قراءات نقدية الرواية من الداخل في آخر أعمال برهان الخطيب


المحرر موضوع: قراءات نقدية الرواية من الداخل في آخر أعمال برهان الخطيب  (زيارة 1727 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل أدب

  • عضو فعال جدا
  • ***
  • مشاركة: 293
    • مشاهدة الملف الشخصي
قراءات نقدية
الرواية من الداخل في آخر أعمال برهان الخطيب


د. صالح الرزوق



saleh alrazukفي رواية برهان للخطيب الأخيرة (الحكاية من الداخل) صراع بين العلن والأسرار. بين أن تكون مراقبا ومفضوحا وان تكون متكتما على أسرارك وتفاصيل حياتك. وبين هاتين النقطتين ينشأ صراع، يقود المؤلف الذي يشعر باليد الخفية التي تطارده وتستبيح أسراره، إلى إعادة ترتيب مواقفه من الماضي في كل المجالات: سياسة وغرام. وصداقة وعداوات. وهذا يتسحب في نفس الوقت على أفكاره حيال أدبه والادب بشكل عام.
 
واقعية ومحاكاة أم رمزية وفن مضاد
لذلك إن هذه الرواية تقترب من الإشكالات التي تتلازم بالعادة مع بداية أي مشروع فني ليس له سوابق. وتحاول جهدها أن تكشف عن البيان الروائي والذي يتشابه مع بيانات جماعة كركوك أو حتى مع بيان الواقعية بصيغتها الأولى كما أسست له جماعة (درب إلى القمة) في سوريا عام ١٩٥٥.
و لا أريد أن أقول هنا إن برهان الخطيب ينسخ ممن سبقه أو يحاكي مغامرات أدبية أكل الدهر عليها وشرب. إنما يبدأ من نقطة القطيعة مع الماضي. وبالإنطلاق من سياسة تصفير المشاكل، مع تعديل بسيط، بحيث تصبح تصفير الماضي.
وهي نفسها السياسة المعروفة التي يسميها فوكو القطيعة المعرفية. ويقول عنها عالم الفيزياء التطبيقية هيرل: تحويل البنية.
إن الروائي في هذا العمل يسير في أرض مزروعة بالألغام. ولكنه يعرف كيف يتخطاها ليقدم في النهاية صياغة واضحة لأفكار بمنتهى الغموض. وهذا هو سر الدفء والجاذبية الخفيفة التي تربط جزئيات الذاكرة مع الوجود. والحياة التي نعيشها مع النص. وفن الرواية مع فن أدب السير والتراجم.
وهو بهذا الخصوص ينقلب على كل ماضيه، بمعنى يطوره، من (الجنائن المغلقة) وما قبلها، ويوسع ما بدأه بروايته الهامة (على تخوم الألفين).
ففي هذه الرواية يعلو صوت موسيقا اللغة وإيقاع التراكيب وجرس المفردات، ويحاول أن يقدم تجربة تذكرك بفن المقامات بكل أبعادها. ولا أستطيع أن أقول إنها تذكرك بجدار الصوت الذي يتبناه شعر الكلاسيكية الجديدة.
فالإيقاع في الشعر الكلاسيكي وشعر عصر النهضة السابق على حركة التحديث تفرضه رؤية مركبة ومتوازنة تعلو على الواقع النفسي. بمعنى أنها لا تعترف إلا بصورة الشاعر. وبما تتركه على السطوح العاكسة من انطباعات. بينما في هذه الرواية وما قبلها اهتمام مزدوج يؤاخي بين الصور والانفعالات.
زد على ذلك التعويل على القيم المثالية والرومنسية التي لا تخلو منها منطقتنا وفكرنا الشرقي. كتثمين مظاهر الرجولة المبكرة عند الصغار. والعنتريات في المواقف والتي تصل لدرجة التهور والحماقة، والبطولة التي تورد صاحبها موارد التهلكة.
وهنا أشير لعبارات شائعة نتداولها في الشارع ولها علاقة بجذور الدافع النفسي لثقافة التخلف. أو سلوك التعويض . فالنقص في الحضارة والثقافة نعوض عنه بلغة العضلات والغرائز. والعبارات التالية تدل على ذلك:
أناقة الصبي المشورب ص 16.
الصبي أبو شوارب المخشوشن الصوت. ص 18.
لا زلت نونو ص 22.
أو قوله في مجال التفاخر:
معلم إنكليزي معيّن بإرادة سامية من جلالة الملك ص 45.
وهكذا ينتظم إيقاع الأفكار المصمتة مع إيقاع تكرار الحروف.
