من اغاني غجري لا يجيد الرقص : رؤية نفسية لمجموعة الاب باسيل عكولة البرطلي - القسم الثاني


المحرر موضوع: من اغاني غجري لا يجيد الرقص : رؤية نفسية لمجموعة الاب باسيل عكولة البرطلي - القسم الثاني  (زيارة 1418 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل شوقي يوسف

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 16
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
    • البريد الالكتروني
                         (7)
الفصل السابع
 في النص السابع يتابع شاعرنا عكوله همومه مع حوائه الرمز او الحقيقة . الامر في الحالتين سواء . ففي المقطع الاول يدعوها الى الهجرة .. وعلى وجه التحديد هجرته هو من كل ما يربطه بالأرض التي انجبته . يقول الشاعر:-
7-
لنهجر بيتنا
حفاة
نبحث وراء بستاننا
وراء الاشجار التي ترقص عارية في النهار
وراء انفسنا
عن ارض الله التي تثقل عناقيد المرارة كرومها
                                        ******************
كيف يترك عكوله بيته ؟ يتركه حافي القدمين . في هذه الوضعية او هذه السلوكية رمز الى كراهية تشتعل في ذاته . لا اريد ان اعلق على سيكولوجية الهجرة او المهاجر . ان دواعي الهجرة كثيرة ومتنوعة ومختلفة . لا شأن لنا بها هنا . لكن اهم نقطة ، في تقديرنا في علاقة المهاجر بوطنه هي ان ارضه رفضته وهمشته وطردته واقصته . انها لا تقبله بعد كائنا انسانيا . من هنا نشوء مفهوم ارض الله . العالم ليس حكرا على جماعة او مجتمع او دولة او حضارة ما . الارض هي لخالقها .. لواجدها . من هنا انتماء وعلاقة المهاجر بالكون وليس ببقعة منه . انه سوف ينظر الى الكون نظرة عالمية . بمعنى ان له الحق في العيش في اي مكان فيه مثلما يعيش اي كائن في ارض ما . هنا تخطي واختراق لكل الحواجز والموانع والحدود . الارض التي تقبلني ستكون ارضي كتحصيل حاصل . هذا هو السبب المهم ، في تقديرنا ، لسر الهجرة . فما بالك بالعباقرة والمبدعين واصحاب العقول والرسالات والخطابات المغايرة والمختلفة لمجتمعاتها ولوعيها الجمعي . انهم اولى من غيرهم بالهجرة . وسوف نستلهم نصا من مزامير داوود للتدليل على مصداقية هذه الوجهة من النظر . يقول صاحب الزبور او المزامير في احد مزاميره :-
" ان ابي وامي قد تركاني والرب يضمني "
                                         ****************
ما عاد صاحب هذا النص يشعر بالانتماء الى احد . الابوان هما الاقرب للذات من الغير . هما علة وجود الذات . فإذا شعرت هذه الذات بانها مرفوضة من الابوين فان مثل هذا الشعور يعد اعلى درجات الاغتراب .  الاقارب بمختلف درجات القرابة لا يمكنهم ان يمنحوا تلك الدرجة من الامان النفسي للذات . انها إذن ... اعني تلك الذات . لقيطة !! . وما ادراك بتعاسة اللقطاء !! . اللقيط هو الاب الروحي للسايكوباثي او الشخص المعادي للمجتمع . انه لم يعد يأبه لأحد . الانا الاعلى لديه غائب بالمرة . ولو قدر الامر لهذا اللقيط ان يكون نجما في المجتمع فما هو اتجاهه نحو ذلك المجتمع ؟ من المؤكد انه اتجاه عدواني خالص . لا اريد ان اتهم الرجال الذين كان لهم دور في تدمير العالم او تشويه صورته نحو عوالم الشر بانهم لقطاء . لكن من المؤكد ان هناك خللا كبير في اناهم الاعلى نحو هذا العالم . صاحب المزامير يضعنا في صلب هذه المشكلة . انه متروك من كل رموزه ومرجعياته . يذكرنا هذا الامر بقصة  شاعرنا الكبير سعدي يوسف الذي اعلن مرة ، حسب علمي ، انه رفض جنسيته العراقية !!. انه يحمل جواز سفره وينتقل من عاصمة الى اخرى . اي عاصمة تقبله تصبح تلك العاصمة بمثابة عاصمته الجميلة بغداد . هذه هي ارض الله الواسعة وفق هذا المنظور السايكولوجي . عكوله يهجر بيته حافيا او عاريا على وجه الدقة . ما دلالة ذلك سايكولوجيا ؟. انها رمز الانسلاخ المطلق والرفض المضاد . الارض التي ترفضني .. ينبغي لي انا ان ارفضها ايضا . ولا اعتقد ان صاحب القول المأثور كان يعيش خلاف هذا التصور :-
بلادي وإن جارت علي عزيزة !!
                                      ********************   
انها مرارة النبذ والاقصاء والتهميش . انها حنين الى الوطن . وتلك مشكلة اخرى تظهر امام حياة المهاجر المرغم على الهجرة . صراع مرير يعتمل في الذات المهاجرة . لا يمكن ، البتة ، الخلاص من طوق الانتماء وقيوده واسواره . الانتماء هو الاساس للهوية . لا هوية بلا انتماء . او ما يسمى بلغة علم النفس " الاطار المرجعي للشخصية "  ان تعيش الذات بلا انتماء هو الضياع بعينه . ويعلم العاملون في الطب النفسي مأساة الذات المصابة بفقدان الانية Depersonalization . اي انه ليس هو هو . " حالة نفسية يشعر فيها الشخص بالضياع ، وأنه نفسه قد أصابه تغيير ، وكما لو أنه في حلم ، ومنفصل عن جسمه وعن الحياة من حوله " (8) .  في حالة شاعرنا .. الهجرة والبحث عن البستان (الفردوس) المفقود يعني البحث عن الذات في ارض الله الواسعة . لا ادري هل ان عكوله في لحظة كتابة النص تذكر هذا المزمور ام لا ؟ . لنقف عند هذا البستان الذي يعج بعناقيد المرارة (**) في تلك الارض ومن ثم فأن العالم كله يعبق بها .. اعني طعم المرارة .
