايضا عن المعجزات, لانني انطلقت من فرضية بانه لا يمكن ان يكون مئات من الشهود بينهم اطباء وصحفين واخرين كلهم كذابين ولهذا بحثت. ونتيجة بحثي ربما ستذهلك:
من يرفض المعجزات او ما سميتها ايضا "ما هو غير طبيعي" او ما سميتها ايضا "لا تفسير علمي لها" هي ليست المؤوسسة العلمية فقط وانما ترفضها الكنائس قبل المؤوسسة العلمية وفي مقدمتها الكنيسة الكاثوليكية وانا ساشرح لماذا.ولكي اوضح اولا كيف بحثت وكيف اقوم بالتبريرات وادافع عن افكار معينة فهناك عدة طرق لاوضحها ولكني ساختار حوار دار بيني وبين دكتور في الكيمياء في شركتنا ودكتور اخر في هندسة الميكانيك, لان طرح هكذا حوار سيكون اسهل للقارئ بان يفهمه.
ما قلته في الحوار كان بان هناك اشخاص يبقون لعدة اشهر وربما لسنوات بدون طعام ومع هذا لا يموتون وهناك بالفعل شهود بينهم يتكونون من عشرات من الاطباء والممرضات وصحفين ومراقبة كاميرات في المستشفى بالاضافة الى الاهل والاقارب واشخاص اخرين. بحيث ان عددهم يصل الى المئات , فهل هؤلاء كلهم كذابين؟ احد الدكاترة قال لي "هل تريد القول بان هناك خالق يقوم بتزويدهم بشكل مخفي بالطعام؟" فقلت له في البداية كلا ليس الخالق وانما هي مؤامرة كبيرة يقف خلفها المخابرات الامريكية واليهود... عندها انجبروا على الدخول في الموضوع بجدية وسالوني ماذا تعتبرها؟... فقلت لهم (مستعملا اسلوب يجرهم للاستمرار بالنقاش) انا لن اعتبرها بانها تدخل من الخالق ولن اعتبرها حالة غير طبيعية وانما ساعتبرها حالة طبيعية ولكن نحن لم نصل بعد الى تفسير لها, وبحاجة الى ان ندخلها في العلم ونتبناها في العلم لغرض البحث فيها...فقالوا وكأنهم متاكدين بانني لن امتلك جواب كيف ستبحث, عن ماذا ستبحث , كيف سيكون شكل الفرضيات؟...فقلت حسنا, مثال: لو اننا اطلقنا صاروخ وحسبنا كل القوى المعروفة لنا فنحن سنستطيع ان نعرف اية مسافة سيقطعها الصاروخ خلال فترة زمنية معينة.ولكن لنفترض بان الصاروخ اللذي اطلقناه في الكون تاخر ب 200 كيلومتر عن المسافة التي كان يجب ان يكون فيها حسب حساباتنا, فماذا ستقولون؟ الن تقولوا بانه لا بد ان يكون هناك قوة اخرى اثرت عليه غيرت من حالته الحركية وهي غير معروفة لنا والتي علينا حسابها وبان نضيفها الى الحسابات؟ بالطبع لن يكون لديكم مانع من ان تسموا هذه القوة باي اسم جديد خيالي مثل "الشاجوجية". اذن بما ان وضع هكذا افترضات مسموح بها بالعلم والعلم قائم عليها, اذن انا سافترض بان الشخص اللذي بقي لعدة اشهر بدون طعام يمتلك مثلا معدات في خلاياه قادرة على تحويل اشعة الشمس الى طاقة تقوم بتغذيته بحيث لا يموت. هذا المعدات انا ساعطيها اي اسم مثلما يفعل العلماء, ما هي المشكلة؟ ... في النهاية لم يمتلكوا اي شئ للتبرير, لكنهم اصروا على رفضها بدون ان يمتلكوا اية حجة واعتبروها كلها كذب وهراء..
