النقد وما قبله وما بعده*


المحرر موضوع: النقد وما قبله وما بعده*  (زيارة 1726 مرات)

0 الأعضاء و 1 ضيف يشاهدون هذا الموضوع.

غير متصل برهان الخطيب

  • عضو
  • *
  • مشاركة: 19
  • منتديات عنكاوا
    • مشاهدة الملف الشخصي
النقد وما قبله وما بعده*
« في: 09:34 01/03/2015 »


النقد وما قبله وما بعده

برهان الخطيب

ما يجري في الطبيعة المحيطة بالإنسان لم يعد عفويا تماما، معلوم الإنسان يعمل للسيطرة على البيئة لجعلها لراحته، كذلك ما يجري في المجتمع، من الوطني إلى دولي، للأوطان قوى متفرقة، للدولي قوة واحدة، الثانية تأكل من الأولى تكبر، تتعاضد الأولى يحدث توازن وربما يتغير مسار الأحداث. ضمن ذلك السياق تجري صراعات اقتصادية وسياسية وثقافية وعسكرية، الحياد مات. لأي من تلك الصراعات أوجه متعددة أيضا تعدد البشر، التعدد يشمل الوسخ والنظيف، مع حدة الرغبة في الوصول إلى الهدف تتغلب الوساخة على النظافة، المهم تحقيقه،  ضمنا الثقافي المناط به النظافة الروحية، الروحي يُضرب عرض الحائط، تبقى للتنميق أهمية التسويق، هنا يحدث انفصام بين شكل مقبول معقول ومضمون غير مقبول غير معقول لـ "بضاعة فكرية" . كل شيء بضاعة في سوق كبيرة. تلك مقدمة لا بد منها لإنارة بضاعة، تصير بالإعلام مشاعة.. أو مضاعة.. أو طرقاعة.
د. صالح الرزوق يشاء قراءة روايتي "الجسور الزجاجية" والكتابة عنها ويرسل إليّ مقاله أنبهه لأخطاء جوهرية في نهاية مقاله ومنتصفه منها استنتاجه بأن في الرواية مثلث كيت كذا يعقبه مثلث آخر فتان لفلان وعلان، لا بأس في الاجتهاد طبعا، أحب الأفكار الريادية لكن ينبغي أن تكون مقامة في الأقل على الأصول لا لإقحام قد يؤدي لاغتيال موضوع المقال، كلامه عن المثلثين مثلا غير بعيد عن مودة في الفن، مسرح، رسم، كتابة أيضا، يضع الواضع والحمد له مثلثا هنا مثلثا هناك، ليأتي عقل المتلقي يقاربهما يجمعهما يشكل منهما في لذة إبداعية النجمة المعروفة، هنا يتحقق هدف المصمم، آخر يرى أكثر من هدف ربما، أنا أرى أربعة أهداف حتة وحدة في ذلك. الأول تهمة أو سمة لنقل مُضمرة تُلبس النص، اللوحة، المشهد مسرحي، طالما تُنزَّل عليه الفكرة مثل ملائكة الرحمة، أو لعله في جهة أخرى يستوعب تلك النجمة فعلا، فهو نص أو عرض صهيوني عموما.
الثاني: فكرة نقيض تتصدى للأولى تصدي الجاكوج للبيض: إدعاء وجود النجمة لهو في الحقيقة من مروّج لها ينسبها لمن ينقده أو يعرض له لانتقاده لها، للتنكيل به في الحقيقة، بإظهاره متعاطفا معها بين جماعته السحرة مما يسبب له بينهم نفرة.
الثالثة: في حسبان النجمة فكرة جديدة على العمل الإبداعي يعني على مبدعه الفخر بغنى عمله لو يتعاطف معها، فعليه الفرح على الثناء، وتأدية المطلوب من ذلك في أفضل أداء.
الرابعة: إحباط المبدع تيئيسه تحميله ما ليس يريد حمله.. إلخ. هنا أبدو أنتقل من عالم نور مرئي إلى عالم ظلمات غير مرئي، من بوزوتيف ايجابي إلى عالم نيغاتيف سلبي، كما في أدب كافكا الغيبي. نعم عند التقصي يبدو الحقيقي غير حقيقي والعكس أيضا، ذلك ليس على صعيد الأدب فقط بل على صعيد الواقع الحقيقي أيضا سوف نرى، بل ان مهمة الأدب الحقيقية يجب ان تكون كشف عالم النيجيتيف، التصدي للأكاذيب.
طبعا لتلك التعقيدات غير البريئة أنصح د. صالح بقراءة مقالات أخرى نشرها أساتذة أفاضل قبله عن هذه الرواية منهم الأديب الكبير عبد الرحمن الربيعي والناقد المعروف د. قيس العذاري والأستاذ الجامعي الجليل د. صالح هويدي وغيرهم. الاستنارة برأي السابقين مهم للاحقين، هكذا المعتاد عند كتابة دراسة رصينة،  يرد د. صالح بأنه أرسل مقاله إلى الجريدة قبل تغيير رأيهم والعزوف عن نشرها والتعديلات قد يدخلها ويعيد نشر المقال لاحقا. ثم يظهر مقاله بصحيفة لندنية حديثا "القدس العربي" يتبعه تعليق مركّز  من قارئ.. 