 في المقطع التالي يترجم عكوله حلمه الغجري . اعني امنيته ورغبته بأن يكون غجريا وتشاطره حوائه حلمه هذا . الا ان غجرية عكوله ، في تقديرنا ، ليست على شاكلة الغجر ، كشعب جوال ، المعروفة . انها غجرية على نحو صوفي . الصوفي هو الاخر لا ارض له ولا مكان ولا عنوان . ينطلق من النص القرآني " اينما تولوا فثمة وجه الله " .. الحق يملأ المكان والزمان ، إن شئنا استعارة تعابير الصوفي الكبير الحلاج . لكن عكوله لا يريد الا ان يكون صوفيا مع تلك التي تشاطره صوفيته الغجرية هذه .  المجاعة التي تعم الارض رمز الى شرانية العالم . عكوله يرغب بأن يكون الفاتح الجديد لعصر جديد لا مجاعة ولا مرض ولا فقر فيه . يكون هو المسيح الجديد لأنه سوف يسقي خمرا ويوزع خبزا للجميع في عصر يملأه الجوع والفاقة والعوز .
انزعي رداءك
علقيه في غصن صفصافة هناك
المجاعة تجاوزت كثيرا حدود الارض التي نقيم عليها
لنحمل في حقائبنا حبنا
                                        ****************
لماذا يدعوها الى نزع الرداء ؟ نميل الى الظن ان باسيل يرى في الرداء صورة القناع وبالتالي صورة للخداع ؛ خداع الذات وخداع الآخر . انه يدعوها الى البراءة . الرداء قد يعني القيم الاجتماعية البالية التي تهيمن علينا وتيسرنا كما تشاء . انه على الضد منها إذن . والدليل على هذا التأويل نجده في المقطع التالي :-
وقليلا من الخبز والخمر لرحلتنا
سننصب خيمتنا على تلال غرناطة
نوزع خبزنا من الصباح حتى الغروب
على قوافل الذين يأكلون الرجاء
الرجاء الذي لا يملأ بطونهم
                                      *****************
إذن هناك رحلة تنتظره .. رحلة طويلة يجوب فيها كل مدن العالم ومعها مدن الغجر . وغرناطة هي المدينة التي ولد فيها الشاعر لوركا ، الذي نفى مرارا ان يكون من اصول غجرية الا انه طبع ديوانه المعنون " الاغاني الغجرية عام 1927 . عكوله دقيق في توثيق افكاره . سوف ينصبا خيمتهما على تلال غرناطة . وغرناطة كانت المدينة التي سكنها الغجر منذ منتصف القرن الخامس عشر وهو تاريخ دخولهم اسبانيا . باسيل إذن غجري بكل ما تحمله المفردة من معنى . وهو مثل البياتي وسعدي يوسف وغيرهم عندما تغنوا بخصائص الغجر وصفاتهم . انه شعور بالغربة والتشرد مثلما هو شعور بالمطاردة والملاحقة . شعوران لا ينفصمان . ماذا في جيوب عكوله وفي الكيس الذي يحمله على ظهره هو وحوائه لرحلته هذه ؟ . انه الخبز والخمر . رمزان مسيحيان . الا ان عكوله قد مزجهما بصبغة غجرية . الخبز والخمر صار جوالان مثل الغجري . انه حلم ماركسي بمحتوي مسيحي وبشعار غجري . الخطابات الثلاثة تعاني من الاغتراب في العالم . انها ضد تيار العالم وعكسه . الرجاء الذي لا يملأ البطون . ما دلالة ذلك ؟ انه العبث . العنصر الديني عنصر عبثي .. رجاء لا يملأ البطون . البطون الجائعة لأن الالهة سرقت طعامهم :- 
على قوافل المتسولين الذين سرقت الآلهة طعامهم
                                            ***************
الالهة تسرق طعام الجياع . اليس هذا منظورا ماركسيا لصراع الطبقات حول ملكية الانتاج ؟؟ .
املأي بالخمرة كأسك
بللي شفاه المعذبين الذين احرقهم العطش
                                      *****************
هنا استحالت حواء .. رفيقة دربه .. الى بروليتاريا امل الجياع .. والمعذبين الذين احرقهم العطش . وكللهم التعب . التعب الحياتي .. الوجودي .. التعب من الذات والآخر . ما اتعسه هذا الذي تعذبه ذاته ويعذبه الآخر .. و لا يأبه به الاله الذي سرق طعامه اصلا !! . هنا نجد صراعا يكتنف باسيل في محنته هذه . تارة ينصب خيمته على تلال غرناطة .. وتارة يرغب في السفر الى بلاد الضباب . بلد العشق والحرية . بهذا المعنى لن تتغير صورة العالم عند باسيل . المهم عنده هو الحرية في مختلف جوانبها وعلى الاخص الحرية في العشق !! او اذا شئت الدقة : الحب . انه لا يستطيع ان يرى العالم بغير الحب . لن اقف عند ماهية الحب في نظر باسيل . فهذا موضوع آخر . ترى لماذا يريد باسيل ان يرحل الى بلاد الضباب . هذا ما يخبرنا به المقطع التالي من القصيدة فهو يقول :-
سنرحل الى بلاد الضباب
وفي جيوبنا ضياء الشرق
نطرق ابواب البيوت التي انطفأت نيرانها
سرقت مقدحة الساحرة
وفي عنقي قيثارة المتسولين
لماذا صلب هؤلاء احلامهم في ساحة المدينة التي
                                         تتثاءب ابدا
                                    *********************
انها رغبة في ان يكون مبشرا !! يحمل معه اسرار الشرق وعجائبه ومخاليقه القابعة في تاريخه وآثاره وحضارته . لا ننسى ان عكوله رجل متخصص في الاثار . هذا التخصص يمنحه القدرة على التوغل في مجاهيل التاريخ الكثيرة واسراره . نعم سوف ينقل كل كنوز الشرق معهما . لم كل ذلك ؟ لأنه مدرك ان سر التاريخ يختبئ بين هذه الحجارة التي يتكون منها الشرق . الغرب كله يعيش في الظلمة . انه صريح العبارة في ذلك . تعاسة الغرب لا يمكن مقارنتها بأنوار الشرق (9) . لقد سرق مقدحة الساحرة . ماذا يعني ذلك ؟ انه يتماهى مع بروميثيوس سارق النار ومانحا اياه للبشر . عكوله هو الآخر سرق مقدحة الساحرة وحملها معه الى بلاد الضباب وغرناطة الغجر . ليست مقدحة الساحرة هي التي مع عكوله .. انه يعلق في عنقه قيثارة المتسولين . انه صار صوتهم وانينهم وجرحهم الابدي . لقد يأسوا حتى انهم صلبوا احلامهم في هذه المدينة التي تتثاءب ابدا . انها اشارة رمزية الى الخمول النفسي والركود الروحي الذي يعم هذه المدينة .. مدينة الضباب .  سوف يدخل عكوله في تفاصيل الحياة الغربية وتضاعيفها . نراه يصف لنا تلك التفاصيل فيقول :-
الخل يملأ كؤوسهم
يملأ كؤوس الجالسين على موائدهم
يا للمساكين !