ما هي المشكلة؟ لماذا ترفض؟ - لنفترض بان المؤوسسة العلمية تحققت منها ولنفترض بانها وجدت بانها ليست كذب, فهل ستعترف بها؟ الجواب بكل تاكيد كلا. لماذا؟ لان تبني هكذا ظواهر سيدخل العلم كله كالكيمياء والبايولوجيا في موضع شك وستنهار كل ما تعتبره المؤوسسة العلمية بانها حقائق علمية. وليس هذا فقط سينهار الفيزياء كله ايضا, لان بقاء شخص على قيد الحياة بدون تغذية سيعني Perpetual motion في الفيزياء تسمى بالحركة الابدية او الالة الابدية. والمؤوسسة العلمية تعتبر القبول بها بانه نوع من انواع الكفر.
اعود الى سؤالي لماذا ترفضها الكنيسة ايضا وليس فقط المؤوسسة العلمية. اكثر البابوات رفضا لها واكثرهم تاييدا للمؤوسسة العلمية هو البابا السابق بندكت , فهو جاء من دولة تعتبر دولة العلماء والفلاسفة والمفكرين وهي المانيا. وكان بنفسه فيلسوف . تستطيع ان تقراء في كتبه كيف يدافع عن موضوعية العلم. وهو من ناحية الفلسفة العلمية من اتباع كارل بوبر المدافع عن موضوعية العلم.
مثلما هناك في الاديان كالمسيحية عدة مذاهب مثل قولنا هذا كاثوليكي والاخر بروتستنتاتي الخ غيرهم, فان العلم ايضا ينقسم الى عدة مذاهب اذكر البعض منها:
realist relativist empiricist positivist rationalists anarchist apriorists pragmatists
اذا قرات عن اي فيلسوف في العلم ستجد حتما بانه منتقد لمذاهب معينة مثل
positivism, realism وبانه يتبنى بدلا منها مثلا relativism
فكما ترى العلم ليس مؤوسة واحدة يتبع خط واحد ومنهج واحد وفلسفة واحدة وانما منقسم الى عدة مذاهب فلسفية ومنقسم الى عدة اختصاصات لكل منها قواعدها, وبين كل هؤلاء هناك صراع وجدل لا ينتهي, بمعنى ان القول بان هناك مؤوسسة علمية موضوعية هو امر مشكوك به للغاية.
في هذا الشأن طلب اتباع عدة مذاهب من البابا بان يؤيد مذاهب معينة وذلك لكسر الموضوعية التي تتمسك بها المؤوسسة العلمية وبرروا له ذلك بان ذلك سيفتح المجال ايضا للقبول بالمعجزات, وهم قالوا ذلك خاصة لكي يتم فتح المجال للقبول بفرضيات الاخرين التي يتم رفضها من قبل المؤوسسة العلمية .
وهنا ترى كم ان الموضوع معقد. فقبول الكنيسة بهذه المعجزات او الحالات الغير الطبيعية سيعني باننا علينا ان نشك في كل الحقائق العلمية فستصبح نسبية بمعنى غير موضوعية. وعندما يتم الشك في الموضوعية لمرة واحدة وخاصة في الحقائق العلمية فسيتم الشك في موضوعية كل شئ, منها الشك حتى في موضوعية الدين, اي ان الكنيسة ستقول في هذه الحالة بان حتى حقيقة وجود الخالق ليست موضوعية.
واعيد لو قرات كتب البابا بندكت ستجد اعادته واصراره لجمل مثل "على العلم ان يستمر في البحث عن الحقائق وهو قادر على اكتشافها" فهو مصر على المحافظة على موضوعية العلم وموضوعية المؤوسسة العلمية, لانه يريد المحافظة على الموضوعية نفسها, اي ان المحافظة على الموضوعية نفسها تعني له المحافظة على موضوعية الدين.
ومن هنا اقول لك شيئا على الجانب: من يقول بان المسيحية هي تحت رحمة العلم هو مخطئ جدا, لان العكس هو الصحيح, فكل موضوعية العلم (كما وضحت اعلاه) هي تحت رحمة الكنيسة, فهي قادرة في اي وقت بان تقضي عليها, خاصة وان علماء الاجتماع اثبتوا تاريخيا وباستمرار مدى تاثير الثقافة والاعتقادات وايمان الشعوب على العلم.
