في يوم المرأة العالمي
يستمر الاجحاف بحق نساء الاقليات الدينية في الاقليم ، الى اشعار آخر
د.منى ياقو
في الوقت الذي يُصور فيه وضع ابناء الاقليات الدينية ، في الاقليم ، و كأنهم يعيشون عصرهم الذهبي ، فأن الواقع التشريعي ينفي ذلك ، فرغم ان العديد من النصوص القانونية ، و التي كان لها مساس مباشر بأحكام الشريعة الاسلامية ، قد تم تعديلها ، في اطار التعديلات التي جرت على قانون الاحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 ، بما يرقى بمستوى المرأة ويدعو الى المساواة بينها و بين الرجل ، قدر المستطاع ، و رغم اننا لا نقلل من اهمية الحديث عن المساواة بين الجنسين ، بما يعنيه ذلك من تحسين وضع الاسرة و المجتمع ، عموما ،الا اننا نستغرب ان يتم التركيز فقط على مواد محددة في القانون و الاصرار على ترك مواد اخرى ،شُرعت قبل اكثر من نصف قرن ،مع توافر القرائن القانونية التي تثبت ان هذه المواد لا تنسجم مطلقا مع دستور العراق النافذ و لا مع الصكوك الدولية التي تُعنى بحرية الدين و العقيدة و بحقوق الاقليات و سكان البلاد الاصليين ، و لا مع الانفتاح المفترض في مجتمع ما بعد 2003 .
و ان كانت القوانين في اية دولة ، لا بد ان يتم صياغتها في اتساق تام مع الدستور ، فمن حقنا ان نسأل عن الاساس القانوني لمشروعية المادة 17، في اطار الدستور النافذ ،والتي نصت على ان "يصح للمسلم ان يتزوج كتابية ، و لا يصح زواج المسلمة من غير المسلم " ، هذا الدستور الذي اكد في ديباجته على بناء دولة القانون و اشاعة ثقافة التنوع ، و الذي اقر في المادة 2/ثانيا منه ، على ان هذا الدستور " ....يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الافراد في حرية العقيدة و الممارسة الدينية كالمسيحين ، و الايزدين و الصابئة المندائيين " و نتساءل و كلنا استغراب : كيف يضمن لنا هذا الدستور كامل حقوقنا ان كان يسمح للمسلم بالزواج من الكتابيات ( و غيرهن ) في الوقت الذي يمنع ذلك على غير المسلم .؟
و نتساءل ايضا ، كيف نواءم بين هذا النص القانوني الذي يميز بين المواطنين ، تمييزا واضحا و صريحا ، على اساس الدين ، و بين نص المادة 14 من الدستور النافذ ، التي تؤكد ان " العراقيون متساوون امام القانون دون تمييز بسبب الجنس او العرق او القومية او الاصل او اللون او الدين او المذهب او المعتقد ....." .
فلنحلل هذا النص و لنرى ما يسفر عنه من تناقض ، لا يمكن انكاره او اخفائه بأي شكل : ان كان للرجل المسلم ان يتزوج من الكتابية ، في الوقت الذي يمنع على المرأة المسلمة ان تتزوج بكتابي ، اليس هذا تمييز قائم على اساس الجنس ؟ ان كانت خيارات الزواج المتاحة امام الرجل المسلم واسعه و متنوعة ، بينما لو فكر الرجل غير المسلم ، مجرد التفكير ، في اختيار شريكة حياته من النساء المسلمات ، لأعتبر ذلك ممنوعا عرفا و قانونا ، فأين المساواة على اساس الدين او المذهب او المعتقد ؟ حين تقرر الفتاة القاصر ، و التي لم تبلغ سن الرشد قانونا ، ان تتزوج بالمسلم ، و تعقد المحكمة قرانها ، بغض النظر عن احكام المادتين 7 و 8 من قانون تعديل تطبيق قانون الاحوال الشخصية رقم 15 لسنة 2008 النافذ في الاقليم ، و تصبح القضية امر واقع يفرض نفسه على المجتمع ، فأين المساواة على اساس الاصل ؟ و كيف يمكن للقانون ان يستبيح اعراض الاقليات الدينية و ينسف عادادتهم و تقاليدهم و يضرب بأعرافهم عرض الحائط ، في الوقت الذي يقف بالمرصاد ، لكل شاردة او واردة ، تخص عرض الاكثرية و عاداتها و تقاليدها و اعرافها ؟ بأعتقادي ، انها لمهزلة كبرى و مضيعة للوقت ، ان نتحدث عن المساواة ، او انها مجاملة ، لا بد ان نقدمها لشركائنا في الوطن ، ترضية لهم .