انظري في كل مكان
الناس يأكلون لياليهم بدل الخبز
يشربون دموعهم وهم ينظرون الى مأساتهم في الكواكب
                                            *****************
ذلك هو حالهم وتلك هي وضعيتهم . يا لبؤسهم وخيبة املهم في هذه الحياة . انهم يجترون ذكرياتهم وقد اشار اليها عكولة بأكل الليل وشرب الدموع والنظر الى مأساتهم في الكواكب . نعتقد ان رؤية الكواكب إشارة الى ذلك الاله الذي سرق طعام الجياع وتركهم يغرقون في العطش .
قطعوا المحبة بأسنانهم   
وقتلوا احلامهم واحدا واحدا
لا تسألي عن بقاياها
هم احرقوها مع اغصان الزيتون
قطعوا المحبة بأسنانهم
اضاعوا في رحلتهم الاتجاه الى ارض المسرة
اسمعي اصوات رقصهم وراء النوافذ
انهم يعصرون بأرجلهم فتات الايام الت يعطرها الرجاء
يخنقون باسلاك من حديد اطفالهم
وفي الليل
 يفتشون في ضياع عن ذواتهم   
في خرائب المدينة التي يملأ الحقد معابدها
                                            (ص 78-79)
                                       *******************
لا يزال عكوله منشغلا بهموم الغرب وعذابات حضارته وتفاصيل حياته اليومية من علائق وقيم ومنظورات للحياة والوجود والعالم . عكولة في اسف شديد . ضاربا كفا بكف . متحسرا .. ما آل اليه الحال في هذه الحضارة البائسة التي دمرت كل ما هو جميل وخلاق ورائع في الانسان . بالطبع ان الجانب الروحي هو الذي يشغل ذهن باسيل لأنه راهب شرقي يعشق الاثار والاساطير وحكايات الاقدمين . الم يجد دواءا للخلود . الم يجد ما لم يعثر عليه جلجامش العظيم . انه الخراب بكل ما تعنيه هذه المفردة . ارض يباب .. بور .. قاحلة وجرداء . هذه هي حضارة الغرب وهذه حياة هي حياة ساكنيها بنظر عكوله .
في النص التالي مرثية جميلة يتجه بها عكوله الى رمز الام ولا اقول امه على وجه التحديد . انها كتلة من الالم . المتأمل في هذا النص سيجد ان عكوله قد توغل كثيرا في شقوق وجراحات ذلك الوجه الحزين الذي جرحته رياح الصحراء على حد تعبيره . ليس من مهمتي ان اقف عند جماليات النص . انا منشغل بسيكولوجيته . ارى فيه تعلقا اوديبا لا غير . انها رمز للغربة المستمرة التي لا تنعم بالأمان والسكينة  ابدا . حتى ان لم تك غجرية الترحال فأنها تبقى في دواخلها ضائعة لا يحتويها مكان ما . تريد ان تسافر في كل الدنيا مثل شعر الغجرية التي اشار اليها قباني . انه
" الشعر المجنون الذي يسافر في كل الدنيا "   








                                              (8)
 
8–
في شقوق وجهك الذي جرحته رياح الصحراء
اقرأ انجيل الآلام
اشاهد تحت الشمس التي قلت ارضنا
القلق والجفاف والتجربة يثقل اكتافك في كل مكان
                                           ****************
تلك هي شقوق وجهها المتألم . ان الالم رفيق دربها وصديق عمرها . منذ ان حبلت به . عكوله يتذكر قول صاحب المزامير :-
 " بالخطيئة قد حبلت بي امي "
                                          ***************
هنا تناص بين الفكرتين ، إذا استخدمنا تعبيرات النقد الادبي الحديث . داود محبول به بالخطيئة وعكوله بالمجاعة . نحن نعرف ان المجاعة قد تنتهي بالخطيئة . الجائع يبيع كل شيء تحت سلطان الجوع . ارادة الحياة ارادة لاتقف امامها ارادة . انه اجترار لماضي الشاعر لا سيما طفولته التي يعرفها هو ومن عاشوا معه !! . عكوله لا يخجل من تاريخه . صحيح انه تاريخ الجوع ولكنه في النهاية او المحصلة تاريخ شريف وغير مدنس . لا اريد ان اعلق على تعبير " زمن المجاعة " على وجه التحديد . انها الطاعون  الذي اصاب المدينة في رواية البير كامو التي تحمل ذات الاسم . ان صمتها لغة .. غارقة في الصمت .. يسمونه الصبر . الا انه كلام . كلام معطل .. مغيب .. مكبوت .. لا صدى له في ضوضاء العالم هذا . الرجل .. الاب عكوله دقيق في التنقيب النفسي . انه دقيق الملاحظة .. لا يعقل ابدا ان طفلا في الخامسة من عمره يمتلك هذا القدر من الفراسة والذكاء في الالتقاط لملامح وجه حزين . واحد  في التاريخ فقط تكلم وهو في المهد وكان صبيا وقال ما قال .
-   اشارت اليه ..
-   قالوا :  كيف نكلم من كان في المهد صبيا ؟؟
-   قال اني عبد الله ....