إن الجرس الذي يتبناه برهان الخطيب في هذه الرواية وما قبلها يخلق إيقاعا رتيبا قد يضع ذهن القارئ تحت نوع من الإيحاءات والتوجيه بمشيئة الكاتب.
لكنه لا يدل على أي نوع من أنواع الإقحام أو الوصفات الجاهزة. إنه مجرد ترادف وتوازن. تابع ومتبوع. مادامت الحياة تسير الهوينى فاللغة تتحرك على أشواط.
وإذا كانت في الرواية العربية نماذج من هذا النوع ومنها كتابات جمال الغيطاني، فإن البنية والمرجعيات تبدو لي مختلفة تماما، فالمدونة التي طورها الغيطاني بالإنطلاق من تقاليد الكتابة المملوكية هي غير الإيقاع الذي يعكس عند الخطيب صوت تهشيم المرايا والسطوح العاكسة (وهو ما تجده بشكل سافر وبلا وسيط في فصل: المرآة حين تنكسر - ص١٢).
فعالم الغيطاني ينمو عن طريق توسيع الأحداث بغاية الإحاطة. بينما لدى الخطيب إنه يتهشم ويتساقط ليغطي القاع النفسي للحكاية. بحيث ترى الحبكة متداخلة. البداية تأتي بعد النهاية النهاية. ونقطة التنوير في مكان التمهيد. وهكذا...
إن روايات برهان الخطيب الأخيرة كلها تحمل بصمات الرواية الجديدة والتي لا تلتزم بقانون المتخيل. وتفرض عليه فوق ذلك الأبعاد النفسية للأشياء.
حتى أنك تحتار هل أنت حيال رواية أحداث أم رواية شخصيات.
وإن مثل هذا الدمج غير القانوني بين العناصر الأولية وأساسيات الخيال الفني تتبعه شخصيات تعاني من الارتباك في إدراك هويتها. بمعنى أنها تكون بنت اللحظة. ولا تعرف لمن تنتمي، وهل هي حاملة لهوية مركبة أم أنها تورطت في الفقدان والتغريب.
وطبعا هذا الخلل لا يعود على الرواية وإنما على الواقع وعلى الشخصيات المتخيلة، فقد كانت حاملة لعجز إدراك الواقع. واقعها. شأنها في ذلك شأن كل شريحة المثقفين في تلك الفترة من تاريخنا الحديث.
وليس في ذلك عيب أو حرام. حتى دوبوفوار رسمت صورة كئيبة وشديدة الإرتباك لهذه الشريحة في روايتها (المثقفون) الحائزة على الغونكور.
وكل من قرأ (الحكاية من الداخل) والتي سبقتها (غراميات بائع متجول) يلاحظ الظاهرة الشيزوفرانية للواقع وكيف عبر بطل الحكاية عن مخاوفه من نفسه، وإنكاره لنقطة تمفصله مع هذا الواقع.
كأنه مجرد رجع صدى. كأنه خيال مختلف مع الشخصية الأصلية. ومن هذه النقطة غالبا ينشأ حوار مسموع بين البطل وشخصية متخيلة ليس لها وجود مادي ولكن يفرضها الواقع المجزأ.
وهذا يعزز أول قانون من قوانين الواقع : أن ليس كل ما نفكر به يمكن قوله. ص 24 .
والراوي الذي يختفي وراء الشخصية الحقيقية لبرهان الخطيب نفسه يؤكد ذلك بمداخلاته الظريفة . مثل قوله:
مهلا بطلي المنتظر, لا تهمس واء سور النص (ص 38).
أو قوله بكل سفور: مهلا مهلا . ستوب. أيها الكاتب الكبير. . ماذا تسرد.. عيب عليك!. (ص 27).
كما لو أننا أمام بلانش دوبو في الفصل الأخير من مسرحية (عربة اسمها الرغبة) لتينيسي وليامز. حين يصيها خلل توازن نفسي ولا تريد الاعتراف بسقوط وانهيار طبقتها.
***
إذا كنا لا نجد مبررا فعليا لهذا السلوك في الكتابة غير التفرد أو الانصياع لرتابة الواقع. لأننا محكومون في كل جوانب حياتنا بايقاع جاهز لا محيد عنه، كما يقول برهان الخطيب في إحدى المقابلات معه، لا أجد أيضا السبب وراء اهتمامه بالماضي لبناء الشخصيات.
في هذه الرواية الدافئة ينبعث الماضي الوطني لصراع الأحزاب على السلطة في العراق ومشكلة التحول الدامي من الملكية إلى الجمهورية. وخلال ذلك تعرّج الرواية على محطات تغطي حياة كاتبها. من لحظة الولادة وحتى أمسية أدبية يشترك بها في غوتنبرغ ويلتئم فيها الشمل بين أصدقاء الأمس المنكوب.. الروائي وصديقه رافد وثالث لا نعرف اسمه. وعلى الأرجح أنه سوري ولقبه نمير.