اضف الى ما سبق ، تنص المادة 41 من الدستور النافذ على ان " العراقيون احرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية ، حسب دياناتهم او مذاهبهم او معتقداتهم او اختياراتهم " و يبدو النص ، كالعادة ، و كأن العراقيون هم بالفعل احرار ، الا ان الواقع يثبت ان ادق تفاصيل امور الزواج و تنظيم الاسرة ، قد نظمت في المادتين 17 و 18 من قانون الاحوال الشخصية ، حسب الديانة الاسلامية ، دون ايلاء اي اعتبار للديانات الاخرى كالمسيحية او الايزيدية او المندائية او البهائية .
و مما يزيد الطين بلة ، ان المادة 42 تؤكد على ان " لكل فرد حرية الفكر و الضمير و العقيدة " وكأن الامر هو كذلك بالفعل ، بينما الواقع يثبت ان كل هذه الحريات تذهب ادراج الرياح في ظل دخول ابسط متغير على الحياة الزوجية ، ان حرية الفكر و العقيدة موجودة نعم ، لكنها مشروطة بشرط ان تصبح مسلما ، وهنا نشير الى احد التناقضات التي لا عدَ لها الموجودة بين ثنايا الدستور النافذ ، فبينما تأتي المادة 46 من الدستور ، لتعطي غطاء شرعيا لتقييد ممارسة الحقوق و الحريات المذكورة في الدستور ، متى تم ذلك بموجب الدستور ، فأنها تقيد ذلك بضرورة " ان لا يمس ذلك التحديد و التقييد جوهر الحق او الحرية " وهذا ما لا نفهمه ، اذ من البديهي ان اي مساس بممارسة حق او حرية ، حين يتعدى حدود التنظيم القانوني له ، فأنه بالتأكيد يمس جوهره و يفقده محتواه ، هل ان شرط ان تختار الاسلام دينا ، في بلد متعدد الاديان ، لا يمس جوهر حرية الدين او المعتقد ؟
ونعتقد ان المشكلة الاكبر ، تبرز الى الوجود ، حين نجد ان مشروع دستور الاقليم لعام 2009 ، ليس بأفضل حال من دستور العراق النافذ .
اننا نتوجه اليكم يا رجال الشريعة و الفقه الاسلامي الجزيلي الاحترام ، المتشددين منكم قبل المعتدلين ،ان كان السائد في الاقليم ، ان المكونات الاقل عددا تخضع لأرادة الاغلبية ، فضعوا انفسكم مكاننا لبضع دقائق ، و اشعروا بالشعور الذي ظل يعترينا على مدى عشرات السنين ، لكي تستطيعوا انصافنا ، و كلي امل انكم ستحكمون بالعدل حينها .
و نتوجه اليكم يا رجال القانون و حقوق الانسان ،في الاقليم ، ان كانت المادة 106 من القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 تنص على ان " سن الرشد هي ثماني عشرة سنة كاملة "وان كانت الاهليه تكتمل مع بلوغ سن الرشد ، فأننا نتسأل عن النص القانوني الذي يسمح بزواج القاصر بأقل من العمر المحدد في المادتين 7 و 8 من قانون تعديل تطبيق قانون الاحوال الشخصية النافذ ، ام ان النص القانوني مرهون بكون الزواج يخدم ديانة معينة ام لا ، فأن كان سيزيد عدد المنتمين للدين الاسلامي ، فلا بأس ان نركنه على الرف .
يا ممثلي شعبنا في البرلمان ، ان كنتم قد قدمتم مذكرات بخصوص منع اسلمة القاصر (اي ما يخص المادة 18 من قانون الاحوال الشخصية ) ، في الدورات السابقة ، فأني ادعوكم الا تغضوا الطرف عن المطالبة بتعديل المادة 17 / احوال شخصية ، انها مسؤولية في اعناقكم ، فحسب علمنا ان نظام الحكم في العراق ، جمهوري نيابي ( برلماني ) ديمقراطي – وفق المادة 1 من الدستور النافذ - ، والديمقراطية متى وجدت ، لا بد ان تكون لها ركائز و معطيات ، و اما الحل الاخر ، الذي نطرحه للتخلص من هذه المشكلة ، فهي تعديل المادة 14 من الدستور النافذ ، لتنص صراحة ، على ان العراقيون غير متساويين امام القانون ، وان حقوقهم تختلف بحسب انتماءاتهم الدينية ، و للمسلمين الاولوية ، بلا نقاش .
يا اعضاء السلطة التشريعية ، في كوردستان ، الموقرون ، اننا بحاجة الى اثبات حسن نيتكم ، تجاه الاقليات الدينية المتعايشة معكم ، من خلال اعادة النظر في النصوص التي تميز بين مواطني الاقليم ، لأي سبب كان ، و نتمنى ان نحتفل العام القادم بيوم المرأة ، في اجواء من السلام و الاستقرار و العدالة الاجتماعية و الضمير الانساني ، كبشر و كمواطنين ، و ليس كمجاميع دينية .
و للحديث بقية