                                      *****************
ذلك هو باسيل في سبر اغوار حواء .. الام .. اي صورة او رمز لها . هذا هو خطابه لها .. هذه مرثيته لها . مرثية الاعجاب والتعلق والاسف والشفقة والحزن عليها . انه شعور أوديبي ازاء شعور بالدونية لا يضاهيه شعور آخر . المولود في زمن المجاعة والضياع والفوضى . المجاعة تتحمل ان تكون رمزا للمجاعة القيمية والاخلاقية والروحية . ولطالما تحدث عنها باسيل في معناها هذا علاوة على معناها المألوف .. اعني زمن القحط والفاقة والعوز وينبغي ان نتذكر ولادة عكوله كانت 1931 في قرية من قرى الموصل وعاصر في شبابه الحرب الكونية الثانية . وعاش حياة البؤس بمختلف جوانبه واشكاله . هذه النصوص هي جزء من يومياته ، كما قلنا ، وقفنا عندها لوجود عنصر الشعرية فيها . وهي جزء اساس من النص العام . ليس وجهها هو الذي يتكلم فقط بل شفتيها وهي تهمس الى ذاتها . انه حوار مع الذات . الآخر غير موجود البتة بالنسبة اليها . ها هو باسيل يقول :-
وفي حركة شفتيك
حكاية الالم الذي ولد معك
وفي اعماق عينيك ايتها المرأة التي حبلت بي في المجاعة
صك العبودية الذي وقعته قبل الحصاد
الشمس تركت آثار اقامتها في شعرك
تركت آثارها في وجوه الرجال الذين التصقوا منذ الولادة
                                                بتراب ارضي
                                       ********************
هنا انغماس في عشق الارض التي رفضت ان تحتضن عكوله ..الطفل .. المراهق .. والشاب الذي ابتلي بالتدرن حتى دخوله المشفى تحت الرعاية الفرنسية في بيروت . سرد لواقع عكوله الطفل الذي يراقب من على مهده احداث وخراب واحزان العالم . على الاخص تلك التي حملته بين يديها لزمن نترك تقديره لعكوله . انه هنا في المقطع التالي سوف يبرز دور الاب لدى عكوله . ان الاب يحمل معه صليبه . يقول عكوله :-
لو اعطيت ايتها المرأة التي وقفت تحت صليب والدي
لو اعطيت  يد فيدياس  وآلهات شاعر طروادة
يا من وقفت تحت صليب والدي
                                        ***************
ان عكوله يشبه هذه المرأة بفيدياس . فيدياس " تجسيد الوفاء بالوعد في الاساطير الرومانية وهو يظهر الى جانب جوبيتر ، حارس القسم وضامنه ، وهو يشهد على كل قانون وكل نظام اجتماعي يتعلق باحترام الكلام المعطى ." (10) . اذن الصورة التي يرسمها عكوله لها هي صورة مستمدة من عالم الاساطير .   
دفنته في مقبرة يحرقها الصيف
لنقرت رسمك في إفريز" بارثينون " شيدته مع عراة قريتي
وانشد تلك " الياذة " بلغتي
                                    ********************
الافريز " Molding هو شريط بارز بالنسب ، مشكل حسب صورة هندسية معينة ، يتكرر على طول اجزاء المبنى ، ويستخدم في الزخرفة المعمارية أو الاثاث ، والديكور . بالإضافة الى وظيفة الابريز الجمالية ، يمكن ان يستخدم للتأكيد على نسب وتناسب واجهة المبنى ، وعادة ما تكون – كما في الاعمدة الكلاسيكية – مجزئة الى ثلاث نسب (القاعدة ، والجذع ، والتاج ) . الافريز يمكن ان يكون انسيابي أو منقوش مع زينة التي معظمها لها شكل نباتي منمق وهندسي " (الموسوعة الحرة على الانترنيت) .
اذن ما يريد ان يقوله عكوله عن هذه المرأة هو انه يرغب في ان يصنع لها تمثالا على معبد الباراثينون الاغريق العظيم . لكي يخلد ذكراها او تكون خالدة خلود المعابد والاسوار التاريخية لأنها بطل عظيم  لينشد لها الياذة. في المقطع التالي يعتبرها صورة مصغرة لبلاده :-   
يا صورة بلادي وظل مخاضها
عيناك يملأهما الصيف
وقد احترقت نيسانات الاعوام التي هرمتك
                                          ******************
عكوله يركز على ضغوطات الزمان واهواله وتأثيراته على امرأته هذه . هو الآن في حالة اسف عليها . هو نوع من الرثاء وقد ينسحب هذا الرثاء على الذات اذا شمل ذلك الزمان تلك الضغوطات على هذه الذات ولكن بشكل غير مباشر ، وبلغة علم النفس بصورة غير واعية . النيسانات إشارة الى الربيع المتألم في حياتها . ينبغي ان يكون نيسان رمزا للعطاء والخصوبة والاثراء .. صار عند عكوله رمزا للشيخوخة والهرم والذبول والانطفاء . انه يأس من الحياة وانسحاب منها وتبرم من جريانها . انها رغبة في ايقاف ذلك الجريان والعودة الى الصمت الازلي . تلك المرأة سوف تكون أميرة في نظر عكوله . ترى كيف يرسم عكوله معالم هذه الاميرة . ها هو يقول :- 
ايتها الاميرة التي لم تلبس حذاء في حياتها
لم ترقد على وسادة
لم تداعب معصمها اسوارة من قصدير
لم تذق غير الخل في ولائمها
                                  ********************
تلك إذن هي اميرة عكوله . يا لبؤسها وشقائها . ايعقل ان يكون هذا حال الاميرات ؟ ! انها منهمكة في صراعها مع الحياة . لا تدري الى اي مكان تتجه ولا تدري من ترضي وكيف ؟ . الصورة التي يرسمها عكوله لأميرته هي صورة مصغرة لعذابات معلمه المسيح . الم يقل المسيح " ان ابن الانسان ليس له اين يسند به رأسه " حتى الطيور والثعالب لها اوكار واوجرة بينما ابن الانسان ليس له اين يسند به رأسه . اسوارة القصدير رمز الى الفقر والحرمان الذي لف حياة تلك الاميرة . انها رمز القناعة والبساطة علاوة على فقرها وحرمانها . هذا الحرمان جسده عكوله في الصورة التي رسمها لهذه الاميرة في هذا المقطع :   
ايتها اللاقطة التي طافت حقول قريتي
تجمع القمح وراء صفوف الحاصدين واكداس السنابل
رافقت قافلة العبيد منذ الولادة
واحتضنتِ العذاب في لياليك على سرير والدي
                                       ******************
ذلك إذن هو عملها الذي اتكأت عليه لتوفير قوت اولادها لا غير . تكتفي بالفتات وما يتبقى من بقايا قوت اولادها .. لا بل زوجها هو الاولى حظا بهذا القوت .. ثم الاولاد ثم هي .. في تراث عكوله الروحي والقيمي يكون التدرج على النحو الاتي ؛ الرجل ثم المرأة . وعندما تكون العائلة يكون الرجل ثم الاولاد ثم المرأة . هكذا هي تقاليد الشرق وثقافته ، وعكوله شرقي هو الآخر ، إذن هذه الاميرة ينبغي ان تكون على هذا النموذج .. ليس تقليلا او حطا من شأنها . ما ذنب عكوله في وضع هذا الترتيب . الترتيب قانون فرضته الطبيعة علينا فرضا . انه قانون ينبغي ان يطاع دون اعتراض . انها لاقطة الحبوب الاولى في قرية عكوله . اكان عكوله ينادى بانه ابن اللاقطة !! . لا اريد ان اتجنى عليه . انا اسجل هنا اعجابا بهذا الرجل الذي لم تمنحه قريته او وطنه او ذويه ما يستحق من الاهتمام والتقدير . هذه النصوص العميقة التي بين ايدينا لم يلقى الضوء عليها – حسب ما اعلم ــ على الاقل في بيئتنا . بينما عكوله صار استاذا في الكوليج دي فرانس . والناس لا تعلم بأن هذا الشاب المصاب بالتدرن منذ طفولته سوف يتبوأ هكذا مكان في ارقى الاكاديميات في العالم . عكوله سوف يكون مثل باشلار وبرجسون وسارتر والاخرين من عمالقة الفكر الفرنسي المعاصر . الا يحق له بأن يلعن القدر والزمان وان ان يكون ابن الارض التي قبلته واحتضنته . الم تحتضن لندن سعدي يوسف مثلا ورفضته بغداد . سعدي يوسف وغيره هم ابناء الارض التي قبلتهم واحتضنتهم . يا لبؤس وشقاء الارض التي ترفض وتنبذ اولادها . هي زانية مثل تلك الام التي ترفض وليدها ويعد بعد ذلك لقيطا في ارض اخرى . من هنا غربة عكوله وغيره ومرارة احساسه بالتشرد والتجوال والتغجر . انه اذن غجري من الطراز الاول .. بل شيخ الغجر ورئيس قبائلهم . في المقطع التالي سوف يسرد علينا عكوله ليلة من لياليه النيسانية او الاياريه  أو التموزية هو واميرته من على سطح ما يسمى بيته !! .   