من جانب اخر وبالرغم من شرحي اعلاه وشكي التوضيحي بعدم وجود موضوعية في العلم فان رفض الموضوعية هي ليست بالامر السهل, فانت لا تستطيع ان تدرس الطلاب وتقول لهم بان الحقائق العلمية ليست موضوعية بمعنى انها قد لا تكون حقائق وانما كذب او شئ زائف. سيقول احدهم كيف اذن يتم الانتقال من حقائق الى حقائق اخرى تاريخيا او كيف يتم اذن الانتقال من منظور علمي الى منظور اخر؟ الجواب هو هذا يحدث فقط عندما تحدث ما سماها الفليسوف توماس كون بالثورة العلمية , وهي ثورة تحدث عندما يحدث عجز مطلق في الاجابة عن اسئلة جوهرية بحيث ان النظريات القائمة تصبح عاجزة فيكون هناك حاجة للقبول بنظريات اخرى.
موضوع المعجزات والحالات الغير الطبيعية معقد جدا. هذا اطرحه من خلال متابعتي لها.
الان اعود الى موضوعنا واعتذر على الاطالة وهي ليست خروج عن اي شئ طالما انت وضعت روابط لغرض التوضيح, فانا اردت فقط ان اوضح
بان الكنيسة ايضا تشارك بشكل فعال في رفض المعجزات وقدمت توضيح لماذا ترفضها.
ولكن كل هذا لا يعني بان المعجزات ليست موجودة فشرحك في مواضيعك كما قلت لك لا اعتراض عليه فانا مؤمن بوجود معجزات واستطيع ان ادافع عنها حتى علميا .
هنالك أربع مراحل للتطويب أو القداسة , المرحلة الأولى تبدأ من الأبرشية المحلية والتي تشكل لجنة لإعداد ملف للمرشح , ويرفع بعد ذلك إلى الفاتيكان لدراسته وعند القناعة يعلن الشهيد " مباركاً " ’ , وبعد ثبوت حصول معجزة بشفاعته يطوب قديساً ... أي زمام المبادرة مع الكنيسة الكلدانية , ومن الإجحاف أن نلقي اللوم على الفاتيكان .
موضوع الشهداء والتضحيات من اجل الايمان هي مختلفة
والمشكلة هي ان لا احد يقول لنا ماذا فعلوا ؟ هل قدموا طلب؟ اين وصل الموضوع؟ انا لا ارى سوى اهمال في القضية. هل انت تملك معلومات معينة؟
انا سابقا لم اكن مهتم باي شئ كنسي وقلت مرار بان الشهيد المطران اثر علي كثيرا وهناك من لا يريد ان يصدق ذلك. انا لا اريد ان اتحدى احد طالما هناك طرق اخر مثل اخذ قرار فردي. فاذا لم تحدث هذه المرة نشاطات ضخمة في كل الكنائس في الداخل والخارج لتذكير الجميع بالشهيد القديس المطران مار بولس فرج رحو فانني مثلما هناك اسقافة كالاب سعد سيروب دخل في سبات فانا كشخص عادي ساترك الكنيسة الكلدانية.
انا قرات عدة كتب في التاريخ ولم اجد او اصادف تضيحة تماثل التضحية التي قدمها الشهيد المطران. واذا كان هناك استمرار في الاهمال بتذكيره بشكل مناسب للتضحية الضخمة التي قدمها فهذه تعد جريمة من قبل كل ابناء شعبنا.
واعيد ما قلته في مداخلتي الاولى:
ليس هناك اية امكانية لاي شعب بان يمتلك ترابط وتعاضد وتضامن في الوقت اللذي لا يستذكر شهداءه وضحاياه ولا يطالب احد بتحقيق حقوقهم.
الشعب اللذي يتعرض للاضطهاد ولا يستذكر ضحاياه وشهدائه ولا يطالب بحقوقهم هو عبارة عن شعب يستحق الاضطهاد.تحياتي