وإن شئت الحقيقة إن عجلة الأحداث تدور للخلف، من نهاية الأمسية الأدبية ثم نحو أيام الطفولة وما تبعها.
لقد اختار برهان الخطيب في (الجنائن المغلقة) أن يعود لتفاصيل حياته نفسها.. أسباب الخروج، أو الاغتراب عن الوطن. ثم أسباب التنقل بين الشرق والغرب. والبحث عن هوية.
وتوجد أصداء لنفس الموضوع في روايته (غراميات باىع متجول).
فهل كان يخالجه الشعور أنه توجد فراغات في قراءته للماضي بشكل عام أم ينتابه الإحساس بفراغ الحاضر وضرورة استعادة الحكمة والمغزى الموجودة في الماضي بشكل خاص.
إن مثل هذه الرؤية ولا شك هي موضع جدل دائم. فالارتهان للماضي مشكلة بكل المقاييس ولا سيما إذا كنت ترى أنه مدعاة للتبجيل والاحترام.
إن مجمل روايات برهان الخطيب الأخيرة تتبنى مقولة: هذا الأسد من ذاك الشبل. بعكس سياسة تقديم السلف على الخلف فتقول: إن هذا الشبل من ذاك الأسد.
فهو لا يربط الابن بأبيه. ولكن يضع شخصيته الراهنة فوق يفاعته وبداياته.
بمعنى أنه يرسم قوسا يربط شيخوخته في المنفى بطفولته في مسقط رأسه. وبتعبير آخر: إنه يرسم أثر اختلاف المكان على الشخصيات. وليس تأثير النضوج بمرور الزمن.
وأجد أن هذه الرؤية الغريبة لفن السيرة تختلف عن كل ما عداها، ولنأخذ كمثال ثنائية جبرا (البئر الأولى) و(شارع الأميرات).
إن جبرا يستعيد صورته بواسطة تثبيت مشاهد من الماضي. ليبني في النتيجة تاريخ معاناة نموذج للمثقف العربي الذي اضطر للنزوح. وخلال ذلك يضعنا بصورة الأحداث الجسيمة التي قامت على مبدأ صناعة الفراغ ثم صناعة البدائل وما لحق ذلك من تحولات غيّرت من قناعاتنا.
أما برهان الخطيب ولا سيما في ثلاثيته: على تخوم الألفين، غراميات بائع متجول، والحكاية من الداخل فإنه يتكلم عن مبدأ تداول الأمكنة. إنه ينتقل بين خطوط العزل بحركة تيار متناوب. مثلما تقتضي كل أساليب تيار الشعور. دون أن يلحق ذلك تبدل في المعاني الحاكمة للذهن.
وهذا هو نفس القانون المتبع في الصيغة الأولى لـ (شقة في شارع أبو نواس). فهو يتابع حكاية ثلاث حجرات يقطنها ثلاثة طلاب. لكل منهم وضعية وجودية ضمن سياق الشرط البشري. وبتناوب فضاء كل شخص (حياته النفسية ومجاله الحيوي ضمن غرفته) يرتسم في الذهن فضاء الشقة ككل ومعاناتها الرموزية.
بتعبير آخر إنه لا يلقي الضوء على مراحل ولا أحقاب ولكن على تطور الحالة النفسية لمعاناة أبطاله بمطلق المعنى.
وإن مثل هذه المواقف الفنية التي تتجرأ على العقل وطرائق التفكير وعلى أسلوب تجريد الصور المحسوسة قبل أن تتحول لأفكار ومشاعر تؤكد أن حساسية برهان الخطيب تعكس شتى المواقف والنزعات. وتستجيب لضغط اللوبي وتتحداه أيضا.
ولا يمكن تفسير سبب إعادة كتابة بعض رواياته إلا بضوء الإحساس بقيمة هذا اللوبي الذي يسميه بـ "الكود الجديد لفهم الواقع كما هو عليه لا كما يريد المؤلف أو أحد شخصياته" مثلما ورد في رسالة شخصية ( بتاريخ 12-1-2015) .
ومثلما أصبح لكل بطل في رواياته الجديدة قرين أو خيال وتوأم يجادله، أصبح لكل عمل سابق توأم بصيغة معدلة، فـ "شقة في شارع أبو نواس" أعاد كتابتها بعنوان (ليالي الأنس في شارع أبي نؤاس) و(الشارع الجديد) ظهرت بصيغة متحولة تحت عنوان (أخبار آخر العشاق). وقصصه المتفرقة أعاد كتابتها بصيغة معدلة تحت بند قصص رواية وبعنوان هو (أخبار آخر الهجرات).
وهذا وحده يبين لماذا اعتمد على تكنيك الفلاش باك وعلى أسلوب تحليل الطباع وبناء الشخصية من الداخل. ومن هنا يستمد عنوان آخر رواياته.