احصيت النجوم على سطحنا
وعلى ذراعك ارحت راسك
ترقبين ميلاد القمر
تلاحقين على شعورنا ضيائه
                                       *******************
احصاء النجوم نمط سلوكي يمكن ان ينتمي الى السلوك القهري ؛ مثل عد بلاطات واعمدة الشوارع وفوانيسها ومصابيحها . هذه اللاقطة للحب قد انهكها اللقط طوال اليوم . حائرة بين زوجها واولادها . الى اي جهة تتكأ . عكوله يكشف لنا ذلك الشعور وتلك الحيرة التي عطلت انسانيتها ومشاعرها . فراحت تتكأ او تريح رأسها على ذراعيها . اتذكر مقطعا لنزار قباني يصف لنا هكذا حيرة .. حيرة امرأة لا تدري اين تلقي ذراعيها وهي بانتظار رجلها الموهوم الذي لن يأتي في قصيدته " الى رجل"  :-
وحيرتني ذراعي اين القيها ....
                                           *************
هكذا هي هذه اللاقطة البائسة والحزينة . الا انها أميره . كيف تكون أميرة وهي مجرد لقطة حب في حقول القرية ؟ انها تراقب النجوم وتعدها . ايعقل هذا ؟ فقط المجانين يعتقدون بانهم يتمكنون من احصاء النجوم . قلنا ان فعل الاحصاء هو فعل قهري . الا ان هذا الاحصاء عندما يصبح نمطا سلوكيا ويرغب في الوصول الى غاية ما حينذاك يدخل صاحبه في طور الذهان . لا اريد ان ادخل هذه اللاقطة في هذا الطور السلوكي . بل اريد القول ان احصاء اللاقطة للنجوم هو لكي ينسى عكوله وهي مأساة ايامهما في قريته . لقد وصفها بالحرمان الشامل . ها هي الان تعوض عن ذلك الحرمان بإحصاء النجوم مؤمنة بأن نجما كبيرا سوف يزورها ويبشرها بغلام زكي فريد هو باسيل عكوله . عكوله الصغير بجانبها .. يداعب شعرها الملطخ بتراب اللقط ويحصي النجوم هو الاخر لعل نجما عظيما يزوره ويبشره بنبأ عظيم .. انك سوف تكون عضوا في الكوليج دي فرانس . ستكون مثل باشلار وسارتر وبرجسون والبير كامو الذي دمره الطاعون وجعله غريبا . ها هو باسيل هو الآخر سيكون مثل كامو وسوف يصبح غجريا لا يجيد الغناء او الرقص . غجري تائه يبحث عن غجرية ينصبا معها خيمتهما على تلال غرناطة . صارت الاميرة منجمة . تقرأ الطالع وتشارك العرافين اسرارهم وطقوسهم وخفاياهم . اللاقطة صارت عرافة . يا للمفارقة ويا للعجب . اللقط هو الاخر احصاء وعد وجمع . العراف هو اللاقط للاسرار والمغيبات من هذا النجم او ذاك . العراف واللاقط وجهان لعملة واحدة . في المقطع الأخير ستتحول هذه اللاقطة ، كما قلنا ، الى منجمة تقرأ الاساطير وحكايات الماضي وغرائبه :- 
ايتها المنجمة التي لا تقرأ غير الاساطير
سأرحل بعيدا مع ظلك
اجمع اكاليل زهور الهند
وعلى قدميك ايتها السيدة التي يكلل راسها الشوك
احرق بخور بلاد العرب
                                       (ص 83-84)
                                   *******************
صارت هذه المنجمة رمزا للعذراء مريم . تحول الرمز من حواء الى امرأة عاشقة  والى الام وها هو الرمز ، في تقديرنا ، سوف يتحول الى العذراء مريم . امه التي تحصي النجوم معه كانت سندا له .. ها هو الان سوف يرحل مع ظلها ويجمع اكاليل زهور الهند وسوف يحرق على قدميها بخور بلاد العرب . ايا كان الرمز يبقى الرمز يحمل صورة المرأة بمختلف صورها واشكالها . انها انثى خالدة . يحدثنا الباحث خليل عن رمزية هذه الانثى فيقول " الأنثى الخالدة ، أو المؤنّث الازلي ، آخر الكلمات التي وضعها غوته على لسان فاوست الثاني ، للتدليل على الجاذبية التي تقود رغبة الذكر الى الأعالي . هنا ترمز الانثى الى الرغبة المتعالية . الانثى الخالدة تقود الرجال الى العلاء. فهي تحلق في اعالي العالم . انها ترتبط بروح العالم اكثر من الرجل . رهافتها اعطتها وستعطيها دورا اعظم في المستقبل . هي صلة وصلة الرجل بالعالم . هذا ما جعل الشاعر الكبير اراغون يعلن : المرأة هي مستقبل الرجل . الأنثى الخالدة ، لا المرأة المغلقة ، ولا المرأة المسترجلة ، هي المقصودة . فهي اسم الحب بالذات ، وبها يعرف العالم ، بوصفها القوة الكونية العظمى ، ينبوع الطاقات والرغبات ، ومثالها االعذراء - الام ، ونوتردام (سيدتنا ، سيدة النجاة والرجاء) ، الانثى الطوباوية السعيدة : لؤلؤة الكون . عند ك. غ .يونغ ، ترمز الانثى الخالدة الى صورة اللاوعي ، المسمى Anima (الحياء) . والحياء هو تشخيص لكل النزعات الانثوية النفسانية في نفسية الرجل ؛ وهو رمز خيالي للحب والسعادة والحرارة الامومية (العش) ؛ وحلم يدعو الرجل الى إدارة ظهره للواقع (11) . عكوله عاشق لها إذن . في النص التالي سوف يحطم عكوله كل المعتقدات التي تخالف عقائده . لكن لا ينسى الارث الانساني الجميل . انه يريد ربط الحلقات في قلادة جميلة يتعرف عليها كل ساكني الارض وقاطينها . انه غجري يحملها ويتباهى بملكيتها . انه الافرد في العالم إذن .  نقرأ النص التالي لنرى ما محنته الوجودية التي يئن ويشكو منها ؟ . 