إضافة:
في مقاله المذكور يقارن د. صالح الرزوق "الجسور الزجاجية" مع "اللص والكلاب" لنجيب محفوظ و "الكونت دي مونت كريستو" لأسكندر دوما، في مقاربة لا تخلو من دقة نظر، بُعد نظر، يقول عن بطلة الجسور الزجاجية:  إنها متزوجة في وقت واحد من مزعل، الذي تعتقد أنه ميت، ومن صلاح  الشخص البديل الذي حل محله. ليكون حارس الشرف وقيمته الانجراحية وخادم ربة الينبوع. والتي للأسف لا نجد إشارة واحدة على تخصيبها. كأنها عاقر. كأنها أرض بور. مصدر للفتن ونشوب النزاعات فقط.
هو مصيب هنا، العقم مصدره الخروج عن النسق الإنساني على الصعيد الشخصي، عن تطور الأحداث سلميا على الصعيد الاجتماعي، أما على الصعيد السياسي.. نعم لم تلد ثورة 14 تموز غير انقلابات، البطلة رمز لتلك الثورة اكتشفه النقاد الذين تناولوا الرواية بالتحليل قبله،  شاء د. صالح تجاهلهم النتيجة يتعجل في النهاية يقع في استنتاجات بعيدة عن فحوى تلك الروايات كما يصوغها مؤلفوها يتوقف عند أفكار مسبقة يُلبسها لها. أورد السطور التالية من مقاله كما وردت في صحيفة القدس العربي.
يقول د. صالح:

 1  في كل الأحوال فكرة الانتقام كانت سادية عند نجيب محفوظ. لا يشوبها الشعور بالذنب. وعنفية لا تهدأ ولا تخبو نارها إلا بعد تحقيق التوازن مع الشرط النفسي
2 ألا يذكرنا هذا بنموذج مماثل هو رواية الكونت دي مونت كريستو لإسكندر دوما؟. كان النزاع حول الحق بالامتلاك وضمن أفراد نفس الحلقة.. أصدقاء من نفس الجيل. وكأننا أيضا أمام حالة من بقايا أحفورة العصر الأمومي.
3 وروايته "الجسور الزجاجية" هذه تتابع مسار حياة بطلها الذي يولد في السجن ثم يدخل في معركة غير متكافئة مع الحياة الغادرة والمريضة والمشرفة على الأفول ليموت في السجن أيضا. وهو موت نفسي وفني، لأن شخصيته تتوقف عن النمو وتدخل في السبات.

التالي تعليق القارئ  ورد في الصحيفة عند نهاية المقال:   
قراءة صالح هذه كأغلب قراءاته مصطنعة، بمعنى إقحام أفكار خارجية على عمل أدبي لنفيه، في معركة فكرية دائرة ضمن الحرب ضد المنطقة العربية التي يراد لها أن لا تسمى عربية، يتكلم في خاتمة نقده عن موت البطل، الذي يترك معقله الشيوعي إلى آخر سوف نرى، هو موت حزبي نعم لكنه نهوض عنقاء من الجانب الآخر. أورد سطورا هنا من آخر صفحة للرواية لتوضيح الصورة:
"هل يمكن هجر واحات ظليلة؟ ربما، لو كان فيها زاد كاف لبلوغ قوس قزح وفي الموقين عينا إنسان، هو الرجاء، فقط لا تسلّم نفسك لأحد فقد يحشوها أيان شاء يصوبها أنى رغب، فتكون فشلتَ في ما سعيت إليه.. حريتك. تحققك.  وإلاّ اشتبكت المسالك أدت إلى ضياع أو جنون، رأسك يرفض، دعه يحتج حتى تبلغ الرضا تمنح روحك وجهة أمان. ولنقيضي عدنان بالكثير أدين فلولاه ما تخلصت من نقيض في داخلي. هكذا يا فرات، يا صديقي العنيد، مدة الزيارة تنتهي. تعال كلما استطعت. لا تقطع بي. تراني جالسا غالبا مع أصدقاء السجن اقرأ كتابا أو أمارس تطريز الحقائب الصغيرة بالنمنم الملون، أو أتعلم حياكة السجاد، معها تجد أفكاري تضفر، تشتبك حينا، تتشعب حينا آخر، لكنها تجري كالأنهار تبحث عن مصبات وجدت في البحار قبل أن تشق تلك الأنهار مجاريها. فهل تجدني الآن أدركت مواقع تلك المصبات؟..”
تنتهي الرواية، فماذا نفهم؟ البطل يرمم حاله، لا ييأس، لا يندحر كما يصوره الناقد.
انتهى تعليق القارئ أعود أقول في الختام:
 وهناك لوم موجّه إلى الرواية من الناقد يتهم  فيه مؤلف الجسور الزجاجية  بأنه لم يحمّل الشيوعيين ذنب أحداث ما بعد ثورة تموز 1958 هنا لا بد لي من القول ان الرواية ذاتها تحمل الرد، يتجاهله الناقد، مزعل البطل الرئيس لهذه الرواية يترك حزب الشيوعيين في النهاية بعد اكتشاف أنه لم يكن يرى الأحداث سوى بالأسود والأبيض.. مثل حالم، فماذا يريد الناقد بعد أوضح من ذلك التوضيح؟ أن يصعد على رأسه يهتف بسقوط ذلك الحزب! يبرئ بقية الأحزاب المستمرة حتى اليوم بلعبة رفع كبس على رؤوس العراقيين حوالي قرن من الزمان يكسب قادة، سادة، ويخسر كل الشعب؟