                                               (9)

على رصيف المدينة التي تبتلع القادمين من كل مكان
يا للقاذورة التي تفوح منها رائحة القبر
رائحة الجثث التي دفنت في احشائها
سأحطم ساعتي   واقطع خرز عنقك
                                          ********************
الان هو مثل بطل راوية الطاعون . المدينة التي التهمها الطاعون . صار هو الوحيد الذي لم يقترب منه الطاعون بعد . انه يلوذ بالفرار الى اسوار المدينة . ها هي محنته قد تجلت الان . صار الغريب الاول . كل ما من حوله يفوح منه رائحة القبر !! . التعبير جميل . ايضا نجد علامات ما يمكن تسميته بفعل ايذاء الذات . الساعة رمز للزمن . وعندما يرغب في تحطيمها فهذا يدل على وجود رغبة في ايقاف الزمن . لمَ هذه الرغبة ؟ لكي لا يدوم الالم ويستمر في السطو عليه. هذا العدوان ليس فقط على الذات على ما يبدو . انه ممتد اليها ايضا. تحطيم الساعة وقطع خرز عنقها اشارة الى ذلك العدوان . هذا هو حال المتوحدين الغرباء الذين لا يقتربون من المدينة . يسكنون على عتباتها على حد تعبيره في المقطع التالي . المدينة كلها مكتظة بالجثث . يا لقاذوراتها المقززة . نقف قليلا عند عبارته " نتانة مدينة القديسين " . ولن انقل هنا انطباع ما تناقله معارف عكوله ومعاصريه الذين قرأوا هذه اليوميات بمقاطعها الشعرية هذه . الان هو في طواف معها . الطواف حول المدينة دلالة على الرغبة في استعراض الذات من جهة والتفتيش عن ابواب الخلاص منها من جهة اخرى . ها هو يقول :-
اطوف معك في الازقة
اسد انفي بأصابعي لئلا اختنق بنتانة مدينة القديسين
وعلى ابواب مقاهي الغجر التي يتكئ القلق على مقاعدها
امسح آثار السبت
                                     **************
ثمة انماط سلوكية يقوم بها عكوله تدل على اشمئزازه من قرف العالم المكتظ بالقذارة والنتانة من خلال سد انفه لئلا يختنق بنتانة مدينة القديسين . مدينة القديسين هي الاخرى اشارة الى كل ما هو بالي وقديم وما لا يتلاءم وروح العصر . هنا ثورة ، على ما يبدو ، على منطق العقل اليهودي وروحه . انه يرغب في الغائه وتحطيمه . انه يمجد القلق الغجري ويرفع رايته على اعتبارها اجمل الرايات . انه في هذا المقطع سوف يتقهقر الى ذكريات طفولته وسوف يتكأ عليها من خلال تنشيف شعرها بيده . هذا نكوص أوديبي في تقديرنا :-   
وبيدي
انشف شعرك الذي بللته العاصفة
وعل العتبة
اجلس وحيدا اقضم المي
واغني لعينيك
                                    *********************
النكوص واضح المعالم في هذا المقطع . بعد تنشيف الشعر سيغادر عكوله الى ذاته وحيدا .. ملتف حولها .. يقضم المه . لا ادري هل قضم الالم هو  امتداد رمزي لسلوك قضم الاظافر مثلا !!. على عتبة المدينة سوف يجلس وحيدا على الرغم من تعاطفها ومشاطرتها لأحزانه ويغني لعينيها . الغناء كما يراه الباحث خليل احمد خليل " الغناء رمز الكلام الذي يربط القوة المبدعة بالابداع ، وذلك بقدر ما يكون الكلام معبرا عن فرح المخلوق وهيامه ووجدانه. ُيفرَّق بين الغناء الصوتي ، والغناء المصحوب بموسيقى . فالأغنية تسبق الموسيقى ، ذاك ان الموسيقى ، حتى المقدسة ، ليست سوى آلة (تقنية) ، ولذا لم يكن الموسيقيون في مرتبة الشعراء القدامى (الطبقة القدسية / الكهنوتية) ، بل كانوا من مرتبة الرجال الأحرار الذين يحق لهم امتلاك الماشية " (12) . وسنجد لدى عكوله عبورا من المجال العلائقي الشخصي مع امرأة محددة الى مجال ينتمي الى المرجعية العقائدية له . انها الجمعة الحزينة . اعني جمعة الالام في التصور المسيحي . نراه يتلو مزاميره التي استوحاها من كتاب الهندوس المقدس . يبدو انه معجب بفلسفات الهند وكتبها المقدسة وحضارتها ودياناتها :-
ايتها الجمعة الحزينة
مزمورا من كتابي الذي قدسته بوحيك
واتلو في حضنك على العابرين بلا زاد ولا مظلة
آيات من الاوبانيشاد
يا فصحي
يا ابديتي
ويا احدي الذي لن تغرب شمسه
                                           (ص125)
                                        ****************
هنا مزج وتوليف بين الفكر الهندي والتصور المسيحي في توليفة واحدة . هي رغبة في توليف التصورات عن العالم . انه يتكأ كثيرا على مفاهيمه الانتمائية ويعدها عناصر ازلية يتكون منها العالم . الفصح .. الابدية .. الاحد . الاحد في التصور المسيحي رمز لقيامة المسيح من بين الاموات . ان الشمس الاحدية لن تغرب ، في نظر عكوله ، ابدا .. ابدا . في المقطع نجد مظاهر للانشغال بالذات ..











                                                 (10)
في المقطع التالي يصف لنا قطاعا من ذكرياته :-
 المطر
بلل معطفي
في الشرفة التي تطل على اللانهاية
احدق في المصباح
امامي
هل سأرى في حاشية الغيمة
                                         *******************
انه سلوك او مشاعر نكوصية مفعمة بسلوك الاجترار Rumination  . اجترار الذكريات مظاهر وعلامات نجدها لدى اصحاب الاكتئاب . هنا ، عكوله ، منشغل بالمطر الذي بلل معطفه وهو جالس على الشرفة التي تطل على اللانهاية . ترى اي نوع من الشرفات هذه التي يجلس فيها عكوله بحيث يطل منها على هذه اللانهايات . ان مفردة  اللانهايات اشارة الى عوالم الضياع والمجهول التي تنتظر عكوله في رحلته الغجرية . اليس قائد الغجر وشيخهم وبطلهم المنتظر ؟؟.. اذن سوف يأتي يوما ما من تلك اللانهايات . لكن عكوله غير موقن بالزمن ولا ثقة لديه بالقدر او الآتي من المجهول او الايام . التحديق في المصباح يمكن ان تكون اشاره الى تأملات باشلار مع شعلة قنديله وهو عنوان كتاب له صدر عن المؤسسة الجامعية للنشر البيروتية وبترجمة الاستاذ الدكتور خليل احمد خليل وبذات العنوان " شعلة قنديل " . الم يعش عكوله ردحا من الزمن في فرنسا واتقن لغتها . فمن المعقول اذن ان يكون على اطلاع بالتراث الباشلاري بجملته او ببعض تفاصيله . باشلار مفكر فرنسي كبير . اهتم في نهايات حياته الفكرية والعلمية بقضايا الشعر وعلم الجمال . وانجز كتبا عديدة في هذا المجال وهي معروفة لدى المطلعين على تراث هذا المفكر الكبير .   لباشلار كتاب جميل عنوانه " النار في التحليل النفسي " . ها هو عكوله ايضا يعيش هذه الخبرة . اعني الخبرة مع النار . لقد حدق في المصباح لعله يجد منه رساله تأتيه بمجاهيل الايام او من غيمة ما على حد تعبيره هو ذاته . في المقطع يسجل عكوله خبرته مع موقد النار الذي غرفته :-
ظلال ليالينا
وقبلاتك
واحس في غرفتي امام النار
دفء شتائنا
وارتجاف ثوبك
وابصر في المرآة
                                           *****************
انها غرفة لا يقطنها غير المرضى !! . كان عكوله في مصح يخضع لعلاج قاسي في بيروت . اصبحت هذه الغرفة صومعته التي يحلم بها كما يشاء . من هنا عزلته وغجريته وغربته . غنى ولكنه لم يجيد الرقص . مفارقة ذكرها ناشر يوميات عكوله البيروتي . المرآة وموقد النار والمصباح ؛ كهربائيا كان ام زيتيا ، الامر في الحالتين واحد . الوسادة هي الاخرى من ضيوف عكوله . انها من ادوات المحجر صحي ، نفسانيا يمكن ان تدل على زنزانة انفرادية . الاقصاء والرفض والحجر كلها كانت وراء احزان باسيل عكوله . من هنا شعوره الغجري ان صح التعبير . يكمل عكوله رسم معالم غرفته او ان شئنا الدقة زنزانته فيقول :- 
قبل ان تصمت معزوفة المطر بعد قليل
صورة لقائنا
ترقص في سريري على الوسادة
وقد احتضنت في العاصفة قميصي
المطر
بلل في الشرفة التي تطل على اللانهاية
ثوبك وانتظاري
                                             ( ص 130 )
                                        ******************
مرة اخرى سلوك نكوصي وحزن اجتراري ينتاب عكوله . انه كرنفال مصحوب بإيقاع  كورالي مع اوركسترا موزارتية هزت ارجاء الكون ولكنها لم تغادر خيالات ادراج ذاكرة عكوله .. ابدا .. ابدا .. انها سيمفونية الغجر لأكبر غجري في العالم .
                                        ******************
ما زال عكوله يطارد ويلاحق حوائه في مغارب الارض ومشارقها . انها رغبة جلجامشية لا تقاوم . سفر دائم .. ترحال ابدي . عكوله مهووس باللانهايات  (13) .

















                                             (11)
يقول عكوله في النص التالي :-
رأيتك
في اول رحلة الى المحيط
هناك . هناك
كنت اقرب الى سفينتي من حرفين في كلمة
                                      ******************
عكوله يجوب الارض كلها ؛ جبالها .. تلالها .. محيطاتها .. بحارها .. انهارها .. السماء ونجموها هي الاخرى كانت محطات لرحلاته .. يقف هنا .. ويتلو مزاميره وآياته هناك . لا ارض و لا سماء تستطيع استيعاب عقله .. او ملاحقة دقات قلبه .. انه الاول في كل شيء . في وسط المحيط وهو بجانب شراع سفينته رآها  تصارع موجات البحر مثل حورياته !! . رؤيتها انسته البوصلة . ايمكنك تصور بحار يمخر عباب المحيط دون اللجوء الى بوصلة ؟؟!! . البوصلة هي لغرض تحديد وجهة السفينة .. اي الاتجاه هو الذي ينبغي ان تسير على وفقه . عكوله نسي لحظتها النظر الي بوصلة سفينته . اتعلم لماذا ؟ الجواب بسيط جدا : انه هو تلك البوصلة .
لم انظر آنذاك الى بوصلتي
عدت الى الغرب
وفي عيني
بداية ارض بلا افق
                                      ****************
هنا يئسَ عكوله من الشرق واساطيره وخرافاته وحتى دياناته . ولذلك رأى الارض كلها انها بلا افق . الضياع برمته احتضن عكوله هنا . ارضه إذن بلا افق ما . يا لتعاسته وحزنه . لقد فقد كل شيء . تستمر عواصف اليأس بالهجوم والفيضان على ذات عكوله وساحتها . نجد عنده  وقفات نكوصيه وحنين الى الشرق ورموزه :-
وثوب الهة من ارجوان فينيقية
رأيتك
رأيتني
وعلى كتابك
في عملية لم نتمكن من حلها
اشتبكت عيوننا
في صلاة لا تنتهي
نسينا احداث التاريخ في كتابك
                                     ********************
ثياب الالهة !! .. يفترض ان تكون الاجمل من بين الثياب .. اليست ثياب الهة ؟؟ . فما بالك ان كانت من ارجوان فينيقية ؟ . السر يكتنف الاثنان . لا تفهمه و لا يفهمها .. كلاهما محض لغز .. لا سبيل الى الولوج اليهما . الجسور بينهما مدمرة .. منكسرة .. كل يقف  على جانب بمنأى عن الجانب الآخر . ايضا نجد اشارة الى اللانهايات في دواخل عكوله . صلاة لا تنتهي . عادة ما تنتهي الصلاة بالرد على طلبها وصاحبها . عندما لا يرد الطلب ينتهي مفعولها . عكوله وهي غارقان في صلاة لا تنتهي . ذلك هو الدوران حول دائرة لا تنتهي . لم َ ؟ لانها ببساطة .. دائرة مغلقة . وبلغة علم النفس السقوط في دائرة  الوهم Delusion (14) . وتكتمل صورة السقوط هذه في المقطع التالي من هذا النص حيث يقول :-
وفي رحلتي
لأول مرة
اضعت الشمال وقيمة الارقام
فقدت قوة القراءة
لم اميز الزاوية  التي تقودني اليك
لم الوح لك بيدي
لان العاطفة غطت وجهك
والغيم والضباب
حجبا مرجانك عن عيني
وعلى صوت عابرة من هناك
اغلقنا شفاهنا
عدت الى ارضي
                                      ******************
في هذا المقطع وصف لمظاهر هذا السقوط في تلك الدائرة المغلقة . عكوله يعيش محنة البعد النفسي على الرغم من انه يشعر بقربه منها . فبينه وبينها حجبا كثيرة  . يرى الباحث اللبناني صاحب معجم الرموز في رمزية الحجاب ما يلي " الحجاب ، في العربية ، معناه ما يفصلُ بين شيئين أو شخصين . يرمز بحسب وضعه أو رفعه الى المعرفة الخفية او الجلية ، ويرمز الى الفصل بين عالمين ، عالم المؤمنين وعالم الكفار مثلا . المحجوب في الصوفية ، هو الذي لا يعي النور الالهي في قلبه ، والحجاب يدل على كل ما يحجب الهدف او القصد (15) . لا اعتقد ان عكوله بعيد عن هذا المعنى الذي للحجاب . خصوصا وهو يتعامل مع رموز انسانية مختلفة . وعديدة وهو هنا يخاطب الامرأة الخالدة علاوة على امرأة محددة في ذهنه او ان شئت في لا وعيه . وهو يذكر ان بينهما ليس حجابا واحدا بل ذكر مفردة " حجبا "  لمرجانها . نقف عند رمزية المرجان ، حيث يقول صاحب معجم الرموز عنه ما يلي " المرجان Coral من اشجار المياه ؛ يشارك في رمزيات الشجرة (محور العالم) والمياه العميقة (أصل العالم) . يقربه لونه الاحمر من الدم . كل هذه المواصفات تجعله رمزا للأحشاء . فيه تجتمع الممالك الثلاثة : الحيوانية ، النباتية والمعدنية . مضافا الى الحجارة الكريمة ، يرمز المرجان الى الخيال واللامعقول " (16) . اذن لا غرابة في ان عكوله يطرق باب اللامعقول . هذا يعني ان المسافة بينهما هي اللانهاية بعينها . عكوله يعني بالغيم والضباب هذه اللانهاية من المسافات التي تفصل وجهه ومرجان عينيها . من تسميته لها بالأرض غير المكتشفة . صارت له بمثابة جزيرة صغيرة وسط بحر او محيط . يقول الباحث خليل في رمزية البحر ما يلي " رمز دينامية الحياة أو فعالياتها . كل شيئ يخرج من البحر واليه يعود . البحر مكمن ، موضع ولادات وتحولات ونهضات . البحر ، الماء المتحرك ، يرمز الى حالة داخلية انتقالية ، بين الممكن اللا متشكل بعد ، والحقائق الواقعة ، المتشكلة ؛ ويدل على وضع ثنائي ــ واقع الارتياب والشك والحيرة ، الذي يمكن ان يؤول الى خير او شر . من هنا ، كان البحر صورة الحياة وصورة الموت معا . لدى الصوفيين ، يرمز البحر الى العالم والقلب البشري ، بوصفه مركز اهواء . كما يدل على عاصفة الحياة ، حيث يغرق البعض ، وينجو الآخرون . لا بد من سفينة لعبور البحر ( اليم ، المحيط ، الواسع) (17) . إذن صار عكوله هو البحر وهي ، اعني حوائه ، صارت تلك الارض التي ما زال يحترق من اجل اكتشافها على حد تعبيره :-
 
ايتها الارض التي اتحرق الى اكتشافها
وعلى خريطة رسمتها بنفسي
بحثت بقلق عن حدودك
ومن مينائك الذي لم اتبين معالمه
اطلقت سفينتي
بحثت عن حدودك
                                         *****************
هو البحر وهي الارض غير المكتشفة بعد . اي صورة يرسمها لنا عكوله لهذه العلاقة ؟ !! . على صعيد آخر نجد عكوله يعيش خبرة الوهم على حد ما . تتجلى هذه الخبرة بقوله :-
وعلى خريطة رسمتها بنفسي
                                 *********************
هذا يعني إذن ان هذه الارض لا وجود لها اساسا . وعكولنا صار بمثابة سندباد جوال بدون بوصلة و لا فنار . تصوروا بحارا يرسم خريطة او ارض في بحر او محيط .. والارض كلها قائمة على البحر او المحيط . ها هو عكوله يحول بصره نحو الشمال . لقد عرف ، في هذه اللحظة دون غيرها ، موقعه وهو في المحيط ، إذا شئنا استخدام مفردة النص نفسه . انه يحدد وجهة الشمال .. القطب الشمالي تحديدا . يرى بعينيه كل ذلك الثلج المتراكم جبالا وتلولا عليه . لا يرى شيئا في تلك الجبال والتلال  غير الشقراوات .. انه يعني نساء الدول الاسكندنافية . يتميزن بشقرتهن المتميزة . ها هو يقول :-   
هناك في الشمال
حيث الشفق القطبي يوقظ الشقراوات كل ليلة
في بلاد الفراء وكلاب الرنة
في ظلال الكاتدرائيات التي